كلمة

لم يكن في عزمي ولا نيتي الإذن بنشر هذه الصفحات يوم كتبتُها … كان دافعي إلى كتابتها في ذلك اليوم هو انقضاء عشرين عامًا على ثورة ١٩٥٢م، وتأمُّلي هذه الفترة من تاريخ بلادي، والجو من حولي مكفهر بالأحداث الأليمة، والصدور منقبضة بكابوس الهزيمة.

جعلت أسترجع ما وَعَتْه ذاكرتي من صور الثورة ومن صلتي بها، وأحاسب نفسي من خلال محاسبتي لها. ولم أُطلِع أحدًا على هذه الصفحات … أردت أن أدُسَّها بين أوراقي الخاصة، وأحتفظ بها احتفاظي بشيء يخصني وحدي، واعتبرتُها مذكرات ليست بعدُ للنشر، تُحدِّد على الورق مشاعري الشخصية تجاه تلك الحقبة من عمري. وهذا ما فعلته؛ لأن مواقف أهل الرأي التي يجب أن تُعلَن هي التي تكون أثناء الأحداث وفي صميمها — إذا استطاعوا — وليس بعدها. أما إذا كان الأمر تدوينًا لذكريات، ومراجعة لأمس، ومحاسبة لنفس، فإن هذا لا يمكن بالضرورة أن يكون إلا بعد زوال الأحداث؛ ولذلك بقيَتْ هذه الصفحات خطيةً مَطوِيَّةً، إلى أن شاءت ظروف في مناسبةٍ من المناسبات أن أُطلِع عليها صديقًا أثق به كل الثقة، فاستأذنني في استخراج نسخة من هذه المخطوطة يحتفظ بها لنفسه، وكان أن استنسخها على آلة كاتبة، وإذا بعدد من النسخ قد تسرَّب، ثم تكاثر وانتقل في الخفاء من يد إلى يد، إلى أن خرج الأمر كله من يدي.

ولم أحفل كثيرًا بما حدث ويحدث؛ لأن الأصل المكتوب بخط يدي هو في حوزتي دائمًا، وليس على ما نُشر توقيعي ولا اسمي. ولكن الأمر استفحل حتى وجدتُ ذات يوم مجلة فرنسية محترمة قد نشرت ترجمةً غير كاملة عن نسخة من تلك النسخ المُتسرِّبة. وأرادت مجلة أخرى في أوروبا أن أُصرِّح لها بالنشر، فرفضت، وأذعنَتْ لإرادتي. وأخيرًا علمتُ أن إحدى الجرائد في لبنان قد نشرت عن النص الفرنسي غير الكامل ترجمة عربية بعيدة عن الأصل أسلوبًا ومضمونًا، ثم جاءني أكثر من ناشر يطلب نشر الأصل الكامل باسمي وأسلوبي في جريدة أخرى، ثم إخراجها في كتاب. وهنا عزمت على أن أقاضي قانونيًّا كل أولئك الذين نشروا هذه الصفحات المُبتسَرة المترجَمة بدون علمي وإذني ونسبوها إليَّ. ولكن بعد التروِّي واستشارة الأصدقاء من أهل الفكر والرأي، اتضح أن المقاضاة قد تحمل معنى الإنكار لهذه الصفحات بما فيها من رأي. وهذا الإنكار ليس في نظرهم من شيمتي؛ لأنهم يعرفون عني من قديم أني لم أنكر قط شيئًا كتبته، أو حتى لم أكتبه ونُسِب إليَّ، واعتقدتُه ووجدتُه يُمثِّل رأيي، واتفقوا على أن أُصرِّح بالنشر ما دام النشر قد وقع بالفعل، وأن من حق الناس أن يطالعوا ما أكتبه في السر أو في العلن؛ لأن القلم والفكر في رأيهم مِلك الناس جميعًا وليس مِلكًا خاصًّا محبوسًا على صاحبه. وهذا صحيح، وهذه عقيدتي أيضًا … فحامل القلم والفكر مسئول عن تبليغ الناس بما يراه حتى وإن كان غير مسئول عن صحة الرأي؛ فهو ليس بمعصوم من خطأ التقدير أو خداع النظر أو سوء الفهم أو سلامة الحكم أو حجب مصادر العلم، ولكنه مسئول دائمًا عن الصدق والإخلاص في الرأي كما استطاع أن يراه … على أني وقد أذنت أخيرًا بنشر هذه الصفحات على الملأ، أحب أن يفهم الناس من ذلك أنها آرائي وشهادتي أمام ضميري. ولا أحب أن تُؤخَذ على أنها موقف سياسي أو حكم نهائي … على العكس، إني أطالب فيها بالبحث المنصف والتحقيق الدقيق والكشف عن الحقيقة، بعد فتح ملف هذه الفترة بأكملها.

إن المهمة الكبرى لحامل القلم والفكر هي الكشف عن وجه الحقيقة.

توفيق الحكيم

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦