كلمة للطبعة الثانية
بعد صدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب «عودة الوعي»، غضِب الناصريون في مصر وخارج مصر، وهاجوا وماجوا كما لو كانت الناصرية دينًا مقدسًا لا ينبغي المساس به، وكما لو أن عبد الناصر فوق مستوى البشر، ليس لمخلوق أن يحاسبه على خطأ. ولو كان شخص جمال عبد الناصر هو المقصود لكان من واجبنا التسامح، ولكنت أول الطالبين بالترحُّم على ذكراه وعدم إزعاجه في مثواه. ولَكَمْ كنت أود أن يكون هذا هو موقفي نحو شخصه واسمه، ولكن عبد الناصر ليس شخصًا واسمًا … إنه فترة حكم طويل، دمَغ مصر كلها بطابع معين، ولم يزل هذا الطابع من بعده يَدمَغ لحم مصر كأنه الوشم الذي يطمس معالمَ ما تحتَه. وتمرُّ الأيام وتطلع الأجيال ولا تعرف ما تحت هذا الوشم، ولا ما كان قبله، ولا ما سيكون بعده. إذن على مصر أن تتوقف عن النمو السياسي والفكري والاجتماعي لأنها لا تعرف ولا تريد أن تكشف حقائق هذه الفترة من الحكم الفردي المطلق. كان لا بد إذن من فتح ملف ثورة ١٩٥٢م بأكملها، ورؤية الحقائق إذا أردنا لمصر أن تنهض على قدمَيها وتسير بنفسها في طريق التقدم. وليس من الضروري بعد فتح الملف أن نُحاكِم ونُعاقِب. هذا ليس بالهدف المنتِج. إن أهم هدف من هذا الذي أُسمِّيه «فتح الملف» هو فتح العيون على الأخطاء والكوارث حتى نتجنَّبها ونحن نبني مصر من جديد، وحتى لا نسمح لكائن من كان بتكرارها، ثم فتح الأذهان على ما قيل إنه مكاسب وإنجازات لنفحص قيمتها الحقيقية ونتائجها الفعلية؛ لأن هذه الفترة المملوءة بالأكاذيب اختلطت فيها الشعارات الفارغة الرنانة بما قد يكون قد نتج حقًّا من منافع.
ولكن الناصرية — أي الراكبين على حصان عبد الناصر — لسببٍ أو لآخر، يفزعون من مجرد ذكر الملف وفتحه … لماذا؟ أترك الجواب لفطنة من يحب الحقيقة ويريد لبلاده أن تُبنَى على الصدق، وليس له غرض أو مرض. ولن أكُفَّ عن المطالبة بفتح الملفات وكشف الحقائق مهما يسخط الساخطون.
ولقد رأيت أن أُطلِع قارئ هذه الطبعة على نموذج من رد الفعل (في ختام الكتاب) مشفوعًا بردي، توضيحًا للمواقف، راجيًا من كل مواطن أن يضع مصلحة وطنه فوق كل اعتبار.