نموذج من رد الفعل
الشجاعة الحقيقية
كلُّ مَن كتَب، وكل من تكلَّم، كان موجودًا أيام عبد الناصر، ويشهد عليهم جميعًا. وأبسط شيء يمكن أن يقال لهم هو أنهم كانوا أشباحًا خائفةً، أشباحًا ضعيفة. من يملك الشجاعة لا ينتظر الموت ليُمارِس شجاعته. الشجاعة الحقيقية هي أن يقف الإنسان أمام الحياة ويتحدَّى، لكن كل من لا يستطيع أن يهمس رأيه إلا بعد الموت، وحتى يتأكد أن أحدًا لن يرد عليه، فليس في موقفه هذا النوع من الشجاعة، فضلًا عن أن الذين كتبوا مذكرات، مع الأسف الشديد، وبالرجوع إلى مواقفهم جميعًا، لم يكن هناك أسبق منهم إلى حرق البخور أمام عبد الناصر. والغريب أن المدافعين عن الناصرية هذه الأيام هم الناس الذين كان عندهم، في وجود عبد الناصر، آراء في بعض جوانب التجربة. والذين يتكلمون عن التجربة ويجعلون من أنفسهم أبطالًا، هم الذين لا يملكون إلا أن يقفوا أمام الحياة في خزي، وأمام الموت في خزي الموقف نفسه.
وأنا لا أعتقد أن أيَّ شيء يمكن أن يؤثر على عبد الناصر. يبقى عبد الناصر النتاج الطبيعي، والتعبير الحقيقي عن حركة القومية العربية في القرن العشرين، وتبقى الناصرية منهاجًا لتطوُّر الأمة العربية، منهاجًا قابلًا للتطور، أي ليس جامدًا. ولا أستطيع أن أرى مستقبلًا للعالم العربي، ولكل العالم النامي، دون الناصرية، مجموعة الأفكار، والإنجازات والاجتهادات الناصرية التي هي أساسٌ لأي شيء يقوم به. ربما نشر مرة عن «مصر والهزيمة»؛ أي أن عبد الناصر هُزِم سنة ١٩٦٧م، وهذه ليست قضية، ولكن يبقى عبد الناصر تعبيرًا عن مصر وعن العرب في مرحلة معينة بمقدار ما هو نابليون تعبير معين عن فرنسا. طبعًا هناك اختلاف. نابليون في جزء من الحركة كان انسلاخًا من الثورة، ولو أنها حاولت أن تدعو إلى هذا الجزء على أساس أنه ثورة. لكن عبد الناصر من أول يوم حتى آخر يوم كان اتجاهه صوب التغيير والمستقبل والتاريخ.
هُزِم؟ نوافق. ولكن الغريب أن بعض الناس يعتبرون أن السويس مثلًا كانت هزيمته … إلى هذه الدرجة يصل تشويه التاريخ؟!
السويس كانت حركة أساسية في العالم الثالث كله: إفريقيا، وآسيا، والشرق الأوسط، اختلفت كلها بعد السويس. إذا كان العرب يتكلمون عن ثرواتهم هذه الأيام، فجمال عبد الناصر أول من وقف في وجه الاحتكارات، وأمَّم قناة السويس … أول من عمل قيمة لكل العرب.
أثناء وجود عبد الناصر، كانت قوته وقوة اندفاعه ومهابته تمنع حوارًا حقيقيًّا مع أفكاره. هذا النهار أنا مُتحمِّس لهذه الرِّدَّة ضد عبد الناصر؛ لأنها ستُنشِئ احتكاكًا حقيقيًّا مع أفكاره.
عبد الناصر كان فرضيةً مطروحةً؛ فرضيةً أعطت نفسها بقوة واكتسحت أشياء كثيرة جدًّا.
أعتقد أننا سنصل في النهاية إلى إثبات أن كلَّ ما نادى به عبد الناصر من مبادئ ومن أفكار هو صحيح.
هناك أخطاء في الممارسات، ولكن أين في الدنيا كلها لم تحصل أخطاء في الممارسات؟
ثم إن الناس يتوقفون عند الأخطاء في الممارسات وينسون الإنجازات. هذا ليس معقولًا!
رد توفيق الحكيم
استَلْفَت نظري أنَّ الأستاذ هيكل، المدافع عن عبد الناصر، قد ردَّ على نفسه بنفسه حين وصف من نقدوا اليوم حكم عبد الناصر بأنهم كانوا أشباحًا خائفة ضعيفة. وهذا صحيح، لكن هل توجد الأشباح الخائفة الضعيفة إلا في جوٍّ من الفزع والرعب؟!
لماذا إذن لا توجد أشباح خائفة ضعيفة في بلادٍ مثل فرنسا وإنجلترا وأمريكا والسويد وغيرها من البلدان التي لا يعيش أهلها في الرعب والهلع من التعذيب والمعتقلات والقتل والنفخ في البطون والاعتداء على أعراض الزوجات والبنات والأخوات مع تشويه الآراء المعارِضة بتلطيخها بتُهَم التآمر والخيانات؟!
أما عن شجاعة ناقد اليوم، الذي ينقد لأنه متأكد أن أحدًا لن يرد عليه، فهذه بالفعل ليست شجاعة. ولكن الواقع غير ذلك؛ فإن الرد والرد القاسي المملوء بالتجريح الشخصي، إنما يقع اليوم في أكثر البلاد العربية على كلِّ من يتجرَّأ على المساس بقداسة عبد الناصر.
إن الكثير من صحف العالم العربي استقبلت كتابي «عودة الوعي» بالتجريح الشنيع لشخصي. فليطمئن إذن الأستاذ هيكل إلى أن من يتعرَّض لقداسة عبد الناصر في مصر وغير مصر، سوف يجد من يهبُّ للدفاع عنه بالحق وبالباطل.
ذلك أن الراكبين على جواد عبد الناصر في كل مكان هم دائمًا أكثر الرابحين.
فليطرح إذن مسألة الشجاعة جانبًا؛ فالمسألة ليست مسألة شجاعة … خاصةً عند بعض الناس، ولكنها مسألة قضية. وهي عندي على الأخص مسألة محبة ومودة؛ فأنا أحب شخص عبد الناصر وأودُّه لأسباب كثيرة يعرفها الكثيرون، ربما كان أهمها أنه كان يحبني ويحترم آرائي إلى آخر لحظةٍ في حياته، وأنه منذ أول عهده جمع بين آرائي وآرائه، وآمالي وآماله. وكان يعني ذلك دائمًا … كان من الطبيعي أن أكون أنا المدافع عنه دائمًا.
وقد كنت كذلك.
إلى أن كَثُر الهمس من حولي باتهامات فظيعة، أخذت تتكاثر كل يوم وتصل أحيانًا إلى حد الجرائم التي تعاقب القوانين والشرائع مرتكبيها بأقصى العقوبات. ما هو إذن الموقف الذي أتخذه ويتخذه كل صديق يرى الاتهامات الفظيعة تُكَال ضد صديقه؟ هل يكتفي بالتكذيب والتستُّر والتمويه والتجريح لكل من يمسُّ الصديق، أو أن يطالب بالتحقيق النزيه المنصف حتى يخرج بريء الساحة؟
لقد اخترت الأمر الثاني؛ لأني بطبعي ووظيفتي الأولى رجل قضاء … لذلك كتبت لنفسي صفحات «عودة الوعي» أسطر فيها رأيي الشخصي في الموضوع، غير قاصد نشرها في الوقت الحاضر، ولكنها خرجت من يدي بعد ذلك ونُشِرت.
وهي ليست عريضة اتهام، ولا هي حكم من الأحكام؛ لأن ذلك يقتضي وجود الوثائق وكشف الحقائق، ولكنها مجرد مطالَبة بالتحقيق الدقيق في اتهامات منسوبة إلى شخصٍ أحبه وأوده … ولمَّا كان هذا الشخص رمزًا لأمة، فإن محاسبته العامة تصبح حقًّا من حقوق الأمة.
ولن يكون لأمةٍ من الأمم وعي إذا هي سمحت لستار كثيف يُخفي عنها طويلًا الحقائق التي تتَّصل بمن شكَّل ولا يزال حتى بعد موته يُشكِّل مصيرها. إن تصوير عبد الناصر بأنه الجثة الهامدة المنسية الضعيفة التي تتكالب عليها مخالب المتظاهرين بالشجاعة هو تصوير كاذب؛ فهو على العكس، قوة قائمة، تُنصَب له التماثيل الضخمة في بعض البلاد العربية، وتُمنَح باسمه الجوائز في بلاد أخرى، وصورة شامخة على الجدران في مصر وفي كل مكان.
فتصويره إذن بأنه مات واندثر هو تصوير مُغرِض يُرَاد به إبعاد الأظافر عن نبش الحقيقة التي تكشف عما يريد إخفاءه أصحابُ الأغراض، كما أن قيام المدافعين عنه بالتجريح الشخصي لكلِّ من يريد التحقيق لَمِمَّا يثير الشكوك؛ فما من مرة دخل فيها مُدافِعٌ في لبِّ القضية، وإنما كان اللف والدوران من حولها بالأساليب المعروفة في ساحات المحاكم بأن تنهال الأسئلة الغامرة: وأين كنت فيما مضى؟ ولماذا لم تَقُل ذلك من قبل؟ وما الذي أسكتك حتى الآن؟ … إلخ، إلخ.
حِيَل مألوفة من قديم للتشويش على الاتهام لصرف النظر عن جوهر التهمة وإفلات المتهم. ولكن على الرغم من ذلك، تبقى دائمًا التهم في صميمها باقية، والجرائم في حقيقتها قائمة، والتساؤل الدائم هو: هل وقعت أو لم تقع؟ هل ارتُكِبت أو لم تُرتكَب؟
هنا جوهر المسألة، وهنا كل القضية. ومن يملك الإجابة الجادَّة فليتقدم بالوثائق. أما غير ذلك فمهاترات … وشعارات. وما أصبو إليه هي الحقائق ليطمئن قلبي على من كان عزيزًا على نفسي؛ فإذا ثبتت براءته فإني أكون أسعد السعداء، وإذا أُدِين فإني أتحمل المسئولية معه، وأكون بذلك فخورًا؛ لأني أكون قد نفَّذت الحكم الذي يُعيد إلى الأمة وعيها.
إن من يحب عبد الناصر حقًّا هو الذي يطالب بفتح ملفه ليطمئن قلبه بأن له صفحات بيضاء. أما أكثر الذين يركبون جواد عبد الناصر فلا يريدون أي اقتراب من الجواد، ويطعنون برماحهم شخصَ مَن يَمَسُّه؛ لأن كل ما يهمهم هو ركوب الجواد.
إن كثيرين من أصدقاء «نيكسون» ورجال حزبه كانوا يريدون له المحاكمة، ولا يتستَّرون على أيِّ اتهامات تثير الريب والشكوك حول اسمه؛ لأنهم يعلمون أن قَطْعَ الشك باليقين هو في مصلحته ومصلحة الوعي الوطني … ومهما يكن قدره وقدر خدماته فهو مخلوق ومواطن لا ينبغي أن تكون له قداسة لا تُمَس، وحصانة أبدية تستعصي على كشف الحقيقة.
هذا هو المعنى الذي يجب أن يستقر في ذهن كلِّ مَن يحب عبد الناصر حبًّا حقيقيًّا، وليس حبًّا نفعيًّا، وكل من يُعِزُّه ويُقدِّره حق قدره.
سؤال صحفي
هذا معقول، ولكن … ألم تكن تبدو ثمَّة ظواهر كان يجب أن نقف في مواجهتها؟
رد توفيق الحكيم
– إن التجاء الأقلام التي تكتفي بمهاجمتي دون التعرُّض لصلب الوقائع هو اعتقاد خاطئ بأن التجريح الشخصي يمكن أن يستر ويخفي حقيقة الوقائع. ولكن لا بد أن تنكشف يومًا الحقائق؛ لأن شخصي زائل. أما ما يَمَسُّ الأمة فهو باقٍ. أما لماذا السكوت حتى اليوم، فكل من يُوجِّه هذا السؤال يعلم علم اليقين السبب في ذلك. وإذا فرضنا أن السكوت عن الجريمة كان ذنبًا، فما قولهم فيمن ارتكب الجريمة؟ أنترك من ارتكب الجرائم ونحاسب من سكت عنها؟ حاكموا الاثنَين على الأقل. أما محاسبة الناقد الذي سكت والتستُّر على المجرم الذي أجرم، فهذا له معنًى آخر، ووصف آخر، وسبب آخر.
ومن الحق سؤالك: ألم تكن تبدو ظواهر كان يجب أن تقف في مواجهتها؟ فعلًا قد كانت هناك ظواهر دفعتني إلى مواجهتها بالوسائل التي كانت في يدي. من ذلك: ظاهرة خنق الحرية وإعطاء القانون إجازة. وهنا رأيت من واجبي أن أكتب «السلطان الحائر» لأوضح وجوب احترام القانون والحرية، والابتعاد عن استعمال السيف والعنف. وجاءت هذه العبارة تحذيرًا للحاكم: «إن السيف يَفرِضك، ولكنه يُعرِّضك … أما القانون فهو يُحرِجك، ولكنه يحميك». إن الذي يحمي الحاكم حقًّا هو القانون والحرية. وأما الخطر الذي يمكن أن يتعرَّض له فهو في السيف الذي يظن أنه يحميه. وكتبت «السلطان الحائر» عام ١٩٦٠م عندما بدأت هذه الظاهرة في التكشُّف، ثم بدت ظاهرة أخرى في عام ١٩٦٦م، وهي ظاهرة القلق في المجتمع المصري التي تفشَّت إلى حدٍّ أصبح المجتمع فيه كأنه يعيش بغير عمود فقري؛ مجتمع رخو هُلامي مُتعفِّن، لا يصلح لمواجهة أي قوة خارجية. وخشيتُ في ذلك الوقت من عواقب أي مغامرة عسكرية غير محسوبة اعتمادًا على جبهة داخلية قلقة رخوة مريضة، فكتبت «بنك القلق» محذرًا. ولكن على الرغم من كل ذلك فلم يُؤخَذ بهذه الكتابات وهذه التحذيرات والمواجهات إلى أن وقع المحذور.
رسالة من توفيق الحكيم إلى اليسار المصري
بعد الصدمة الأولى ﻟ «عودة الوعي»، وبعد كل ما أثار هذا الكتاب من شكليات وسطحيات في المواقف والمشاعر، خصوصًا في بعض البلاد العربية التي تسود فيها ناصرية تجارية … أعتقد أنه آن الأوان للدخول في صميم القضية التي أثرتها، ومناقشة جوهر الموضوع بعيدًا عن الأشخاص والشخصيات.
وأنا أقصد في حديثي هنا مخاطبة اليسار؛ لأنني — أيًّا كانت مثالياتي — أعتبر نفسي من المسئولين عن الاشتراكية المصرية.
وأنا أدرك جيدًا موقف اليسار الحالي، والناصرية بوجه خاص، وخوفه من استثمار الرجعية لنقد إنجازات عبد الناصر، ولكن خوف اليسار هذا يكاد يوقعه في موقف رجعي! فهو ينسى أزمة الديمقراطية التي وقعت في عامي ١٩٥٣م و١٩٥٤م، وينسى موقفه من رفض النظام الشمولي الذي ساد في هذه السنوات. صحيحٌ أن موقف الثورة واتجاهها اختلفا منذ قرارات التأميم، ولكن على اليسار أن يتخفف قليلًا من تزيين وتجميل تجربتنا في الاشتراكية، وتصويرها في صورة الاشتراكية المثلى!
ولعل عذر اليسار في هذا الموقف خوفه من الرِّدَّة إلى الوراء وإلى الأسوأ؛ فهو إذن موقف تكتيكي دعت إليه ضرورات الظروف الحاضرة، وليس بالموقف الاستراتيجي السليم الصالح للبقاء والاستمرار … ذلك أن القول بأن الناصرية هي الاشتراكية الحقيقية تزييف على الواقع والتاريخ … ولا مفر، ككل تزييف، من أن يسقط وينكشف. وسيؤدي هذا حتمًا إلى ظهور يسار صادق مع نفسه ومع الحقيقة، يبني مذهبه وكفاحه على المذهب الاشتراكي الحقيقي دون استعارة أردية مُرقَّعة. وهذا هو ما يجب التنبُّه إليه من الآن؛ حرصًا على مستقبل اليسار في مصر، قبل أن يظهر زيف الموقف التكتيكي الحالي المؤقت أمام أعين الاشتراكيين المخلصين.
إنني بما كتبت، لم أكن أتجنَّى على عبد الناصر كما يقولون. إنني على العكس أحبه وأقدره، لكنني أضع اجتهاداته في موقعها، وأرى أن مشكلات الديمقراطية والاشتراكية في بلادنا لا تزال — بعد عبد الناصر — في حاجة إلى حلول أخرى ثورية وديمقراطية.
إنني لا أنقد لحساب الماضي، وإنما أنقد لحساب المستقبل.
حاولت نقد ما رفضتُ من سلبياتٍ أيام عبد الناصر، بل أيام السادات أيضًا.
إن ميولي التقدُّمية كانت دائمًا واضحة، ومنذ ما قبل الثورة. ويكفي كتاب «سلطان الظلام» الذي كان يحارب النازية منذ أربعين عامًا.
أما تعاطفي مع الماركسية التي كنت أدرسها في العشرينيات، عندما كان عمر الثورة الروسية أقل من سبع سنوات، فشيء معروف … وكنا كان عمر أيامها نرقب إنشاء حزب أو اتجاه اشتراكي واضح في مصر.
ولكل ذلك أرى من حقي أن أتكلم اليوم عن الاشتراكية في مصر. ومن حقي أن أعمل على وضعها على أساس سليم، وأن أخاف على اليسار المصري وأحافظ عليه وعلى مستقبله.
وأنا ألوم هذا اليسار لأنه يتناقض الآن مع نفسه إلى حدٍّ ما، ولأنه في حالة رِدَّة عن الجوهر الحقيقي للاشتراكية؛ لاهتمامه بالتكتيك المؤقت على حساب البرنامج الاشتراكي الحقيقي، وعلى حساب الاستقلال بمنبر يميزه داخل صيغة التحالف التي خدمت الانتهازية أكثر مما خدمت العمال والمثقفين والفلاحين.
إن خوف اليسار من عودة الرجعية القديمة يجعله يقع — كما قلت — في خدمة الرجعية الجديدة!
وفي اعتقادي أن اليسار يجب أن ينقد السلبيات الكثيرة التي عانينا منها؛ لأن هذا واجبه.
ثم إن تناقض اليسار مع نفسه يتضاعف عندما نرى القيادة الحاضرة، تعلن أنها شريك مسئول للقيادة الماضية. عن أي شيء يدافع إذن؟ وضد أي شيء؟ وماذا ينكر؟ وماذا يتبنى؟
إن قصة «عودة الوعي» ببساطة هي أنني في عام ١٩٧٢م، وفي مناسبة الاحتفال بمرور عشرين عامًا على ثورة يوليو، وجدت نفسي في أزمة قاسية … في لحظة استرجاع لعمري الفكري، الذي هو عمر مصر الحديثة أيضًا. مصر التي كانت كل كتاباتي ودراساتي ورحلة عمري تدور حولها.
ماذا فعلت بنا الثورة؟ وماذا فعلت لنا؟
وجوابًا عن هذا السؤال، كتبت انطباعاتي في «عودة الوعي». وما يهمني الآن هو أن أؤكد، وأن يفهم اليسار المصري أن جوهر «عودة الوعي» أنه فحص لعهدٍ … أو على الأصح مطالَبةٌ بفحصِ عهدٍ بعد أن صار جزءًا من التاريخ، وأن هذا التاريخ لا تزال مجهولةً تفاصيلُه وحقائقُه وخباياه ومستنداتُه. ومن الخطأ، في حالة كهذه، التعجُّل في إصدار الأحكام المطلقة ذات اليمين أو ذات اليسار! لذلك لا بد من فتح كل ملف ثورة ١٩٥٢م.
بعد رسالة توفيق الحكيم لليسار المصري رسالة تردُّ عليه: لم يهاجمك ماركسي واحد!
(مجلة روزاليوسف – القاهرة)
بعد أن ألقى «خروشوف» خطابه التاريخي الذي كشف فيه — أمام مؤتمر الحزب الشيوعي عام ١٩٥٦م — عن انتهاك الحريات أيام «ستالين» … بدأ أعضاء المؤتمر يُقدِّمون إليه أسئلتهم مكتوبةً، ومُوقَّعًا عليها بأسمائهم، وكان من بينها سؤال يقول: إذا كان هذا الانتهاك للديمقراطية قد حدث أيام ستالين … فأين كنت أنت؟
وقرأ خروشوف السؤال، ولاحظ أنه بلا توقيع، فصاح:
– من صاحب هذا السؤال؟
ولكن، لم يَرُد أحد!
وعندئذٍ ضحك خروشوف وقال: جوابي أنني كنت مثلك يا صاحب السؤال!
ثم أضاف:
– ولا تنسوا أن الإرهاب في عهد ستالين أدى إلى إعدام ثلثَي أعضاء اللجنة المركزية بتهمة الخيانة في سنة واحدة!
إن هذه القصة تطوف بذهني كلما قرأت هجومًا على كاتبنا الكبير توفيق الحكيم، صاحب «عودة الوعي»؛ فقد ارتكز هذا الهجوم في معظمه على مسألتَين شكليتَين:
- الأولى: كيف عاد الوعي إلى صاحبه بعد عشرين عامًا، وبعد أن مات الزعيم الخالد عبد الناصر؟ ولماذا سكت طول هذه المدة عن الأخطاء التي تناولها كتابه؟
- والثانية: أن بعض ما كتبه متناقض مع ما كتبه في حياة عبد الناصر.
ومع أني لا أعرف الأستاذ الحكيم إلا من خلال كتبه، ولا أوافق على أكثر ما كُتب في «عودة الوعي» … إلا أنني أرى الهجوم الذي يتعرَّض له الآن ظالمًا وخاطئًا.
ذلك أنه إذا افترضنا أن الحكيم قد خاف عشرين عامًا، فإن من حقه أن يخاف، وهو لا يدَّعي أنه زعيم حزب، أو عضو حزب، أو حامل بندقية. وقد حدث في كل بلاد العالم، لا في مصر وحدها، أن خاف ألوف من الناس في ظروف ما … ثم لمَّا أُتِيحت لهم الفرصة تكلَّموا. وصواب آراء الحكيم أو خطؤها لا يُقرِّره هل كان خائفًا أم لا.
ومن المؤكد أن الكثيرين ممن يهاجمونه اليوم قد عرفوا الخوف أيضًا كما عرفه هو … فمن المعلوم والمعروف أن معظم المثقفين المصريين قد ضُربوا بالسياط على ظهورهم طوال العشرين عامًا الماضية، بشكل مباشر أو غير مباشر. ومن المؤكد أن الضرب بالسياط يُخيف.
ولا ننسى هنا قافلة الألفَي مواطن مصري، التي كُبِّلت بالأصفاد في طريقها إلى منافي الصحراء وأبي زعبل ذات ليلٍ في عام ١٩٥٩م؛ لأنهم كانوا الوحيدين الذين قالوا: لا!
أما التناقض بين ما كتبه توفيق الحكيم اليوم وما كان يكتبه بالأمس فهذا أيضًا ليس حجة قوية؛ لأنه ما دام لم يَقُم دليل قاطع على النفاق، فإنه من المحتمل أن يكون المرء من واقع خبرته قد غيَّر رأيه. واليسار المصري — خصوصًا الماركسيين — قد أخطأ بعضهم مرتَين في تقييم ثورة ٢٣ يوليو، ثم غيَّروا آراءهم.
يجب إذن أن تُناقَش آراء توفيق الحكيم ذاتها بموضوعية، ورفق وود.
ففوق المكانة الأدبية الهائلة — العربية والعالمية — التي يتمتع بها توفيق الحكيم، يجب أن يسرنا دخوله مجال السياسة بشكل مباشر وهو في هذه المرحلة المتقدمة من السن … فضلًا عن ركوبه المركب الصعب بإعلانه — لأول مرة — عن تعاطفه مع الماركسية (روزاليوسف – ٢١ أكتوبر) … وهذه شجاعة فائقة منه في وقتٍ ارتفعت فيه أصوات عديدة تتبرَّع بهجوم صليبي (فج وهايف حقًّا) ضد الماركسية بدون مناسبة.
إننا بصدد كاتبٍ حارب الفاشية منذ أربعين عامًا، وسجَّل التزامه بحب مصر في كتاباته؛ فأَحْرى بالوطنيين — خصوصًا اليساريين منهم — استخدام المنهج الأخوي في النقد معه.
لقد أصاب الحكيم كبد الحقيقة — في رسالته الموجهة إلى اليسار المصري — عندما قال إن خوف اليسار من استثمار الرجعية لنقد إنجازات عبد الناصر قد يؤدي إلى الوقوع في موقف رجعي.
ذلك أنه لا يمكن ليساريٍّ أن يدافع عن معتقلات وتعذيب وسجون وانتهاك للديمقراطية. إن مسئوليته أن ينقد هذا كله، ولكن مشكلته هي تحديد المدى الذي يندفع فيه إلى النقد، والإطار الملائم له.
إن اليمين يهاجم منجزات عبد الناصر … ولكننا نعلم جيدًا أن العدو المبين للديمقراطية هو اليمين، وأنه يريدها ديمقراطيةً للوجهاء الجدد والترامي للانقضاض على منجزات عبد الناصر، وعلى عهد السادات أيضًا، وعلى ثورة ٢٣ يوليو كلها.
إن اليمين يهاجم منجزات عبد الناصر، وعلى عهد السادات … ولكننا نعلم جيدًا أن العدو المبين للديمقراطية هو اليمين، وأنه يريدها ديمقراطية للوجهاء الجدد، والترامي للانقضاض على منجزات عبد الناصر، وعلى عهد السادات أيضًا، وعلى ثورة ٢٣ يوليو كلها.
إن اليمين المصري يرى في عهد السادات مرحلة انتقالية ريثما يتمكَّن من استغلال الحريات الديمقراطية الحالية للقضاء على الثورة كلها.
لكن هل يعني ذلك أن يرفض اليسار الديمقراطية؟
إن هذا اليسار نفسه — خصوصًا الماركسيين — هو الذي كان ينتقد سلبيات تجربة عبد الناصر بلا مواربة … بل وهو أكثر الفئات الوطنية تحملًا لنتائج هذا النقد: سنوات في السجون وتنكيل وتشريد و… إلخ.
ولقد كان هذا اليسار يواجه التنكيل والاضطهاد وهو يؤكد وطنية النظام، ويمد يده له بالتعاون، رغم أن هذه اليد ما كانت تتلقَّى إلا السياط والعصي الغليظة، ولكنه كان يظل باسطًا إياها ولسانه ينقد السلبيات … وهذا الموقف الصحيح لليسار الماركسي حتى اليوم، من سلبيات المرحلة الحالية.
وليس صحيحًا ما يقوله الحكيم إذن من أن اليسار يُزيِّن ويُجمِّل التجربة الاشتراكية المصرية.
بل ليس صحيحًا أن الماركسيين — وهم إحدى فرق اليسار — يصفون تجربة عبد الناصر بأنها الاشتراكية المُثلى. إن هذا قولٌ لم يَقُل به ماركسيٌّ واحد.
إن ما قاله اليسار الماركسي دائمًا أن الاتحاد الاشتراكي بوضعه الحالي خدم الانتهازية أكثر مما خدم العمال والفلاحين، وأن مشكلات الديمقراطية والاشتراكية في بلادنا لا تزال بعد عبد الناصر (كما كانت أثناء عهده) في حاجةٍ إلى حلول أخرى ثورية وديمقراطية.
ولعل الحكيم يعذر بعض اليساريين الذين اشتركوا في الحملة عليه؛ لأن اشتراكهم كان رد فعل ضد حملة اليمين المسعورة، ذات الصوت الأعلى والمنابر العديدة.
صحيحٌ أن رد الفعل هذا قد اتخذ شكلًا عصبيًّا وتشنجيًّا أحيانًا يضرُّ بالتجربة الناصرية ذاتها قبل أن يفيدها.
ولكن … يجب أن أُسجِّل أني لم أقرأ هجومًا واحدًا من كاتب يساري ماركسي على توفيق الحكيم حتى الآن.
إن لتوفيق الحكيم أن يكتب ما يشاء … وعلى كل القوى الوطنية أن تتقبل ما يكتب برحابة صدر … وتناقشه في هدوء.
فما أكثر ما عانت القوى الوطنية من أساليب الصراع التي تستخدمها بعضُها ضد بعض، بينما اليمين والاستعمار يتفرَّجان، ويُصفِّقان، ويستعدَّان للانقضاض على الجميع، ليُجهِزا عليهم بعد أن يكونوا قد أُنهِكوا … وأثخن بعضهم بعضًا بالجراح.