عودة الوعي

كان يوم أربعاء فيما أذكر … ذلك أن اليوم التالي، وهو الخميس، كان يوم سفري الأسبوعي إلى الإسكندرية. لقد كنت يومئذٍ مديرًا لدار الكتب المصرية، ولم تكن إجازتي السنوية قد حان موعدها، فسبقتني أسرتي إلى المصيف، على أن أمضي معها عطلة نهاية الأسبوع. وصِرتُ وحدي في مسكني. ولم أكن في حاجةٍ إلى من يخدمني؛ فطعامي أتناوله في الخارج، وأسهر مع أصدقاء وزملاء من الكُتَّاب والصحفيين، ولا أعود إلى شقتي إلا آخر الليل لأنام. وكانت القاهرة في هذه الأيام الأخيرة من شهر يوليو تكاد تكون مُقفِرة؛ فالملك «فاروق» قد انتقل إلى مصيفه بقصر المنتزه، وانتقلت معه الحكومة وكبار موظفيها إلى مقرِّها المعتاد في بولكلي. كل شيء يسير سيره العادي … وعُدتُ من سهرتي وأويت إلى فراشي.

ذلك الصباح …

وفي الصباح الباكر، نهضت وأدرت جهاز الراديو كما أفعل كل صباح، ولكني سمعت شيئًا غريبًا لم يسبق لي سماعُ مثله … إنه بيان من الجيش يعلن قيامه لإصلاح الفاسد من أمر البلاد، وأنه تقدَّم بمطالب إلى القصر الملكي لإقصاء الحاشية الفاسدة … كلمات بهذا المعنى تلقَّيتُها طبعًا بابتهاج، وإن كنت لم أقدِّر لها من الأبعاد أكثر مما تحتمل؛ فما من أحد في البلاد، في ذلك الوقت، لم يشعر بالسخط والاشمئزاز لسلوك الملك الشخصي وتصرُّفه العام؛ فقد كان لا يخجل من الظهور في كل مكان بين حاشيته من القوَّادين المبتذلين، ولم يقف بهم عند حدود حياته الخاصة اللاهية العابثة، بل تركهم يتدخَّلون ويُؤثِّرون في شئون الدولة. ولقد حاول بعض النصحاء أن يُنبِّهوه إلى خطورة ذلك وسوء عاقبته، فلم يلتفت إلى نصح؛ بل لقد رُفع إلى أعتابه رجاءٌ بتطهير قصره من مثل هذه الحاشية، في عريضة رسمية مُوقَّعٍ عليها من بعض رجال السياسة، فغضِب منهم ولم يأبه لهم، واستمرَّ كل شيء في طريقه المعهود؛ لذلك لم أشعر عند سماعي بيانَ الجيش بأن شيئًا خطيرًا سوف يحدث … إنه مجرد احتجاج ككل احتجاج.

وارتديت ملابسي وخرجت في صباح ذلك اليوم (الأربعاء ٢٣ يوليو ١٩٥٢م)، واتجهت إلى ميدان «سليمان باشا» لأتناول فطوري المعتاد، وإذا بي أجد في ذلك الميدان دبابتَين من دبابات الجيش المصري! إذن المسألة قد تكون أكبر مما توقعت؛ فنحن قد اعتدنا أن نرى في مثل هذا الموقف دبابات جيش الاحتلال الإنجليزي. أما دبابات جيشنا المصري، خاصةً بعد بيانٍ يتحدَّى الملك، فمعناها شيء لم يكن يخطر لنا على بال. ودخلت محل «جروبي»، ووجدت هناك بعض المعارف يتحدَّثون في ذلك الأمر، وقد احتدم الحديث وعَلَت الأصوات، واشترك في النقاش مَن نعرف ومَن لا نعرف، فأدركت أن أحداثًا خطيرة في الطريق إلينا. وفي اليوم التالي، الخميس، غادرت مكتبي بدار الكتب لألحق بأوتوبيس الصحراء الذي يتحرَّك في الرابعة بعد الظهر إلى الإسكندرية. وذهبت إلى بيتي توًّا ولم أخرج منه إلا في صباح الجمعة، فرأيت سيارات الجيش تذهب وتجيء طول طريق الكورنيش والناس يُصفِّقون لها بحماس، وكنت أنا الآخر في شدة الحماس. ما من أحدٍ في مصر لم يتحمَّس لهذا الجيش الذي استطاع وحده أن يقف ضد ذلك الملك … ذلك الشخص المكروه من الجميع، بأخلاقه القذرة وجسمه المُترهِّل كأنه الخنزير.

وكأن القدر أراد له النهاية، فأعماه عن سلوك الطريق الذي ينقذه!

لقد كانت البوادر تُنذِر بالعاصفة، فواجهها هو بتأليف وزارة جديدة واهية هزيلة، وجعل وزيرَ الدفاع زوج أخته «فوزية»، الشاب الرقيق «إسماعيل شيرين». وحتى هذا الشاب فَهِم للتو أن الظروف أخطر والمسئولية أكبر من أن يحملها مثلُه ومثلُ هذه الوزارة؛ فما إن تقدَّم لحلف اليمين أمام الملك حتى جثا على ركبتَيه، واستحلفه بحق النسب والقرابة أن يستمع منه لقولة الصدق، وهي أن يأتي بالرجل الوحيد الذي يستطيع أن يواجه الموقف وينقذ العرش: إنه زعيم الأغلبية «مصطفى النحاس باشا»؛ فهو لم يَزَل يحتفظ في البلاد بشعبية واسعة، وظهوره في تلك اللحظات سيجذب إليه الجماهير فتُصغي إليه وإلى الحل الذي يراه، وهو على كل حال رجل معروف بأنه لا يتصرَّف إلا في حدود الدستور.

وتردَّد الملك

ولكن الملك تردَّد، وربما كبر عليه أن يأتي بعدوِّه التقليدي ليُخرِجه من مأزقه. وأمام إلحاح نسيبه الشاب، أحال الموضوع إلى رئيس ديوانه ليُدلي برأيه، وكان هو «الدكتور حافظ عفيفي» أحد أعداء «النحاس» وحزبه، فكان رأيه بالطبع معروفًا. وضاعت الفرصة على الملك، وسارت الأمور بسرعة مذهلة. وفي طريق عودتي إلى القاهرة بالأوتوبيس الصحراوي، بعد ظهر السبت ٢٦ يوليو ١٩٥٢م، وقفنا في استراحة «الرست هاوس»، وطلبت فنجانًا من القهوة، وإذا صوت مذيع الراديو بالمكان يعلن خبر مغادرة الملك للبلاد بعد نزوله عن العرش. وكان شعور البلاد بالفرحة شعورًا حقيقيًّا لا جدال فيه.

السادة الجُدد

وتطلَّعت البلاد إلى السادة الجدد … من هم؟ لم يكن أحدٌ منا يعرف عنهم شيئًا، اللهم إلا رئيسهم باسم الحركة في البيانات التي تصدر في الصحف وتُذاع في محطات الإذاعة … إنه لواء في الجيش هو «محمد نجيب»، كان اسمه قد تردَّد في الشهور الأخيرة، وقيل إن رجال الجيش، وبخاصة الضباط الشباب، يُرشِّحونه لرياسة ناديهم، والملك فاروق يعارض، ثم أبعده ورشَّح غيره من رجاله المُقرَّبين، ولكنه ظل محبوبًا من الضباط الشبان، إلى أن ظهر على رأسهم في هذه الحركة التي أدت إلى طرد الملك.

والآن وقد استتبَّ الأمر، وأصبح كل شيء في يد القائمين بالحركة، ماذا هم فاعلون؟ كان من رأي «اللواء محمد نجيب»، كما سمعت، أن الجيش لا يحكم ولا ينبغي له، وأن عليه أن يترك حكم البلاد لأهلها بالطريقة الدستورية، وأن يعود الجيش إلى ثُكْناته، ويراقب سير الأمور عن كثب. وقيل إنه اتصل بزعيم حزب الأغلبية «مصطفى النحاس» في هذا الشأن، وإن محادثات تليفونية بينهما قد سُمعت، ووقعت جفوة بين اللواء الرئيس وزملائه الضباط الشبان.

الضباط و«بجماليون»

وقال لي يومئذٍ صديق من الصحفيين اللامعين المتصلين بهؤلاء الضباط اتصالًا وثيقًا: إنهم يقولون إن الأمر يشبه مسرحيتك عن «بجماليون» … كانوا يقصدون بذلك أنهم هم الذين صنعوا من «محمد نجيب» التمثال الذي يُقدَّم للناس على أنه رأس الحركة، والواقع أنهم هم الذين فكَّروا في القيام بحركتهم وخطَّطوا لها وكتبوا لها المنشورات باسم «الضباط الأحرار» وحدَّدوا موعد التنفيذ، ولكنهم استصغروا أنفسهم على مواجهة الناس وهم صغار السن والرتبة العسكرية. وخَشُوا ألَّا يأخذ الناس مأخذ الجد حركةً يقوم بها جماعة من شباب الجيش المجهولين المغمورين. كان لا بد لهم من وجه كهل، برتبة لواء على الأقل، يضعونه في المقدمة ويتقدَّمون خلفه، فاختاروا اللواء «محمد نجيب»، وأقاموه تمثالًا فوق قاعدة الحركة، ولكنه الآن قد استقر في أعين الناس، ونُسِي أنه مجرد تمثال، وأخذ يتصرَّف برأيه في مستقبل البلد السياسي، فتذكَّروا تمثال «بجماليون». ولكن هل كان أحدهم قد قرأ حقًّا مسرحيتي؟ أو أن الذي يعرفونه أو سمعوا عنه هو مجرد الاسم والعنوان؟ مهما يَكُن من أمر، فإن «بجماليون» في مسرحيتي قد حطَّم بعد ذلك تمثاله. وهذا بالضبط ما فعلوه هم بتمثالهم!

ولكن السؤال هو: هل كان في تدبيرهم من أول الأمر التخلُّص من «محمد نجيب» بعد الانتهاء من مهمته؟ أو أن الحوادث اضطرَّتهم إلى ذلك؟ لقد قيل إن بعض لواءات الجيش والسياسيين قد نصحوا «محمد نجيب» بأن يُبادِر إلى التخلص من هؤلاء الشبان المتهوسين، ولكنهم هم كانوا أسبق منه، فتغدَّوا به قبل أن يتعشَّى بهم … وقيل أيضًا — ولست أدري أحقيقة هي أم إشاعة — إن تأييد السودان لمحمد نجيب وزعامته كان عظيمًا؛ فأمه سودانية، وإن السودانيين كانوا على استعداد للوحدة مع مصر بزعامة «محمد نجيب»، وإذا تم ذلك فمعناه الاستقرار النهائي لحكم «نجيب» والقضاء على فكرة إقصائه والتخلُّص منه؛ ولذلك قيل أيضًا — والعهدة على الراوي أو الرواة — إن الضباط الأحرار أسرعوا وأوفدوا مَن ذهب إلى السودان للعمل على عرقلة هذه الوحدة.

الخلافات الحزبية

كل هذه شائعات أو حقائق لا بد أن يتناولها التاريخ بالفحص الدقيق في يوم من الأيام.

هناك سؤال آخر: هل كان في تخطيط هؤلاء الضباط الأحرار أن يحكموا البلاد بأنفسهم؟ أو أن الظروف في البلد ذلك الوقت هي التي دفعتهم إلى ذلك دفعًا؟ إني بالطبع لا أستطيع أن أعرف دخيلة نواياهم، ولكني أعرف بالمشاهدة المباشرة، كما يعرف الكثيرون في ذلك الوقت، ما كانت عليه حالة البلاد من خلافات حزبية وأخلاق انتهازية؛ فمن الخلافات الحزبية ما لمست بنفسي مثلًا من أمثلته وقد قامت الثورة، وكانت حوادثها المتلاحقة تدعوني إلى تتبُّعها، فكنت أتردَّد على جريدة «أخبار اليوم» كل ليلة لأستطلع ما يجري. وفي ذات ليلة وجدت هناك صديقي الصحفي القديم المرحوم «توفيق دياب» صاحب جريدة «الجهاد» الوفدية، وما كدنا نجلس حتى دخل علينا أحد أقطاب حزب الأحرار الدستوريين المعارض للوفد — وهو المرحوم «أحمد عبد الغفار باشا» — وإذا الاثنان يتلاقيان بالقبلات والأحضان، ويتبادلان أرق العبارات بالود والترحاب، ثم أخذا يتحدَّثان في الأوضاع الجديدة ومصير الدستور وضرورة وقوف الأحزاب كلها صفًّا واحدًا، ووضع حد للخلافات … ومَدَّ كلُّ سياسيٍّ يده إلى الآخر لتتَّحد الكلمة، حفاظًا على دستور البلاد، فقال أحمد عبد الغفار: «ومَن يضمن لنا حسن نيتكم يا حزب الوفد؟!» فردَّ عليه توفيق دياب: «إذا كان هناك غدر فأنتم أصحاب الغدر دائمًا يا حزب الأقلية!» … وكلمة من ذاك وكلمة من هذا فلم أشعر إلا بالأصوات وقد ارتفعت بالسباب من الطرفَين، وصوت أحمد عبد الغفار الجَهْوَري المجلجل يصيح: «من يضع يده في أيديكم يا وفديين يا حزب الرعاع يا كلاب؟!» فصرخ توفيق دياب وقال وهو يجأر: «اخرس يا وغد أنت وحزبك الحقير يا صنائع الإنجليز!» … ولم يقف الأمر عند حد التَّراشُق بالسب والشتم، بل تعدَّاه إلى الضرب واللَّكْم!

وتضارب السياسيان

فقد رفع «عبد الغفار» عصاه لينهال بها على خصمه، فاندفع خصمه «دياب» بكل جسمه الممتلئ ليكيل له لكمة … ولم أجد بُدًّا من التدخُّل لأَحُول بينهما، فأمسكت بسترة «توفيق دياب» لأجذبه إلى الخلف، فانزلقت قدمه ووقع على الأرض ووقعت معه، ثم نهض وهو يحاول التخلُّص من قبضتي التي ماتت على سترته صائحًا: «سيبني، سيبني يا أخي … لازم أعلمه الأدب وأهشم له دماغه الوسخ» … والآخر لا يزال واقفًا بعصاه المرفوعة في الهواء وهو يُرغِي ويُزبد بسبِّه وسبِّ الوفديين جميعًا … ولم أجد خيرًا من أن أسحب صاحبي إلى الخارج … ونجحت في إخراجه، وأوصيته أن يذهب إلى بيته فورًا وينام في فراشه؛ فأنا أعرف أنه خارجٌ حديثًا من أزمة قلبية، وخشيت عواقب هذه المحادثة على صحته، وعدت إلى «أحمد عبد الغفار» محاولًا أن أعيد الصفاء إلى النفوس … ولكن هيهات!

لقد أيقنت تلك الليلة أنه لا شيء يمكن أن يقضي على داء الحزبية والتعصُّب الحزبي في هذا البلد!

ثورة ضد الدستور

لكن ماذا حدث للدستور القائم في مصر وقتئذٍ؟ قيل لي إن حركة الضباط بعد أن نجحت في طرد «الملك فاروق»، حصلت منه على وثيقة النزول عن العرش؛ تلك الوثيقة التي ذهب وقدَّمها إليه في قصره بالمنتزه وكيلُ مجلس الدولة «سليمان حافظ»، كان على الضباط الأحرار أن يسيروا في إجراءات الوصاية على العرش، وهي إجراءات منصوص عليها في الدستور. وقيل أيضًا إن زعيم حزب الأغلبية «النحاس باشا» اتفق معهم على كل هذه الإجراءات الدستورية، بما فيها دعوة مجلس النواب المنحل لتُعرَض عليه أسماء الأوصياء طبقًا لأحكام الدستور، ثم تُتَّخذ الإجراءات لإجراء انتخابات جديدة … ولكن «سليمان حافظ» — وهو أيضًا من أعداء الوفد — ألقى في نفوسهم الخوف من ذلك، وقال لهم إن الانتخابات الحرة ستُسفِر حتمًا عن برلمان وفدي، ومن أدراكم أن هذا البرلمان سيؤيدكم؟! ثم أشار عليهم بإهمال هذا الدستور، وأفتى لهم بأن من حقهم إصدار القوانين دون برلمان؛ لأنهم قاموا بثورة، والثورة معناها إلغاء ما قبلها من أوضاع … وهكذا أُطلِق على حركة ٢٣ يوليو اسم «الثورة» بعد أن كان اسمها «الحركة» … ولحُبِّنا لها سُمِّيت «الحركة المباركة»، وقام بعض أساتذة الجامعة يؤكدون وصف «الثورة»، ويؤيدون حقها المُطلَق في إصدار القوانين.

وأصبحت الحركة ثورة

ولكن بعض فقهاء القانون الدستوري قاموا، من جهة أخرى، ينفون عن الحركة وصف الثورة، ويُدلِّلون على أن الوصف المنطبق على هذه الحركة هو «الانقلاب العسكري»؛ ذلك أن الثورة يقوم بها الشعب ويقودها مدنيون، كما حدث في الثورة الفرنسية التي قام بها الشعب بقيادة مدنيين، وكما حدث في الثورة الروسية التي قام بها الشعب بقيادة «لينين»، وكما حدث في الثورة المصرية سنة ١٩١٩م التي قام بها الشعب بقيادة مدنيين. أما الحركة التي تقوم بها جماعة مسلحة من رجال الجيش فهي «انقلاب لنظام الحكم» … ولكن الضباط الأحرار لم يأخذوا طبعًا بالرأي الثاني، وأبعدوا أصحابه، ورحَّبوا بالرأي الأول وقرَّبوا القائلين به … وأصبحت الحركة ثورة، وأصبح لها مجلس ثورة يُصدِر القوانين في حجرات مغلقة دون معارضة، وبغير مناقشة علنية.

أين كنا؟

ولكن أين كنا نحن؟ أين كان المفكرون في هذا البلد؟ وأين كنت أنا المُحِبُّ لحرية الرأي؟ الواقع أننا — ولْأَقصِر الكلام على نفسي ومشاعري — لم أشعر قط بضيق. على العكس؛ كنت مستبشرًا بقدوم هؤلاء الشبان، مبهورًا بما قاموا به من طرد ملكٍ ما كان أحد يخطر بباله أن يُطرَد بهذه السهولة … أما الحياة الدستورية التي ضاعت، فلم نلتفت إلى خطورة ضياعها في ذلك الوقت؛ لأننا كنا خارجين من مرحلةٍ فقد فيها الدستور قدسيته، وأُفسِدت فيه الديمقراطية إفسادًا جعل منها مَطيَّةً للانتهازيين ووسيلةً للمستوزرين، مما كنت قد ذكرته في كتابي «شجرة الحكم»؛ فقد سبق أن ذكرت فيه رأيي الذي أذعته عام ١٩٣٨م، وهو أن النظام البرلماني كما يُطبَّق في مصر هو الأداة الصالحة لتخريج الحكام غير الصالحين، وأن البرلمان كفَّ عن مراقبة أعمال الحكومة بالمعنى الحقيقي، وأن على البيت والمدرسة الإكثار من تذكير الشباب بالمُثُل العليا، وأن يقنعاه بأنه هو المنوط به يومًا إصلاح كل هذا الفساد وإحداث الثورة المباركة التي تقيم الوطن على أقدام الصحة والقوة والنظام. بهذه الألفاظ بالنص كتبت قبل ثورة ١٩٥٢م بأعوام طويلة، فلا عجب إذن أن أُرحِّب بهذه الثورة، ولا أُفجَع لضياع الدستور. إذن هذه مسئوليتي … وإذا كان الدستور قد ضاع بنصيحة ذوي الأحقاد والأغراض، فهذه لم تكن المرة الأولى؛ فقد سبق للدستور أن انتُهِك بنصيحةٍ كهذه، يوم اعتلى فاروق العرش، وباشر وهو شاب صغير بريء سلطاته الدستورية. ولم يخطر في باله أن دستور البلاد يمكن أن يُنتهَك، ولكن بعض مستشاريه والناصحين له، المُقرَّبين إليه من رجال القصر من أمثال «علي ماهر» و«أحمد حسنين»، أرادوا أن يُحوِّلوه من ملك دستوري إلى حاكم مطلق؛ ليحكموا هم من خلفه، فأفهموه أنه هو فوق الدستور، وأن عليه أن ينتهز أول فرصة لإفهام الناس أنه الحاكم القوي، واختاروا له هذه الفرصة يوم جاءت الانتخابات بالنحاس زعيمًا للأغلبية، وتقدَّم بكشف تشكيل الوزارة، فأشاروا على الملك أن يرفض بعض الأسماء، ويُبدِّل ويُعدِّل في الكشف المُقدَّم. وكانت هذه المخالفة الدستورية فاتحة عهد تحطَّمت فيه كل حياة ديمقراطية صحيحة!

مبادئ بلا أشخاص

لذلك خفَّت علينا — وعلى الأخص عليَّ أنا بالذات — وطأة دستورنا الضائع؛ فالمبادئ ليست بذات قيمة في نظري بغير الأشخاص الذين يُطبِّقونها بإخلاص، ويؤمنون بها ويحرصون عليها. ولقد كانت عندنا مبادئ ودساتير في أيدي أشخاص يتلاعبون بها لمنافعهم وأغراضهم، وما كنا نحلم به وننتظره دائمًا هو ظهور الأشخاص المخلصين. وهؤلاء الضباط الشبان بَدَوا لنا — ولي أنا على الأخص — أنهم جاءوا مخلصين لإصلاح البلد؛ فقد أعلنوا في شجاعة ما كنا ننادي به ولا نجد الأذن الصاغية … بادروا بإلغاء الألقاب، ولطالما كتبنا ونشرنا نسخر منها. وفي كتابي «تحت شمس الفكر» مقال بعنوان «كادر المقامات»، أسخر فيه من ألقاب «صاحب الرفعة» و«صاحب الدولة» و«صاحب المعالي» و«صاحب السعادة» و«صاحب العزة»، وغير ذلك مما يثير الابتسام عندما نتذكر رجلًا مثل «تشرشل» الذي يومئذٍ كان يهز العالم ولا يحمل إلا لقب «مستر» الذي يحمله سائق سيارته! هذا ما جاء في ذلك الكتاب، كما جاء فيه أيضًا ضرورة إلغاء «الطرابيش»، ثم تحديد المِلْكية … وقد طالبنا به أيضًا؛ فقد تقدم نائب في البرلمان السابق بهذا المطلب فلم يلتفت إليه بالطبع أحد؛ فلما علمت بخبر العزم الجاد على تحديد المِلْكية الزراعية، تلقيت الخبر بحماس.

السنهوري

وكان علمي بهذا الخبر في صباح أحد أيام الصيف، وكنت جالسًا في مقهًى صغير على الكورنيش بسيدي بشر، فأقبل علينا الدكتور «عبد الرزاق السنهوري» وكأنه جاء يبحث عني. كانت صداقتي قديمة به، منذ عام ١٩٣٥م. كنت مديرًا لإدارة التحقيقات بوزارة المعارف، وكان هو أستاذًا بكلية الحقوق، وكانت تجمع بيننا الأفكار المثالية والنزعات الإصلاحية، وكنا نسكن منطقة الجيزة، ونسير على أقدامنا ساعة العصر على كوبري عباس نتحدَّث طويلًا وفي يد كلٍّ منا قرطاس من الترمس، ونحلم بشتى المشروعات.

وفي ذات يوم، جاءني يقول إنه فكر في مشروع نافع لتكوين الشباب وغرس روح البطولة والمُثُل العليا في نفوسهم، وإن خير وسيلة لذلك تأليف جماعة من طلبة الجامعة ممن يستطيع الاتصال بهم، باعتباره أستاذًا في الكلية، تكون مهمتهم نشر هذه المبادئ، وطلب مني معاونته في هذا المشروع بوضع البرامج اللازمة، وجعلنا نستعرض أبطال تاريخنا الذين يمثلون المبادئ العظيمة التي نريد غرسها فيهم، مثل «عمر بن الخطاب» و«طارق بن زياد» و«رمسيس الثاني» ونحو ذلك.

ومضت أيام، وبينما أنا جالس يومًا في مكتب وكيل الوزارة، إذا بي أجد حركة غير عادية … الوزير يطلبه بالتليفون من مجلس الوزراء المنعقد، وكانت الوزارة يومئذٍ ضد حزب الوفد والوفديين، ووكيل الوزارة يجري هنا وهناك يحمل ملفات، فسألته عن الخبر، فقال: «مجلس الوزراء منعقد لفصل الدكتور السنهوري من الجامعة»، فكدت أُصعَق! لماذا؟ ماذا فعل؟ فقال: «لأن الدكتور السنهوري — وهو أستاذ بالجامعة — ألَّف جمعية سياسية من طلبة الجامعة لنشر الدعوة للوفد بإيعازٍ من صديقه عضو الوفد النقراشي باشا»، فلم أُصدِّق ما أسمع، وصحت به: «ما هذا الكلام؟! هذا محض افتراء … هذه جمعية أخلاقية للحض على المُثُل العليا والتشبُّه بعمر بن الخطاب وطارق بن زياد ورمسيس الثاني!»، فضحك ساخرًا، وقال: «اسكت، اسكت! عمر بن الخطاب إيه؟ ورمسيس الثاني إيه؟ أنت لا تعرف شيئًا. تقارير الأمن العام بوزارة الداخلية والبوليس السياسي في هذه الأوراق، والملفات تثبت كل شيء»، فأقسمت له بشرفي إن السنهوري مظلوم؛ لأني أنا وهو مشتركان في هذا المشروع الأخلاقي الجليل، وإذا كان لا بد من فصل السنهوري لهذا السبب فافصلوني معه، فأكد لي أن الموضوع سياسي، والجمعية لها أغراض سياسية حزبية، وعضو حزب الوفد (النقراشي) ضالعٌ فيها، وأن الموضوع لم يُكشَف لي على هذا الوجه، وأني لا أعرف منه ما أظهروه لي من واجهة بريئة، وما هو إلا عمل حزبي بحت.

فعجبت عجبًا شديدًا … ولم تلبث الوزارة التي فصلت السنهوري أن سقطت وجاءت وزارة وفدية، جاء فيها النقراشي باشا وزيرًا، فمدَّ يده بالفعل إلى السنهوري، وأعاده ومهَّد له طريق العمادة للكلية، ثم وكالة وزارة المعارف، ولكن ذلك كله لم يؤثر في صداقتي الشخصية للسنهوري.

بداية تحديد المِلْكية

فلما جاء ذلك الصباح يبحث عني في مقهى سيدي بشر، وكان يومئذٍ رئيسًا لمجلس الدولة، وموضع الثقة والمشورة لدى ضباط الثورة، سألته عن الخبر، فقال: «أتريدنا أن نجلس ونتكلَّم هكذا في موضوع مهم على قارعة الطريق، وفي مثل هذا المقهى الصغير؟! قم بنا إلى كازينو مغلق محترم!»

وقادني من يدي ودخلنا بالفعل مكانًا لائقًا، وعندئذٍ قال لي: «اسمع … رجال الثورة يريدون تحديد المِلْكية الزراعية، وأمامنا الآن اقتراحان: اقتراح بجعل الحد الأقصى للمِلْكية خمسمائة فدان، واقتراح آخر بجعلها مائتين» … فلم أتركه يُتِم كلامه، وصحت به: «مائتين … مائتين … اجعلوها مائتين» … كنا متحمسين للتطرُّف؛ لطول ما قاسينا في مصر من التردُّد والرفض والمماطلة. وإني أذكر دائمًا هذه اللحظة، وكثيرًا ما كرَّرتها لبعض معارفنا القدامى من أصحاب مئات الأطيان … وكلما لعنوا أمامي هذه الثورة التي استولت على أطيانهم كنت أؤكد لهم أن الثورة مظلومة، وأننا كنا متحمسين لذلك، فرحين لاستجابتها إلى مشاعر ومطالب كانت تُخالِجنا من قبل.

حول إلغاء الطربوش

نعم، كنا نرى الكثير من مطالبنا وتمنياتنا يتحقَّق بسرعة ويسر، في حين أن أقل وأتفه ما كنا ندعو إليه في الماضي كان يتعثَّر في العراقيل ويتبخَّر في الجدل؛ فأبسط الأشياء — وهو خلع الطربوش رمز التبعية العثمانية، الذي لا يوفر دفئًا في شتاء ولا يقي من الشمس في الصيف — لم ينجح أحد في فرض خلعه أو تغييره. وقد أراد الصحفي القديم «محمود عزمي» أن يدعو إلى ذلك في العشرينيات، ولبس القبعة فلم يتبعه أحد، واضطر إلى خلعها والعودة إلى الطربوش. وتطلَّعت أنظار المجددين إلى زعيم ثورة ١٩١٩م «سعد زغلول» ليقوم بالخطوة الأولى في هذا السبيل، ولو أنه فعل لتَبِعته الأمة أو أكثرها، خصوصًا وزعيم الثورة التركية «كمال أتاتورك» كان قد أصدر وقتئذٍ أمره بخلع الطربوش في تركيا … فكيف يزول من البلاد التي جاءتنا به ونظل نحن متمسكين به؟! ولكن «سعد زغلول» لم يشأ القيام بحركات أو إصلاحات مما يمكن أن يثير المناقشات والمجادلات التي تؤدي إلى انقسام الأمة في وقتٍ تحتاج فيه إلى الوحدة والتكتُّل لطرد الاحتلال البريطاني … وجاءت الثلاثينيات فتجدَّدت الدعوة، وكنت أنا طرفًا فيها. وكثر الجدال على صفحات الجرائد بيني وبين رئيس تحرير جريدة المقطم المحافِظة «خليل ثابت». وانتهى الأمر بأن خلعت أنا وحدي الطربوش ولبست «البيريه» لقربه من الطاقية. وثَبَتُّ عليه حتى اليوم، ورأيته يعلو الكثير من الرءوس.

حلُّ الأحزاب ومحاكمة زعمائها

هذا التنفيذ السريع، عقب قيام الثورة، لقراراتٍ كانت تستغرق منَّا لتنفيذها الأعوام والأجيال، قد بهرنا وجعلنا نسير خلف هذه الثورة بغير وعي … وشعرت الثورة بأنها قد أحرزت نجاحًا جعلها موضع الثقة ومناط الأمل، فأرادت أن يكون لها سلطان راسخ. ولكن الأحزاب لم تَزَل قائمةً، وقد تُفيق يومًا وتتَّحد وتطالب بعودة الحياة الدستورية … فما مكان رجال الجيش ممن قاموا بالحركة؟ وهنا بادرت الثورة بحل الأحزاب جميعها، ولكن هذا لا يكفي؛ فما زال في البلد رجال سياسة ورجال عقول وأسماء كبيرة في كل مجال، لها الاعتبار أو بعضه في النفوس والأذهان. أسماء قد تتضاءل إلى جانبها هذه الأسماء المغمورة لضباط شبان لا يوحي ذكرها بعدُ برصيد من تجربة أو علم أو ثقافة … وهنا أيضًا أقدمت الثورة على ضربة بارعة، تكاد تشبه ضربة «محمد علي» للمماليك في القلعة … تلك هي إنشاء «محكمة الثورة»؛ حيث جاءت بأغلب رجال السياسة من أصحاب الأقدار الكبيرة والأسماء اللامعة، فجرَّدتهم من هيبتهم تجريدًا، وجعلتهم يقفون أمامها وأمام الناس عرايا مستضعَفين خائفين وطامعين؛ كلٌّ منهم يطعن في زميله لينجو بنفسه، أو لينال الحظوة عند الحاكمين، وضباط الثورة يشيرون إليهم ويقولون للناس: «هؤلاء هم الذين كانوا يحكمونكم وكنتم تحترمونهم!»

ولكن عددًا من هؤلاء وقف أمام المحكمة وقال كلمة صدق وشجاعة، من دون أن يُسِفَّ في القول أو يطعن في زميل. على سبيل المثال — فيما سمعنا — ما رُوي عن السياسي الأديب الدكتور «محمد حسين هيكل». سألته المحكمة لماذا لم يقف في وجه طغيان فاروق وهو زعيم حزب؟ فردَّ على ضباط المحكمة بهدوء: «لأن فاروق كان يُخيفنا بكم أنتم يا رجال جيشه! ألم يكن فاروق هو القائد الأعلى للجيش وأنتم رجاله؟!» … وهذا صحيح. ماذا يفعل حزب من المدنيين أمام الجيش؟! كان في الواقع سؤالًا لا محل له. ولكن مثل هذه المحكمة ما كانت بالطبع تتوقَّع من مثل هؤلاء الساسة في مثل هذا الموقف المهين ردودًا محرجة.

أما من كانوا خارج هذه المحكمة من رجالات مصر المرموقين، فكان رجال الثورة يطلبونهم واحدًا واحدًا على انفراد ليستمعوا منهم، فكان شأنهم شأن غيرهم، وهو تسابق الواحد منهم في طلب الحظوة، والإعلاء من قدر نفسه ورأيه ونصحه، والحط من قدر غيره والتسفيه لرأي سواه … فكانت لعبة الحكام الجدد المُفضَّلة أن يضربوا هذا بذاك، ويتلذَّذوا بمنظر هؤلاء الكبراء الفضلاء وهم يترامَون على الأقدام خوفًا وطمعًا في حلبة التزلُّف والمَلْق.

وحركة التطهير

ثم أردفوا ذلك بالخبطة الكبرى التي عمَّت آثارُها البلدَ كله وقلبت الموازين وقوَّضت النظام القديم في أدق تفصيلاته، وهي «حركة التطهير»، وإغراء كل موظف أن يشكو رئيسه، وكل صغير أن يتهجَّم على كبير، وكل زميل أن يشي بزميل، فانقلبت المصالح والإدارات والوزارات والجامعات والمستشفيات وكل جانب من جوانب النشاط في مصر إلى ميدان مطاعن بالحق والباطل … وفي أغلب الأحيان بالباطل؛ لأن الطاعن كان في كثير من الأحوال يطمع في مركز المطعون، وفي أحيان أخرى كان الشاكي مجرد مشاغب بالفطرة أُعطِيت له فرصة الشغب! ولم يسلم رئيس في إدارة أو مدير في مصلحة من شكوى مرءوس له، ولا أستاذ في جامعة من مطاعن زميل.

وشكوى ضدي أنا

وما من أحد سلم من الخدش في هذا المعمعان. حتى أنا مدير دار الكتب، لم أشعر إلا وشكوى قُدِّمت ضدي من موظف مُحِب للشغب. ماذا يمكن أن يقول وعملنا في هذه الدار ليس فيه ما يسمح بالمآخذ؟ ولكنه وجد شيئًا، ولا بد أن توجد في هذه الهوجة شكوى من أي شيء في أي مكان. ولم أكن أتصور أن يكون العمل النافع موضع شكوى. ماذا فعلت؟ الحكاية أنه في اليوم الأول لتسلُّمي وظيفتي في دار الكتب، وجدت في حجرتي ما يشبه الكنبة المغطاة بكساء من الجوخ الأخضر، أردت الجلوس عليها فمنعني السكرتير وأزاح الغطاء، فإذا هو مصحف كبير، حجمه متر في مترين، وغلافه من الفضة الخالصة، قيل إنه هدية الدار من مهراجا هندي، فعجبت لوضعه هكذا في حجرة المدير، ورأيت الواجب أن تُعرَض هذه التحفة الثمينة ليُشاهدها الجمهور، ثم قمت بجولة تفتيش في الدار، فوجدت صناديق خشبية كبيرة ملقاة بإهمال تكاد الصراصير تسكنها، فأمرت بفتحها، فإذا بها نماذج من صور «ميناتور» جميلة للفن الفارسي في القرن السابع عشر تُصوِّر حكايات ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، ونحو ذلك، فعجبت أيضًا وقلت: الجماهير أولى بها من الصراصير، ثم زارني بعد ذلك العلَّامة النمساوي «جروهمان»، وهو المتخصص في العالم كله بكتاباته وبحوثه في أوراق البردي الإسلامي، واستطعت أن أحصل منه على نماذج طريفة من مخطوطات البردي، تكشف عن طريقة المعاملات الخاصة والعامة والتجارية في مصر الإسلامية منذ أيام «عمرو بن العاص».

وفكرت وقتئذٍ في أن أعرض كل هذه الأشياء الثمينة في شبه متحف أو معرض يشاهده الجمهور من المتردِّدين على دار الكتب. وتَصادَف أن زارت القاهرةَ وقتئذٍ سيدة فرنسية هي بنت أخت عالم الآثار المصرية ومدير المتحف المصري مسيو «دريوتون»، وكان صديقًا لي، فرجوته أن يأذن بدعوة بنت أخته، وكانت تعمل في متحف اللوفر بباريس للمعاوَنة في تنظيم ذلك المعرض … فوضعت المصحف الفضي الضخم وسط المكان مفتوح الصفحات، وحوله سياج من القطيفة الحمراء مثبت على أعمدة رفيعة من النحاس الأصفر، ثم أشارت بصنع خزائن خشبية بواجهات زجاجية لعرض صور الفن الفارسي، ونماذج مخطوطات البردي الإسلامية. ونجح المعرض، وكان يأتي لمشاهدته كل يوم أفواج من الزوار، خصوصًا من السائحين الأجانب … وما هي إذن الجريمة في ذلك؟! قالت الشكوى إني صرفت من مال الدولة مكافأة لسيدة أجنبية لأنها من قريبات أحد أصدقائي الأجانب! والحقيقة أن هذه السيدة الزائرة لم يُصرَف لها أي مبلغ، وقد قامت بهذه الخدمة تطوعًا منها عن طيب خاطر. وحُفظت الشكوى بالطبع … ولكنها مَثَلٌ من الأمثلة التي دلَّتني على أنَّ فَتْح هذا الباب ضررُه أكثر من نفعه. وقد أدى بالفعل إلى اتهامات ظالمة كثيرة، وإلى تشويهات لسمعة بعض أفاضل الناس، وإلى استبعاد نفر من خيرة الأساتذة والعلماء … ولكن الأخطر من كل ذلك هو إشاعة الفوضى في النظام الإداري نفسه، وخوف الرئيس من مرءوسيه، فزالت هيبته وسلطته، فتُرك الحبل على الغارب. وإذا كانت الثورة قد أرادت بذلك ألَّا يكون لأي كبير في البلد سلطة غير سلطتها، وأن تضرب الكبير بالصغير … فإن هذه الخطة قد أضرَّت بالثورة نفسها … فعندما استتبَّ لها الأمر، وشرعت في حكم البلاد حكمًا مطلقًا، وجدت أمامها رؤساء ومديرين في كل المصالح والأعمال والقطاعات فقدوا شجاعة المسئولية.

ومضت عمليات التطهير دون مبالاة وبغير حساب، حتى شملت بعض كبار الموظفين، الذين اختيروا بعدها بقليل وزراء في ذات الحكومة التي سبق أن أحالتهم للتطهير، وعلى سبيل المثال: المهندس «عبد الملك سعد» وزير المواصلات السابق، والدكتور «عبد الرازق صدقي» وزير الزراعة الأسبق.

حماستي للحركة المباركة

لكن كل ذلك لم يكن قد بلغ في نظرنا مبلغ الخطورة التي تستوجب النقد … والثورات تتحمل كثيرًا من الأخطاء، ونتحملها نحن عنها، بل قلَّما نحفل بها أو نعتبرها أخطاء … ولكن عندما تنتهي الثورات إلى كوارث جسيمة حاسمة تهز مصير الأمة، فإن هذه الأخطاء تصبح مكشوفة للنظر مطلوبة للتحقيق، شأن الشجرة الوارفة التي يسكن في جذعها السوس، لا أحد يلتفت إلى سوسها ما دامت قائمة مثمرة. أما إذا تهاوت أو اصفرَّت أوراقها، فإن الناس يبحثون في علَّتها، والأنظار تهتمُّ بما عاش فيها من سوس.

لم نكن نلتفت في ذلك الوقت إلى عواقب؛ لأنه لم تكن قد ظهرت بعد عواقب. كنا في صميم ثورةٍ تُصدِر كل يوم قرارات سريعة نافعة للشعب، فيما تنمُّ عليه من نية طيبة في الإصلاح … وأذكر تمامًا الآن كل مشاعري نحوها. لم أشعر قط لحظةً بغير التحمُّس المطلق لإجراءاتها، حتى فيما لحقني منها رذاذ بانطلاق قذائف شكاوى التطهير في كل مكان؛ فقد كان في ظني — وقد ظهر ذلك في كثير من كتاباتي قبل الثورة — أن مصر موبوءة تحت الحكم الفاروقي بداء الحزبية والنفعية والظلم الاجتماعي، وكنا نتمنى لذلك تغييرًا، بل لقد جاء في كتابي «شجرة الحكم» — كما ذكرت — بعض عبارات عجيبة كأنها التنبؤ عن ضرورة قيام «حركة مباركة وثورة مباركة» هكذا بالنص … وجاءت بعد ذلك فعلًا، وسُمِّيت بهذا الاسم فعلًا في مبدأ ظهورها.

… كل ذلك يثبت، ولا شك، ارتباطي الروحي بجوهر هذه الثورة واعتقادي أنها تحقيق لأملي ورأيي. وإذا كان الأمر كما يقول الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة
كما أن عين السخط تُبدِي المَسَاوِيَا

فأنا لم أكن قط من الساخطين على ثورةٍ تنبَّأتُ بها وانتظرتُها، وأردتُ المحافظة عليها والتغاضي عن عيوبها، آملًا أن تُصلِح بنفسها هذه العيوب مع مرور الزمن.

عندما أراد الوزير فصلي

ومضت الثورة في طريقها يحالفها النجاح، ويحفُّ بها تصفيق التأييد من الشعب … وكانت تضم في وزارتها الأولى بعض المدنيين. وكانت وزارة المعارف (التربية والتعليم) التي تتبعها دار الكتب قد عيَّنت لها الثورةُ وزيرًا من كبار رجال التعليم في العهد السابق، وكان من أصدقائي، ولكنه مع ذلك تصرَّف معي تصرُّفًا غريبًا؛ فقد حدث يومئذٍ أن تُرجِمت لي مسرحية إلى اللغة الألمانية ومُثِّلت في سالزبورج في مسرح الموزارتيوم، المنسوب إلى الموسيقي «موزارت» … ودُعِيت إلى الحضور وسافرت … وكان احتفال أدبي فني أقام لنا فيه رئيس الإقليم مأدبة كبيرة، وحيَّونا هناك تحية كريمة وصفها سفير مصر في تقريرٍ أرسله إلى وزارة الخارجية مُرفقًا به مقالات الصحف الألمانية … وعدتُ إلى مصر لأجد صديقنا وزير المعارف قد تقدَّم إلى مجلس الوزراء بطلب فصلي من وظيفتي طبقًا لقرار التطهير باعتبار أني موظف غير منتج … كل ذلك من خلف ظهري وأنا لا أدري شيئًا. ويظهر أن بعض الطامعين في وظيفتي قد أغرى الوزير بهذا الإجراء. وعلمت بعد ذلك ما تم؛ فقد انبرى له أحد قادة الثورة وأقدرهم وأقواهم شخصيةً — ذلك الذي بدأ اسمه يلمع من بينهم (جمال عبد الناصر) — وصاح في ذلك الوزير المدني قائلًا كما سمعت: «أتريد أن نطرد كاتبًا عائدًا إلينا بتحية من بلد أوروبي؟! أتريد أن يقولوا عنا إننا جهلاء؟!». وانتهى الأمر بإخراج هذا الوزير من الوزارة.

إنه ولا شك من حسن الطالع أن تضع الظروفُ هذه الثورة في هذا الموقف الذي يبدو منه أن ضابطًا شابًّا من رجال الجيش كان أحسن تصرفًا وأكثر تقديرًا للمثقفين وفهمًا للثقافة من رجل ناضج العمر من كبار رجال التعليم في العهد السابق!

… ولم أقابل عبد الناصر

وصار عبد الناصر يذكرها دائمًا في أحاديثه مع الصحفيين والمراسلين الأجانب: «طردتُ وزيرًا من أجل مفكر!» … ومع ذلك لم يخطر لي أن أشكره؛ لا بالمقابلة ولا بالمراسلة، ولست أدري لماذا؟ … ربما لأنه كانت قد تأصَّلت في نفسي عادةُ البعد عن رجال السياسة والحكم، على الرغم من أن الأسماء الكبيرة في البلد في كل مجال كانت قد سعت وطلبت مقابلة رجال الجيش الحاكمين. بل أذكر أن صحفيًّا لامعًا من أصدقاء عبد الناصر زارني يومًا في مكتبي بدار الكتب، وأخبرني أن رئيس الحكومة (جمال عبد الناصر) يدعوني إلى تناول الشاي في بيته … دعوة خاصة لن يحضرها أحد غيرنا، فقلتُ له معتذرًا: «كيف أذهب إلى رئيس الحكومة وما أنا إلا موظف في درجة مدير عام؟! إن اتصالاتي هي مع وكيل الوزارة، وعلى أكثر تقدير مع وزيري المختص» … فضحك وقال: «إنه لا يدعوك بصفتك موظفًا، بل بصفتك مؤلف «عودة الروح» التي قرأها ويقول إنها أثَّرت في تكوينه الوطني.» فقلت له: «ولو … أرجوك أَبعِدني عن رجال الحكم» … فكان بعد ذلك كلما رآني قال أمام الحاضرين: «هذا هو الرجل الذي رفض مقابلة عبد الناصر» … فأُبادِر بتخفيف الوضع: «ليس شخص عبد الناصر، بل الحاكم. أنا لم أقابل قط في حياتي رئيس حكومة وهو في الحكم»، فيقول ضاحكًا: «يعني تريد منه أن يستقيل ليراك؟!»، فأردُّ مبتسمًا: «بالضبط … هذا هو الحل!»

البُعد عن الحكم

وكان عبد الناصر — كما سمعتُ — يُدهَش لابتعادي عنه: «ألسنا نفعل ما فكَّر فيه وشعر به وكتب عنه؟! إن الثورة ثورته.» والواقع أن هذا هو المعقول والمنطقي، ولكن ما يُبعِدني هو مبدئي المعروف الذي كتبتُ عنه كثيرًا: إن الحاكم لا يريد من المفكر تفكيره الحر، بل تفكيره المُوالِي … إنه يريد أن يسمع تأييدًا لا اعتراضًا … ورسالة المفكر في جوهرها هي الصدق والحرية … وهو قد يُخطِئ ويُخدَع ويفقد الوعي، ولكنه لن يخون رسالته عن وعي. وإني أخشى دائمًا أن تَحجُب الصداقةُ والقرابةُ والحبُّ والعاطفةُ، وحتى الكرهُ والسخطُ، النظرةَ الصادقةَ إلى حقائق الأشياء. ولقد حاولت على قدر المستطاع في كتابي «سجن العمر» أن أُصوِّر أقرب الناس إليَّ — وهما الوالدان — بما لهما وما عليهما، تصويرًا خاليًا من القداسة التي اعتادها الناس في بلادنا نحو أهلنا، وتعرَّضتُ بذلك لغضب الأحياء من ذوي القربى، واستهجان المُتحفِّظين من القُرَّاء.

الحاكم المطلق

وسارت الأمور سيرها المعروف، وأصبح عبد الناصر هو الرجل الأول في البلاد … وكان كلَّ يوم يكتسب حب الناس وثقتهم … حتى أولئك الذين استولى على أطيانهم للإصلاح الزراعي، بدأ كثير منهم يعتاد تحديد الملكية ويتأقلم، إلَّا الذين لا أمل في ولائهم. وبدأت البلاد تعتاد حكم فردٍ وثقوا به وأحبوه … والجماهير عندما تحب لا تُناقِش. وخفتت شيئًا فشيئًا أصوات مَن اعتادوا المناقشة … وأخذ الحاكم المحبوب نَفسُه يعتاد الحكم الذي لا مناقشة فيه، وأخذ الستار الحديدي يُسدَل رويدًا رويدًا بين الشعب وتصرُّفات الحاكم المطلق … كنا نحبه ولا نعرف دخيلة فكره ولا الدوافع الحقيقية لتصرُّفاته. كان القلب منا يخترق الستار إليه، ولكن العقل ظل بمعزل عنه، لا يصل إلى فهم ما يجري خلف الحُجُب. لم نكن نعرف من أمورنا أو الأمور الخارجية إلا ما يُلقي هو به إلينا من فوق منصة عالية، في عيد من الأعياد أو مناسبة من المناسبات … وكان يتحدث بمفرده الساعات الطوال — بغير كلفة — حديثًا يُظهِرنا في صورة أبطال بقيادته، ويُظهِر الدول الكبرى حولنا في صورة أقزام، فكنَّا نُصفِّق إعجابًا وخُيَلاء. وعندما كان يخطب بقوة قائلًا عن دولة قوية تملك القنابل الذرية: «إذا لم تعجبها تصرُّفاتنا فلتشرب من البحر»، كان يملؤنا الفخر!

الثقة شلَّت التفكير

وليس بعجيبٍ أن يتلقَّى الشعب، في حماس العاطفة، هذه الخُطَب بالتهليل والتكبير، ولكن العجيب هو أن شخصًا مثلي محسوبًا على البلد من أهل الفكر، وقد أدركته الثورة وهو في كهولته، يمكن أن ينساق هو أيضًا خلف الحماس العاطفي، ولا يخطر لي أن أُفكِّر في حقيقة هذه الصورة التي تُصنَع لنا … لعلِّي كنتُ أُبرِّر ذلك لنفسي بأنه رفعٌ لروح الشعب المعنوية، وليس في هذا ضرر ظاهر ما دامت النتائج السيئة لم تَزَل بعيدةً. كانت الثقة، فيما يبدو، قد شلَّت التفكير! كنتُ أحيانًا أستغرب أشياء وأقول لنفسي: أَمِن الصواب حدوث ذلك؟ أذكر يوم جاءني صاحبي الصحفي اللامع صديق عبد الناصر بنسخةٍ من كتاب «فلسفة الثورة» مُهدًى إليَّ من مؤلفه الزعيم، أني فكرت بعد قراءته: كيف يَصِحُّ لسياسيٍّ أن يكشف ورقه للعالم هكذا؟!

إسرائيل تُوزِّع كتاب «فلسفة الثورة»

وحدث أني اطَّلعت بعد ذلك على مقالٍ في جريدة فرنسية بقلم أستاذ أساتذة التاريخ والسياسة الفرنسيين … حلَّل الكتاب تحليلًا علميًّا، وبيَّن ما فيه من أحلام وآمال وتصوُّرات تكاد تُوحي بالرغبة في إنشاء ما يشبه الإمبراطورية الواسعة للدول العربية والإفريقية التي تنتظر الزعيم الذي يُؤلِّفها. أو على حد الكتاب نفسه في إشارته إلى مسرحية «بيرانديللو» الشهيرة «ست شخصيات تبحث عن مؤلف» فهو يرمي إلى أن «دول العروبة وغيرها تبحث عن زعيم». وأدهشني بعد ذلك ما جاء في بعض الصحف العالمية من أن كتاب «فلسفة الثورة» هذا تتولَّى توزيعه في الخارج جهتان في نفس الوقت: السفارة المصرية، والسفارة الإسرائيلية.

وبالطبع كان غرض السفارة الأخيرة من ذلك إفهام العالم أن زعيمًا من طراز «هتلر» قد ظهر في العالم العربي … ولكن الحقيقة أن عبد الناصر رجل سلام، ولم يفكر قط في الحرب تفكيرًا فعليًّا … إنه رجل عواطف وانفعال وخيال. وقد جاء في كتاب للصحفي اللامع «محمد حسنين هيكل» أن عبد الناصر في أوائل عهده كان قد أعدَّ خطبة يُلقيها ويعلن فيها خطة أو رؤية للسلام في المنطقة، غير أنه سمع من السفير الأمريكي وقتئذٍ كلمةً استقبله بها في زيارةٍ، فلم تعجبه الكلمة، وانفعل وغيَّر خطبته واتجاهه في الحال. وكان لهذا المسلك الانفعالي تأثيره على مصير الوطن كله … كما سارت الأمور كلها بعد ذلك في شئون الدولة — خارجها وداخلها — على هذا المسلك وبهذا المحرك: «الانفعال ورد الفعل».

الانفعال ورد الفعل

ومن يدرس بعنايةٍ الأحداث السياسية والعسكرية والاجتماعية التي وقعت في مصر على مدى حكم عبد الناصر، يجد أن المحرك الخفي الحقيقي لها كان هو «الانفعال ورد الفعل»، وليس التفكير الهادئ الرصين الرزين المبني على بعد النظر … فعبد الناصر ظهر فيما بعد — من النتائج التي نجني أخطاءها حتى اليوم — أنه لم يكن رجلًا سياسيًّا، ولم تكن له قط طبيعة رجل السياسة التي يملكها رجالٌ اتصل بهم وعرفهم، مثل «نهرو» و«تيتو». ومن المعروف أن نهرو قال لعبد الناصر في عبارة رقيقة موحية إنه يحتاج إلى قليل من الشَّعر الأبيض! وهو يقصد، بلا شك، قليلًا من الرزانة والحكمة والتجربة. وقد ظهر فيما بعد أن نهرو على حق، وأن عبد الناصر لم يستطع تحقيق عدم الانحياز كما استطاع تحقيقَه بطلاه الحقيقيان: نهرو وتيتو؛ فهما سياسيان حقًّا. فقد كان عبد الناصر أقرب إلى طبيعة الكاتب الفنان الحالم العاطفي، ويظهر أن الظروف هي التي دفعته إلى طريقٍ غير طريقه، ولو أنه تُرك لطبيعته لكان كاتبًا ناجحًا. ولعل هذا ما خطر له أول الأمر؛ فقد اتجه بالفعل في مطلع شبابه إلى كتابة القصة، وكتب صفحات من قصةٍ بعنوان «في سبيل الحرية» جعل اسم بطلها «محسن» أيضًا كاسم بطل «عودة الروح»، ولكن الظروف حوَّلته من مؤلف «محسن» على الورق إلى «محسن» نفسه أيضًا على أرض الحياة، فعاش مثله، وتصرَّف تصرُّفاته الشخصية الوطنية العاطفية الانفعالية … حتى في المسائل البعيدة عن السياسة وشئون الحكم، تبدو طبيعته العاطفية والانفعالية.

انفعل من أجلي

فعندما حدث يومًا أن هاجمني بعض أدباء الشباب هجومًا مركزًا بغرض تحطيم الأصنام، وكانت المقالات تصدر كل صباح مليئة بالاتهامات؛ للإطاحة بالكاتب والنزول به عن مكانه، لم آخذ أنا الأمر مأخذ الجد، ولم أُلْقِ بالًا إلى ذلك، ولَزِمتُ الهدوء والصمت … وإذا بعبد الناصر هو الذي انفعل، وإذا هو في فورة انفعاله ودفعة رد الفعل يُصدِر قرارًا بمنحي أكبر وسام في الدولة. وقد راجعه كبير تشريفاته بأن هذا الوسام لا يُمنَح إلا لرؤساء الدول وأولياء العهد، وأني موظف في درجة وكيل وزارة، لا يحقُّ له حَمل مثل هذا الوسام، فلم يأبه بكلامه.

هذا الاندفاع العاطفي كنَّا نُحبُّه منه؛ لأننا عشنا طويلًا فيما مضى مع رجال حكم حَذِرين مُتردِّدين باردين، لا ينتقلون خطوةً إلا بعد طلوع الروح. ولَكَم قاسَينا من ذلك! فإذا ظهر لنا حاكم عاطفي متحمِّس، يخطو بسرعة وبجرأة، فإن هذا بالنسبة إلينا شيء جديد … ولم يكن انفعال عبد الناصر واندفاعه قد ظهرت له بعدُ آثار خطيرة أو نتائج مُدمِّرة، بل كان فيه ما يُحمِّسنا نحن أيضًا، ويُشعِل فينا — بالعدوى — لهب الانفعال وروح النشاط.

اتصال على البُعد

وأنا على وجه الخصوص، كيف لا أحب رجلًا يحبني ويقف إلى جانبي في كل موقف، دون أن أراه أو أُوجِّه إليه كلامًا أو شكرًا؟! لم أتصل به إلا على البُعد. وفي بعض المواقف القومية التي رأيتُ من واجبي أن أُنبِّهه إليها أو أُشجِّعه عليها … مثل ذلك اليوم الذي جمع فيه لجنة تحضيرية من أهل الرأي، تمهيدًا لعقد المؤتمر القومي … كنت في حجرتي مريضًا أتابع على شاشة التليفزيون جلسات هذه اللجنة التحضيرية. كانت فيما أذكر برياسة «أنور السادات»، ولكن «جمال عبد الناصر» كان يحضرها ويشترك في مناقشاتها. وقد أعجبني في هذه المناقشات روح الحرية. وكان الجدل يحتدم أحيانًا بين بعض الأعضاء وجمال عبد الناصر، رئيس الجمهورية، حول مفهوم الديمقراطية، وقد ظهر «عبد الناصر» في تلك المناقشات المحتدمة واسع الصدر، طويل الصبر، يُبدي رأيه ويشرحه، ويتلقَّى المعارضة القوية بحجج أمام حجج دون تبرُّم أو ضجر، حتى استبانت وجهات النظر، وقَوِي عندي الأمل في اتجاه الحكم في مصر الاتجاه الصحيح.

والحكم الصحيح في نظري لم يكن قط هو الدكتاتورية؛ ففي كتابي «شجرة الحكم» الذي طالبتُ فيه وتنبَّأت بالثورة المباركة، جاء فيه أيضًا ما نصه: «على أن نقدي للنظام النيابي لا يعني أني أطالب بإلغائه؛ فزوال هذا النظام عن عالمنا الذي نعيش فيه يفضي إلى مشكلات لا حل لها … والانتخاب، على عيوبه، هو الوسيلة التي لا بد منها ما دام الناس هم أصحاب الرأي في تنصيب حُكَّامهم.»

لذلك لم أتمالك أن أرسلتُ إليه برقية أقول له فيها: إني رأيت وأنا على فراش المرض صورة جديدة لمصر تتشكَّل أمامي، فردَّ عليَّ ببرقية يشكرني ويتمنَّى لي الصحة.

وإذا المؤتمر القومي ينعقد، وإذا المناقشات فيه قد اختفت، وإذا الأعضاء الذين كانوا يناقشون في الديمقراطية المطلوبة قد لزموا الصمت المطبق؛ لا في المؤتمر وحده، ولكن في الحياة العامة، وكأن شيئًا من الإهمال أو عدم الرضا قد شملهم! وأصبح هذا المؤتمر وغيره من الاجتماعات مجرد كتل بشرية لا عقل لها ولا تفكير يُميِّزها، ولا رأي مستقل يصدر عنها، وإنما هي أذرع تُلوِّح، وأيادٍ تُصفِّق، وأفواه تهتف، والزعيم بقامته الفارعة قائم على منصة عالية، يتكلَّم وحده الساعات الطوال، لا يقاطعه غير صياح هستيري: «ناصر، ناصر، ناصر»، وشعارات تنطلق من كل ركن، مما يستحيل معه الظن بأن أحدًا من الحاضرين قد فهم في هذه الضوضاء شيئًا مما يقول؛ فقد أصبحت الحناجر هي العقول. وما كان يبدو على الزعيم ضيق بذلك، وإنما كانت ابتسامة الرضا ترتسم دائمًا على شفتَيه.

أصبح المعبود المعصوم

لقد أصبح معبود الشعب … ولست أدري هل كان هذا حلمًا قديمًا له؟ … بدأت أسائل نفسي بعد أن تأكدت مظاهر العبادة لشخصه على مر الأيام: ما الذي كان يعجبه في كتاب «عودة الروح»؟ أتُرى هي الفقرة التي تروي ما معناه أن مصر تحتاج دائمًا إلى معبودٍ من بينها، فلما قرأ ذلك وهو شاب صغير، حَلَم بأن يكون هو ذاتَ يوم المعبود؟ وليس هذا بالشيء المكروه؛ فكل إنسان له الحق أن يحلم بأن يكون معبود الجماهير، ولكن المكروه — بل الخطر — هو أن يكون للمعبود البشري من القداسة ما يجعله معصومًا من الخطأ في نظر الناس، وما يجعل سلطانه يُشِلُّ العقول فلا ترى غير ما يرى، ولا يسمح لها برأيٍ يخالف رأيه. وهذا ما حدث بالفعل. ولأول مرة في تاريخ مصر الحديث نرى الأمور على مثل هذه الصورة:

العقل المصري وقد خُتم عليه بسبعة أختام، فلم يعد يجرؤ على أن يُخرِج علنًا رأيًا مخالفًا لرأي الزعيم المعبود! أعوام طويلة مضت وفي مصر صحافة، وفيها مجلس نيابي، وفيها اتحاد اشتراكي هو الحزب الواحد الذي يضم كل عناصر الشعب، ويقال إنه أعلى سلطة في البلاد … هل سُمِع صوت واحد على صفحات جريدة، أو كتاب، أو مجلس نيابي، أو اجتماع عام، جَرُؤ على أن يُبدِي رأيًا يختلف عن رأي «عبد الناصر»؟! وإذا كان قد جَرُؤ، فهل تُمكِّنه السلطة من توصيل هذا الرأي المعارض؛ حيث يسمعه الناس ويعرفه الآخرون؟!

أقول: إن هذه ربما كانت أول مرة في تاريخ مصر الحديث يحدث فيها أن يظهر معبود أراد أن يكون لإرادته في كل البلاد العربية من القداسة والعَظَمة والسلطة ما لم يكن يملكه الأنبياء والرسل؛ فالأنبياء المرسَلون من السماء كانوا يجدون من يُجادِلهم ويُناقِشهم ويُعارِضهم.

«سعد» المعبود كان حرًّا

ولقد عرفت مصر في تاريخها القريب زعيمًا معبودًا، هو «سعد زغلول» قائد ثورة ١٩١٩م؛ ذلك الذي التفَّت حوله مصر بأكملها، ووضعت فيه أملها، وأصبح أسطورة في نظر الفلاحين، حتى لقد سمعتُ وقتئذٍ في الأرياف مَن يؤكدون أن بعض أوراق شجر القطن قد نبتت واخضرَّت ووُجد مكتوبًا عليها اسم «سعد زغلول»! هذا الزعيم لم تمنع عبادة الشخص له من وجود معارضين يخالفونه الرأي، وصحف وخُطَب تمتلئ بالآراء والأقوال التي تناهضه وتقف ضده … بل إن صحيفة معارضة تناولته بالتجريح وهو زعيم الأغلبية ورئيس الحكومة، واحتكم إلى القضاء ونُظِرَت القضية، ولكن القضاء المصري العادل لم يُعْطِ الحق لرئيس الحكومة، وحُكِم ببراءة المعارض.

وأنا شخصيًّا، على الرغم من حبي ﻟ «سعد زغلول»، وحرصي على سماعه وهو يخطب من شرفة بيته المُسمَّى «بيت الأمة»، اقتنعتُ بالرأي الذي يُخالِف رأيه في مسألة من المسائل … كان ذلك يومَ انقسمت الآراء فيمن يذهب إلى لندن لمفاوَضة الإنجليز في قضية الاستقلال لمصر. كان على رأس الوزارة وقتئذٍ «عدلي يكن»، وكان رجلًا مستقيمًا موثوقًا به، وطلبت الحكومة البريطانية أن يكون المفاوِض المصري ذا صفة رسمية، مثل رئيس الحكومة المصرية؛ لأن الطرف البريطاني سيكون هو أيضًا ذا صفة رسمية، ولكن «سعد زغلول» أصرَّ على أن يكون هو المفاوِض باعتباره زعيم الأمة، وأصرَّت بريطانيا العظمى التي خرجت منتصرةً من الحرب الكبرى الأولى، وأصبح نفوذها في العالم يشبه نفوذ الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي مجتمَعين … كانت حجتها أن الحكومات لا تُفاوِض إلا الحكومات، ولا يمكن لحكومة مسئولة أن تُفاوِض زعيم ثوار غير مسئول رسميًّا، حتى وإن كان فعليًّا زعيم أمة.

وخطب «سعد زغلول» خطبته المشهورة التي وصف فيها مفاوَضة «عدلي يكن» رئيس الحكومة المصرية مع حكومة جلالة الملك «جورج» في ذلك الوقت بقوله: «جورج الخامس يُفاوِض جورج الخامس» … وكان أن تعقَّدت الأمور، وكاد النشاط السياسي يتوقف من أجل طلب الاستقلال. وقال رأي من الآراء: ما الذي يضير «سعد زغلول» أن يترك «عدلي يكن» يذهب ويُفاوِض ويأتي بنتيجة مفاوَضته ويعرضها على الأمة بزعامة «سعد زغلول»، وله عندئذٍ أن يرفض أو يقبل؟! هذا ما قاله «عدلي يكن» أيضًا ورأى فيه تقوية لمركزه في المفاوَضة؛ لأنه سيُخيف الإنجليز ﺑ «سعد» الرابض المنتظر صاحب الكلمة النهائية آخر الأمر. وكان هذا هو المسلك الذي اتبعه زعيم الأمة التركية «كمال أتاتورك»؛ ففي ذلك الوقت بالذات كان على تركيا أن ترسل وفدًا يُفاوِض في مؤتمر الصلح، فلم يذهب «مصطفى كمال»، وترك رئيس الوزارة «عصمت إينونو» يذهب ويفاوِض. فكان «عصمت إينونو» إذا عُرِضَ عليه أمر صاح: لن يقبل هذا «مصطفى كمال» والأمة معه. وقد أعجبني هذا الرأي، ولم أقف في جانب رأي «سعد زغلول» وأنا في شبابي الأول، على الرغم من حبي له وإعجابي به وبخطابته الرائعة البليغة … تلك هي الزعامة والعبادة التي تقوم على الرأي الحر، ولا تقوم على الدبابات والمعتقلات.

ومن العجب أن يكون مفهوم الرأي الحر قد استمرَّ في مصر على نحوٍ ما حتى في العهود التي بدأ الفساد يدبُّ فيها؛ فلقد حدث أن جاء «مصطفى النحاس» إلى الحكم على أثر انتخاباتٍ ظفر فيها بالأغلبية، وكنتُ يومئذٍ مديرًا لإدارة الإرشاد بوزارة الشئون الاجتماعية، فنشرت مقالًا في جريدة الأهرام بعنوان «الخواتم الثلاثة المُزيَّفة» أشير فيه إلى أن الأحزاب الموجودة في البلد كلها مزيفة.

ومصطفى النحاس

فهاج «النحاس باشا» وهو يرأس مجلس الوزراء: «يقول عنا إننا مُزيَّفون، مع أننا فزنا بثقة الأمة وحصلنا على الأغلبية الساحقة؟!» كان هذا كل شيء، ولم أُمَسَّ بأذًى، مع أني كنت موظفًا في الدولة ومدير الإرشاد في الحكومة، الذي من واجبه، على الأقل، أن يكون مرشدًا وداعية لحكومته، لا مهاجمًا ومُتَّهِمًا لها بالتزييف … ولكني كنت في نظرهم كاتبًا حرًّا قبل كل شيء، يُعبِّر عن رأيه الشخصي، وليس مدفوعًا من حزب آخر يعمل لحسابه؛ ولذلك احتملوا الرأي الحر وإن كان قد يضايقهم!

على أن فكرة الزعيم المعبود الذي لا تتنافى عبادته مع نقده، قد رأيناها ممثلةً في فرنسا في عهد «شارل ديجول»؛ فهو أيضًا على الرغم من تقديس الفرنسيين له بوصفه بطلًا قوميًّا، فإن ذلك لم يمنع من وجود المعارضين لرأيه في البرلمان والصحف والكتب. وكان هو أول الضاحكين لما يُرسَم له من كاريكاتور ونكات وانتقادات تسخر منه في بعض المجالات … وكانت أقسى الصحف هجومًا عليه وعلى سياسته الخارجية والداخلية مجلة «الأوبزرفاتور» … كان يكتب فيها رئيس تحريرها السياسي «شريبير» معارضًا بعنف آراء «ديجول»، فيرد عليه في نفس المجلة الكاتب الروائي «فرانسوا مورياك» مدافعًا عن صديقه «ديجول»، الذي منحه أكبر وسام في فرنسا؛ ولذلك عندما جاء «سارتر» في زيارةٍ لمصر منذ أعوام سألني: لماذا لا أدافع أنا أيضًا عن عبد الناصر وأكتب فيه كتابًا يُمجِّده، كما فعل «مورياك» في كتابه المعروف عن ديجول؟ فقلت: «لكي يكون هناك دفاع، يجب أن يكون هناك هجوم. وعبد الناصر لا يهاجمه عندنا أحد، ولا يجرؤ في بلادنا أحد على مخالفة رأيه.»

حقًّا، إذا جَرُؤ أحد وهاجم رأيه، فكيف يستطيع صاحب الرأي المهاجِم أو المخالِف أن يعلن هذا الرأي؟! في أي جريدة؟! وفي أي مكان؟! إن رقباء الصحف والإذاعات ورجال المخابرات ونحو ذلك من وسائل النظام المطلق المغلق، لا تسمح بظهور المعارضة، ولا حتى بمعرفة الرأي المخالف أو صاحبه … وحتى معنى المعارضة يُشوَّه في الحال، ويُلصَق بصاحبه الخيانة أو الانحراف أو الانتماء إلى عمالة أجنبية أو عقائد تخريبية.

سحر وحلم

ولكن هل كان قد ظهر بصورة جدية وعلنية أن لعبد الناصر رأيًا في ذلك الوقت له من الخطر والضرر ما يقتضي أن نخالفه؟ ربما كانت هناك أشياء، ولكنها كانت تبدو لنا مما يمكن التجاوز عنه إلى جانب الخير المُنتظَر منه … وفي الحقيقة أنه إلى ذلك الحين، كان قد غمرنا في سحر أو حلم لا ندري كيف غمرنا فيه. ربما كان سحره الخاص — كما يقولون — عندما يتحدث إلى الجماهير، وربما كان الحلم الذي جعلنا نعيش فيه بتلك الأماني والوعود، بل تلك الصور الرائعة لإنجازات الثورة التي حقَّقها لنا، وجعلتنا أجهزةُ الدعاية الواسعة بطبلها وزمرها وأناشيدها وأغانيها وأفلامها، نرى أنفسنا دولة صناعية كبرى ورائدة العالم النامي في الإصلاح الزراعي، وأقوى قوة ضاربة في الشرق الأوسط. وكان وجه الزعيم المعبود، وهو يملأ شاشة التليفزيون، ويطل علينا من فوق منصات السرادقات وقاعات الاجتماعات، ويحكي لنا الساعات الطوال هذه الحكايات، ويشرح لنا كيف كنا وكيف أصبحنا، بلا أحد يناقش أو يراجع، أو يُصحِّح أو يُعلِّق، فما كنا نملك إلا أن نُصدِّق ثم نُلهِب الأكُفَّ بالتصفيق.

تنظيم التصفيق والهتاف

غير أن هذا النظام لم يكن يكتفي بالتصفيق العفوي والهتاف المرتجَل، بل إن الاعتماد الأساسي عنده على التدبير والتنظيم. وقد رأيت بنفسي ولم أُصدِّق عيني … قابلتُ ذات يوم رجلًا من أهل الريف أعرفه، سألته عن سبب وجوده في القاهرة، فقال إنه متصل بلجنة الاتحاد الاشتراكي في قريته، وإنهم أحضروه هو وزملاء له في القطارات باستمارات سفر أو نحو ذلك للاحتشاد في استقبال الرئيس جمال عبد الناصر عند عودته من الخارج في مناسبة من المناسبات؛ لأن الاستقبال «شعبي» كما يُقال عادةً، وإن إقامتهم وطعامهم على حساب الدولة، وإن عليه هو وزملائه أن يهتفوا له طبقًا للشعارات المطبوعة والمُوزَّعة عليهم، وأخرج لي من جيبه بالفعل ورقة أطلعني عليها، فدُهِشت … لقد كان مكتوبًا عليها بحروف مطبوعة هذه العبارات: هتاف جماعي: «ناصر، ناصر، ناصر» … ثم هتاف فريق: «فليحيا ناصر العروبة» … ثم هتاف جماعي: «فليحيا بطل الثورة» … «القائد البطل»… «زعيم الأمة العربية» … إلخ. أشياء من هذا القبيل … وسألت: كيف يهتفون من هذه الورقة؟ فقال إن الورقة لا تظهر؛ فهي للحفظ فقط؛ حتى لا ننسى الكلمات، وإنه مُعيَّن لكل جماعة منهم أربطة، أول الصف أو في الوسط، أو على رأس كل مجموعة يشير إليهم بالبدء … كما يحدث في كورال الموسيقى وكورس المسرحيات!

كنت أظن الشعبية تنبع فقط من القلوب، أو حتى من صور الأماني والوعود والأوهام والأكاذيب، ولكني ما كنت أظن حتى تلك اللحظة أنها يمكن أيضًا أن تُصنَع وتُؤلَّف تأليفًا، وتُوزِّع لها أوراق هتاف كأنها نوتة موسيقية للغناء!

ومع ذلك — وهنا العجب — كيف استطاع شخص مثلي أن يرى ذلك ويسمعه، وألَّا يتأثر كثيرًا بما رأى وبما سمع، ويظل على شعوره الطيب نحو عبد الناصر؟! أهو فقدان للوعي؟! أهي حالة غريبة من التخدير؟!

هذه هي الحالة العجيبة التي أصابتنا. يجب أن تكون يومًا محل دراسة وتحقيق. أفهم أن يكون الشعور هو الاشمئزاز أو الغضب، وعندئذٍ كان لا بد — خاصةً عند شخص مثلي — أن أُعبِّر عن ذلك ببعض التصرُّفات أو الكتابات، مهما تكن النتيجة، كما اعتدت أن أفعل في كثير من الأحوال، ولكن الغريب هو أني اكتفيت بالابتسام في تسامُح … لماذا؟ لعله الأمل الذي وضعته في عبد الناصر. إنه من صنع خيالي … وصورة للزعيم الذي كنت أنتظره من ثلاثين عامًا، كما كتبت ذات يوم.

اتفاق الجلاء

فلم أكن، ولم تكن مصر على أي حال في مجموعها، قد شعرت بعدُ بالضيق من شيء خطير … على العكس، لقد كنا نهضم بسهولة كل ما نُضِيق به ولا يبقى في نفوسنا منه أثر؛ فقد كنا مستبشرين بالغد شأن الأب الذي يحلم بالمستقبل الزاهر لابنه، ويغتفر له كل هفواته أملًا في نجاحه في الامتحان، ولا يدَّخر وسعًا في تلبية طلباته انتظارًا لليوم الموعود، ولا تتفتَّح عيناه إلا يوم يفشل ابنه في الامتحان (كامتحان يونيه سنة ١٩٦٧م) فيبدأ الأب في مراجعة الهفوات ومحاسبة الانحرافات (وحتى بعد الفشل علَّلنا الأخطاء وصبَّرنا الابن الفاشل بانتظار الملحق)؛ لذلك لم تكن عيوننا ترى إلا الحسنات، ولم تكن آذاننا تطرب إلا للنشيد الواحد الذي يعزف في كل مكان «مكاسب الثورة» … وحتى الحَقُود أو المَوْتور الذي كان يهمس بالتشكيك، كان يكفي الرد عليه بأنه ما دامت ليست هناك خسائر فهذا في ذاته مكسب. ومن يحب الثورة مثلي كان أَمْيَلَ إلى التغاضي والتسامح عندما يتَّضح الشك ويكاد يسفر عن يقين.

من ذلك أنه جاءني، يوم أن وقَّع رجال الثورة على وثيقة جلاء الإنجليز، بعض رجال الأحزاب السابقة، وأطلعوني على بنود الوثيقة، قائلين لي إنها نفس البنود والشروط التي سبق عَرضُها على مصر ورفضتها الأحزاب جميعًا؛ فمن بين هذه البنود شرطٌ يبيح للإنجليز العودة إلى احتلال مصر إذا تعرَّضت المنطقة لأخطار الحرب، كما أن السودان وبقاءه مرتبطًا بمصر كان دائمًا الشرط الأساسي لكل مفاوض مصري على اختلاف الأحزاب. وأذكر بالفعل أني كنت جالسًا في مأتم للعزاء في وفاة أحد المعارف، كان ذلك قبل الثورة بنحو عشرة أعوام، فدخل «مصطفى النحاس» — وكان يومئذٍ فيما أظن خارج الحكم — وأخذ يتكلم مع من معه بصوته المرتفع المسموع ويقول: إن الصخرة التي كانت تتحطم عليها المفاوضات المصرية دائمًا من أجل إجلاء الإنجليز هي السودان، ولو سُمِح لنا بطرح مسألة السودان جانبًا لتم الجلاء منذ عشرينيات هذا القرن. ولكن ما من سياسي في البلد كان يسمح لنفسه بذلك، وما كان البلد ليسمح له. ومضت الأعوام وجاءت الثورة، وتُركت السودان، ووُقِّعت الوثيقة مع الإنجليز على الجلاء المشروط أيضًا بعودتهم … ففيمَ إذن كان انتظار مصر ثلاثين عاما؟!

كانت هذه الملاحظة تبدو مقنعة، ولكني كنت أقول: ما دمنا قد خلصنا من الاحتلال على أي حال فهذا خير من التجمُّد الدائم. والعبرة بالتحرك والالتفات إلى بناء نهضة مصر. والثورة قد أزالت هذا «الدمل» من جبين مصر لتفرغ إلى ما هو أهم، وهي ماضية الآن فعلًا نحو النماء الاقتصادي المنشود.

… ومشروع السد العالي

وها هو ذا مشروع السد العالي سيكون — كما تصفه لنا الثورة — فاتحة خير وبركة … وهو مشروع كان موجودًا في أدراج حكوماتنا السابقة، ويبدو أنه فُحِص ولم يُنفَّذ؛ إما لضخامة تكاليفه، وإما لأسبابٍ أخرى لم تُكشَف لنا بوضوح. ولم تتم مناقشته مناقشةً علنيةً مفتوحةً ليعرف الناس الرأي وضده، ولكن الثورة تبنَّته فآمنَّا به جميعًا، ولم نسمع بأحد عارضه، إلا مهندس كبير هو الدكتور «عبد العزيز أحمد» … ويظهر أنه أحس بغضب الثورة عليه، فغادر البلاد … وعندما فاز في غيبته بجائزة الدولة التقديرية في العلوم، وقد اختاره لها أكابر علماء البلد من زملائه وتلاميذه، رفضت الثورة مَنْح الجائزة له. ولم تُعرَف بشكل مفصل أسباب معارضته للمشروع؛ لأن الآراء المعارِضة حتى في المسائل العلمية لا تأخذ حظها من النشر.

بلا مناقشة

فأسلوب الثورة لم يَقُم على أساس مناقشة الأشياء، وهو الأسلوب الذي كنا نعرفه في مصر من أيام ثورة ١٩١٩م، بل كنا نعرفه قبل ذلك. وأذكر في شبابي الأول أن الحكومة أرادت إنشاء خزان، ولعله خزان جبل الأولياء — فأنا أكتب من الذاكرة — فإذا المشروع يُناقَش علنًا في حضور الشعب. ولم يكن في البلاد بعدُ برلمان. وحدث أن عارض المشروع أحد المهندسين المصريين، فأعلن عن محاضرة في قاعة مسرح «برنتانيا» (مكان سينما كايرو بالاس الآن)، فذهبنا، وكان صباح يوم جمعة، وامتلأت الصالة بالناس … وجعل المهندس المصري يُفسِّر رأيه بالرسم والأرقام على سبورة، ويُفنِّد ويُعارِض رأي المهندس الإنجليزي «ولكوكس»، ومصر وقتئذٍ تحت الاحتلال الإنجليزي، ولكن ذلك لم يمنع مصر من أن تحاول بنفسها أن تخلق فيها الرأي العام الذي يسمع ويناقش ويميز ويحكم … غير أننا عندما قامت ثورة ١٩٥٢م وأحببناها وأيَّدناها بقلوبنا طمعًا في مستقبل أفضل، لم نكن نناقش أي مشروع تؤيده، وربما لم نكن نستطيع، ولعلها هي لم تُرِد أن تشجعنا على ذلك؛ ولذلك بادرت هي للفور تسعى إلى تنفيذ مشروع السد العالي، واعتمدت في تنفيذه على أمريكا بالطبع؛ فأمريكا هي التي وقفت بجوار الثورة عند قيامها، وأسكتت الإنجليز المرابطين في القناة، وإلا لكانوا قد جاءوا بدباباتهم وطائراتهم وأجهضوا الثورة في نصف ساعة. ولكن العلاقات بين الثورة وأمريكا ما لبثت أن توتَّرت للأسباب المعروفة وغير المعروفة؛ فقد قيل إنه حتى ذلك التوتر كان مخططًا له في السياسة الأمريكية ليؤدي إلى إخراج إنجلترا وفرنسا من المنطقة وتسليم قناة السويس لمصر، في مقابل فتح خليج العقبة لإسرائيل … وهذا ما نُفِّذ بالفعل في ١٩٥٦م باتفاق سري بين «أيزنهاور» وعبد الناصر، وظل أمره مخفيًّا إلى عام ١٩٦٧م … وهكذا كان أن تعمَّد وزير خارجية الولايات المتحدة مستر «دالاس» أن يقول ذلك القول الذي أغضب «عبد الناصر»، فكان رد فعله الانفعالي المعتاد والمتوقع دائمًا لدى أمريكا، كما كان معروفًا أيضًا لدى السوفييت … ووصْف «خروشوف» مشهور يوم قال عن عبد الناصر إنه شاب مندفع انفعالي (صفحة ١٩٦ من كتاب «عبد الناصر والعالم» لمحمد حسنين هيكل) … وبالفعل صدر تأميم القناة مع دفع تعويضات، وفي وقتٍ لم يَبْقَ فيه سوى أقل من عشرة أعوام لانتهاء امتياز هذه القناة، وعودتها قانونًا إلى ملكية مصر بدون دفع أي شيء … وكانت مصر تُعِد نفسها بالفعل لاستلام القناة.

وأذكر أن صديق عمري المرحوم «حلمي بهجت بدوي»، الذي زاملني في مراحل الدراسة حتى باريس، وساكنني في شقة الجيزة يوم كان هو أستاذًا بكلية الحقوق وكنت مديرًا لتحقيقات المعارف، عندما عُيِّن وزيرًا للتجارة والصناعة في عهد الثورة، وكان قبلها قد رفض أن يكون وزيرًا للمالية في حكومة «حسين سري باشا»، فكَّر في مشروعٍ يسير جنبًا إلى جنب مع القناة بعد تسلُّمها … هذا المشروع هو مد أنابيب بترول من السويس إلى بورسعيد أو الإسكندرية؛ وذلك لحث الشركة العالمية على سرعة تسليمها القناة لمصر، ولأسباب أخرى اقتصادية، وقطع شوطًا كبيرًا في دراسة هذا المشروع والإعداد لتنفيذه ومفاوضة الشركات ليعرف التكاليف، وكانت يومئذٍ مشجعة غير مرتفعة. ووافق عبد الناصر على هذا المشروع، ثم عاد فرفضه. وها نحن أولاء اليوم نعود إليه ونُفكِّر في تنفيذه … وكان حلمي بهجت بدوي في مهمة بأوروبا يوم تأميم القناة، وفوجئ بذلك، وعاد إلى مصر، فعيَّنه عبد الناصر تقديرًا لكفاءته رئيسًا لهيئة القناة بعد تأميمها. وكان هو أول رئيس لها شارك في إدارتها بكفاءته الفذة، حتى وافاه الأجل المحتوم.

العدوان الثلاثي «المفاجئ»

وبعد التأميم قامت القيامة المعروفة … وكنت أنا أول المُتحمِّسين لهذا التأميم، وكان يجيئني من يقول لي بارتياعٍ إن هذا التأميم جنوني … إن هذا التأميم كارثة على البلد، فكنت أَهُبُّ في وجه من يقول ذلك هبَّةَ غضب شديد. وعندما جاءت الجيوش والطائرات إلى بورسعيد وبدأ العدوان الثلاثي، أرسلت برقية إلى عبد الناصر أقول فيها: «إني وأنا كهل يسير نحو الستين، مستعد لحمل السلاح» … كنت في ثورة ١٩٥٢م وفي كهولتي أُفكِّر بقلبي، وكنتُ في ثورة ١٩١٩م وفي شبابي أفكر بعقلي … ولست أدري سببًا لذلك! قناة السويس كانت دائمًا مطمع أنظارنا، وها هي ذي في يدنا … والباقي لا يهم.

ولكن كانت هناك مع ذلك ومَضاتُ فِكرٍ تجعلني أتأمل بعض الأمور وأعجب لها؛ فلا أنسى خطبة الجمعة المشهورة التي أعلن فيها عبد الناصر أنه لم يكن يظن أن بريطانيا ستشترك حقًّا في العدوان على مصر مع إسرائيل؛ لأن ذلك في نظره يُعرِّضها لغضب العرب، وأنه لم يعرف باشتراكها إلا عند سماعه أزيز الطائرات البريطانية، فصعد إلى سطح منزله ليتأكَّد من ذلك بنفسه. قلت في نفسي: صحِّ النوم! كيف كان رئيس دولتنا يجهل هذا الأمر، وأنا الذي ما ارتبتُ لحظةً في أن بريطانيا جادة في الحرب، منذ أن قرأت وسمعت البرقيات والإذاعات تتحدَّث عن اجتماعات «إيدن» بقواده، وإصدار الأوامر إلى السفن الحربية في مالطة والقاعدة الجوية في قبرص بالاستعداد، بل إن بعض هذه السفن قد أُعِدَّت فعلًا وتحركت بالجنود في اتجاه الشرق الأوسط؟! لعل عبد الناصر قد فَهِم أن هذا كله من قبيل التهويش! ولكني أنا قد أخذت الأمر مأخذ الجد؛ لأني استبعدت على حكومة جادة مسئولة في دولة كبريطانيا تُعِد الجيوش والسفن، وتُعبِّئ الجهود، وتنقل الجنود وتتكلَّف النفقات لمجرد التهويش. والموقف لم يكن يستدعي ذلك؛ لأنه كانت هناك حلول معروضة بالفعل، ولكن لأسباب مختلفة كان إيدن — كما ظهر من لهجته وإصراره — قد قرر انتهاز الفرصة لإعادة النفوذ البريطاني إلى المنطقة.

كيف إذن خطرت لعبد الناصر هذه الفكرة: أن إيدن عندما كان يُلوِّح بالحرب ويُجري الاستعدادات لها على هذا النحو إنما كان ذلك مجرد تهويش؟!

يُهوِّش بالحرب

إن الإنسان أحيانًا يرى الأشياء والأشخاص من خلال طبيعته؛ فهل كانت طبيعة عبد الناصر هي التهويش؟ إذا راجعنا ظروف حرب ١٩٦٧م ونشْر جيوشنا كلها في سيناء بشكل استعراضي هائل، وتكديسنا هناك لكل دباباتنا الجديدة والقديمة، وكل جنودنا المُدرَّبين وغير المُدرَّبين، تضخيمًا للعدد وتكبيرًا للمظهر وإرهابًا بالمنظر، دون أن تكون هناك نية هجوم حقيقي؛ نجد أن المقصود هو الوصول إلى الهدف بالتهويش وليس بالعمل الفعلي. وهذا يؤكد ما أعتقده من أن عبد الناصر في داخليته رجل سلام، على الرغم من كلامه العنيف … إنه رجل يريد السلام ويُهوِّش بالحرب، في حين أن إسرائيل تريد الحرب وتُهوِّش بالسلام، وبذلك خدعت العالم، وجعلت نفسها في صورة الأمة الضعيفة المسالِمة المُهدَّدة بعدوان دولةٍ تفوقها عددًا وتُجعجِع بالحرب لتُلقِي بها في البحر. ومن يُهوِّش بالسلام ويُرِد الحرب يكسب الحرب … ومن يُهوِّش بالحرب ويُرِد السلام يخسر الحرب ويخسر السلام … وهذا كان حالنا.

كذلك استمعنا في خطبة الجمعة المشهورة أيضًا إلى ذلك الخبر المطمئن الذي أعلنه الرئيس عن نجاحنا في سحب جيوشنا من سيناء عام ١٩٥٦م، وكانت قد اندفعت إلى هناك عند بدء العدوان الثلاثي؛ فلما رأى الرئيس أن الهزيمة في الأفق، أصدر أمره في الحال بالانسحاب، وقد تم على أحسن وجه، وحَمِد الله وحمدناه معه.

ونفس الخطة سنة ١٩٦٧

ويظهر أن رئيسنا قد حفظ هذه الخطة حفظًا، وكرَّرها بحذافيرها في حرب ١٩٦٧م؛ ذلك أنه ما كادت الهزيمة تقع فيها أيضًا حتى بادر بإصدار أمر الانسحاب المعهود … ولكن شتَّانَ بين الحالَين والظرفَين والوضعَين! … ففي العدوان الثلاثي كان جيشنا في بداية زحفه، فأمكن سحبه، وكانت الحملة مُركَّزة على بورسعيد، وكانت أكبر دولتَين في العالم متفقتَين على ضرورة وقف الحملة في الحال وانسحاب المعتدين. وكانت هذه أول مرة في نظر العالم المُتعجِّب تتفقان فيها على شيء، وهدَّدتا معًا تهديدهما العنيف المعروف، فلم يَجِد المعتدون بدًّا من التراجع على الفور … وأُزِيلت آثار العدوان بسرعةٍ لا تخطر على بالٍ، وهرول العدوان الثلاثي راجعًا من حيث أتى، فلم تَمْضِ ثلاثة شهور حتى كان كل شيء قد عاد إلى أصله وكأن شيئًا لم يقع … ولكن ما كل مرة تسلم الجرَّة … وكلمة «إزالة آثار العدوان» ليست مما يُحفَظ حفظًا ويتحقَّق بسهولة في كل الأحوال؛ ففي العدوان الثلاثي، كانت الصورة مختلفة؛ فالأسدان الكبيران ما كانا يريدان السماح لبعض وحوش صغيرة أن تبسط نفوذها على الشرق الأوسط وتتحكَّم في قناة السويس، فهبَّا معًا هبةً واحدةً، وزأرا الزئير الذي أخاف الضبع والذئب والثعلب الصغير، فهربت جميعًا تاركة خلفها الفريسة في الأرض، لا حول لها ولا طول. وكانت بورسعيد قد سقطت في أيدي المعتدين من أول وثبة وانتهى أمرها … كانت الإسماعيلية في متناول المخالب والأنياب، ولكن الفزع من الأسدَين جعل هذه المخالب والأنياب ترتدُّ عن الفريسة وتُولِّي الأدبار.

الفريسة تهتف: انتصرنا!

ونهضت عندئذٍ الفريسة التي نجت بمعجزة، وأخذت تَصِيح في الآفاق: انتصرنا … انتصرنا … وتَزعَق الأناشيد في الأبواق، مشيدةً بمعركةٍ تُماثِل معركة ستالينجراد، قيل إنها في بورسعيد! وقد لا يكون في ذلك ضرر ولا بأس؛ فما من عيب في رفع الروح المعنوية للشعب … ولكن الضرر هو أن يكون الغرض هو خداع الناس … وليس رفعُ الروح أن نتلاعب بكلمة النصر لنخفي عن الشعب أسباب عجزنا عن الدفاع عن أرضنا. وقد ظهرت نتيجة ذلك فيما بعد؛ فقد كان من جرَّاء خداعنا لأنفسنا وتصديقنا للأكاذيب التي نُذِيعها عن أنفسنا وللتهاويل التي نضعها ونطلقها في الإذاعات والأناشيد والأغنيات أن قمنا ننشط للمغامرات الحربية.

مغامرة اليمن

فما كادت قناة السويس تستقر في أيدينا بأعجوبة في عام ١٩٥٦م ونرى ذهبها يلمع في أكفِّنا، حتى مَضَينا نُلقِي به على تلال اليمن. وكانت قبائل اليمن التي نريد استمالتها إلى جانبنا لا ترضى بغير الذهب، فكانت تُلقَى إليهم من طائراتنا الزكائب الممتلئة بالأصفر الرنان، كما كانت تُرمى من الجو لجيوشنا أطنان التموين والغذاء من صفائح الجبن الفاخر والمُعلَّبات واللحوم والفواكه، ولكن الشمس الحارقة، وعدم وجود ثلَّاجات كان يفسد هذه الأطعمة، فتُترَك في أماكنها مُكدَّسة، وقد لعب فيها الدود، وانتشرت منها رائحة العفن، فلا يقربها أحد … وأهل مصر من الجياع والمحرومين لا يعرفون أن طعامهم هذا الذي يتمنونه ملقًى للحشرات على تراب اليمن السعيد. وهل استملنا مع ذلك قبائل اليمن بذهبنا؟! قيل إن القبائل — حتى الموالية لنا — كانت تأخذ ذهبنا بالنهار وتترصَّد لضبَّاطنا وجنودنا في الليل، فتصطادهم وتجزُّ رءوسهم وتبيعها للطرف الآخر غير الموالي، ثم بعد ذلك انتهى الأمر باليمن كلها أن سارت مخالفةً لمصر في اتجاهها السياسي.

إن تاريخ حرب اليمن سيُكتَب يومًا في صفحات صادقة لنعرف حقيقة ما جرى هناك. وماذا كانت النتيجة التي خرجنا بها؟! إن من المُؤكَّد الآن هو أنه بالإضافة إلى الأرواح التي ضاعت من جيوشنا، وتُقدَّر فيما يقال بعشرات الآلاف من الرجال، فإن المعروف أيضًا أن غطاء الذهب الذي نملكه قد ضاع بأكمله في هذه الحرب الضائعة، وضاع معه أملنا في تحسين حالنا!

وحرب وهزيمة ثالثة

ولكن هل اكتفينا بحربَين وهزيمتَين؟! لا، لا بد من الثالثة … وكانت حرب وهزيمة ١٩٦٧م … أي إنه في مدة نحو عشرة أعوام من سنة ١٩٥٦م إلى سنة ١٩٦٧م قد استهلكنا — أو على الأصح: استهلكتنا — ثلاث حروب بثلاث هزائم، لا ندري بالضبط كم كلَّفتنا من آلاف الأرواح، ولا كم من آلاف الملايين من الجنيهات … إنما الذي ذُكِر ونُشِر هو أن ما خسرناه في الحرب الأخيرة وحدها يُقدَّر بنحو أربعة آلاف مليون جنيه؛ أي — كما قيل أيضًا — إن هذا المبلغ لو أُنفِق على قرى مصر البالغ عددها أربعة آلاف قرية، لكان نصيب كل قرية مليون جنيه، تخلقها خلقًا جديدًا، وترفعها إلى مستوى قرى أوروبا … ولكن قرانا المصرية بقيت على حالها المُحزِن التَّعِس، وفلَّاحنا المسكين بقي على جهله ومرضه وفقره … وراحت آلاف الملايين التي جاءت من عرق مصر لتذهب في الوحل وفوقها هزيمة منكرة، بل فوق الهزيمة المنكرة أكثر من خمس سنوات حتى اليوم تمر على مصر وهي راكدة بلا حرب ولا سِلْم، تنفق على جيشها المُعطَّل من الأموال ما يكفي — كما قال «محمد حسنين هيكل» في مقاله بالأهرام بتاريخ ٢١ يوليو ١٩٧٢م — لبناء السد العالي مرتَين، أو سدَّين عاليَين كل عام نبنيهما ثم نهدمهما ليسقطا في التراب!

ما حكم التاريخ؟

ما هذا الجنون؟ وماذا سيقول التاريخ في هذا الذي جرى في عهد هذه الثورة، وهو الذي قال ما قال عن عهد «الخديو إسماعيل»؛ لأنه استدان بضع عشرات من الملايين أنفقها في مد السكك الحديدية وفي تعمير البلاد وإدخال زراعات جديدة، وفي بناء قصور بقيت لنا على كل حال حتى الآن كمنشآت استخدمتها المصالح والوزارات على مدى سنوات، ثم في بناء أشياء أخرى مثل دار الأوبرا التي انتفعنا بها كمصدر إشعاع فني وأدبي على مدى أجيال، وفي غير ذلك مما سُمِّي في وقتٍ ما ترفًا أو سفهًا، وما هو — فيما يمكن أن يقال — إلا بعض مظاهر الحضارة العصرية التي أراد لمصر أن تلحق بها؟! وإذا كان التاريخ قد أدانه، فهل نطمع في أن يُبرِّئنا نحن؟! إني أرجو أن يُبرِّئ التاريخ عبد الناصر؛ لأني أحبه بقلبي … ولكني أرجو من التاريخ ألا يُبرِّئ شخصًا مثلي، يُحسَب في المفكرين، وقد أعمته العاطفة المحبة للثورة عن الرؤية ففقد الوعي بما يحدث حوله. لقد كانت ثقتي بعبد الناصر تجعلني أُحسِن الظن بتصرُّفاته، وألتمس لها التبريرات المعقولة، وعندما كان بعض الشك يُخالِجني أحيانًا، وأخشى عليه من الشَّطط أو الجَور، كنت ألجأ إلى إفهامه رأيي عن بُعد وبرفق، وأكتب شيئًا يفهم منه ما أرمي إليه.

فقد خفت يومًا أن يجور سيف السلطان في يده على القانون والحرية، فكتبت «السلطان الحائر»، ثم خفت أن يكون غافلًا عما أصاب المجتمع المصري قبيل حرب ١٩٦٧م من القلق والتفكُّك، فيعتمد عليه في الإقدام على مغامرة من المغامرات، فكتبت «بنك القلق» … وهي كلها كتابات مترفقة بعيدة عن العنف والمرارة، لمُجرَّد التنبيه لا الإثارة … وكما علمتُ، فقد قرأها وفهم ما أقصده منها، ولكنه فيما ظهر لم يأخذ بها، بل اندفع في طريقه.

ولم يكن من السهل مع ذلك أن أنشر كتاب «بنك القلق»؛ فقد ظل هذا الكتاب أكثر من نصف عام حبيس الرقابة لا تسمح بنشره، إلى أن سمع المسئولون أنه قد يُنشَر في الخارج، فاضطروا إلى السماح بنشره اضطرارًا. وفوق ذلك فإني لم أكفَّ عن كتابة ما أراه مما اعتبروه خطرًا. وفي أدراج مسئول كتابات لي لم يُسمَح لها بالظهور حتى اليوم، وبعضها كان يُقرَأ سرًّا كالمنشورات الخفية … فالقلم لا يستطيع أن يسكت، حتى مع وجود الحب ونقص الوعي.

فالمعارضة والاحتجاج على ما علمنا به من فساد، قد فعلناه بالكتابة فيما نُشر وفيما لم يُسمَح بنشره، وبالتبليغ المباشر إلى صاحب الشأن شفويًّا أو خطيًّا. ولكن القضية ليست هنا؛ فالصوت الفردي قليل الجدوى مهما تكن وسيلته وشجاعته. القضية هي في غياب الصوت الجماعي الممثل به الهيئات السياسية والقضائية والعلمية والجامعية والثقافية … أين شجاعتها؟! ولماذا لم يصدر عنها صوت أو حركة، ولو رمزية، تدل الحاكم المطلق على أن البلاد واعية تنبض بالحياة؟! ولكنها لم تتحرك دفاعًا عن الحرية أو الكرامة؛ إما غفلةً منها وإما انقسامًا بعضها على بعض. ولست أُبرِّئ نفسي بهذا؛ لأنني أعتبر أن إدانتي الحقيقية هي فقدان الوعي الكامل بالوضع وأنا في الشيخوخة، وبعقل يعيش بالتفكير … ولا تفسير لذلك سوى أن مصر عاشت في فترةٍ حُجِبت عنها كل المعلومات وأُخفِيت كل الحقائق، وأعلنت كل الأكاذيب بكل وسائل النشر والإذاعة والإعلان.

آية السخرية

إن ما حدث لي يوم ٥ يونيه ١٩٦٧م وما بعده لَآية من آيات السخرية التي تثير الدهشة والعجب … كنت متهيئًا للخروج في الصباح، وإذا صفارات الإنذار تُدوِّي على غير انتظار، فحسبتها مجرد تجربة من تجارب الغارات الجوية، وخرجت إلى الطريق، فإذا هرج ومرج، وإذا هي غارة جوية حقيقية، وإذا بمُتطوِّعي الدفاع المدني من الشباب يقفون في وجه السيارات يُحوِّلونها من شارع إلى شارع، فارتبك المرور، وتكدَّست السيارات، وسَدَّت مداخل الطرقات، لا تدري أين تتجه، ومن آن إلى آن تسمع طلقات سريعة متلاحقة للمدافع المضادة للطائرات.

وذهبت إلى مكتبي بجريدة «الأهرام»، فوجدت أحد سعاة المكتب في يده راديو ترانزستور صغير، يعلن في كل ربع ساعة بيانًا من المسئولين في وزارة الحربية أو قيادة الجيش أننا أسقطنا للعدو مائة طائرة، وعندما جاء الظهر كان عدد ما أسقطناه من الطائرات قد بلغ قرابة المائتين … أما في المساء فقد ارتفع العدد إلى ما لا أذكر من أرقام، فما شككت في أن العدو قد انتهى أمره. وسرت في شوارع القاهرة من ميدان التحرير إلى ميدان سليمان باشا، فإذا لافتات كبيرة علَّقها الاتحاد الاشتراكي كُتِبَت عليها عبارات النصر، ثم عبارات تقول: «إلى تل أبيب.»

وكان الجو كله الذي حولنا يكاد يُشعِرنا بأن دخول جيوشنا في تل أبيب لن يتأخر عن التاسعة مساء من نفس اليوم (٥ يونيه ١٩٦٧م) ولكن جاء اليوم التالي والبيانات العسكرية تشير إلى اشتداد المعارك في سيناء، فرسمت في رأسي صورة لخطة جيوشنا الظافرة … فلما دخل عليَّ زائر صديق يقول لي في قلق وحزن إنه سمع من الإذاعات الأجنبية أن العريش قد سقطت في يد العدو، وأن جيوشنا تتقهقر باستمرار، لم يظهر عليَّ أي انزعاج، وقلت في هدوء وابتسام وبلهجة الوثوق التام: اسمع … أنت لا تفهم خطة جيوشنا … لقد اتضح لي الآن أنها لا تقصد الوصول إلى تل أبيب ولا التوغل في أرض العدو، إنما هي تريد استدراج جيشه إلى أعماق صحراء سيناء والقضاء عليه؛ لأن احتلال أراضيه أمر قد تقوم له قيامة هيئة الأمم ومجلس الأمن، فينتهي الحال إلى التراجع عنها، كما حدث له هو يوم احتل غزة وبعض سيناء عام ١٩٥٦م واضطر مُرغَمًا إلى الانسحاب عنها. أما تحطيم قوته العسكرية وإنزال الخسائر الجسيمة بها فهو لا شك هدف أهم وأبقى في نظر قيادتنا … هذه هي الخطة، وهذا هو سر التراجع والتقهقر في صفوفنا. ولبثت مطمئنًا إلى تفسيري هذا … ومضت الأيام التالية، وقواتنا مستمرة في تراجع يشبه الركض، تاركةً في شبه هرولة كل المواقع من شرم الشيخ إلى رفح، وأنا لا أزال هادئًا مبتسمًا بتفسيري وبالخطة العسكرية التي أنشأها خيالي!

هزيمة غير معقولة

ذلك أنه لم يكن من الممكن عقلًا ولا منطقًا أن نُصدِّق بسهولة أن جيوشنا يمكن أن تُهزَم في بضعة أيام. لقد لبثنا الأعوام وهم يروون عنها الأعاجيب، ويجعلوننا نرى في كل عيد من أعياد الثورة استعراضات عسكرية تحوي أحدث طراز من الدبابات، ونرى فيها الصواريخ التي سُمِّيت «القاهر» و«الظافر»، ونرى فِرَقًا يُطلَق عليها اسم «الصاعقة»، تركض وهي تهدر هديرًا مخيفًا، ونرى جنودًا تهبط من الأعالي وتقفز فوق الجدران، وتُمزِّق وتأكل الثعابين … ثم سمعنا في الخطب عن قوة طيراننا التي لا مثيل لها في الشرق الأوسط، وأبصرنا أسرابها وهي ترعد في السماء … وجعلنا ندفع من عرق الجبين طيلة سنين ضرائب دفاع وطني وأمن قومي، علاوةً على المستحَق من الضرائب العادية، اقتُطِعت من لحم الشعب الذي حرم نفسه كثيرًا؛ تدعيمًا لجيشه. وكانت الدعاية لهذا الجيش تجعل أكثر الناس تشاؤمًا وتشككًا في الثورة يقول — كما سمعتُ ذلك بنفسي من أفواه ذلك الطراز من الناس —: «ربما كانت الثورة فاشلة في كل شيء إلا — والحق يقال — في الجيش؛ فرجالها أصلًا رجال جيش، وهو عماد وجودهم، وقد أنفقوا عليه ما أنفقوا؛ فإذا اختل كل شيء في المجتمع على أيديهم، فلا يمكن أن يصل الخلل إلى الجيش …» كان هذا النفر من المتشككين في الثورة يقول في صباح ٥ يونيه ١٩٦٧م: نعم، سينتصر جيشنا على العدو وبالطبع «سينتصر، وهذا شيء مفروغ منه، لكن العبرة بالنتيجة، والنتيجة كارثة إذا تدخَّلت أمريكا مباشرةً ضد مصر.»

لم يكن إذن من الممكن لشخص واحد، سواء أكان مع الثورة أم ضدها، أن يشك في قدرة الجيش المصري على صد العدو وقهره، وزاد التأكد يوم شاهدنا في التليفزيون رئيسنا يواجه الصحفيين الأجانب الموفدين من أكبر صحف العالم ليسألوه قبل ٥ يونيه والأزمة مستحكمة عقب إغلاقه خليج العقبة: ماذا هو فاعل إذا جاءت السفن الحربية من بريطانيا أو أمريكا لفتح هذا الممر المائي الذي أغلقه؟ فأجاب بثقة القادر: «سيجدون هناك قوة لا يتصوَّرونها.»

ما شككتُ وأنا أشاهد ذلك وأسمعه في التليفزيون أن هناك صواريخ ذرية في الانتظار. لم يخطر ببالي قط أن مثل هذا الكلام قد يكون من قِبَل التهويش. والظاهر أنه كان في خارج بلادنا من يَزِن مثل هذا الكلام الوزن الحقيقي؛ فقد سمعت — ولا أذكر في أي تاريخ — أن عضوًا من الكونجرس الأمريكي قال وهو يقرأ خطبًا من مثل هذا القبيل لعبد الناصر: «هذا الرجل يبلف» … ولكننا في مصر، ما كان أحد منا يرتاب أو حتى يراجع قليلًا حقيقة ما يُلقَى علينا. هل كنا مسحورين، كما سبق أن قلت، أو أنها الثقة التامة في زعيمٍ وضعنا أملنا به، أو أننا اعتدنا هذا النوع من الحياة التي جعلتنا الثورة فيها مجرد أجهزة استقبال داخل صندوق مغلق علينا مع الأكاذيب والأوهام؟

وهكذا لبثت حتى يوم الخميس ٨ يونيه وأنا أعيش داخل وهم خططهم العسكرية. وكلما قيل عن تقهقرٍ لجيوشنا، ازداد اعتقادي بأن الخطة تُطبَّق بإحكام، وأن هذا التقهقر هو عملية التفاف حول جيش العدو، وحركة كماشة واسعة للتضييق عليه … إلى أن اتصل صديق بالتليفون قبيل منتصف ليل ذلك اليوم الخميس ليخبرني أنه قد أُعلِن رسميًّا في مجلس الأمن، أو هيئة الأمم المتحدة، أن مصر قبِلت وقف إطلاق النار … فأفقت قليلًا: كيف قبِلت مصر ذلك وهي منتصرة؟! ثم شطَّ خيالي مرة أخرى، وفسَّرت الأمر على أن قبول مصر التوقف عن المضي في انتصاراتها إنما جاء نزولًا على رجاء أمريكا، ووعدها بتعويض مصر بمعوناتٍ مغرية في نظير هذا التوقف عن إطلاق النار!

الحقيقة المذهلة

لم أعرف الحقيقة ويَعْتَرِني الذهول إلا في يوم الجمعة ٩ من يونيه … فقد ظهر أننا خسرنا الحرب منذ الساعات الأولى من يوم ٥ يونيه … وعندما رأينا وجه الرئيس في شاشة التليفزيون يُعلِن الهزيمة ويُخفِّفها بلفظ «النكسة»، لم نُصدِّق أننا بهذا الهوان، وأن إسرائيل بهذه القوة … وكان أكرمَ له وأعظمَ لو أنه اختفى عن أنظارنا في ذلك اليوم ولم يواجهنا بكلام. ربما كان خيالنا قد ضخَّم لنا صورة آلامه التي لا يمكن أن تُحتمَل … ولكننا مع ذلك تأثَّرنا، وعاد فامتلك عواطفنا؛ لعلمه وقوله إننا شعب عاطفي، وأنسانا الهزيمة وجعلنا نرقص حتى في مجلس الأمة لمجرد وجود شخصه بيننا، بدلًا من أن نسائله، ولو برفق ومحبة، عن أسباب الهزيمة لنعرف أمراضنا حتى نتهيَّأ للصحة، لا أن ندعه ليكتم المرض ويخنق الحقائق ليبقى الفساد كما كان، خشيةً على تصدُّع مركزه.

لم يكن بالطبع هذا الشعب في حالة طبيعية من الوعي كأي شعب آخر في مثل هذه الظروف، يسائل زعيمه، على الأقل، بوعي حاضر، ولا أقول: يحاكمه أو يطالبه بدفع ثمن الهزيمة كما فعل الشعب الفرنسي مثلًا الذي لعن «نابليون» وتركه للنفي بعد معركة واترلو … وأخذ هو يُجدِّد حياته بدونه وبنفسه، مع أن زعيمه شرَّفه بانتصارات عسكرية مجيدة ساد بها أوروبا كلها، ناشرًا مبادئ الثورة الفرنسية، ومُبشِّرًا بالوحدة الأوروبية. لقد تركوه يدفع ثمن هزيمته الوحيدة؛ تلك الهزيمة التي تُسبَّب فيها أحد مارشالاته بتخاذُله عن اللحاق به في المعركة. لقد عاش هذا المارشال «جروش» ولم يُمَسَّ، وتحمَّل نابليون كل الذنب والمسئولية.

وأما عندنا فإن قائدنا الخالد بهزائمه العسكرية المتلاحقة التي غامر فيها بأموال شعبٍ فقيرٍ ليحتل أرضَه في النهاية عدوٌ صغيرٌ، بقي ليتنصَّل من هزيمته ويجعل مُشيرَه هو الذي يدفع عنه الثمن بانتحاره، ويُقدِّم قُوَّاده إلى المحاكمات وتُلقَى عليهم التَّبِعات، وحتى من أراد أن يكتب تلميحًا عن فساد أو هزيمة أو نكسة … فيجب إبعاد شخص الزعيم عن كل مسئولية؛ فالمسئولون دائمًا هم الآخرون … وهكذا استمر هو في كرسي الحكم على مصر والزعامة الناصرية على العرب جميعًا — تلك الزعامة التي خرَّبت مصر ونَكَبَت العرب — ونحن ليس لنا حيلة ولا قوة إلا التعلُّق به؛ لأنه جرَّدنا طول الأعوام من كل فكر مستقل ومن كل شخصية قوية غير شخصيته هو.

وقد نجح في ذلك إلى حد جعل كل شخصية في بلادنا — حتى في مجال العلم والفكر والثقافة — تشعر بضآلتها إلى جانب ضابط صغير من أعوانه. ولذلك عيَّن لرئاسة المجلس الأعلى للجامعات والمجلس الأعلى للآداب والفنون والعلوم الاجتماعية ضابطًا صغيرًا في السن وفي درجة التعليم، وجعل علماءنا الكبار يجلسون أمام رئيسهم الضابط الصغير مُتأدِّبين … وإذا تلقَّوا تكريمًا أو مكافأة فمن يدَيه هو لمَن كان مَرضيًّا عنه. أما غير المَرضِيِّ عنه فيُحرَم. ولم يظفر فعلًا بالرضا … وحُرم من جائزة الدولة التقديرية بعض مفاخر بلادنا، ومنهم الدكتور «عبد الحميد بدوي» القانوني العالمي الذي كان نائبًا لرئيس محكمة لاهاي الدولية، على رغم ترشيحه مرارًا من عارفي فضله، كما سبق أن حُرم بالأوامر نابغة المهندسين الدكتور «عبد العزيز أحمد» رغم انتخابه بالفعل من صفوة العلماء، وكاد يُحرَم كذلك رغم انتخابه الدكتور «السنهوري» مؤلف أكبر موسوعة قانون، وواضع القوانين لكثيرٍ من البلاد العربية، لولا المساعي التي بُذِلت، وأهمها جهود «محمد حسنين هيكل» الذي حال دون التمادي في مساوئ كثيرة لذلك العهد، سواء كانت هذه المساوئ من فعل الزعيم أو بعلمه، أو من فعل أعوانه وبغير علمه؛ ذلك أن رجال الأقدار لا تُخفِّف من مسئولياتهم البواعثُ ولا التبريراتُ؛ فهم بوصفهم المسئولين عن مصائر الأمم، يُحاسَبون فقط على النتائج ويتحمَّلونها، حتى وإن تسبَّب فيها آخرون؛ فإليهم دائمًا تُنسَب الفضائل والمكاسب كما تُنسَب المساوئ والخسائر.

ولكن الزعيم، ولا شك، مسئول شخصيًّا عن تعيين الضابط الصغير السن والتعليم رئيسًا لعلماء البلد ومُفكِّريه، في حين أن «نابليون» عندما احتلَّ مصر ومعه نخبة من علماء فرنسا وأسَّس فيها المجمع العلمي المصري، لم يجرؤ — وهو نابليون — على تعيين نفسه رئيسًا لهذا المجمع العلمي، بل جعل الرئيس هو العلامة «مونج»، وجعل نفسه مجرد نائب عنه.

فلا عجب إذن أن نتمسَّك بزعيمنا بعد الهزيمة، وأن نجعل وجوده الشخصي بديلًا عن النصر أو مرادفًا له؛ لأنه كان قد أشعَرَنا بكل هذه الوسائل أنه لا يوجد في مصر ولا في العالم العربي كلِّه غير عقل واحد وقوة واحدة وشخصية واحدة هي «عبد الناصر»، وبدونه لا يوجد شيء … فلا رجال ولا عقول ولا قوًى يُعتمَد عليها، وليس أمامنا إلا الضياع! وهكذا الفاشستية والهتلرية والناصرية؛ كلها تقوم على أساس واحد هو إلغاء العقول والإرادات الأخرى ما عدا عقل وإرادة الزعيم … وكلها شاهدت هجرة العديد من العقول إلى الخارج كما حدث أيضًا لكثيرين في مصر … وكلها تترك بعدها شبحها مسيطرًا، وفي ميراثها خيولًا يركبها باسمها الطامعون والمغامرون.

إن فكرة الزعامة على العالم العربي هي التي أضاعتنا جميعًا، وهي التي استحوذت على فِكر عبد الناصر وجعلته قوةً مدمرةً لنفسه ولمصر وللعرب … وهو درس يجب أن نعيه جيدًا لمقاومة كلِّ مَن تُراوِده نفسه على زعامة العرب، والسيطرة عليهم بشخصه وبإرادته وأفكاره.

وهكذا بقي الزعيم موجودًا دائمًا، يُمنِّينا بكلماته المعتادة عن النصر، وعادت الأناشيد من جديد تُردِّد كلمة النصر، ولكن النصر تغيَّر مفهومه، وأصبح هو جلاء إسرائيل عن الأراضي التي احتلتها، وعودتنا إلى ما كنا عليه قبل ٥ يونيه ١٩٦٧م! ولقد كانت أمانينا الوطنية بالأمس انتهاء الاحتلال البريطاني عن أراضينا … اليوم أمانينا الوطنية هي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي عن أرضنا … ونحن مستمرون مع ذلك في ترديد شعار الثورة: «كيف كنا وكيف أصبحنا»!

ومرَّت على الهزيمة الأيام … وفي كل يوم تتضح لنا فداحة حجمها، لا عن طريق إعلان الحقائق رسميًّا، بل بأساليب ملتوية في سطور غامضة عابرة تندسُّ في مقال صحفي نفهم منه أن الجيش قد أُبيد، وأسلحته ومُعَدَّاته وأحدث دباباته وطائراته التي استنزفت دم مصر، ضاعت مع الأرواح التي قُدِّرت بعشرات الألوف، والأموال التي بلغت آلاف الملايين، ولم تُطلَق مع ذلك طلقة واحدة! وقال قُوَّاد دولة صديقة في عجب: لو أن كل دبابة صمدت وأطلقت طلقة، لتكبَّد العدو من الخسائر ما جعل الحرب تمتد إلى أجل معقول، وجعل الهزيمة إذا وقعت هزيمة بشرف … ولكنه القرار المعروف المألوف: قرار الانسحاب … من أول نظرةٍ؛ أي من أول نظرةٍ إلى سوء الموقف … أسلوب واحد هو طابعنا المميز في حروب الثورة الناصرية: توريط أنفسنا ثم الانسحاب.

ولكن الانسحاب في الحرب الأخيرة عام ١٩٦٧م كان باهظ الثمن، فظيعًا في منظره ونتائجه وآثاره … بل كان في رأي الخبراء العسكريين مجزرة بشرية رهيبة؛ فالأمر بالانسحاب السريع لجيشٍ كبيرٍ انتشر في الصحراء، واتخذ مواقعه بمُعَدَّاته على مدى أسابيع، ودعوته للجري حافيًا دون انسحاب فني مُنظَّم تحت وابل نيران العدو، لهو قرار أهوج من مسئولٍ فقد أعصابه ويستحق المحاكمة … وهو ما لم يحدث. وسُحِقت مصر سَحقًا بهزيمة لن ينساها التاريخ.

أين يُقام التمثال؟

وتُوفِّي عبد الناصر بعد ثلاث سنوات من الهزيمة، ولا ندري كيف أمكنه أن يعيشها؟! غلبت علينا جميعًا العواطف يوم وفاته … وأنا بنوع خاص … دفعتني المشاعر ودواعي الوفاء، فاقترحتُ إقامة تمثالٍ له في ميدان بالقاهرة، فجاءتني خطابات مُحبِّذة متأثرة مثلي بالعاطفة، وجاءتني قلة من الخطابات مترددة، ثم وجدت من بينها خطابًا يقول فيه صاحبه إنه موافق على إقامة التمثال، ولكنه يرى أن يكون مكانه ليس في القاهرة، بل في تل أبيب؛ لأن إسرائيل لم تكن يومًا تحلم بأن تبلغ بهذه السرعة هذه القوة العسكرية، ولا أن تظهر أمام العالم بهذا التفوُّق الحضاري، إلا بفضل سياسة عبد الناصر!

انتهت الثورة

كان من الطبيعي أن تنتهي ثورة ١٩٥٢م في يوم الهزيمة، وهي في الواقع تُعتبَر منتهيةً في نظر التاريخ. والمقصود طبعًا بكلمة «الثورة» هنا هو النظام الذي خرج منها؛ ذلك أن الثورات بمعناها الدقيق تنتهي عادةً بمُجرَّد تحويلها إلى نظام حكم رسمي … فثورة ۱۹١٩م مثلًا انتهت بعد أن أدَّت مهمتها باستقرارِ نوعٍ من الحكم الملكي البرلماني وتعيين زعيمها «سعد زغلول» رئيسًا للوزارة. والقول بأن ثورة ١٩١٩م فشلت أو انتهت بقيام ثورة ١٩٥٢م هو قول غير دقيق؛ لأنها انتهت قبل ذلك بثلاثين عامًا بتحويلها إلى نظام حكم رسمي. كذلك الثورة الفرنسية انتهت وأدَّت مهمَّتها بتحوُّل فرنسا إلى نظام حكم إمبراطوري في عهد نابليون … والثورة الروسية أدَّت مهمتها بعد أن تسلَّم «لينين» السلطة واستقرَّ نظام حكمه على نحو ثابت … بل إن الثورة الإسلامية كانت قد أدَّت مهمَّتها باستقرار «معاوية» في الحكم وتحوُّلها في عهد الأمويين إلى نظام ملك وراثي … كذلك الحال في ثورة مصر عام ١٩٥٢م؛ فقد أدَّت مهمَّتها باعتلاء زعيمها رئيسًا للجمهورية، واستقرار هذا النظام الذي جعل رياسة الجمهورية رياسة مطلقة … هذا النظام الدكتاتوري في جوهره وحقيقته هو الذي هزَّته الهزيمة هزًّا وصفه الرئيس بأنه شرخ. وكان طبيعيًّا أن يتَّسع الشرخ وينهار النظام. وما حدث بعد ذلك حتى اليوم يُعتبَر من قبيل التقلُّصات العصبية العاطفية، أو يُعتبَر من قبيل الدوَّار الذي يصاحب الوحم إيذانًا بميلاد مصر جديدة.

دراسة موضوعية

مهما يَكُن من أمر، فإن هذه المرحلة من مراحل مصر، التي استغرقت عشرين عامًا، سوف تكون موضع دراسة مستفيضة. وهذه المرحلة يمكن كذلك تقسيمها إلى فترتَين: الفترة الأولى، وهي التي كان الحكم فيها جماعيًّا، يشترك فيه كل من قاموا بالثورة، وهي ثورة ١٩٥٢م الحقيقية. أما الفترة الثانية فهي الفترة التي انفرد فيها عبد الناصر بالحكم المطلق بعد تنحية مجلس الثورة، وهي فترة ما يمكن تسميته بالثورة الناصرية. وأرجو لدارسيها بفترتَيها أن يكون رائدهم العدل والموضوعية، وألَّا تطغى على تفكيرهم الهادئ وبحثهم الرزين وحكمهم الرصين أيُّ حزازة أو مرارة أو مجاملة أو مبالغة، وأن تُذكَر لها ولقادتها المحاسن والمساوئ على السواء، وأن يُصوَّروا بأحجامهم الحقيقية، وألا يُقلِّدوا ثورة ١٩٥٢م أو نظامها في الانتقاص أو الإغفال لثورة ١٩١٩م أو رجالها، والرفع من شأن ثورة «عرابي» أكثر من قدرها، فكشف ذلك لبعض الفاحصين عن عقدة ومرض وغرض إزاء ثورة ١٩١٩م؛ لأنها كانت ثورة شعبية حقيقية، وعن مدح وإشادة بحركة «عرابي» لأنها تشبه ثورة ١٩٥٢م في أنها حركة جيش قامت تطالب «الخديو توفيق» بمطالب معينة كما قامت ثورة ١٩٥٢م كحركة جيش تطالب «الملك فاروق» بمطالب معينة. وكأن سخرية القدر شاءت أن يكون التشابه تامًّا، فجعل ثورة ١٩٥٢م تنتهي بهزيمة عسكرية واحتلال أجنبي، كما كانت نهاية ثورة عرابي!

كذلك لا ينبغي تقليد ثورة ١٩٥٢م في تشجيعها على التزييف والنفاق وطمس الحقائق، وجعل ثورة ١٩٥٢م هي تاريخ ميلاد مصر الحضاري، وأن ما قبلها هو الجاهلية. في حين أن ثورة ١٩٥٢م ما كان يمكن أن تقوم إلَّا على دعائم قوية من نهضة مصرية حقيقية قامت في الثلاثين سنةً السابقة على قيام الثورة. وإن نقدنا وهجومنا في كل ما كتبناه عن الحكم الفاسد، إنما فقط كان هجومًا ونقدًا على رجال الحكم من مَلِك وساسة وأحزاب.

مِن صُنع الدولة

ففساد الحكم في جانب، وكانت في الجانب الآخر مصر بعقولها وسواعدها وإرادتها الحرة. لقد كانت لثورة ١٩١٩م هذه الظاهرة العجيبة، وهي أنها أيقظت مصر فنهضت تبحث عن شخصيتها، وتُعيد روحها وحضارتها بنفسها من دون اعتمادٍ على حكَّام مصر وحكوماتها وساستها وأحزابها … فمصر بعد ثورة ١٩١٩م في حضارتها وفكرها وفنها واقتصادها هي من صُنع مصر، وليست من صُنع حكامها. أما بعد ثورة ١٩٥٢م فإن مصر هي من صُنع الدولة أكثر مما هي من صُنع نفسها. فإرادة الدولة وقراراتها المطلقة التي لا معارضة لها ولا مناقشة، هي التي تُوجِّه كل شيء في مصر، حتى مجرد الفكر. وهذا عكس ما حدث بعد ثورة ۱۹۱۹م. فثورة مصر السياسية عام ١٩١٩م، عندما انتهت كانت ثورةُ مصر الحضارية والفكرية قد بدأت. وإن ثورة مصر السياسية انتهت بتحوُّلها إلى نظام حكم ملكي أخذ يظهر فساده عامًا بعد عام. ولكن الثورة الفكرية والحضارية بدأت تسير يومًا بعد يوم، ويظهر تألُّقها ورسوخ أساسها بغير معونة الحكومات المشغولة عنها بنشاطها الحزبي والسياسي، إلى حدٍّ أذكر فيه أن مسابقة أدبية أُعلِن عنها في العشرينيات للتأليف المسرحي لم تفكر فيها الحكومة، بل الذي فكر فيها ودفع قيمة جوائزها فرد من الناس من جيبه الخاص.

أما في ثورة ١٩٥٢م فإن السياسة والفكر والحضارة وكل نشاط، تقوم به يد واحدة، وتخرج من رأس واحد … وليس معنى ذلك أن ما صنعته دولة الثورة كان سوءًا كله، أو أنه كان خاليًا من النفع أو من حسن النية. وهذا ما أردت أن يكون البحثُ فيه قائمًا على روح العدل والإنصاف والموضوعية التامة؛ فمصر قد عرفت نظامَين على مدى ثلاثين عامًا: النظام الديمقراطي على نحوٍ ما … ومن عيوبه التي لمسناها ونقدناها: التطاحن الحزبي، والجدل العقيم الذي يعرقل المشروعات النافعة ويبطئ تنفيذها … ومن مزاياه شيء من حرية القول والعمل والرأي والوعي المستقل، مع عدم المغامرات والمقامرات الخَطِرة … ثم النظام المبني على الحكم المطلق بإرادة فرد … من مزاياه التنفيذ السريع لما يراه من مشروعات نافعة، ومن عيوبه القرارات المتعجلة أو المفاجئة المبنية على المغامرات والمقامرات التي قد تُورِّط الأمة في ساعة واحدة، وتوردها موارد الهلاك.

تقييم مكاسب الثورة

كذلك إذا طُرِحت يومًا للفحص مكاسب الثورة — ثورة ١٩٥٢م — فيجب فحصها بالموضوعية العلمية، بعيدًا عن أي عاطفية؛ فمثلًا الإصلاح الزراعي يُدرَس من كل نواحيه، وهل وقف عند حد تحديد الملكية وتمليك الفلاح المُعدَم عدة أفدنة، أو أنه كان إصلاحًا زراعيًّا بالمعنى الحقيقي، زالت فيه جحور الطين التي تُئوي الفلاحين، واختفت معه صورة الفلاح الفرعوني بمحراثه الخشبي، وحلَّت محلها الآلات الحديثة، وحُرِّرت البهائم من الأعمال الشاقة — كما حدث في النهضات الزراعية الحقيقية — وخُصِّصت البهائم والمواشي لمد البلاد بالألبان واللحوم؟ والتصنيع … ماذا تم فيه؟ وما حدوده وأسواقه؟ وما الذي نجح منه وما الذي أخفق، بغير مغالاة ولا إجحاف؟ والاشتراكية … ما حقيقة تطبيقها؟ وما مداه؟ وهل هي مجرد التأميم … تأميم الثروات، وتأميم صراع الطبقات، وتأميم العقول، ووضع كل ذلك في جيب واحد هو جيب الزعيم، وفي إطار سياسي واحد واقتصادي واحد وفكري واحد هو شخص وعقل وإرادة الزعيم؟ وهل الاستيلاء على أموال وقصور طبقة لتحلَّ فيها طبقة أخرى باسمٍ آخر، تُماثِلها في الثراء، وتتشبَّه بها في الترف، هو الاشتراكية؟! وهل الشعب سعيد حقًّا لأنه يكفيه سماع أغاني الاشتراكية وهو غارق في الشقاء الذي يراه الجميع لا داخل مساكنه أو جحوره، بل تراه الأعين أيضًا معروضًا في الشوارع أكداسًا من الآدميين يقفون الساعات الطويلة أمام المجمعات الاستهلاكية في انتظار قطعة لحم يُلقَى بها إليهم، وهم غير الملايين الأخرى المحرومة التي لم تَعُد تذكر طعم اللحم، وأكوام اللحم الآدمي المتعلقة على أوتوبيسات مترنحة مُهشَّمة في مناظر تأباها الإنسانية، وجماعات من البشر يُعامَلون في مستشفيات قذرة معاملةَ الحيوانات الضالة المهملة؟ … والوحدة العربية التي نشأت قبل الثورة في مشاعر الشعوب المتآلفة بالقلوب في عالمنا العربي، وكانت سائرة في طريقها بوسائلها الطبيعية، هل نجحت الثورة في تحقيقها بوسائلها السياسية؟ وهل جمعتها وقوَّتها أو فرَّقتها وأضعفتها بأساليب التدخل والتزعُّم والسيطرة وبسط النفوذ وإغداق الأموال في تدبير المؤامرات وتحريك الانقلابات وجَعْل العربي يقتل العربي في حرب اليمن ويستخدم ضده النابالم الحارق والغاز الخانق؟! ويكفي الاطلاع على رأي «خروشوف» نفسه في موقف عبد الناصر تجاه الدول العربية والوحدة؛ وذلك في رسالته الموجهة إلى عبد الناصر كما نُشِرت في كتاب «عبد الناصر والعالم» لمحمد حسنين هيكل. جاء في الصفحتَين ۲۰۱ و۲۰۲ من ذلك الكتاب المطبوع في دار النهار ببيروت ما نصُّه:

«وتذكرون أنكم في إحدى محادثاتنا — وأثناء زيارتكم الأخيرة لموسكو — أعربتم عن الاستياء من حكومات الأقطار العربية المجاورة، وسألتني عما يجب عمله لتغيير الوضع الداخلي في تلك الأقطار التي تقف موقف العداء من الجمهورية العربية المتحدة، وعن المعونة التي يمكن للاتحاد السوفييتي أن يقدمها إليكم في هذا الصدد (كان عبد الناصر في موضع آخر من الرسالة قد طالب بصواريخ متوسطة المدى من الاتحاد السوفييتي) … وكما تذكرون، فقد أجبتكم بأنه يجب إظهار التسامح والامتناع عن التدخل في شئون الدول الأخرى. إنما يجب التأثير في تلك الأقطار عن طريق القدوة الصالحة والمَثَل الطيب من جانب الجمهورية العربية المتحدة؛ وذلك برفع مستوى اقتصاد شعب جمهوريتكم ومستوى ثقافته ورفاهيته، وإنشاء نظام من شأنه تمكين كل القوى الوطنية ضمن الجمهورية من إظهار مبادأتها. وأشرت عليكم بأن تسعَوا إلى أن تُقِيموا في الجمهورية العربية المتحدة ذلك النوع من الكيان الاقتصادي والنظام الحكومي اللذَين من شأنهما أن يستهويا الأقطار العربية الأخرى من أجل الفوز بالحظوة لدى الشعوب بهذا المدى الإيجابي. وقد ابتسمتم بعدئذٍ وقلتم إنني غير واقعي في استقرائي للوضع في الأقطار العربية، وأضفتم أن الأمر يتطلب تدابير أكثر حزمًا، وأجبتكم حينئذٍ قائلًا: إن التدخل في شئون الدول العربية هو شيء خطِر جدًّا، وإنه ليس من شأنه أن يؤدي إلى الوحدة، إنما من شأنه — على العكس — أن يؤدي إلى تفكك جهود الأقطار العربية. ولكن يبدو أنني أخفقت في إقناعكم، ويبدو أن كلًّا منا تمسَّك حيال هذه النقطة بوجهات نظره …»

وهكذا جاء في نص رسالة خروشوف أنه حتى هو نفسه كان يرى فيما يريد عبدُ الناصر فِعلَه تدميرًا للوحدة العربية.

ثم ثقافتنا على وجه العموم ومدارسنا وجامعاتنا وتعليمنا وحياتنا الفكرية عامة، هل ارتفع مستواها أم انخفض بالثورة؟ أي إن مستوى اقتصاد الشعب ومستوى ثقافته ورفاهيته — كما قال خروشوف — هل حققتها الثورة الناصرية وشغلتها كما شغلتها الزعامة والسيطرة على مصر في الداخل والعرب في الخارج؟ كل ذلك تجب دراسته بالعدل والحق.

وفي الجملة، هل كانت ثورة ١٩٥٢م ذات فائدة حقيقية لمصر والبلاد العربية، أو أنها فترة مُعترِضة لسيرها، مُعرقِلة لنهضتها؟ وهل كانت نظامًا طبيعيًّا أو نظامًا مصنوعًا نتج عن حركةٍ آزرَتْها وخطَّطت لها أمريكا لتزرع في المنطقة أنظمة عسكرية على غرار ما فعلته في أمريكا الجنوبية اللاتينية؛ لتوقُّعها أن مصر وقتذاك كانت مهيأة فعلًا ومُقبِلة على نهضة ذاتية تنبت فيها الاشتراكية نبتًا طبيعيًّا شعبيًّا، ويقوم فيها التصنيع والإصلاح والوحدة العربية على أسس صحيحة ثابتة ناضجة، أم أن بلادنا ما كانت تبلغ من ذلك شيئًا إلا بعد جهد وزمن، وأنه لا مكاسب يمكن أن تنالها بسرعة إلا عن طريق القرارات العسكرية؟

كل هذه الموضوعات والتساؤلات يجب أن تكون موضع دراسة بفكر طليق وعقل موضوعي. وكل البنود المعتاد ذكرها وترديدها من بنود مكاسب الثورة في حاجة إلى غربلة دقيقة بعيدة عن الطبل والزمر والأناشيد والأغاني والشعارات اللفظية وتضخيم كلمة الناصرية كأنها نظرية!

ضياع وعي مصر

وأنا أفترض أن كل هذه المكاسب حقيقية، وأود من كل قلبي أن يسفر البحث النزيه عن ذلك … ولكن هناك خسارة لا شك فيها، ولا يَعدِلها عندي مكسب؛ ذلك هو ضياع وعي مصر … ولو تصوَّرنا رجلًا تسلَّط على ابنه ولم يترك له إرادة ولا اختيارًا لشيء، وجعل يُغدِق عليه كل الخيرات التي يرى هو أنها صالحة لابنه، ويتخيَّر هو له نوع الحياة التي يجب أن يعتادها، والزوجة التي يجب أن يتزوَّجها، ويراقب الصحف التي يُطالِعها، والكتب التي يقرؤها، والأخبار التي يسمعها، والأغاني التي يُنشِدها، والسينما التي يشاهدها، والطعام الذي يأكله، والدواء الذي يعالجه، والأصدقاء الذين يُصادِقهم، والأعداء الذين يعاديهم … وبالاختصار: كل ما يتصل بحياته المادية والعاطفية والفكرية يجب أن يسير في المجرى الذي يريده ويخطُّه الأب الحنون، دون أن يقبل من ابنه مراجعة أو معارضة أو اختيارًا حرًّا … ماذا يكون مصير هذا الابن؟ وهل تنفعه كثيرًا الخيرات والمكاسب التي أُغدِقت عليه، وقد فقد مع مرور الزمن النمو الطبيعي لتكوينه العقلي والإرادي … وأصبح شخصًا ضعيف الشخصية، فاقد الوعي بذاته، جاهلًا لمعنى المسئولية؛ لأنه لم يتحمَّلها يومًا بنفسه؛ فأبوه الحنون هو الذي يفكر له ويختار له ويُقرِّر له القرارات المصيرية، ويتحمَّل عنه كل المسئولية وهو جالس كالمعتوه يتلقَّى كل شيء من فم أبيه؟

وهذا بالضبط كان حالي يوم جلست أمام التليفزيون بفم مفتوح كالبُلَهاء، أستمع إلى انهيار مصر الثورة الذي تمَّ في بضع ساعات … ثم استمر الطنين كالمعتاد من حولي في الأناشيد الحماسية وأغاني المطربين والمطربات ولافتات الشركات: النصر، النصر، النصر … شركة النصر لكذا، وشركة النصر لكيت، وسيارة نصر، ومصنع نصر، ومتجر نصر … وكل شيء نصر في نصر في نصر … إلى حد مضحك يثير سخرية أي إنسان عاقل … ولكن مصر لم تَعُد تعقل، ولم تَعُد تعي أنها أصبحت مضحكة بهذه الألفاظ والأوصاف؛ فقد كانت تُصدِّق من أرادوا أن يجعلوها تُصدِّق أنها تعيش غارقة في الانتصارات، انتصارات الثورة، أيامك كلها انتصارات.

لم يكن فينا رجل يقول أو يستطيع أن يقول: كفُّوا عن ترديد كلمة النصر هذه التي نُطلِقها بغير وعي ولا معنًى على كل شيء يُصادِفنا … إن البلاد التي انتصرت فعلًا الانتصارات العسكرية أو العلمية أو الحضارية لم تُكثِر هكذا، ولم تسرف في ترديد هذه الكلمة في كل موضع وبمناسبة وغير مناسبة بلا حياء … أَمَا والهزائم قد توالت علينا فما دواعي الاستمرار فيما قد يُثير السخرية، إلَّا أن يكون هو الاطمئنان إلى أن الوعي العام مفقود؟! … أتراه كان تحطيمًا مقصودًا لوعي مصر؟ إن الكتب المدرسية في أيدي الشباب تُضخِّم أمجاد الثورة تضخيمًا تشتمُّ منه رائحة التزييف والمَلْق، وتُترَك في ظلام اللاوعي صفحات مشرقة لعهود أخرى.

ما عذر الكهول؟!

ولكننا نحن كهول الثورة … ما عذرنا؟ ما الذي خدَّر عقولنا؟ فينا من يقول: إن إجراءات عنيفة قد اتُّخِذَت لمنع تكوين رأي عام حر يناقش ويعارض، وإنها الرقابة المشددة على كل ما يُنشَر ويُذاع، ثم الاعتقالات لمن يُشتبَه في رأيه المخالف، مع ألوان من التعذيب بلغت فظاعتها مبلغ الأساطير، مما لا بد أن يُحقَّق في صحته يومًا من الأيام. ولكنني لا أنسى على الأقل تعذيب أستاذ جامعي فاضل نعرفه هو الدكتور «عبد المنعم الشرقاوي» الذي عُذِّب تعذيبًا جسمانيًّا بلغ من بشاعته أن أنكر شكلَه أهلُه ومعارفُه، وكان قد اتُّهِم في قضية تهريب نقد، وما إن خرج من المحكمة بحكم البراءة حتى وجد بانتظاره على الباب ضابط مخابرات بسيارة قادته إلى المصير المجهول والتعذيب الفظيع … ولم أكد أعلم بذلك من شقيقه الشاعر «عبد الرحمن الشرقاوي» ومن أستاذه المرحوم الدكتور «مصطفى القللي» — الذي اضطُهِد بعزله من مجلس إدارة الجامعة لمجرد الدفاع عنه في المحكمة — حتى كتبت في الحال كلمة أقول فيها: «هذه لطخة سوداء في جبين الثورة لا يمكن الدفاع عنها أمام التاريخ»، وأرسلتها إلى من يوصلها إلى عبد الناصر … وكنت حتى وقتئذٍ أُحسِن به الظن ولا أُصدِّق أنه مسئول.

ولكن الشائعات راجت عن مُعذَّبين كثيرين، منهم من كان يُؤتَى إليه بزوجته أو ابنته أو أخته للاعتداء على عفافها أمامه … كل هذه الفظائع سمعناها واقشعرَّت لها أبداننا؛ فهي مما لم تكن تعرفه مصر من قبل، حتى لقد قيل: إن هذه الأساليب في التعذيب هي من أساليب الهتلرية النازية، وإنه قد استُقدِم بالفعل في مصر بعض الضباط السابقين من النازيين للتدريب على أساليب التعذيب. ولكن العجيب هو أن يحدث لأستاذ جامعي هذا التعذيب ولا تتحرك الجامعة ولا يحتجُّ زملاؤه الأساتذة ولا تلاميذه الطلاب، ولو بالوقوف دقيقة عن الدروس! كذلك يوم حدث ما سُمِّي بمذبحة القضاة بطرد نحو مائتَين من رجال القضاء لفِرية كاذبة مدبَّرة، لم يحتجَّ رجال القضاء … ويوم ضُرِب الدكتور السنهوري رئيس مجلس الدولة وأُهين وكاد يُقتَل، لم يحتجَّ زملاؤه، ويوم عُيِّن رئيسًا لنا في المجلس الأعلى للآداب ذلك الضابط الصغير، لم نتفوَّه بكلمة لا أنا ولا طه حسين ولا العقاد، بل جلسنا هادئين وكأن الوضع طبيعي. هنا تكمن مسئوليتنا جميعًا نحن المثقفين، ويقع علينا اللوم — بل المحاسبة — أمام التاريخ. لا بد من محاكمة لنا جميعًا، ومن فتْح ملف الثورة بأكمله.

وفينا من يقول: إنها فظائع الاضطهاد والإرهاب، ولكن مَن أفلت مِن الاضطهادات وقع في شرك الأوهام؛ فالحقائق محجوبة، والرؤية الصحيحة للأشياء ممنوعة. ولم يَبْقَ أمامنا إلا اتجاه واحد وصورة واحدة، وهي ما ترسمه لنا سلطات الثورة محفوفةً بدويِّ الطبول. سحرونا ببريق آمالٍ كنا نتطلع إليها من زمن بعيد، وأسكرونا بخمرة مكاسب وأمجاد، فسَكِرنا حتى غاب عنا الوعي.

عودة الوعي

لقد ذكرتُ أن عبد الناصر أهدى إليَّ كتابه «فلسفة الثورة» عند صدوره. لقد كان بالإهداء عبارة أشار فيها إلى كتاب «عودة الروح»: «مطالبًا بعودةٍ لروحٍ أخرى في عهد الثورة» … ولم يَدُرْ بخلَدي وقتئذٍ أنَّ ما سوف تحتاج إليه مصر بعد عشرين سنة من عمر الثورة ليس «عودة الروح» ولكن «عودة الوعي» … وهو كتاب لن أكتبه أنا؛ لا لأن شيخوختي وضعف صحتي هما وحدهما السبب، بل لأن موقفي من الثورة منذ البداية كان الحب لها والأمل فيها، والتسامح معها كما ذكرتُ في هذه الصفحات، إلى أن صدمتني هزيمة ١٩٦٧م وتكشَّفت لي خطورة مساوئها. وهنا ماذا كان يجب أن أفعل ويفعل الشيوخ زملائي أصحاب الأقلام؟ هل نسكت وضميرُنا يسأل: لماذا سَكتُّم بعد أن عرفتم؟ هل نصرخ؟ يقولون لنا ليس هذا وقت صراخ واعتراض ومساءلة، ونحن نُضمِّد جراحنا ونُعِد أنفسنا للمعركة المقبلة لإزالة آثار العدوان.

إذن من يكتب الكتاب؟ مَن يستطيع ذلك فيما أرى، هو كاتب آخَر من جيل آخر، له من الحرية وعدم الارتباطات العاطفية ما يُمكِّنه من الرؤية الواضحة والحكم المتثبِّت على عهدٍ اختلطت فيه حقائق الأشياء إلى حدٍّ كان يُرفَع فيه الشعار ويُعمَل بنقيضه خلف الستار؛ فكلمة الحرية مثلًا و«عهد الحرية» تجري على الألسنة في الخُطَب والأغاني والأناشيد. وما من كلمة حرة واحدة لا يريدها الحاكم يمكن أن تخرج من الصدور، وإلا دخل صاحبها السجون … لقد نجح الحاكم في أن يدمج مصر كلها فيه، وأن يقنع مصر البالغة من العمر أكثر من خمسة آلاف عام أنَّ عمرها هو عمر الثورة ونظامها، وأنه لا عمر لها قبل ذلك ولا بعد ذلك يستحق الذكر. هذه العملية البارعة لضغط مصر العملاقة ووضعها في علبة الثورة ونظامها، خَنَق مصر، وأفقدها الوعي بحقيقة حجمها الهائل عبر التاريخ والأنظمة التي اجتازتها كلَّها وبَقِيت «مصر».

كذلك فإن الكاتب المنتظَر سوف يكون أقدر منا على معرفة الحقائق التي أُخفِيت عنا بإحكام شديد، وسوف يَعجَب عندما يعلم أن فداحة خسائرنا في القتلى والأموال في حرب اليمن لم تُكشَف لنا إلا في أسطر قليلة عابرة في إحدى الصحف؛ وذلك في عام ١٩٧٠م فقط أو بعد هذا التاريخ، كما أن السماح بمرور سفن إسرائيل في خليج العقبة ظَلَّ مخفيًّا عنا طويلًا، من سنة ١٩٥٦م حتى أعلنه الرئيس عبد الناصر في مايو ١٩٦٧م، كما أن المسئول عن الحروب الخاسرة وعن كارثة الأمر بالانسحاب الذي اعتبره الخبراء العسكريون مجزرة مهينة مبيدة للجيش المصري عام ١٩٦٧م غير معلن حتى الآن. وغير ذلك كثير مما لا نعلم عنه شيئًا إلى اليوم. وكل ما نعلمه هو ما نراه بأعيننا من آثار تفتُّت بلادنا وخرابها وشقاء أهلها. وعندما بدأنا نشعر بفداحة كوارث ثورتنا عقب هزيمة ١٩٦٧م، وبدأ نوع من الوعي بضرورة المحاسبة، أقيم في الحال أمامنا السد الواقي المنيع بشعار: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». ولا يصح الكلام قبل إزالة آثار العدوان، وإلَّا كان المتكلم أو المتحرك يعمل ضد الوطن! وهكذا شُدَّ الوثاق مرة أخرى، وخُتم على الأفواه، وتشتَّت الوعي من جديد. ولم يُسمَح لمصر أن تفتح ملف القضية وتحكم بنفسها على ما حدث لها.

إن معنى عودة الوعي لمصر هو استرداد حريتها في الحكم بنفسها على الأشياء. وإنه ليحضرني مثَل جميل للحرص على وعي الشعب … إنه يوم تقدَّم «ديجول» وهو بطل قومي لفرنسا للاستفتاء على رياسة الجمهورية. لقد تقدَّم معه خمسة من المرشحين. وقبل الاستفتاء العام سُمِح للجميع بفرص متساوية في الصحف والإذاعات لعرض برامجهم. ونشرت إحدى الجرائد خمس خانات مُعنوَنة بالأرقام لا بالأسماء، ووضعت في كل خانة برنامج المرشح، ودعت قرَّاءها إلى اختيار البرنامج دون معرفة صاحبه، ولم تذكر أسماء المرشحين إلا في آخر صفحة. وأردت أنا أن أُجرِّب في نفسي هذه العملية، واخترت إحدى الخانات، وقد أعجبني البرنامج الذي فيها، وقلَّبت الصفحات لأعرف اسم من اخترت فإذا هو لدهشتي «ديجول» نفسه!

هكذا يُربَّى الرأي العام الحر، ويحرصون على وعي الشعب في تلك البلاد. أما الاستفتاء الذي تُطبِّل له جميع الصحف مقدمًا بكلمة «نعم» بالخط الأحمر العريض، ثم يخرج بنتيجة ٩٩٫٩٪ فمعناه أن هذا البلد ليس له وعي ولا حرية … بل ولا كرامة إنسانية!

فهل ستستردُّ مصر الوعي الحر يومًا؟ لذلك كان لا بد لكتاب «عودة الوعي» من أن يُكتَب في يوم من الأيام.

وهو لن يكتب قبل أن يُفتَح ملف الحقيقة.

كل الحقيقة؛ من يوم ٢٣ يوليو ١٩٥٢م حتى الوقت الحاضر: الأحد ٢۳ يوليو سنة ١٩٧٢م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦