النقد الستون

١٠ / ٢ / ١٩٥٤

وكانت جلسة شعرية للأساتذة أحمد أبو سعد، وجوزيف نجيم، ومصطفى محمود، فقالوا شعرًا طيبًا دخل الآذان بلا استئذان، وكيف يستأذن الدفء في شباط والناس في انتظاره؟ فأبو سعد أسمعنا أنشودتين من ديوانه الحديث «قصائد دافئة» لم نسمع من عيارهما إلا في الندر، أقول هذا وإن لم يعجبني قوله:

تمشين يا تمشين
يا يا يسلم التبختر

فهذا النداء وهذه القافية الضخمة — التبختر — لا ينسجم مع تلك النعومة الملكية في الأبيات الأخر، ناهيك أن التي صاغها الشاعر من الأثير لا يلائمها التبختر!

وكذلك قصيدة نجيم «إلى درة» فهي تبشر بشاعرية يكون لها شأن إذا أحسنت سياستها، فليت الأستاذ جوزيف نجيم يهتم بالإنتاج شعرًا ونثرًا، فكرسي «الهمزة» قلقة منذ خلقت …

أما الجلسة الثانية فكانت كوكتيلًا غريبًا عجيبًا سكبه لنا أبو العجائب الأستاذ رشاد بيبي، لقد جمع في الجلسة بين الشعرين العامي والفصيح، بين الزجالين سليمان قرباني ويوسف ملكي، وبين الأساتذة الشعراء العراقيين محمد حسين الشبيبي وباقر … ورزوق فرح رزوق، كان الزجالان من مدرستين مختلفين، الأول يمثل المدرسة الزجلية القديمة، والثاني يمثل الشعر العامي الحديث.

أما الشعراء، فقال كل منهم مقاطع كان للبنان منها حصة الأسد، وكان لها من الفن حظًّا وافرًا. يظهر أن لبنان هو الجبل الملهم حقًّا، ولولا ذلك فمن أين للملكي الشاعر العامي أن يقول: «من كعب الأرزة لراسا غربه»، أليس جميلًا تصور الاغتراب لمن يتسلق أرزة من أرز لبنان القديم الأجيال؟

أما روضة الشعر، فملأها الأستاذ أمين إبراهيم اللاذقي آهات، حتى قال: «يا نديمي، ردد الآهات آه …»، وما انتهى من ترديد آه حتى تهاوى على «تعود وتعال، وأنا وحدي»، وقال أخيرًا: «فلا مثلي ولا بعدي، أنا وحدي أنا وحدي».

ثم كانت قصيدته «إلى سمرا» خاتمة المطاف، فعاد إلى نغمته الأولى، والخلاصة كان اللاذقي هزاجًا أكثر منه شاعرًا.

والأستاذ منير الدويب، هو من الشعراء المختارين للبرنامج، كانت قصيدته الأخيرة «أنت وأنا» كالحلوى من المائدة، فهي خير ما أنشد، أما قصيدته الأولى فبعض قوافيها تشكو السقام، كان وصفه جيدًا، أما مواضيعه فمبتذلة.

انتظرنا الأستاذ ميشال الأسمر في حديث الشهر، فإذا بنا نسمع الدكتور موسى الحسيني يلخص لنا حديث الأستاذ سعيد عقل عن «النخبة»، ومن أين نجيء لسعيد ببشر فوق البشر؟ وكم كنت أتمنى لو كان حديث الدكتور العلامة تعليقًا لا تلخيصًا، وهذا ما يطلب من الجامعيين، فالتلخيص لمراسلي الصحف لا لأديب كبير كدكتورنا الحسيني.

وفي ركن الأدب سمعنا الأستاذ فائز الغول يحدثنا عن ابن الرومي، وكم كنت أتمنى أن يعرف الأستاذ المستمع بشاعر لم تتعاوره الأقلام كابن الرومي، وإلا فكان عليه أن يفتش عن جديد عند ابن الرومي.

ما أجمل أن نعرف ما عند إخواننا في الأقطار العربية النائية، من نهضة تبشر بحياة أدبية، وليت الأستاذ طاهر البشتي فصَّل ما أجمل، أو ملأ على الأقل الدقائق المعينة له، فقد كان فيها الكفاية.

كان شخصية الأسبوع الأستاذ محمد علي علوية وزير المعارف المصرية، فقُدم مع جيش من ألقابه على الطريقة الإنكليزية، إن معالي الوزير علوية شخصية ناضجة مخلصة ينم كلامها ولهجتها عن إخلاصها فيما تقول، الرجل مجدد كل التجديد، حمل على أزياء مصر المختلفة، من الطربوش والقفطان والجلابية، حتى عدها نوعًا من الكرنافال، قال: يجب أن نوحد اللباس، فلا يبقى إلا لباس خاص لرجال الدين ليكون لهم احترام خاص، فالديانة في الخلق لا في الأزياء، والأمم لا تقوم إلا بالعلم، والاختراع في نظره عبادة حتى لو اخترع الرجل مدفعًا. جميل أن نسمع مثل صوت هذا الشيخ الذي يبز شباب الشرق في آرائه الحديثة، فحياه الله وأبقاه.

وهناك شخصية ثانية هي الأستاذ سعد أبو العلاء، وهو من رجال الاقتصاد، ولكنه يُعنى بالكلام، فهو فصيح اللهجة، مفكر راقٍ، ساءه جدًّا أن يسمع أهل بلادنا يسمون الفستق السوداني فستق العبيد، وهو على حق حتى لو كان هناك سوء نية، فأنا أعتذر للأستاذ أبو العلاء عن أهل بلادي، وأؤكد له — والاعتراف بالجهل فضيلة — أنني كنت أجهل منبت هذه الثمرة التي أحبها جدًّا، ولن أقول فيما بعد إلا كما يروم.

قصة الأستاذ عبد الحميد جودة، وعنوانها: «المغرور» كان وصف شخصيتها جيدًا، وكذلك الحلم والكابوس، والذهاب إلى النار الذي كان ينقصه شيء من الاضطراب والجزع.

أما قصة «قال الأولون» للأستاذ أحمد صالح الطبيب فليست قصة الأسبوع، بل أسطورته التي كنا نقرؤها صغارًا في كتاب مجاني الأدب …

مآخذ: قيل: عن بكرة أبيها، وهي بَكرة بفتح الباء.

وقيل: كانت له معارك بالتنوين وهي بضم الكاف؛ لأنها ممنوعة من الصرف.

وقيل: وأكثر سكانه بضم النون وهي بكسرها.

وقيل: وهي وحدها بضم الدال، ووحد دائمًا بالفتح، ومحلها من الإعراب حال، إلا في قولنا: نسيج وَحْدِه، وجحيش وحده بالكسر على أنها مضاف إليه. عفوًا إذا كررت …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠