النقد السادس والستون

٢ / ٥ / ١٩٥٤

كان الأسبوع الفائت أسبوعًا ثقافيًّا محجلًا في الجامعة الأميركية، وقد ألمَّ الدكتور إسحاق موسى الحسيني في حديث الشهر بتاريخ هذا المؤتمر السنوي الجليل، ملخصًا بحوثه السابقة في دوراته الثلاث، وحاثًّا على استمرارها لتكون للعرب حياة. وكان من حسن نشاطي أن حضرت جميع الجلسات؛ فعرفت جو الجامعة عن كثب، وخلصت إلى القول: إن جامعة بيروت الأميركية هي الباب الأكبر لهيكل العقل والمعرفة في شرقنا الأدنى.

وكانت جلسة ندوة الشرق الأدنى في مصر، ودار موضوع بحثها حول مسئولية الأديب، هذا الموضوع الذي كثر البحث فيه هذا العام، وكان محور المناقشات في مؤتمر الجامعة الأميركية، أما أنا فأظن أن المسئولية تختلف باختلاف الشخصيات، وليس لنا أن نقول لأديب اكتب في موضوع كذا.

وشخصية الأسبوع كانت الدكتور نخو النطاسي الأخصائي بمرض السل، وقد أعجبني من هذا الحكيم أنه لم يفزع المستمع من ذلك المرض.

وفي ذكرى الشاعر عبد المحسن الكاظمي تحدث الأستاذ عبد العزيز عريقات فكان محللًا للشاعر الكبير لا متحدثًا عن سيرة حياته، وهذا لعمري خير ما يفعل في هذه المناسبات، قال الأستاذ عريقات: وأحسب أنه — أي الكاظمي — لو تمتع بشيء من الراحة لكان من أمره غير الذي كان. فلو قال الأستاذ: لو تمتع الكاظمي بشيء من الثقافة الغربية لصح القول، أما القلق والشقاء والألم فهي عناصر مثيرة لقرائح الشعراء والكتاب، وإني أتمناها لكل من يرجى خيره الأدبي.

وتحدث الأستاذ فؤاد صروف عن شاعر الهند إقبال في حصاد الفكر العالمي، فكان كعادته حاصدًا ماهرًا قوي الساعدين، حاد المنجل في حقل الأدب كما كان في حقل العلم؛ إنه لم يتخلَّ عن علمه في بحثه الأدبي، فتحدث عن إقبال كشاعر عالم متصوف، فرأينا أن الشعر يستوعب كل موضوع إذا كان قائله ملهمًا مبدعًا لا ناقلًا.

ومن أحاديث الصباح أحب أن أعيد نكتة جميلة من حديث صباحي عنوانه: «الشكر والصبر». قالت امرأة جميلة لزوجها البشع القبيح: آمل أن ندخل الجنة معًا، أنا ابتليت بك فصبرت، وأنت أنعم عليك بي فشكرت، وللصابر والشاكر أجر عند ربهما.

وفي ركن الأدب حدثنا الشاعر سعيد عقل عن شكسبير واللبنانية مارينا، فأثار عندي قضيتين؛ الأولى: اللغة العامية التي قال: إن شكسبير كتب بها متحديًا اللاتينية لغة الأقلام، فكأن سعيدًا إذ يذكر هذا يريد أن يعللنا بمستقبل العامية عندنا، وأنا أرى غير ما يراه.

والثانية: هي أن شكسبير قدس طهارة مارينا، ولطهارة مارينا حكاية طريفة في التقليد الماروني اللبناني، فهل عرفها سعيد وشكسبير يا ترى؟

تقول أسطورتنا: إن مارينا تنكرت بثياب رجل ودخلت دير الرهبان باسم مارينوس، وبعد حين اتهمت بريبة، فكان قصاصها أن تربي الطفل فربته، ولما توفى مارينوس عرف الرهبان أنه راهبة لا راهب، فأكبروا صبرها وطاعتها. أنا لم أقرأ قصة شكسبير لأجلو الظن، ولكني أعرف أن شكسبير كان يتوخى مثل هذه العناصر المشرقية، فليحقق الأستاذ عقل هذه الرائعة الشكسبيرية التي تحدث عنها على هذا الضوء إذا شاء.

الأقصوصات: كانت أولاها للأستاذ سليم باسيلا، وهي حافلة بالتعابير الأنيقة والتصوير، لا ينقصها إلا السير الفسيح الخطوات نحو الهدف، وبعكسها كانت قصة «أشجان عيد» للآنسة أمينة قطب؛ فهي ترمي إلى هدف يرينا أن البنت صندوق مقفل كما يقول مثلنا، وأن الخل لا يعود خمرًا، فبينا كانت بطلة الرواية تظن أنها تشفي من اختارته قرينًا، إذا به يجرها إلى مهاوي نقائصه، وقبض عليهما معًا في نادي القمار، فلو تم لهذه الأقصوصة جمال التعبير وبراعة السرد لكانت في المستوى الرفيع.
روضة الشعر: أنشد الأستاذ أحمد الشريقي قصيدتين: أولاهما: عاطفية رشيقة، والثانية: ميمية رصينة متينة شديدة الأسر، فكأن الشاعر راعي النظير في الأخيرة، وموضوعها المتنبي، والكلام في المتنبي يستدعي شدة وقوة؛ لأنه شاعر القوة.

وأسمعنا الأستاذ خليل الخشالي الشاعر العراقي قصيدة رائية متأججة العاطفة، طويلة النفس، تدل على طبع فياض وأسلوب أنيق، وكذلك قصيدة «الفتنة السمراء» فهي ليست أقل فتنة من الرائية، وإن كانت قوافيها أقل غنى وروعة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠