الفصل الثاني والمائة

جلادستون

قامت الدول الأوروبية كافة على المطالبة بحُقُوقها وإعنات الإنجليز في مصر، خصوصًا دولتَي فرنسا وألمانيا، وجميعهم يطالبون إنجلترا بإنجاز وُعُودها، ويقيمون الحجة عليها في أعمالها على كيفيات مختلفة ومن وجوه متعددة.

ومحمد أحمد وأتباعُهُ قدْ فرغوا مِن أعمالهم الزراعية وأحرزوا غلتهم وهيئوا مؤنهم وجندوا الجنود الكثيفة وقصدوا أطراف دوصد وبربر، وفي الأخبار الأخيرة أنهم سيروا جيشين على طريقين أحدهما يزحف من الصحراء والآخر على خط النيل، والقلق والاضطراب وضيق الحال واختلال الأمن يزداد في مصر كل يوم حتى صار يُخشى من فتنة عامة، خصوصًا بعدما أحس النَّاس بسوء نية الإنجليز.

ويمد هذه الأفكار ما فشى بين العساكر والعامة من أن السلطان غير راضٍ عن أعمال الإنجليز في مصر ولا هو مرتاح لزحفهم على السودان، وبوده لو يصادفون مقاومة لا يخطون بها خطوة، ونزول ماء النيل وفقدان وسائل النقل ووعر الطَّرِيق وبعد المسافة، كل هذا أطفأ تلك الحرارة التي كانت تطير بالعساكر الإِنجليزية إلى الخرطوم بأسرع من حركة البخار لإنقاذ جوردون — كما يزعمون — أو تملُّك الخرطوم — كما هو حقيقة القصد.

وانقلاب قلوب الهنديين على حُكَّامهم الإنجليز وظهور تلك الضغائن مع العجز عن سترها، خصوصًا من النوابين والرجوات الذي يتوجسون الشر من وثبات الحكومة الإِنجليزية عليهم، وهم الآن في ضجر شديد من تضييقها وتشديدها في مراقبة أعمالهم وهم على صورة الاستقلال، حتى إن بعضًا منهم ومِنْ أعيان الأهالي الهنديين بعثوا بأُناس إلى سَرَخْس ومرو وآشقاباد — على ما بلغنا — ليعرضوا إخلاصَهم ويتبينوا يوم خلاصهم، ذلك كله أحدث قلقًا واضطرابًا في أفكار سياسيِّي الإنجليز وتخبُّطًا في سيرهم.

فمن جهةٍ يريدون ستر خجلهم من الأعمال المصرية مع قضاء بعض أوطارهم فيطلبون إلى الدول تشكيل مراقبة عمومية وترك مصر وشأنها، مع بقاء شرذمة من عساكرهم في وادي حلفا لصيانة الحدود المصرية بعد طرد الجند الوطني (كما صانوا سائر الممالك الهندية بأمثال هذه الشرذمات!) ويتوهمون أنهم يلهون الدول بهذه الأضحوكة، ومن جهة أُخرى يبتغون إقناع أنفسهم وإقناع الأُمة الإِنجليزية بأوهام خيالية وترهات صبيانية يجعلونها أساسًا لسياستهم في الممالك الهندية، من ذلك ما اعتمده اللورد دوفرين (ذلك السياسي المشهور الذي أفسد شئون مصر) قاعدة متينة لصون الممالك الهندية، بعد أن عين حكمدارًا عليها، قال في مقال ألقاه في «بال فاست»: إنه يعد نفسه سعيدًا بمعرفته الخصوصية لمسيو جيرس وزير خارجية روسيا، ثم أثنى عليه بحدة تنبئ عن الإخلاص، وقال: إني أرى لمسيو جيرس رغبة صادقة في حصول المصافات بين روسيا والإنجليز ورفع الشقاق بينهما، وبالغ في القول حتى قالت جريدة «الميموريال دبلوماتيك» بعد ذكر تهنئة روسيا للورد دوفرين على الوظيفة الجديدة: «إن اللورد مكلف بعقد وفاق تعين به مهلة لتلاطم الدولتين المتنازعتين في آسيا الوسطى بعد تحديد تخوم أفغانستان من طرف الشمال، هذا ما اندفع إليه جناب اللورد بقوة الاضطراب وشدة الشغف بتسكين خواطر الشَّعْب الإنجليزي، وتغرير العقول في الهند، وإرضاء القلوب عن سياسة الحكومة وربما إرضاء نفسه أيضًا.»

والقارئ يعلم من هذه الحالة مقدار العجز الملم بسياسيي بريطانيا؛ حيث طفقوا يجعلون من مباني سياستهم في الشرق معرفة شخصية بين حاكمهم في الهند وبين وزير روسيا الذي لم يخط خطوة في الشرق إلا وغايتها الهند، ولم تتقدم قدمًا إليه إلا بعد عهد ينكث وميثاق ينقض، فإن حلف وزير روسيا للورد هذه المرة لا يختلف هذا اليمين عن اليمين السابقة، على أن المحبة الشخصية لا قيمة لها في السياسات الكلية، وما سرور الإنجليز بها إلا من آثار الذهول وسر سأم العقول.

وأعجبُ من هذا أن جلادستون يرفع صوته بين شعبه بقوله: إن من ضعف العقل أن يُظن الوهن في إمبراطورية الإنجليز أو يترقب بها الضعف في المستقبل، وإن بسطة الدول مما يوجب بسطة إنجلترا، عجبًا! فإذا انبسطت روسيا إلى الهند فإلى أين تنبسط إنجلترا؟ أظنها تنقبض، لا تنبسط، ويقول: إن يومًا تشعرون فيه بالخوف لَبعيد وليس بقريب، سبحان الله! روسيا وضعت يدها على باب الهند «سَرَخْس» وشهرتها عمت أنحاءه، وقلوب أهاليه مَيَّالة إليها، وهي لا تهاب الإنجليز ولا تتوانى في سيرها، فأي يوم يشعر فيه بالخوف بعد يومه هذا؟! كأن الوزير لا يحس الخطر حتى تحل روسيا في بنجاب أو تصل إلى نهر السند.

لا جرم أن الارتباك يضل بالإنسان عن رشده، ومن المضحكات ما ذهبتْ إليه جريدةُ البال مال جازيت مِنْ أن هذا الكلام من جلادستون يدل على ثقة جديدة منه بالدول بعد مفاوضات حل بها المشكلات، وأن من له أدنى إلمام بحال الإنجليز في ممالك الهند وضعف عسكريتهم، وتوزع أساطيلهم لِحِفظ سائر أملاكهم ونفرة الرعايا الشرقيين منهم، مع تألُّب الدول عليهم وتقدُّم روسيا إلى الهند يومًا بعد يوم؛ يحكم بأن قد حل أجلهم وقَرُبَ يوم يهدم فيه سلطانهم ويتقلص ظل سلطتهم في المشرق، ويهزأ يما يقول جلادستون: «إن إمبراطورية إنجلترا تزداد قدرتها بتجدُّد الأيام»، ومِن رأي العقلاء أنه لو تقدم محمد أحمد وساعده أهلُ الشهامة من الصعيد والشرقية والبحيرة في مصر، وخاب أمل الإنجليز في حملتهم، وقامت الفتنة في الهند، وتقدمت روسيا وخلصت النُّفُوس مِنْ رِقِّ العبودية، وقضي الأمر وقيل بُعدًا للقوم الظالمين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤