كلمة في ذكرى عبد الناصر

(جريدة الأهرام ٢٨ / ٩ / ١٩٧٤م)

«والرأي عندي في علاج كل هذا أن الأمر فيه مُوكَلٌ بتغيير عام، يحدث في محيط المجتمع المصري من جميع نواحيه: السياسية والخُلُقية والدينية؛ فلا المدرسة ولا البيت بمستطيعَين الآن شيئًا كبيرًا في إصلاح ما فسد؛ لأن الفساد جاء من عاصفة جائحة لمبادئ شُوِّهت وأُسِيء فهمُها هبَّت فجأةً على هذا البلد، فقلبته كما رأينا شرَّ مُنقلَب. فالأمر أجلُّ وأخطر من أن يُعالَج بالعلاجات الموضعية. إنما هي عاصفة أخرى جائحة من المبادئ الصحيحة السليمة ينبغي أن تهبَّ فتُقيم ما وقع وترُمَّ ما انهدم. ولكن المعضلة هي: كيف ومتى تأتي العاصفة المباركة؟ في رأيي أنها لا تأتي بغير إعداد واستعداد، كما جاءت العاصفة الأولى الهوجاء؛ فلقد دخلت تلك العاصفة خلسةً من النافذة التي فتحها جهاد طويل مجيد وحركة وطنية مجيدة. وهنا يأتي دور البيت والمدرسة في الإعداد والاستعداد، عليهما يقع عبء تفهيم الشباب أن هذه الحال التي هم عليها لا يمكن أن تدوم، وأن عليهم أن يستعدوا لإصلاح ما بأنفسهم. على البيت والمدرسة الإكثار من تذكير الشباب بالمُثُل العليا القويمة، والمبادئ الخُلُقية السليمة، وأن يعرضا عليه عيوبه وعيوب الجيل وأمراض العصر، وأن يقنعاه بأنه هو المنوط به يومًا إصلاح كل هذا الفساد، وإحداث الثورة المباركة التي تُقيم الوطن على أقدام الصحة والقوة والنظام.»

(هذه صفحة من كتابي «شجرة الحكم» المنشور عام ١٩٤٥م)

وبعد هذا الكلام بسبعة أعوام، جاءت «الثورة المباركة»؛ ثورة يوليو ١٩٥٢م، وكان من الطبيعي أن أستقبلها بالحماس وبالدهشة؛ فقد تحقَّقت نبوءتي كأنما كنت أخطُّ سطور المستقبل للوطن، وقامت بعض إنجازاتٍ مما كنا نطالب به من تحقيق العدالة الاجتماعية وتحديد المِلْكية والسير في طريق الاشتراكية. وظهر عبد الناصر، وتبلورت شخصيته على أنه مَحَطُّ الآمال، وتوثقت بيني وبينه أواصر المحبة القلبية، على البُعد، فلم نتقابل طوال حياته أكثر من دقائق معدودة ونحن وقوف. ولم يحدث أن جلسنا معًا، أو جمعَنا مجلسٌ طويل. ولكنَّه كان، كما بلغني، يُقدِّرني ويكاد يعتبرني أبًا روحيًّا للثورة التي تنبأتُ بها ودعوتُ إليها. وهذا الجانب الشخصي سأظل دائمًا أحتفظ به في قلبي، وأحمل له في أعماق نفسي أجمل الذكرى.

إن الجانب الشخصي هو حقي، ولكن الجانب العام هو حق الوطن. وعندما كتبت في الأربعينيات عن ضرورة قيام «ثورة مباركة» كان الدافع هو إصلاح حال الوطن. ولقد أعطينا الثورة من تأييدنا، ولعبد الناصر من حبنا وحماسنا، ما كان كفيلًا بأن يرفع بلادنا إلى أعلى مستوًى في الحضارة والرخاء. وكانت آمالي هي أن أرى الأُمِّيَّة في بلادنا قد اختفت، وجحور الطين التي يسكنها الفلاح المصري — ولا مرحاض فيها ويتبوَّل ويتبرَّز كالحيوان في الخلاء — قد زالت، وأصبح يعيش ويسكن كالآدميين، وأن العامل المصري قد خُصِّصت له المستشفيات النظيفة، وأُنشِئت لأوقات فراغه هو وعياله النوادي الرياضية المفيدة، وارتفع في المستوى الاجتماعي إلى درجة أمثاله في البلاد المتقدمة. والشعب كله ينعم بما تنبأنا له على يد «الثورة المباركة» من الوقوف على أقدام الصحة والقوة والنظام … إلى أيِّ حدٍّ، وبأيِّ نسبة ظفر الشعب بهذه المكاسب؟ في رأيي أنَّ ما تحقَّق له من مكاسب الثورة لا يزيد على عشرة في المائة مما توقَّعنا له. وقد أتفاءل وأزيدها إلى عشرين أو ثلاثين في المائة، دفعنا فيها من حرياتنا ووعينا وأرواحنا وأموالنا أبهظ الأثمان. على كل حال، كانت آمالنا في الثورة أكبر مما تحقَّق حتى الآن!

لقد حكم عبد الناصر البلاد بمفرده حكمًا مطلقًا نحو خمسة عشر عامًا، كان يستطيع خلالها أن يرسي البلاد على دعائم اشتراكية صحيحة وديمقراطية سليمة، نجني ثمارها الحقيقية لا شعاراتها المظهرية. فما الذي حدث؟! لا شك في أنه كان يريد الخير لشعبه، ولكن حال دون تحقيق هذا الخير طائفةٌ من الموانع والعِلَل والأسباب والمُعوِّقات. ما هي بالضبط؟ لا بد أن نعرف كل ذلك حتى نجد العلاج ونستأنف المسير على هدًى ونور. من أجل هذا طالبنا — وسنظل نطالب — بفتح الملف.

لست أدري لماذا الغضب والارتياع والتشنُّج والفزع عند بعض الناس لمجرد ذكر الملف وفحص الملف! أهو خوف شخصي من خبيء لا يُرَاد كَشفُه؟ أهو نوع من عبادة الفرد اعتدنا عليه ونعتبر من الكفر المساسَ به؟ أهو تدهور في التربية الوطنية لا يُفرِّق بين المناقشة والتهجُّم من طول ما أَلِفَ الناس أن الخلاف في الرأي يؤدي إلى المعتقلات؟!

«اختلاف الرأي لا يُفسِد للود قضية» … حكمة قديمة، حبَّذا لو فهمها الناس وعملوا بها؛ ففي مجال السياسة هي قمة النضج، وفي محيط العلاقات الشخصية هي مَجْلَبَة لراحة النفس وحرية النظر. ولست أدري ما المانع أن أحب شخص عبد الناصر حبَّ الصديق وأفحص أعماله العامة فحص المواطن؟ لماذا نخلط دائمًا بين الود والرأي، وبين المشاعر الشخصية والمواقف العامة، ونَعُدُّ كل نقد خصومةً خاصةً؟ ويوم كتبتُ ردًّا على رأيٍ قيل إنه للأستاذ هيكل، دُهِش من كان يعلم بما كان بيننا من مودة وحسبوها خصومة شخصية، ولم يعرفوا أننا دائمًا نختلف في الرأي إذا جمعَنا مجلسٌ، وأعنف عليه أضعاف العنف الذي قرءوه، ثم لا نلبث أن يأخذ أحدنا بذراع الآخر ونمضي نتناول الطعام معًا، بنفسٍ صافية ومودة راسخة.

هناك بالفعل حجة جديرة بالنظر، هي الزعم بأن نقد ثورة ١٩٥٢م أو المساس بالناصرية، رِدَّة تُهدِّد مكاسب الشعب وتعود بنا إلى الوراء. إذا كان ذلك صحيحًا فهي بالفعل كارثة! وإذا كان معنى ذلك ومُؤدَّاه أن نقعد نُسبِّح بحمد الثورة والناصرية ونتغنَّى بمكاسب نَقنَعُ بها ونُقنِع أنفسنا بكمالها ونَعمَى عن نقصها ولا نطالب بالمزيد منها وبإصلاح ما فسد فيها، فهي كارثة أخرى!

على الشعب إذن، وعلى الشباب بالأخص، أن يختار بين الاقتناع والعبادة، أو الطموح والحرية … بين عبادة الفرد التي تعميه عن التفكير والنظر، أو الطموح الحر إلى مستقبل متسع الآفاق.

أقول الشباب لأني وجهت إليه كلامي، وعلَّقت عليه آمالي منذ ثلاثين عامًا في تفجير «الثورة المباركة». ولم يَخِبْ ظني في شباب ذلك العهد؛ فقد قامت بالفعل تلك الثورة، والقائمون بها شباب.

وأنا اليوم شيخ مُرشَّح للموت في أي لحظة، ولا مطمع لي ولا أمل في شيء، وكان الأجدر بي أن أجلس مستريحًا أنتظر النهاية في هدوء؛ فما الذي يدفعني إلى كل هذا الذي أفعله الآن؟ إنه ولا شك وضع خاص بي، أجد نفسي فيه؛ هو أني المتنبئ والداعي إلى «الثورة المباركة» … وكان عليَّ أنا أن أجيب عن هذا السؤال: هل حقَّقت هذه «الثورة المباركة» كل الآمال والأحلام التي كان يُنتظَر منها أن تُحقِّقه للوطن؟ لذلك كتبت «عودة الوعي» يوم مرور عشرين عامًا على قيام هذه الثورة.

كلُّ هذا حق الوطن عليَّ. أما حق الحب الشخصي والمودة الخاصة فإنه يقتضي مني أن أذكر بالخير رجلًا حافظ على مودتي طول حياته، ولم أملك نفسي يوم وفاته من ذرف دمعة صادقة. وكلما حلَّ يوم الذكرى لرحيله دعوتُ له من أعماق القلب بالرحمة والغفران.

توفيق الحكيم

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦