الخاتمة

إنجازات طيبة … ولكن!

المتجول في القاهرة يرى إنجازات طيبة هنا وهناك؛ من حيث رصف شوارع وتوسيعها، وتحسين شبكات البنية الأساسية من إمدادات المياه والكهرباء والغاز والتليفونات والبريد السريع، وظهور الكثير من شركات اتصالات الإنترنت التي أصبحت من اللوازم كما كان الراديو من قرن مضى. كذلك لا ينكر المتجوِّل مجهودات التشجير في بعض الطرق، والاهتمام بإنشاء الحدائق العامة وحدائق الطفل والأندية الاجتماعية، وغير ذلك من مقومات تحسين الوجه الحضاري بعد أن صار رماديًّا كالح اللون؛ لكثرة إزالة الأشجار، وتعملق الأبنية الإسمنتية الزجاجية، وسيطرتها على أفق القاهرة وسمائها لنصف قرن أو يزيد.

والأمل كبير أن تكون تلك المحاولات التحسينية أولًا: ضمن مخطط شامل ينفذ على مهل، وثانيًا: أن يتعدَّى التحسين الواجهات الرئيسية لشوارع القاهرة في بعض أحيائها إلى داخل الأحياء بحيث يتغلغل داخلها باعثًا الأمل في حياة أفضل، وثالثًا: أن يشمل التحسين الأحياء الشعبية وشوارعها المزدحمة بالناس والبيوت المتداعية المكتظة، وبعبارة أخرى: إعادة تجديد الحياة في هذه الأحياء الفقيرة، ورفع منسوب الأداء الخدمي العام فيها.

والأمل أكبر في أن يشارك الناس في مخططات التحسين في كلِّ حيٍّ على حدة. فالمشاركة الشعبية مطلب ضروري من حيث إنها إعلان للناس بما يراه الخبراء والمخططون من إجراءات التحسين كخطوة أولى بدلًا من مفاجأة الناس بأمر واقع حتى لو كان تحسينًا. والخطوة التالية: أن الإعلان عن أوجه التحسين يصبح منبرًا للناس يتداولون الرأي فيه، ويقترحون تعديلات بالشكل الذي يحسونه أكثر تلبية لاحتياجاتهم الفعلية بدلًا من فرض نمط تخطيطي يقومون هم بتعديله فيما بعد بصورة تشوِّه المنظر العام، وقد حدث ذلك كثيرًا في الإنشاءات التي تسمى المساكن الاقتصادية للأسر أو الشباب.

تنمية الأحياء الشعبية هي إحدى أهم وظائف الدولة في المدن وبخاصة القاهرة، بينما الأحياء الغنية وفوق المتوسطة تستطيع أن تنمي نفسها بنفسها؛ ذلك أن الخدمات الخاصة تأتي إليها كالعيادات الصحية والمستشفيات والمدارس الخاصة التي تخاطب هؤلاء القادرين. أما في الأحياء الشعبية، فالشغل الشاغل للناس إلى جانب المسكن هو الصحة والتعليم. صحيح أن هناك مستشفيات ومراكز علاجية ومدارس حكومية مجانية، ولكنها ذات تكلفة أعلى من قدراتهم؛ لما يتكلفونه من مصاريف للحصول على الدواء المناسب، ودروس خصوصية من أجل النجاح المرغوب. هاتان هما خدمتان أساسيتان، فهل يدخلان ضمن مخطط تنمية الأحياء الشعبية بالكثرة التي يتناسب فيها عدد السكان مع عدد أسرة المستشفيات وحجرات الدرس؟

تسعى وزارة البيئة سعيًا حثيثًا لتحسين معطيات المحيط المعيشي للسكان، ولكن «يدًا واحدة لا تصفق.» فهل التعاون الوزاري بينها ووزارات الصناعة والصحة والتعليم والإسكان والتموين فعال، أم أن كل هؤلاء عوالم بذاتها غارقة في إشكالياتها الذاتية؟

على سبيل المثال: هل تلح وزارة الصناعة على استخدام تكنولوجيات حديثة في صناعة الإسمنت تقل معها أمراض الرئة التي يعاني منها سكان المناطق الجنوبية من القاهرة الواقعين تحت نفوذ الغبار والأتربة التي ترسلها مصانع إسمنت طرة عالية في الجو؟ وماذا عن عمال الحديد والصلب وفحم الكوك في التبين من نواحي الصحة وأشكال الحياة؟

وكم تتكلف فاتورة العلاج في التأمين الصحي نتيجة أمراض المهنة أو أمراض ناجمة عن فشل الصرف الصحي في مناطق وعزب الفقراء المدقعين في التبين وحلوان وشبرا الخيمة؟

وكم ينفق الناس من وقود سياراتهم للانتقال في شوارع القاهرة المختنقة؟ وكم من العادم الذي تنفثه السيارات في جو القاهرة فتساعد على مزيد من الغلاف الضبابي المترب والمؤكسد الذي يحيط بالقاهرة مثل قبة من الغمام الضار تزداد بوجود ضغط عالٍ من الهواء البارد، فتحتبس الحرارة، وتسبب في السحابة السوداء المتكررة الحدوث خريف كل سنة؟ ليس حرق قش الأرز هو الجاني وحده؛ بل عشرات آلاف السيارات واللواري والأتوبيسات وأجهزة التكييف في المنازل والأبنية العامة والشركات، عوامل أساسية في مضاعفة آثار هذه الظاهرة المناخية بالأساس.

لو كانت وسائل النقل الجماعية ذات الطاقة المحركة النظيفة كالترام والمترو أضعاف ما هي عليه الآن؛ لأراح الناس، ووفر الكثير من النقود، ووفر علينا تكرار ظاهرة السحابة السوداء. لقد كانت هناك خطوط ترام فيما يشبه الشبكة الجيدة في القاهرة الوسطى ومصر الجديدة وحلوان وشبرا الخيمة. لكننا أزلنا ٩٠٪ من هذه الشبكة بحجة أنها وسائل نقل بطيئة، فقد كان هذا صراعًا بين السيارة والترام. وبعد أن أفسحنا المجال أمام السيارة في الشوارع التي أزيلت منها الخطوط الحديدية، وحلت الأتوبيسات الضخمة محلها، فماذا كانت النتيجة؟ أصبح الانتقال بالباص كبيره وصغيره والسيارات الخاصة وسيارات النقل الصغيرة تتزاحم في الطرق بحيث عدنا إلى سرعة انتقال بطيئة كالترام أو أقل. عدنا مرة أخرى إلى النقل الحديدي في صورة مترو الأنفاق، الذي هو ليس بأنفاق إلا في أقل من نصف مساراته، والباقي سطحي استخدمنا فيه الطرق الحديدية السابقة: خط الضواحي من كوبري الليمون في باب الحديد إلى المرج، وخط حلوان السطحي من السيدة زينب إلى حلوان، وهناك أفكار لمزيد من استخدام خطوط حديدية أخرى كخط السويس إلى العاشر من رمضان ثم السويس، أو استخدام الخط الحديدي العسكري من العباسية إلى القلعة والبساتين والمعادي.

والآن — عود على بدء — نقترح إعادة استخدام ترام سطحي حديث يحل إشكالية الانتقال داخل المدينة الأصلية من منشأة ناصر والدراسة إلى العتبة وعابدين والتحرير من ناحية، وإلى الأزبكية وبولاق من ناحية ثانية، وإلى العباسية من ناحية ثالثة، وإلى السيدة والقلعة ومصر القديمة من ناحية رابعة. على أن تنشأ جراجات عديدة عند نهايات شبكة الترام في الدراسة وبولاق ومصر القديمة والعباسية يترك فيها الناس سياراتهم لينتقلوا بالترام الحديث إلى وسط المدينة، وهذا تمامًا ما يفعله سكان مصر الجديدة مثلًا حين يتركون سياراتهم في أماكن غير منظمة بالدرجة المناسبة عند سراي القبة لركوب المترو إلى وسط البلد.

الخلاصة

لكي تستعيد القاهرة البهاء الذي كانت عليه، ولكي تصبح مدينة سكناها أقل مشقة في الانتقال، وأقل تلوثًا، وأقل ضجيجًا تحتاج إلى:
  • تناغم حقيقي بين السلطات المحلية للأحياء ممثلة في مجالس منتخبة، وبين أجهزة الوزارات المعنية؛ لتنفيذ مشروعات التحسين.

  • الكف عن إنشاء مدن جديدة تتحلق حول القاهرة، وتزيد من إشكالياتها في الحركة وفي أعداد السكان.

  • أن تنتقص من أنشطتها الاقتصادية بالعيش عالة عليها …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠