النقد الثالث والسبعون

١٠ / ٨ / ١٩٥٤

حدثنا الأستاذ عبد الكريم الدجيلي عن حياة الشعر في العراق، فقسمها ثلاث مراحل: قبل الدستور العثماني، وبعد الدستور، ومن الحرب الكبرى الأولى حتى اليوم، لا أكرر ما قاله عن المرحلة الأولى التقليدية، ولا الثانية، ولا ولا … فكل ما قاله الأستاذ عبد الكريم جاء في محله، ولكنني عجبت كيف لم يذكر الزهاوي مع أنه لا يمكن نسيانه أو تناسيه.

وقف الأستاذ الدجيلي عند الجواهري ولم يقل كلمة عن الجيل الجديد في العراق، مع أن هذا الشاب الواثب قد حاول إثبات وجوده وأفلح، وإذا غالى في محاولته التجديد فلا بد من أن يثوب الجواد بعد الجماح، ولكن ثورة الشباب هذه لا يستطيع مؤرخ الأدب أن ينكر وجودها.

وكانت جلسة حول الشعر العامي السوداني فلم أفهم منه شيئًا إلا ما قرب من الفصيح أو ترجم إليه.

وفي ركن شخصية الأسبوع حدثنا الأستاذ عبود مهدي زلزلة مفتش عام وزارة المعارف العراقية، فأثلج صدورنا نبأ هذه النهضة التربوية، وخصوصًا ما يسمونه التعليم الأساسي أي تعليم المواطن ما يلزم من المعارف لسياسة نفسه.

وفي ركن «مع الناس في بيوتهم»، وهذا عنوان جديد، تحدث الأستاذ رشاد بيبي مع السيد كامل الداوودي، والسيدة أم رياض زوجته، والزوجة وهي أم ستة، اللهم زد وبارك، لا تريد أولادًا لقلة المادة والعجز عن تربيتهم.

كان استنطاق رشاد دقيقًا جدًّا، وكان الاعتراف داووديًّا … أم رياض جبَّارة، والأستاذ بيبي جبار أكثر من عماليق المحدثين، أراد أن يعرف كل أسرار العائلة حتى الخلاف الذي ينشب بين أم رياض وأبي رياض، فكان له ما أراد.

وكانت هذه الجلسة طريفة منعشة أراد فيها الأستاذ رشاد أن يعرف البيضة من باضها، كما يقول المثل.

وفي حديث الشهر للآنسة سميرة عزام سمعتها تتساءل، وهي تتحدث، عن كتب التدريس: لماذا يقال ضرب زيد عمرًا، ولا يقال: زار زيد عمرًا؟ تريد الآنسة أن تبني الكتب المنهجية على المحبة، والحق معها، أما قولهم قديمًا: ضرب زيد، وقتل عمرو، فلأن عهد القدامى كان عهد قتل وضرب، ومؤلفو الكتب لم يكلفوا أنفسهم خلق مثل يطابق مقتضى الحال، فنقلوا هذه المحنطات منذ قرن وأكثر سأل داود باشا والي العراق، أستاذ مدرسة زارها: لماذا تقولون دائمًا في نحوكم: ضرب زيد عمرًا؟

وكان الأستاذ العراقي حاضر الجواب فقال: يا مولانا، هذا عمرو سرق الواو من اسم دولتكم، فسلط النحاة زيدًا عليه يضربه صباح مساء، وهكذا فكت النكتة المشكل.

وكان لنا من الشعر روضتان، واحدة غربية قدمها الأستاذ مرتضى شرارة، فأحسن الانتقاء والتعريب، وكان خير ما سمعت أغنية «القميص» الرائعة.

أما بلبل الروضة، معالي الأستاذ علي الشرقي، فقد أنعش تغريده روضة الشعر، جمع الشاعر الأستاذ الشرقي إلى جمال التعبير، ووحدة العاطفة تفكيرًا اجتماعيًّا، فذكرني بأساطين شعراء العراق كالزهاوي والرصاف، قال الشاعر:

لم أجد في العراق ليلى ولكن
كل يوم أمر في مجنون

وفي الطموح قال الشيخ:

معي يا بلبل الروض
إلى الذروة أو أبعد

وفي الدعوة إلى التساهل يقول: دعونا نوسع آفاقنا.

ويخاطب البلبل:

تجنب قبلة الورد
فقد أزعجته نقرا

وأخيرًا يقول، بعد يأس من ضياع المرأة إذا عرضت لعيان:

بلدي رءوس كله
أرأيت مزرعة البصل؟

لقد آثرت أن أدل على جمال شعر الأستاذ علي الشرقي، وسمو تفكيره بما التقطت أذني، وكفى بذلك دلالة، فالإنشاء هو الرجل.

وكان حديث عيد الأضحى من نصيب الأستاذ عبد الله المشنوق، فكان حظ المستمعين أكبر، إذ قدم لهم الأستاذ هذه «العيدية»، حثهم على البر والإحسان وإدخال السرور على قلوبهم، كما قال له مرة المفتي الأكبر المرحوم مصطفى نجا:

حقًّا إن عيد الأضحى هو عيد التضحية، ومن لا يضحى في سبيل الله لا يستحق نعمة العيد.

أعاده الله بالخير والإقبال على الأمة والملَّة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠