الباب الأول

ابن رشد عند اللاتين – الترجمات اللاتينية الأولى من العربي في القرنين الثاني والثالث عشر

إن سوريا والعراق كانتا في القرنين الثامن والتاسع المركزين العظيمين للنقل من اليونانية أو السريانية إلى العربية، أما في القرن الثاني عشر فمراكز النقل من العربية إلى اللاتينية هي — قبل غيرها — طليطلة Tolède ومعها بورغوس Burgos وإيطاليا (صقلية ونابولي).

وينبغي لنا أن نشير هنا إلى أمر في منتهى الأهمية، عندما أُنْجِزَت الترجمات في الشرق في القرن الثامن والتاسع الميلادي لم تكن الثقافة اليونانية كلها في قيمتها الإنسانية المألوفة هي التي قصد مترجمو بغداد نقلها إلى العربية، بل المؤلفات في الفلسفة والعلوم فحسب، وكذلك القول في ترجمات العهد الوسيط اللاتينية: إن الآثار العظمى في اللغة العربية مهما تبلغ من القيمة لم تك هي التي نُقِلَت إلى اللغة اللاتينية، فالواقع أنه ليست الثقافة العربية الإسلامية — بحد ذاتها — هي التي عرضها مترجمو إسبانيا وإيطاليا على العالم اللاتيني، بل خصصوا مجهودهم في ميدان الفلسفة والعلوم.

لكن المورد العربي الإسلامي إنما كان مفكرو اللاتين يرحبون به ترحيبًا بقدر ما كان يحمل في جنباته الثروة العلمية والفلسفية التي خلقها اليونان في قديمهم، على أن المواد العلمية هي التي أخذت أولًا مع ما زاد العرب عليها — هم ذواتهم — بعملهم الخاص، لقد تكاثرت منذ القرن العاشر وطوال القرن الحادي عشر ترجمات مؤلفات عربية في علم النجوم والتنجيم والطب والعلوم التجريبية والسحريات، وأصبحت هرتفورد Hertford في القرن الحادي عشر مركزًا حقًّا للدراسات العربية في إنجلترا.
وربما كانت ترجمة القرآن التي وُضِعَت بناءً على طلب «بطرس الجليل» Pierre le Vénérable هي التي حثَّت قليلًا بعد ذلك ما تعاقب من الترجمات الطليطلية على الصعيد الفلسفي، لكنهم فضلوا أن يوجهوا إلى الفلسفة ما كاد يكون كامل مجهودهم، كانوا يُنْزِلون — منذ أجيال — نصوص أفلاطون وأرسطو النادرة — التي أُنْقِذَت بعد انهيار الإمبراطورية — منزلة الفيصل بين الحق والباطل، والخطوة التي خطا بها بوئيس Boèce وكاسيوردور Cassiodore إنما كان سببها محافظة الرجلين على الثقافة الإنسانية الباقية على كر الأجيال، والواقع أنه — منذ سنة ١١٢٥م — ظهرت ترجمات لبوئيس Boèce كانت مفقودة حتى ذلك العهد ومصادر أخرى أيضًا، فجعلت «أورغانون» أرسطو بكامله في متناول الفكر اللاتيني، فانبعث من هذا «المنطق الجديد» Logica nova ثورة جدلية.
ثم ها هي ذي آثار أرسطو الصحيحة تعود لتظهر بعد سنوات قليلة، ولم يظهر المنطق وحده، بل كان معه أيضًا الطبيعيات ثم الأخلاقيات والميتافيزيقا بعد ذلك بقليل، علاوة على مجموعة كاملة من النصوص الأفلاطونية المحدثة خلطت بذلك كله كثيرًا أو قليلًا، فأخذت هذه الآثار أو هذه النصوص ترد الغرب بشروحها ووجوه استخدامها وفهمها، وكان في طليعة ناقليها الشارحان اليونانيان: إسكندر الأفروديسي Alexandre d’Aphrodise وطامستيوس Themistius، ثم بخاصة فلاسفة من الطراز الأول لغتهم العربية ودينهم الإسلام كالفارابي وابن سينا وابن رشد، ولقد برز اسمان: ابن سينا وهو أفلاطوني محدث بقدر ما هو أرسطي، وابن رشد بعد ذلك وهو الشارح Commentator، وتلقَّى اللاتينيون بنهمٍ فكري كل ذلك وكأنه تراث الأسرة الذي كان تراثهم قبل أن يتصلوا به، وحظي الفلاسفة الذين كانوا عرضة للظن والمناقشة في الشرق بأن يصبحوا في نظر الفكر المسيحي الوسيطي هم العرب مطلقًا وهم فلاسفة العرب.
كيف وصل هذا التراث اليوناني والعربي إلى الغرب؟ فنحن في الربع الثاني من القرن الثاني عشر، لقد عادت طليطلة Tolède إلى المسيحية منذ سنة ٤٥٠ﻫ/١٠٥٨م، ورئيس أساقفتها هو الفرنسي ريمون ده سوفتاه Raymond de Sauvetat (١١٢٦–١١٥١م) المعروف بريمون الطليطلي الذي كان ينفق ولا يبالي في سبيل الترجمة، فيحث عليها ويشملها بعناية، ولقد واصل عمله خلفه رئيس الأساقفة يوحنا.
ولقد توالى ذلك كله على موجات ثلاث: الأوليان في القرن الثاني عشر متقاربتان في الزمان بحيث تتوافقان أحيانًا، والثالثة في القرن الثالث عشر.
  • (١)
    فهناك الترجمات التي قام بها ابن داود Ibn Dawud وغوندسالفي Gundisalvi ينقل الأول النص العربي شفاهيًّا إلى اللغة الرومانية، وينقل الثاني بالمعنى المسموع من اللغة الرومانية إلى اللاتينية، وكان أهم المؤلفين الذين تُرْجِمَت آثارهم هم: أرسطو المنحول صاحب «سر السرار» والكندي والفارابي وابن سينا والغزالي (المقاصد) وابن جبرول (ينبوع الحياة)، ومنذ هذه الموجة الأولى التي تبتدئ في ١١٢٨م وتمتد إلى ما بعد وفاة رئيس الأساقفة ريمون، كان أخص ما تشتمل عليه الفلسفة الشرقية والأفلاطونية المحدثة قد وصل إلى أيدي المفكرين اللاتين.
  • (٢)
    ثم جاءت الترجمات التي نُقِلَت مباشرة عن اللغة العربية (وعن اليونانية أحيانًا)، ولقد قام بها جرار دي كريمون Gérard de Crémone، عاش من سنة ١١١٤م إلى سنة ١١٨٧م – وها هي ذي: أرسطو في السماء والعالم، في الكون والفساد، الأجزاء الثلاثة الأولى من «الآثار العلوية» و«كتاب البرهان» مع شروح كل هذه الآثار لطامستيوس، شروحات إسكندر الأفروديسي وآثار له مختلفة: أرسطو المنحول، صاحب كتاب «في الخير المحض»، الكندي والفارابي أيضًا، إسحاق الإسرائيلي، القانون في الطب لابن سينا، ومؤلفات علمية مختلفة.

    وعلى الصعيد الفلسفي ربما كانت «فلسفة» الإسلام أقل بروزًا هذه المرة من أرسطو، وهو على الوجه الذي قرأه عليه شارحوه اليونان، لقد أصبح الآن معروفًا في نهاية الأمر في كامل أثره المنطقي وفي فلسفته في الطبيعة، ولكنه ظهر أول الأمر مغمورًا في التأويل المادي الذي جاء به إسكندر الأفروديسي.

  • (٣)
    لكن هذا القرن الثاني عشر هو بالذات العهد الذي ازدهرت فيه الفلسفة العربية، تُوُفِّي ابن باجة في سنة ٥٣٢ﻫ/١١٣٨م وابن طفيل في سنة ٥٩٢ﻫ/١١٩٥م، وفي ١١٦٨-١١٦٩م يأتي ابن طفيل بابن رشد إلى السلطان الموحد أبي يعقوب، فيطلب السلطان من ابن رشد — بعد قليل — أن يشرح أرسطو، ولم يمضِ على شروحات ابن رشد بضع سنوات حتى نُقِلَت من العربية إلى اللاتينية، هذه هي الموجة الثالثة في الترجمات، لقد نهضت — في بداية القرن الثالث عشر — مع ميخائيل سكوت Michel Scot الذي عمل في طليطلة وإيطاليا، والنتائج التي وصل إليها الأب دي فو de Vaux في بحثه «عهد اللاتين الأول بابن رشد» (انظر هنا ص٣٣٤ رقم ١٩١) تدل على أنه يجب أن يجعل الإقبال الأول على ترجمة ابن رشد في بلاط فريدريك الثاني في ١٢٣٠م بقليل، ثم إن ميخائيل سكوت «إن لم يكن هو المستأثر بالعمل في هذا الدور فإنه قام فيه بالنصيب الأوفر».
أما تاريخ ميشيل سكوت فما يزال غامضًا، ويرى الأب تيري … Théry Tolède، ص٦٣ أنه من المحتمل أيضًا أن يكون الرجل قد وضع معظم ترجماته لابن رشد في طليطلة لا في إيطاليا وذلك حوالي السنة ١٢٣٠، وعلى كل حال لم تنتشر تلك الترجمات في العالم اللاتيني إلا منذ ١٢٣٠.
والذي يُنْسَب إلى ميشيل سكوت ترجمة: شرح السماء والعالم، وشرح كتاب النفس، وشرح كتاب الكون والفساد وشرح الآثار العلوية، فالطبيعيات الصغرى Prava naturalia (انظر هنا ص١٥٠-١٥١)، فجوهر الفلك de Substantia Orbis فشرح مقالة الطبيعة، فشرح ما بعد الطبيعة.
وهناك مترجم آخر اسمه هرمن الألماني Hermann l’Allemand الذي كان — مثل ميشيل سكوت — ملحقًا ببلاط آل هوهنشتاوفن Hohenstaufen ويقول عنه روجير بيكون في كتابه «العمل الثالث» Opus Tertium الفصل الخامس عشر: Hermannus Alemanus et translator Manfredi nuper a D. rage Carolo devicti.

وفي وجه عام لقد اهتم هرمن بالنصوص الأرسطية المهملة عادةً مثل الخطابة وكتاب الشعر والأخلاق والسياسة، وقد لجأ إلى التلخيصات العربية لهذه الكتب، وهي كانت أكثر انتشارًا وأسهل منالًا فترجمها، وهكذا بدلًا من كتاب الخطابة لأرسطو ترجم تعليقات الفارابي عليها، وبدلًا من كتاب الشعر ترجم تلخيصها لابن رشد، وهو يقول: «لقد حاولت أن أنقل كتاب الشعر ولكني وجدت فيه كثيرًا من المصاعب بسبب اختلاف الأوزان اليونانية عن الأوزان العربية مما جعلني أيأس من النجاح؛ ولذا لقد تناولت كتاب ابن رشد حيث أدخل هذا المؤلف كل ما وجده معقولًا ونقلته إلى اللاتينية بقدر المستطاع» (رينان، ص٢١١) وتاريخ هاتين الترجمتين ٧ مارس ١٢٥٦م.

وفي مقدمته لتعليقات الفارابي يخبرنا هرمن بأنه ترجم أيضًا كتاب الأخلاق معتمدًا على تلخيص عربي، غير أن عمله صار بلا جدوى نظرًا إلى الترجمة التي قام بها روبير غروستيت Robert Grossetête من اليونانية، ولم يكن هذا التلخيص العربي سوى الشرح الأوسط لابن رشد، ويوجد في المكتبة اللورانتية في فيرنتسة مخطوط لهذه الترجمة وهي تُقرأ في جميع الطبعات اللاتينية لكتب ابن رشد، ونعلم من هرمن في تعليق آخر أنه أتمَّ هذا العمل في كنيسة الثالوث الأقدس بطليطلة في اليوم الخميس الثالث من يونيو سنة ١٢٤٠.

وفي المكتبة الأهلية في باريس يوجد ملخص لاتيني للكتب العشرة للأخلاق النيقوماخية، ترجمها من العربي هرمن الألماني (انظر رينان ص٢١٣).

وفي مقدمة شروح الفارابي يعترف هرمن نفسه بأنه لم يكن له غير نصيب ضئيل في أمر ترجماته، وتوجد دلائل كثيرة على أن هرمن استخدم في عمله مسلمين عارفين باللغة العربية الفصحى، وهكذا رُوعيت التنوينات وحركات أواخر الكلمات الطارئة بدقة وذلك في نقل أسماء الأعلام، فقيل: Abubekrin, Aby Nasrin, Ibn Rosdin, Alkameitu, Sceifa addaulati مما زاد في جفاء الأسلوب اللاتيني وصعوبة فهمه.

وهكذا فإن كثيرًا من كتب ابن رشد المهمة تُرْجِمَت من العربية إلى اللاتينية في أواسط القرن الثالث عشر، أما الشروح على المنطقيات و«تهافت التهافت» و«فصل المقال» و«مناهج الأدلة» فلم يعرفها فلاسفة النصارى في القرون الوسطى.

وأما مؤلفات ابن رشد الطبية فلم تُعْرَف على العموم إلا بعد مؤلفاته الفلسفية، وليس لدينا أي بيان عن طريقة ترجمة «الكليات»، غير أن مخطوطًا في باريس (Arsenal, Sciences et arts, 61) يشير إلى أنه نُقِلَ من العربية إلى اللاتينية، وما هناك من كلمات عربية حُفِظَت في المتن وطائفة من خصائص أخرى يثبت — بدون شك — أن هذه الترجمة تمت من العربية لا من العبرية، ومن الأرجح أنها من أواسط القرن الثالث عشر.
وفي سنة ١٢٨٤ ترجم طبيب مونبيليه Montpellier  أرمنغو بن بليز Armengaud, fils de Blaise من العربية شرح أرجوزة ابن سينا في الطب (انظر هنا ص٢٣٥).

المراجع

بالإضافة إلى كتب: رينان ومنك واستاينشنيدر التي ذكرناها آنفًا (انظر ص٥٥–٥٩) يمكن الرجوع إلى المصادر الآتية:

  • Jourdain (A.), Recherches critiques sur l’orignie des traductions latines d’Aristote et sur les commentaires grecs et arabes, employés par les docteurs scolastiques 2e éd. 1843.

وقد أُعيد طبعه فوتوغرافيًّا.

  • Wüstenfeld (F.), Die Uebersetzungen arabischer Werke ins Lateinische aus den Abhandlungen der Gesellschaft der Wissenschaften zu Gottingen 1877.
  • Steinschneider (M.), Die europaischen Uebersetzuneg aus dem arabischen bis Mittel des 17, Jahrhunderts, Wien 1904.

وقد أُعيد طبعه فوتوغرافيًّا.

  • Haskins (Ch.H.), Studies in the History of Mediaeval Science, Cambridge, Harvard University Press, Second edition, 1927.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١