النقد الثالث

٧ / ١٢ / ١٩٥١

سمعت في هذين الأسبوعين ثلاث أقاصيص: واحدة عنوانها عاقبة الغرور اقتبسها الدكتور علي سليمان، والاقتباس في نظري يشوه كل تصنيف وخصوصًا القصة، فالملخِّص لا يعنيه غير الحادث، والحادث ليس بعنصر القصة الأهم، التعبير جيد ولا يشينه إلا وضع الكاتب مثل عبارة بجدع الأنف البدوية، إلى جانب «لاحظ عليَّ» و«كشف عليها الطبيب» العاميتين.

أما القصة الثانية، فهي من عند صاحبها الأستاذ محمد شوشة وقد رأيتها خيرًا من المقتبسة، فكان كاتبها يدرك أنه يصعب جدًّا على القصصي أن يعود إلى جو قصته إذا تركها سنين، ولهذا هيأ لبطل قصته «شكسبير الصغير» جوًّا ملائمًا، وإذا خلت هذه الثانية من التعابير السوقية فإنها لم تَخْلُ من مثل «خفَّيْ حنين» التي جاءت كرقعة عتيقة في ثوب جديد. أما الأقصوصة الثالثة، فقد أخرجتها الآنسة سميرة عزام بأسلوب عربي لا غبار عليه، وأما الأصل فلا أعرفه لأحكم على صحة الترجمة، وفي هذه المناسبة أقول: إن ذكر اسم الكاتب واجب.

كانت قراءة الآنسة عزام بليغة ككتابتها، وقد ذكرتني بحوَّل وحوامل البحتري حين قالت: الأشجار العاقرة. أما فُجأة بضم الفاء فهي غير صحيحة، فهي فَجأة بالفتح، أو فُجاءة بالضم، وقالت أيضًا: حدق في الفتاة، وهنا يقال حدق إليها لا فيها، ولا بها.

أما أحاديث الصباح فثلاثة منها راقت لي، كما راق سواها لغيري، ولولا اختلاف النظر ما نفقت السلعات. أولها: حديث الأستاذ عبد الغني حسن عن شخصية الجاحظ، وإن كان جاحظنا المحبوب ليس ممن يحلو أن يُتصبح بهم، فليت الأستاذ مال — ولو قليلًا — إلى ظُرف أبي عثمان، ورمى الناس بإحدى نوادره؛ لتتفتح الأفواه الكازة صباحًا … أما الحديث الثاني وعنوانه: «كن سعيدًا»، فكاتبه ممن يؤمنون بإيحاء التكرار. شاء أن يكون السامع سعيدًا فردد كن سعيدًا كثيرًا حتى صدقت أنني سعيد طول ذلك اليوم. أما الحديث الثالث، فللأستاذ ميخائيل نعيمة، وهو خيالي رمزي من طراز ما يحبّره قلم الأستاذ.

وكنت أنتظر محاورة أدبية فإذا بي أشهد مؤتمرًا طبيًّا، وكذلك أصابني حين أصغيت إلى حديث العمال فسمعت حديثًا اقتصاديًّا لا عماليًّا.

لست متذمرًا، فمن كان مثلي يعيش على الحمية فهو أحوج الناس إلى إرشادات الطبيب، ولا سيما إذا كانت مجانًا، وفيها المتعة والفائدة مثل جلسة الدكاترة سامي الحداد، وموريس نصار، وعبد الرحمن سنو، الذين لم تفتهم الفصاحة حتى عبر أحدهم بقوله عن أطباء لبنان: حازوا القدح المعلى. إن لفظة القدح أمست تقدح طبلة الأذن؛ لأن دهرها مضى. روى الجاحظ عن الأصمعي فقال: «قد كان للعرب كلام على معان، فإذا ابتذلت تلك المعاني لم تتكلم بذلك الكلام.» فأين نحن اليوم من القدح المعلي والموطَّى؟

وسمعت أيضًا أحد الأطباء الثلاثة يقول: نصح طبيب أوروبي أحد مرضاه أن يأتي إلى لبنان؛ لأن فيه أدوية لا توجد هناك، فقلت: ترى في أي مختبر تصنع هذه، ولكن الجواب لم يبطئ علي، فلعله مناخ لبنان الذي سأل عنه الأستاذ بيبي في آخر الجلسة، أو مياه الشفة التي رددتها شفاه أطبائنا مشددة، وكان عليهم أن يخففوها فتصير فصيحة؛ لأن التعبير جميل، ولا غبار عليه إلا التلفظ به.

أما العيادة السيكولوجية فباب طريف، وقد أحسنت المحطة صنعًا في إيجاد هذا الركن، ولا يعيب حديث الدكتور ملكيان إلا خلطة الكلام الفصيح والعامي، فإما هذا وإما ذاك، وإذا سرنا قدمًا في برنامج المرأة رأينا أن رسالة النشاط النسوي الأردنية للآنسة ندى حنون، قد كانت أخبارًا محلية فما عناني منها شيء، أما رسالة الأزياء فأرى أن يدقق أكثر في كتابتها فلا يقال مثلًا: إن الكم كمين، فمحطة الشرق الأدنى تكاد تكون وحدها الناطقة بالعربية فقط، فلا عذر إذن لمن يبث منها إذا لحن، وبناء على هذا يحسن بي أن أشير إلى أن بعض المحدثين يُعدون: قال وتذكَّر بالباء، كأنه يفوتهم أن في العربية جملة تسمى مقول القول. أما السيدة وداد السكاكيني، فشغلتنا عن اللباب بقشور مقدمة طويلة كانت في غنى عنها، فما الداعي إلى التحدث عن تقليم الأظافر، والأهداب الاصطناعية، ثم ذمها. ولكن الجزء الثاني من حديثها يشفع بهذا؛ لأنه كان ممتعًا، وإن كان التقريظ فيه قد كيل بالمد، حتى تحسبها توزع الكوتا …

أما برنامج الأطفال، فأتمنى أن تكون لغته فصيحة بسيطة، فالحديث موجه إلى أطفال الشرق الأدنى جميعهم، فلهذا يحسن أن نبتعد به عن اللغة العامية، أما المنهج الذي سمعته فكان حيًّا لذيذًا.

لقد أبقينا الأدب الصرف، والشعر إلى الختام، إنني لم أستمع إلا إلى حديث واحد أدبي، وهو حديث الدكتور يوسف العش. كان افتتاح الحديث مشوقًا مغريًا، وظل كذلك إلى النهاية، كان الموضوع «ليتني كنت أديبًا» فراح الأستاذ يتدفق في موضوعه معظمًا من شأن الأديب حتى تمنى ملوك الأرض التنازل عن عروشهم لو ضمن لهم الجلوس على عرش الأدب.

إن حديث العش كان خير أحاديث هذين الأسبوعين، وإن لم يعجبني منه استعماله فعل ازدرد للعسل، وهو لا يجهل أن ازدرد من زرد، وفي هذا الحرف ما فيه من شد وإحكام، والعسل لا يقتضينا ذلك.

أما الشعر، فسمعته من الأستاذ محمود الحوت، النظم جيد، ولكن حظ الشاعر من الخيال قليل. كان الشاعر كثير التنحنح مع أنه ينشد شعرًا، والتنحنح يفسد الجو الموسيقي، قال مطولة على الحاء فأضعف طولها قوافيها، كما يضعف الطول المفرط قامة الرجل، وقال قصيدة أقصر عنوانها «زمردة» فلم تكن كاسمها، أما قوله: واهني — أي قلبه — فهي أخت خافقي، وكلتاهما غير جديرتين بالشعر الصافي.

وسمعت أيضًا شعرًا للآنسة أماني فريد، أنشدته على الأنغام الموسيقية، قال المذيع: قراءة شعرية، وقالت قبل إنشاد قصيدتها الأولى: نظمت، فلم أدر أي الظاعنين أشيع. وقد أضحكني تأنيثها لبنان في الشعر حين قالت: لبنان الجميلة. وترفعت عرش الجمال، وهكذا صح فينا قول طرفة في ذلك الزمان: استنوق الجمل. إن الكلام المرسل لخير من المنظوم، ترى هل كانت تقول: ترفعت عرش الجمال، وسبحانك الخلاق، لو لم يضيِّق عليها الوزن، وهل كانت تقول: وديان لو لم تقضِ بذلك القافية.

إلى اللقاء والسلام عليكم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠