المبحث الثالث

الأبعاد المعرفية١ لكيمياء جابر بن حيان

لعل الكيمياء — أعرق المَناشِط الإمبيريقية للإنسان — فَرَضَتْ عليه التعامل الحي مع المادة واستجوابها والإنصات لشهادة الحواس بشأنها، واستقراء متغَيِّراتها، منذ أن كان لزامًا عليه في العهود السحيقة تدبيرُ احتياجاته العملية من قبيل الزجاج والفخار والأصباغ وتقطير الخمور والعطور والأشكال البدائية للعقاقير والأدوية … كانت هذه البدايات الخام حِرَفًا عملية بلا أساس نظري، ثم اقتربت الكيمياء من الإطار النظري والمنظومة المَعْرِفية المهوشة طبعًا، وبدأ التأليف فيها حين استبد بالإنسان القديم الحُلْم الجامح بتحويل المعادن الخسيسة إلى ذَهَبٍ بُغْيَة الثراء السريع، وفي سياق الجهد المشبوب والفاشل لتحقيق هذا الحُلْم تَخَلَّف رصيد هائل من المعارف بشأن طبائع المواد وتَحَوُّلاتها وعمليات هذا التحويل طبعًا مُشَتَّت ومُبَعْثَر، لكنه قطعًا السلف التاريخي للكيمياء الحديثة التي خرجت من أعطاف العلم المعني بتحويل المعادن إلى ذَهَبٍ — علم الخيمياء أو السيمياء Alchemy.٢ وسوف نعود مجددًا لحُلْم الذهب، لكن لنلاحظ مبدئيًّا أنه سيطر على الإنسان سيطرة طاغية أكثر كثيرًا من كل ما نتصور، حتى إن إسحاق نيوتن ذاته — أمير الفيزياء الحديثة، ورَبُّها بغير مُنَازِع، وواحد من أعظم العقول العلمية في تاريخ العلم بأسره، ولعله أعظمها جميعًا — ثبت أنه قضى وقتًا طويلًا في دراسة كل ما كُتِبَ في الخيمياء، وأجرى تجارب يُحَاول بها تحويل المعادن إلى ذهب،٣ وطَرَحَتْ سيرته موضوعًا شائكًا للباحثين: كيف نُوَفق بين نيوتن الفيزيائي الرياضي العبقري ونيوتن الخيميائي المتعثر!٤ إن تاريخ العلم ليس سهلًا منبسطًا.
من المُجْدي دائمًا العود إلى الأصول التاريخية، وخلال عَقْدَي الستينيات والسبعينيات أَخَذَ تاريخ الكيمياء القديمة أو الخيمياء يكتسب أهمية متزايدة،٥ حتى أصبحت لغة الخيمياء مبحثًا قائمًا بذاته في إطار الدراسات المتعلقة بتطور اللغة الكيميائية.٦
ومجرد مصطلح الخيمياء الذي أصبح الكيمياء، من أعرق المصطلحات في تاريخ العلم، يعود إلى فجر الحضارة — إلى الفراعنة، إلى أرض مصر — وكما قال بلوتارك: سواد تُرْبَتها يشبه سواد إنسان العين، فأسماها المصريون كمي Chemi Kemt؛ أي التربة السوداء، ولَمَّا عَرَفَ الإغريق ذلك العلمَ أَسْمَوْه باسم البلد البعيد الذي أتى منه؛ أي خيميا أو كيميا،٧ وكان أول استعمال لهذا المصطلح في مرسوم للإمبراطور دقلديانونس عام ٢٩٦م يأمر فيه بحرق الكتب المصرية؛ أي الخيمية أو الكيمية، كتب العلم الذي يُحِيل المعادن ذهبًا فيَفْتِن الألباب ويَفْتح الأبواب للطمع وللدجل. هذا بعد أن أصبحت الكيمياء الفنَّ المصري والفن المقدس المنسوب إلى توت رب الحكمة، وكما هو معروف عبر العناصر الغنوصية أصبح توت هو الإله هرمس المثلث العظمات، وذلك في مدينة الإسكندرية في العصر البطلمي الذي شهد توهج الكيمياء، وشهدت البشرية فيه أوَّل كتابات في هذا الفن المصري المقدس، بخلاف برديات ليدن التي عُثِرَ عليها في أحد قبور طيبة. إن الكيمياء كاسم وكمُسَمًّى اختراع مصري خالص.٨
وتكاد تتفق الدراسات الحديثة على رد مصطلح خيمياء وكيمياء إلى هذا الأصل الفرعوني كيمي (التربة السوداء) أرض مصر الخصيبة، وليس التفسيرات الأخرى للمصطلح، تجافي إلى الكلمة اليونانية Chyma التي تعني سَبْك وصَهْر المعادن، أو ما ذَكَرَهُ حاجي خليفة في «كشف الظنون» عن الصفدي في شرحه للامية العجم من أن اللفظ مشتق من اللفظ العبراني «كيم إيه» أي من عند الله، أو تفسير أبي عبد الله يوسف الخوارزمي في «مفاتيح العلوم»، وهو أن لفظ الكيمياء عربي أصيل مشتق من الفعل كمى يكمي، ويقال كمى الشهادةَ؛ أي أخفاها وسترها، نظرًا لأن هذا العلم كان مُحَاطًا بالسِّرية والكتمان، على أن العرب أطلقوا على هذا العلم أسماء أخرى بخلاف الخيمياء والكيمياء، منها: «علم الصنعة، صنعة الإكسير، الحكمة، علم الحجر، علم التدبير، علم الميزان»، بعض هذه الأسماء راجِعٌ إلى طبيعة الموضوع، أو إلى منهج البحث، أو إلى الغرض المستهدَف.٩

بيد أن عبد الرحمن بن خلدون — العَلَم البارز في تاريخ الحضارة الإسلامية، وفي التأريخ لها — أسمى الكيمياء في مقدمته الشهيرة «علم جابر».

•••

إذن فجابر بن حيان الأزدي الطوسي في القرن الثاني الهجري هو الإمام الأكبر والعَلَم الذي خَرَجَتْ من رحابه كل كيمياء العرب، وكل كيمياء العصور الوسطى، تَحْمِل كيمياؤه تَعَثُّر البداية ووعورة شقها للطريق، وفي الآنِ نَفْسِه زخم التأثيرات المحورية والامتدادات المستقبلية، وفي خضم هذا وذاك نحاول استكشاف بعض من الأبعاد المعرفية التي شَكَّل تَلَاقِيها وتَقاطُعها هيكل كيمياء جابر.

وليس الأمر يسيرًا؛ لأن الأبعاد متقابلة، بقدر ما كانت شخصية جابر نفسه محلًّا لأقوال متضاربة حتى أَنْكَرَ بعض مؤرخي الإسلام وجُودَه، فضلًا عن نسبة مصنفاته الكثيرة إليه،١٠ وهذا ما رفضه بشدة ابن النديم في الفهرست، قائلًا: «إنه من غير المعقول ولا المفيد أن يُتْعِب رجل فاضل قريحَتَه وعقله ويده وجسمه ويَخُطَّ كتابًا ينسبه إلى غيره.» ولئن حدث هذا الإنكار في سياقنا الثقافي، فليس غريبًا إذن موقف العالم الفرنسي برتيلو M. Berthelot (١٨٢٧–١٩٠٧) في كتابه «الكيمياء في العصور الوسطى» La Chimie au moyen age الصادر عام ١٨٩٣ في ثلاثة مجلدات؛ إذ يَنْسِب إلى جابر بن حيان كل ابتكارات العرب الكيميائية، ويَعْتَبر كلَّ الكيميائيين مِنْ بعده إما ناقلين عنه أو معَلِّقين عليه.
يُصْدِر برتيلو حُكْمَهُ هذا على الرغم مِنْ تَحَامُله على العلم العربي، والذي يَصِل به إلى درجةٍ تُجافِي النزاهة العلمية، بل وعلى الرغم مِنْ تَحَامُله على جابر نفسه، حتى إنه لا ينسب إليه إلا الغث التافه من مؤلَّفَاته، ويزعم أن الأجزاء الثمينة مِنْ وَضْع عالم لاتيني مجهول، أَوْدَع بحوثه كتابًا أسماه «المجموعة الكاملة»، ويُعَدُّ من أفضل إنجازات العصور الوسطى في الكيمياء، وأنه نَسَبَهَا إلى جابر حتى تتيمن بشهرته الواسعة، فيكون نصيبها الذيوع والانتشار، وهذا نفس ما زَعَمَ به مؤرخ الكيمياء بارتنجتون١١ الرد على هذا نفس رد ابن النديم المذكور.
على العموم، فإنه في عام ١٩٢٣ وفي مَقالٍ بمجلة إيزيس الشهيرة بعنوان «فحص نقدي لأعمال برتيلو في الكيمياء العربية»، تَكَفَّل العلامة الإنجليزي هولميارد، أستاذ الكيمياء بجامعة كلفتون والمتضلع في اللغة العربية بتبيان خطأ برتيلو وأشياعه بحجج علمية دقيقة ومُسْهَبَة، مثبتًا أن كتاب «المجموعة الكاملة» منقول عن كتاب لجابر اسمه «الخالص»، وأن جابرًا يستحق — عن جدارة — لقب مؤَسِّس علم الكيمياء؛ لأنه كان يفضل العمل في المعمل، عازفًا عن التأمل العقيم، وأن رؤاه جلية وأبحاثه منضبطة، جعلت الكيمياء الإسلامية ترتفع لكي تكون علمًا دقيقًا، وأن تطبيقاتها هي التي جعلت أوروبا تبدأ الكيمياء على أساس سليم، بحيث إن كل المعنيين بالكيمياء مَدِينُون بالعرفان لأتباع محمد.١٢ لقد ظل تدريس الكيمياء في الجامعات الأوروبية، حتى أوائل القرن الخامس عشر مقصورًا على تدريس مؤلفات جابر، قرابةَ خمسمائة عام.

ولأن العبقرية الناصعة ذات الإنجاز العلمي المحسوب تَفْرِض نفسها على الجميع، مهما كانت الميول والأهواء، نجد جابرًا في النهاية رجلًا حقَّ عليه القول: «شهد له الأعداء قبل الأصدقاء»، فهذا برتيلو نفسه لا سواه يُضْطَرُّ اضطرارًا إلى أن يقول قولته: «لِجابر بن حيان في علم الكيمياء، ما لأرسطو مِنْ قَبْلِه في علم المنطق.» فكما أن أرسطو هو مؤسس علم المنطق، فإن جابرًا هو مؤسس علم الكيمياء كنقطة تَحَوُّل في تراث الإنسانية العلمي.

•••

إذن يمثل جابر بن حيان منعطفًا جذريًّا في تاريخ علم الكيمياء، وفي الآنِ نفسه منعطفًا جذريًّا في تاريخ الحضارة الإسلامية مِنْ حيث إنه في طليعة فئة الطبائعيين الذين تَكَرَّسوا للاهتمام بالطبيعة، وهي الفئة التي نَضِجَتْ واكتملت لتَحْمل عبء تاريخ العلوم عند العرب. هذا المنعطف الجذري لئن تَأَدَّى إلى طرق وشعاب مِنْ بَعْدِه، فإنه بالمثل آتٍ عن طُرُق وشعاب قَبْله. فلا يُدْهِشنا تداخُل الأبعاد المعرفية التي تَرَسَّمَتْ معها كيمياء جابر، ما بين شعاب إسلامية وواقعية تجريبية وحرانية وزرادشتية وسكندرية يونانية عقلانية منطقية وهرمسية غنوصية.

ونظرة واحدة إلى تصنيف جابر للعلوم، كما هو معروض في «كتاب الحدود»١٣ يوضح كيف تداخلت هذه الأبعاد جميعها وتضارَبَتْ، فيبتعد عن التصنيف الأرسطي رغم تأثُّرِه به، ويقسم العلوم متأثرًا بالمد الإسلامي إلى علوم دين وعلوم دنيا، علم الدين ينقسم إلى شرعي هو علم الظاهر، وعلم الباطن، وعقلي ينقسم إلى علم الحروف وعلم المعاني. علم الحروف ينقسم بدوره إلى طبيعي وروحاني، وعلم المعاني ينقسم إلى العلم الفلسفي والعلم الإلهي. الفلسفي يضم علوم الطبيعة والنجوم والحساب والهندسة، وإذا لاحَظْنَا الأثر الإغريقي هنا، نجد الأثر الهرمسي الغنوصي يتجسد في عِلْم الباطن الروحاني الذي ينقسم إلى عِلْم نوراني وعلم ظُلْمَانِي. أما علوم الدنيا — وهي ما تهمنا الآن، والتي جَعَلَتْ جابرًا المُنْعَطَفَ الذي يَسْتَوْقِفُنا — فتنقسم إلى شريف ووضيع. الشريف: هو علم الصنعة؛ أي الكيمياء بفروعه المختلفة، والوضيع: هو أقسام العلوم أو الصنائع الأخرى الكثيرة الخادمة للكيمياء.١٤ إن تشجيرًا يوضح هذا التقسيم أو التصنيف للعلوم، يمكنه أن يُوَضِّح أيضًا مدى تعدُّد الأبعاد المعرفية عند جابر، ومدى تَقابُلها وتَشابُكها.

•••

ولنبدأ بالبُعْدِ الجوْهَرِ والعمدة والعماد، الذي تُنَاطُ به منزلة جابر في تاريخ الكيمياء؛ أي: المنهج التجريبي، والحقُّ أن هذا البُعْد متبلور متألق إلى أقصى الحدود، حتى إنه يَسْتَعْمِل مُصْطَلَحَي الاستقراء والتجربة بمعناهما ومبناهما المنصوص عليه في المنهج العلمي الحديث فيقول: «استقراء النظائر واستشهادها للأمر المطلوب.»١٥ ويقول للحث على دراسة كتبه: «لا عَمَلَ إلا بعلم قَبْلَه يتقدَّمه، فاعْرِف ذلك واعْمَل عليه، وإياك وإهماله، فليس يمكن كل يوم العمل والتجربة لترى الرشد فيما نقوله لك، ولكن اتعب أولًا تعبًا واحدًا واجْمَعْ وانْظُر واعلم ثم اعمل.»١٦ «التجربة مِحَكٌّ مُعْتَمَد، لكنها وَحْدَها لا تكفي، إنما تأتي صَنْعَة الكيمياء بالعوامل الثلاثة معًا: العلم والعمل والتجربة.»
وكما يشهد المعمل المهيب لجابر الذي عُثِرَ عليه بالكوفة في ناحيةٍ تُسَّمى بوابة دمشق، كانت التجربة مَنَاطَهُ الذي يعتد به، وليس مجرد صحائف الأقدمين كشأن البحوث الأوروبية المتزامنة معه، فيقول في كتابه «الخواص الكبير»: «إننا نذكر في هذه الكتب خواص ما رأيناه فقط دون ما سمعناه أو قيل لنا أو قرأناه بعد أن امْتَحَنَّاه وجَرَّبْنَاه، فما صَحَّ أوردناه، وما بَطَلَ رَفَضْنَاه، وما استخرجناه نحن أيضًا وقايَسْنَاه على أقوال هؤلاء القوم.»١٧ إنه إذن لا يشرح إلا ما رآه بعينيه، ما جرَّبَه، مهمِلًا ما وَصَلَ إليه عن طريق السماع والقراءة، على أن النظرة التمحيصية المقايِسة للأقوال المتواترة تجعلنا نتلمس بُعْدًا مأخوذًا من علماء الحديث فيما وَضَعُوه من قواعد الجرح والتعديل لنقد صحيح الحديث من باطله، لكن جابرًا استخدمه في عالم الكيمياء.١٨ يقول جابر: «الجرح لك لازم إن فَرَّطْتَ في طلبه.»١٩
ونعود إلى التجريبية، لنجد جابرًا يقول قولته الشهيرة: «فمن كان دربًا كان عالمًا حقًّا، ومن لم يكن دربًا لم يكن عالمًا، وحسبك بالدربة في جميع الصنائع أن الصانع الدرب يَحْذِق، وغير الدرب يُعَطِّل.»٢٠ وما الدربة إلا التجربة كما أثبتت تحليلات الدكتور زكي نجيب محمود في دراسته الرائدة عن جابر.٢١ وهذه محصلةٌ لا ريب فيها؛ إذ يقول جابر: «إياك أن تُجَرِّب أو تعمل حتى تعلم، ويحِقُّ أن تَعْلَمَ الباب مِنْ أَوَّلِه إلى آخره بجميع تنقيته وعِلَلِه، ثم تقصد لتجرب فيكون في التجربة كمال العلم.»٢٢

إذن وَضَعَ عالِمُنا يَدَهُ على سر العلم، أَدْرَكَ أن فَهْم الطبيعة يقتضي حتمًا الرجوع إليها واستجوابها عن طريق التجريب، ولم يكن جابر مجرِّبًا فحسب، بل مجربًا منهجيًّا؛ أي مدركًا لوجوب وضع أصول وقواعد للتجريب كي يُمَثِّل منهج استدلال علمي، وأَخْطَر ما في الأمر إيضاح جابر لطبيعة الاستدلال التجريبي وحدوده وقصوراته، وبلا مبالغة — طالما نحذر منها — فإن ما أثاره ديفيد هيوم في القرن الثامن عشر وهو يفجر مشكلة الاستقراء الشهيرة، التي هي حجر الزاوية في نظرية المنهج التجريبي، سبق أن أثاره جابر مستشرفًا الآفاق التي تَخَلَّقَتْ في العصور الحديثة!

إذ يستحيل على الاستدلال الاستقرائي حَصْر كل الحالات التي تمثل الظاهرة، فيكتفي بأمثلة جزئية هي نماذج للظاهرة، وينتقل منها إلى قانون كُلِّيٍّ عَامٍّ يحكم كل الحالات والوقائع المماثلة، فتوقف هيوم متسائلًا عن مبرر التعميم والحكم على ما لم نشاهِدْهُ، مَنْ أَدْرَانا أنه مطابق للحالات التي شاهدناها؟ وإذا كانت العلية الكونية هي الأساس، فمِنْ أين أتينا بها؟ ولأنه ليس هناك إجابة منطقية على هذا السؤال، انتهى هيوم إلى أن التعميم الاستقرائي عادةٌ سيكولوجيةٌ، فالنفس الإنسانية مفطورة على عادة، هي تَوَقُّع حدوثِ ما لَاحَظْتَه، سيما إذا تَكَرَّر كثيرًا، إذن فالاستدلال التجريبي أو الاستقرائي ليس البتة ذا أي رسوخ منطقي، وهذه الثورة الهيومية أَدَّت إلى توترات ومد وجذر جم، وفي النهاية نجد محَصِّلَتَيْن تُسَلِّم بهما فلسفة العلم تسليمًا: الأولى: هي أن كل معرفة تجريبية احتمالية يستحيل أن تكون يقينية، والثانية: أن الاستقراء والاستنباط أو العقل والتجريب، أو اليد والدماغ أو الفرض والملاحظة، يتآزران معًا في نظرية المنهج العلمي.

وكل هذه الخطوط مترسمة في نصوص جابر، لا سيما «كتاب التصريف» كما سنرى.

•••

بادئ ذي بدء، نجد بُعْدًا كلاميًّا جذريًّا، وهو قياس الغائب على الشاهد — الذي أوضحناه في المبحث السابق — ترتكز عليه نظرية جابر المنهجية التجريبية، إنه يوضِّح بمزيد من النسقية كيف نستدل من الشاهد على الغائب، بطريقة تجعلنا نَفْهَم من الوقائع المتاحة أمامنا القانون العام الذي يَحْكُمها جميعًا. إنها وظيفة العلم وصُلْب منهجه، وينطبق عليه ما أَوْضَحَه جابر من سبل ثلاثة للاستدلال؛ إذ يقول: «إن هذا التعلق يكون من الشاهد بالغائب على ثلاثة أوجه: وهي المجانسة ومجرى العادة والآثار، وأنا ممثل كل واحد من هذه الوجوه، وقائل فيه بحسب ما أراه كافيًا.»٢٣ بَيْد أن ما قاله جابر بشأن الوجه الثالث — الآثار — مفقود تمامًا. لكن الاستدلالَيْن الأوَّلَيْن ماثلان ومشبعان.
أما المجانسة فهي الاستدلال من الأنموذج، وهي صحيحة لكنها احتمالية «غير اضطرارية ولا ثابتة في كل حال».٢٤ وهذا تميُّز علمي لجابر؛ لأن المتكلمين عَدُّوها يقينية، ولكن علماء الفقه — قبل جابر — رأَوْها ظنية.٢٥ إذن ربما استفاد جابر مِنْ بُعْد فِقْهِيٍّ ولا ضَيْرَ؛ فعلم أصول الفقه كنز مذخور لعلم مناهج البحث، وجابر في كل حال يؤكد أن أي استدلال تجريبي احتمالي — ظني بتعبيره — طالما يستند على حالات محددة ويستحيل أن يحصر آثار الظاهرة، يقول: «إن الإحاطة بآثار الموجودات بعضها في بعض وكليات ما فيها أَمْر غير مُمْكِن لأحد من الناس.»٢٦

وبسبب هذه الطبيعة الاحتمالية أو الظنية، يُحَذِّر جابر من الأخذ بأية نظرية إلا مع الدليل القاطع، إن كان هو نفسه يأخذ بكثير من النظريات بغير أي دليل!

أما تَعَلُّقُ أو استدلالُ مجرى العادة فهو ما أشَرْنا إليه من استقراء النظائر واستشهادها للأمر المطلوب، ويتفاوت ضعفًا وقوة — كما يوضح جابر — تبعًا لقلة النظائر وكثرتها، فأضعفها ما يَعْتَمِد على حالة واحدة، وأقواها ما شوهد في كل الحالات، وهنا يَرْفُض جابر مَوْقف المتكلِّمِين وسواهم ممن يعتبرونها يقينية، مؤكِّدًا أن الاستدلال التجريبي في كل حال ظني أو احتمالي، وكل نظرية تحتمل التصديق والتكذيب — حتى نظرياته هو — وإذا تذَكَّرْنا العادة السيكولوجية التي جعلها هيوم تبريرًا للاستدلال الاستقرائي، وَجَدْنَا جابرًا يُبَرِّر استدلال مجرى العادة «لما في النفس من الظن والحسبان، بأن الأمور ينبغي أن تجري على نظام ومشابَهة ومماثَلة»!٢٧
يقول جابر: «الموجودات كلها إما أن تُدْرَك بالحس، وإما أن تُوجَد بالعقل.»٢٨ وفضلًا عن عبقرية التعبير في اللفظة «توجَد» التي تستدعي تأكيد المنهج العلمي المعاصر على أن العقل يَخْلُق الفرض العلمي خَلْقًا ويُبْدِعه إبداعًا، فإننا نَجِدُ ما يُؤَكِّده ذلك المنهج من تآزر بين الجانبين — الحس والعقل، أو اليد والدماغ، أو الملاحظة والفرض … — في قوله النافذ الذي يكاد يَحْمِل أَوْجز صياغة للب المنهج العلمي: «والله قد عملته بيدي وبعقلي من قبل، وبحَثْتُ عنه حتى صح، وامتحَنْتُه فما كذب.»٢٩ فها هنا تآزر اليد والعقل، والبحث عن الفرض ثم تعريضه للاختبار التجريبي، أو بتعبير كارل بوبر محاولات تكذيبه، ثم قبول الفرض لاجتيازه الاختبار ومحاولات التكذيب.
ومع كل هذه البلورات المنهجية التجريبية، لا ينبغي أن نشتط كثيرًا ونتصور منهجية جابر صورةً طِبْقَ الأصل من نظريات فلاسفة العلم المعاصرين، فثمة أبعاد كثيرة تتداخل، ربما لا ينبغي أن نتوقف كثيرًا بإزاء أبعادٍ أقل ما يقال عنها إنها خرافية خزعبلية، لحقت بالحس والإدراك الحسي من قبيل أفاعٍ بوادي الخزلج، إذا «رآها» الناس ماتوا، وكذلك جميع الحيوان، وجبهة الأرنب البحري إذا «لمست» لحم الإنسان فتقته … ومثل هذا في السمع والشم والمسامتة٣٠ … وصفحات جابر تَعِجُّ بأمثال هذه الترهات التي لا تنطلي حتى في قصص الأطفال. لكن ينبغي الإشارة إلى بُعْدٍ ميتافيزيقيٍّ راجعٍ لطبيعة العصر، يجعل «العلم» عند جابر هو «العقل»، والمعرفة العقلية مقدَّمة دائمًا على المعرفة الحسية.

ومع هذا وذاك لا نملك إلا تقدير تلك الصياغة الجميلة حقًّا للاستدلال التجريبي منهاجًا وتطبيقًا.

•••

والجدير أيضًا بالتقدير تَلَمُّس جابر لأهمية التكميم في العلم، والتكميم سِرُّ تقدم الكيمياء الحديثة، وآية دقتها وانضباطها، الكمية عنده هي «الحاصرة المشتملة على قولنا الأعداد مثل عدد مساوٍ لعدد، أو عدد مخالف لعدد، وسائر الأرطال والأعداد والأقدار من الأوزان والمكاييل وما شاكَل ذلك.»٣١ فضلًا عن القياس الذي هو علاقة بين وزنين أو طولين، وقد اشتهر عن جابر استخدامه للميزان في تجاربه واهتمام طاغٍ بالموازيين، وقد جعلها عنوانًا لأهم كتبه، مرة أخرى — وليست أخيرة — جاءت الموازين معه مسربلة بالعديد الجم من الأبعاد الميتافيزيقية واللاهوتية تضع فراسخ بينه وبين الموازيين الدقيقة للكيمياء الحديثة، فأين نذهب بعشرة قرون من الزمان تفصلهما، وأين نذهب بالمؤثرات والأبعاد العديدة التي تطاحنت في ذهنه، كفاه فخرًا الْتفاته للميزان في خِضَمِّ كل هذا، وبسبب تحكيمه إياه في تجاربه واتخاذه أساسًا للبحث، اعتبره بول كراوس، من أعظم رواد العلوم التجريبية إجمالًا وليس الكيمياء فحسب.
على أية حال قَدَّمَ جابر المعاني الآتية للميزان، التي تعكس بدورها أبعادًا شتى:
  • (١)

    الميزان النوعي.

  • (٢)

    ميزان الكيميائيين، وهو وزن مقدار الأجساد الداخلة في خلط أو مزيج.

وهذان المفهومان أقرب نسبيًّا إلى المعنى المعاصر للتكميم العلمي.

  • (٣)

    ميزان الحروف الدالة على الطبائع الأربع.

  • (٤)

    الميزان كمبدأ ميتافيزيقي يرمز إلى التوحيد الإسلامي يعادي الثنائية المانوية.

  • (٥)

    الميزان كتأويل ما ورد مِنْ ذِكْر الميزان يوم الحساب.

ويسهل ملاحظة كيف أن معالجة جابر لمفهوم الميزان تحمل معها توفيقًا بين المذاهب والأبعاد المتباينة، وهذا التوفيق سمة، تسم أبحاث جابر بصفة عامة؛ لأنه هو شخصيًّا يَتَّسِم أو يتميز بمعرفة شاملة بتصانيف القدماء، لا يدانيها عالِم آخَرُ في عصره، جعلها تعتمل جميعها في ذهنه.

•••

ولكن ما هو ذلك الميزان الثالث؟ ميزان الحروف الدالة على الطبائع؟

هيرومنيوطيقية القراءة؛ أي التعامل مع النص في إطار الأفق المعرفي للقارئ جعلت أستاذ الجيل زكي نجيب محمود، يبحث عن معالم الوضعية المنطقية في نصوص جابر، فيبدو وقد تراءت له ما أدْرَكَتْه الفلسفة التحليلية في القرن العشرين من أهمية التحديد الدقيق للألفاظ والمصطلحات العلمية، وضرورة تحليلها إلى أبسط العناصر الممكنة، لقد اتخذ أستاذ الجيل من قول جابر: «تركيب الكلام يلزم أن يكون مساويًا لكل ما في العالم من نبات وحيوان وحجر.» مبرِّرًا لجَعْل جابر رائدًا سَبَقَ رسل وفتجنشتين في الذرية المنطقية والنظرية التصويرية للغة.٣٢ لعل هذا التأويل الوضعي التحليلي لجابر يحمل تخريجًا أو تحميلًا زائدًا يصعب قبوله، لكنه على أية حال لا يفتقر للمبررات.

ذلك أن جابرًا آمن إيمانًا راسخًا بقوة الألفاظ وجدوى البحث في دلالتها، حتى رأى أن كتابه «الحدود» الذي يعنى فيه بتعريف الألفاظ والمصطلحات، هو أهم كتبه؛ لأنه بمثابة مُعْجَم وَجَبَ أن يداوم الباحث على الرجوع إليه — إن كان يُفَضِّل دائمًا الرجوع إلى كتبه جميعًا ككل متكامل.

وكان الحد العلمي عند جابر هو القول الوجيز الدال على كنه المحدود دلالة حاصرة، ولم يزد جابر في تعريفه للحدود شيئًا عما قاله أرسطو من تعريف بالجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام، وفي هذا نجد بُعْدًا منطقيًّا خالصًا شديد الوضوح، وأيضًا شديد الدلالة على مَنْحَى عقلية جابر العلمية؛ إذ يُحْمَد لجابر كثيرًا اهتمامُهُ بمسألة الحدود ودقة المصطلح. إن هذا البعد الإيجابي من العوامل التي تُبَرِّر منزلة جابر في تاريخ العلم.

ولا بد من الإشارة إلى العمل الجاد للدكتور عبد الأمير الأعسم «المصطلح الفلسفي عند العرب»؛ حيث ينحو باللائمة على بدء الباحثين توثيق المصطلح العربي بكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي وأمثاله من مصادر متأخرة، الصحيح عند الأعسم هو توثيق المصطلحات بالعود إلى جابر بن حيان والكندي والفارابي وابن سينا.٣٣ فلكل من هؤلاء نصٌّ أَسَّسَ المصطلح عند العرب، وواضح أن جابرًا هو الرائد الأول زمانيًّا يتصدرهم جميعًا؛ لأن كتابه «الحدود» هو لغة اصطلاحية ازدهرت وقامت بدور كبير في نشأة المصطلحات الفلسفية عن العرب، وقد أردف الأعسم دعواه بالتحقيق الجيد للنصوص المشار إليها، ومنها بالطبع كتاب الحدود. (راجع الهامش رقم ١٤).
والأعسم بذلك يريد «أن يلغي الاعتقاد السائد في اضمحلال الدور الفلسفي لجابر في نشأة المصطلح الفلسفي لغلبة الاتجاه العلمي على مؤلَّفاته التي وَصَلَتْنا.»٣٤

وإذ نعود نحن إلى علم الكيمياء، وموضوعها الكائن في الوجود أو الأنطولوجيا، نجد مصداق قول الأعسم، في معاناتنا من غلبة بُعْد فلسفي خالص إلى درجة تَنَالُ كثيرًا من عِلْمِيَّة هذا العلم. فقد سار جابر في اتجاه يتبناه فلاسفة قبله وبعده، مُؤَدَّاه الاستدلال على خصائص العالم من خصائص اللغة، على أساسِ أن اللغة تُطَابِق طبائع الأشياء أو — كما ذكرنا — تركيب الكلام يلزم أن يكون مساويًا لكل ما في العالم.

وطالما أن اللغة — في نظر جابر — مسايرة لطبائع الأشياء، وَجَبَ أن يكون لكل حرف ما يقابله من هذه الطبائع، وقد صنف جابر الحروف تصنيفًا معينًا حسب ترتيبها (أبجد هوز حطي كلمن صحفت قرشت …) بحيث يدل كل حرف على طبيعة معينة، فتُفْهَمُ طبيعة الشيء من مجرد حروف اسمه! إذ يدل على الحرارة: «أ ﻫ ط م ق»، وعلى البرودة: «و ي» … إلخ.

وفي كتابه «التصريف» تفاصيل هذا التساوق بين الحروف والطبائع، وتفاصيل استنباطه بعد أن نُجَرِّد اسم المادة من الحروف الزائدة فيه.٣٥ إنه يستفيد من تصريف النحويين ليخرج منه إلى تصريف الكيماويين، وذلك هو ميزان الحروف الدالة على الطبائع.

وهذا التمازج الوجودي — لا بقوة اللغة بل بقوة الحرف — ربما وَجَدَ عونًا يُقَوِّيه في بُعْد إسلامي خالص هو لُغَوِيَّةُ الحدث القرآني، ومن ثَمَّ تَمَحْوُر الحضارة العربية حول علوم اللغة وإبداعها في هذا إبداعًا لا مثيل له في تاريخ البشرية.

غير أن جابرًا اشتط في هذا كثيرًا، حتى تجاوَز رُوحَ الإسلام وروح العلم على السواء، فكما رأينا؛ انتهى به الأمر إلى الإيمان بقوة ودلالة الحرف في حد ذاته، وأنه مفتاح طبيعة الشيء، أو طبائع الأشياء الأربعة، ناسيًا أن اللغة بأسرها مسألة اصطلاحية اتفق عليها قوم من البشر.

وها هنا يتجلى بُعد مشرقي غنوصي لا عقلانيٌّ ولا إسلاميٌّ على السواء، ألا وهو عِلْم الطلسم، الذي اهتم به جابر كثيرًا، واعتبره واحدًا من علومٍ سبعة هي كل العلوم — أو بالأحرى كل العلوم الكونية — وهي: «علم الطب وعلم الصنعة (الكيمياء)، وعلم الخواص، وعلم الطلسمات، وعلم استخدام الكواكب العلوية، وعلم الطبيعة كله: وهو علم الميزان، وعلم الصور وهو علم تكوين الكائنات»، وينعت الطلسمات دونًا عنها جميعًا بأنها: «العلم الأكبر العظيم الباطل في زماننا هذا أهله والمتكلمون فيه.»٣٦ أي لم يعد أحد يفهم فيه، ولكن حين يشرع ابن حيان في تقسيم كل علم من هذه العلوم إلى فروعه ويتحدث عن أصوله، يبدو كيف أحاط هذا الرجل علمًا بكل البنية المعرفة المطروحة في عصره، وكيف غطت تصانيفه كل مجالات العرفان المطروحة آنذاك. حتى قيل عنه: إنه أعلم علماء العصور الوسطى طُرًّا.
من أعمال جابر الهامة كتابه «الأحجار على رأس بليناس» الذي هو أبلونيوس السكندري، ويُنْسَب إليه قوله: «إن للطلسمات موازين مختلفة على قدر خَلْقها أيضًا.»٣٧ ثم ينساق جابر في شرح هذه الموازين الطلسمية في شَطَط أعجب من العجب، والطلسم هو البعد المؤدي إلى ميزان الحروف الدالة على الطبائع الأربع، ويخبرنا جابر كبُرهان على فاعلية علم «الطلسم» أنْ نَعْكس اسمه فيصبح «مسلط»، وهذا يدل على قدرته العظيمة في التأثير على الأشياء والكائنات بأساليبه المُلْغِزة التي تتلخص في البحث عن تقابلات الأشياء وتَوَافُقاتها، ليصل علم الطلسم إلى إمكانية تحويل المخلوقات الحية وليس فقط المعادن إلى بعضها البعض، بل ويشرح جابر بعضًا من كيفية أو كيفيات هذا التحويل، وأيضًا تركيب البشر. كأن نضيف وجه جارية إلى جسم رجل أو عقل شيخ إلى رأس طفل! وتفاصيل العمليات والتجارب المؤدية إلى هذا في كتاب جابر «التجميع»، ودعْ عنك الآن الروح العلمية، فكيف يقول بهذه الترهات «التجريبية» رجل يَدِين بالعقيدة الإسلامية التي تُحَمِّل كل إنسان — كروح وبدن — المسئولية الكاملة. إن هذه التوصيفات التي يستفيض فيها جابر شارحًا ومفسرًا ومتجولًا بين مذاهب شتى وأساليب تجريبيةٍ مختلفة لِصُنْعِ وتركيبِ وإعادةِ تجميع البني آدميين والمخلوقات تبرر الزعم ببعدٍ هنديٍّ في تفكيره، هو عقيدة التناسخ، ولئن كانت تخالف صحيحَ العقيدة الإسلامية، فقد قيل: إنَّ نفرًا من غلاة الشيعة أخذوا بها.

إن علم الطلسم أو ميزان الحروف الدالة على الطبائع الأربع هي مُنْطَلَق كل هذه الترهات.

•••

لكن فكرة الطبائع الأربع التي نشأت عنها جميع الكائنات هي محور كيمياء جابر وعمودها وعمادها، وهي هكذا بالنسبة للكيمياء القديمة بأسرها؛ لذلك كان جابرٌ عميدَها، وإذا أخذْنا في الاعتبار أن كل مرحلة من مراحل العلم خطوة مؤدية إلى لاحِقَتِها، وجدنا مؤرخي الكيمياء يعتبرون فكرة الطبائع أو العناصر الأربعة هي منطلق علم الكيمياء؛ لأنها نقطة البدء التي تطورت إلى العناصر والمُرَكَّبات، هذه المواد الأولية التي تَتَكَوَّن منها كل المواد الأخرى.٣٨
عادةً ما تعتبر هذه الفكرة إغريقيةً، تعود إلى أرسطو الذي أَخَذَها عن الفيلسوف الطبيعي القبل سقراطي أنبادوقليس. لكن الدراسات المحدثة، خصوصًا مع العالم الفلكي الأثري «أنتونيادي» أثبَتَتْ أن فكرة الطبائع الأربعة ذات أصل مصري، وأخذها الإغريق عن الفراعنة.٣٩ ثم أخذها بِيَقِينٍ طاغٍ جابرُ بن حيان، وكان يسميها أوائل الأمهات البسائط، وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، الحرارة والبرودة طبيعتان فاعلتان. أما الرطوبة واليبوسة فطبيعتان منفعلتان، ومِنْ تفاعُلهما أزواجًا تكوَّنَتْ عناصر أربعة أولية. فانفعال اليبوسة بالحرارة يكون النار، والرطوبة بالحرارة يكون الهواء — أو البخار — واليبوسة بالبرودة يكون التراب — أو الأرض — والرطوبة بالبرودة يكون الماء، وكل جسم لا يعدو أن يكون تَجَمُّعًا وافتراقًا لهذه المواد الأولية الأربع: النار والهواء والتراب والماء، وبنسب متفاوتة، ومن ثَمَّ يكون اتصافها بطبائع معينة راجعًا إلى غلبة العنصر السائد، لكن العناصر الأربعة، أو الطبائع الأربع مضمرة في كل جسم. مثلًا: الحديد ظاهِرُه حارٌّ يابس، لكن باطنه بارد رطب، والزئبق ظاهِرُه رطب بارد، لكن باطنه حار ويابس … وهكذا.

معنى كل هذا أن الأشياء جميعها تشترك في أصل واحد؛ لذلك جاز تحويل بعضها إلى بعض، وهذا هو عَمَل الطبيعة؛ إذ تحوِّل الأشياء إلى بعضها، على أن الطبيعة بتلقائيتها تستغرق في هذا التحويل آلاف السنين، أما الكيميائي فعَنْ طريق الصنعة (العلم أو الكيمياء)، والتدبير (التقانة أو التكنولوجيا) … أي بتعمده المتدبر وتجاربه يستطيع إنجاز هذا التحويل في زمن وجيز. على هذا كانت كل كيمياء جابر بن حيان، وكل خيمياء أو كيمياء العصور الوسطى — كما صَدَّرْنا الحديث — تدور حول محور أساسي هو محاولة تحويل العناصر إلى بعضها، وبالتحديد تحويل المعادن الخسيسة الرخصة كالنحاس … والحديد إلى ذهب، وبتحديد أكثر: اكتشاف حجر الفلاسفة الذي يستطيع هذا التحويل إلى ذهب.

ثمة ظواهر عديدة غرَّت القدامى بإمكانية هذا التحويل، منها أنه بغمس الحديد في كبريتات النحاس يحل الحديد محل النحاس فتنفرد الكبريتات بلونها الأحمر ويترسب النحاس على سطح الحديد، فيتغير لونه ومظهره، أيضًا بتسخين كبريتات الرصاص تتصاعد رائحة كبريتية، وتتخلف مادة إذا سُخِّنَت في بوتقة مصنوعة من رماد العظام، تظهر كرة صغيرة من الفضة؛ وذلك أن خام كبريتيد الرصاص يحتوي على نسبة ضئيلة من الفضة، وبتسخينه في الهواء يتحول إلى مادتين: غاز ثاني أكسيد الكبريت ذي الرائحة الكبريتية، وأكسيد الرصاص، وبتسخين أكسيد الرصاص في البوتقة يتطاير جزء، ويمتص رماد العظام — لأنه فوسفات كالسيوم — الجزءَ الباقي، ولا يبقى إلا الفضة.٤٠ وبالطبع لم يُدْرِك الخيميائيون مثل هذا التفسير العلمي، فقط شاهدوا التغيُّر البادي على السطح، فآمنوا بغايتهم، وبصرف النظر عن طوفان الدجل والشعوذة الذي اقتحم هذا الميدان، فقد بَرَّرَ الخيميائيون — المُخْلِصُون — عَمَلَهُم بالتهاويم الخرافية، أو بالدعاوى الفلسفية، وبالنسبة لجابر كانت حُجَّتُه إغريقية خالصة، هي نظرية أرسطو في الوجود بالقوة والوجود بالفعل، فكان الذهب عند جابر ذهبًا بالفعل، والفضة والمعادن ذهبًا بالقوة ومهمة الكيميائي إخراج القوة إلى الفعل، فتصدر كتابه «إخراج ما في القوة إلى الفعل» مجموعةَ رسائله التي اختارها وصحَّحَها ونشَرها بول كراوس (والمذكورة في هوامش الدراسة).
ولكن هل فكرة تحويل المعادن إلى ذهب ذاتها إغريقية، كما تذهب معظم المصادر.٤١ لقد كانت المَلْمَحَ الرئيسي لكيمياء الإسكندرية التي يمتزج فيها التراث المصري بالتراث الإغريقي، ولكن جوهرها الفلسفي مصري خالص هو «الكل في واحد» ويُرْمَز لهذا المبدأ المصري الشهير بالحية التي تَلْدَغ ذيلها فتلتف حول نفسها على هيئة دائرة، ويعود إلى الفيلسوف المصري كيمي وقوله: «الواحد هو الكل، ومن خلاله أتى الكل.» إنه قَوْلٌ أو مَبْدأ يُعَبِّر عن الوحدة النهائية للمادة، وكان من أعظم مبادئ الخيمياء الهادية المُرْشِدة، والآن فقط — بعد تكشف جسيمات الذرة — يبدو على قَدْر كبير من الصواب.٤٢
ولكي لا تذهب بنا السخرية من أحلام القدامى كُلَّ مَذْهب، يمكن أن نستطرد قليلًا إلى العلم الحديث. ذلك أن العالِم الأمريكي دمبستر قد تَمَكَّن منذ عشرات السنين من تحويل الزئبق إلى ذَهَبٍ بواسطة بعض التعاملات النووية، والتي تتلخص في إطلاق بروتونات ذات طاقة كبيرة لطرد بروتون من نواة الزئبق بشحنته «٨٠» مُنْتِجًا الذهب بشحنة نواة «٧٩».٤٣ حقًّا إن هذا لا يُحَقِّق أَمَل جابر وسائرِ الخيميائيين في الثراء السريع؛ لأن الناتج كميات ضئيلة والتكاليف باهظة جدًّا، أضعاف مُضَاعَفَة لتكاليف استخراج الذهب الطبيعي. إلا أن له قيمة علمية نظرية، وهي الآن لتوضح لنا أن الطموحات العقلية للسَّلَف — مهما كانت جامحة أو عاجزة — فإنها تُلْهِم الخَلَف وتَفْتَح آفاقًا رحيبة للمُمْكِنات، وتُهَيِّئ الطريق لتحقيقها … لننتهي في النهاية إلى تواتر حلقات تاريخ العلم وأهميتها جميعًا بِغَثِّها وسَمِينِها.

•••

وبالعود إلى جابر نتوقف قليلًا بإزاء أن الطبائع أربع والعناصر أربعة، بل وَضَعَ جابر تقسيمات رباعية متناظرة للكون بأسره، ففصول السنة أربعة، الصيف يناظر النار والشتاء يناظر الماء والربيع الهواء والخريف الأرض، وفي بدن الإنسان أخلاط أربعة، الصفراء تقابل النار وزمانها الصيف، والدم يناظر الهواء وزمانه الربيع، والبلغم يناظر الماء وزمانه الشتاء، ثم تناظر السوداء الأرض، زمانها الخريف، والأعضاء الرئيسية أربعة: الدماغ والقلب والكبد والأنثيان. تقابل الأخلاط الأربع بأزمنتها الأربعة، وهكذا …

فلماذا هَيْمَنَ الرقم «٤» على ذِهْن ابن حيان؟ الإجابة فيما تناثر كثيرًا في السياق السابق؛ أي الأصل السكندري للكيمياء العربية والذي سيطَرَتْ عليه فِكْرَةٌ فيثاغورية صوفية مؤداها تقديس الرقم «٤» الرقم الكامل المعجز بسبب خَوَاصِّه الرياضية الفريدة.

لقد استأثرت كيمياء الإسكندرية بنصيب كبير من الأبعاد المعرفية لكيمياء جابر بن حيان، لكن هذه الأخيرة لم تكن أبدًا نُسْخَةً منها أو مُجَرَّدَ تَرَاكُم كَمِّيٍّ لها، بل تطويرًا وإضافة حقيقية ومرحلة جديدة في تاريخ علم الكيمياء.

وبخلاف الذهب كبُعْد محوري وعامِل مُوَجَّه، سارت أبحاث جابر الكيميائية في مسارات أخرى إضافية واقعية وعملية وعلمية، ومشهودة كإنجازات باقية ومتتابعة نَذْكُر منها الخبرة بالعمليات الكيمياء الأساسية كالإذابة والتبلور والتقطير والتكلس والاختزال، وتوصيفه لأساليب إجرائها بمناهج عملية واضحة وبسيطة، وأيضًا أساليب تحضير طائفة من المواد الكيميائية تُوصِل إليها، منها أبيض الرصاص (كربونات الرصاص القاعدية)، والزنجفر (كبريتيد الزئبق) وحامض النيتريك. أما عن التطبيقات أو التقانة: فقد كَشَفَ عن أن مُرَكَّبات النحاس تُكْسِب اللهب لونًا أزرق، واستنبط طُرُقًا لتحضير الفولاذ وتنقية المعدن وصبغ الجلود والشعر، وتحضير مداد مضيء من المرقشيا الذهبية (بيريت الحديد أو كبريتيد النحاس) ليُسْتَخْدَم بدلًا من الذهب الغالي في كتابة القرآن الكريم والمخطوطات الثمينة، وأيضًا نوع من الطلاء يقي الثياب من البلل، ويمنع عن الحديد الصدأَ، وتَوَصَّلَ إلى أن الشب يُسَاعِد على تثبيت الألوان في الصباغة، ويقال أيضًا: إنه تَمَكَّنَ من صُنْع وَرَقٍ غَيْرِ قابل للاحتراق من أجْل كتابٍ عزيزٍ عليه، هو كتاب الضيم لإمامه جعفر الصادق٤٤ لذلك يسجل «هولميارد» لجابر وتابِعِيه العرب أنهم خَلَّصُوا الكيمياء السكندرية من غموض وترهات صبيانية سادَتْها، ووَجَّهُوا الكيمياء وِجْهة واقعية، وأقاموها نظامًا عِلميًّا عماده الوقائع التي تَدْعَمها التجربة،٤٥ فذلكم هو حُكْم ناموس التطور العلمي، الذي حَكَمَ أيضًا بأن مدرسة الإسكندرية كانت خطوة سابقة وفاعلة للكيمياء العربية، فأول كتب معروفة في الكيمياء هي المكتوبة آنذاك في مصر باللغة الإغريقية.
ففي إسكندرية مصر البطلمية كانت أهم المراحل الأسبق للكيمياء. أدرك بطليموس الأول (٣٢٣–٢٨٥ق.م) وولده فيلادلفاس، بطليموس الثاني أهمية الكيمياء وكما هو معروف أُقِيم المتحف أو معهد الميوزيوم في الإسكندرية واسْتُدْعِي لإدارته استراتو — معلم فيلادلفاس وعميد اللوقيون أو الليسيه — مدرسة أرسطو، فجاء من أثينا حاملًا معه كُتُبَ أستاذه وأمهات التراث الإغريقي، في هذا المعهد خُصِّصَت للكيمياء أو بالأحرى الخيمياء قاعات للمحاضَرات والتجارب، وإن كانت في الدور الأرضي؛ لأنها عِلْم غير مُبَجَّل لغوصه في الماديات واستهدافه الثراء.٤٦ ويَجْدُر بنا ملاحظة أن الكيمياء ظَلَّتْ محاطةً بالشبهات حتى القرن السابع عشر، ولاحَظَ واحدٌ من أهم علمائها ومؤرخيها في تلك المرحلة شيوع الرأي بأن «الكيميائيين لا بد من إلقائهم في الأفران! لأنهم يعملون بمواد خبيثة الرائحة، وملابسهم عمومًا مغطاة بحرائق وأدران، وتجاربهم مصدر لعديد من الشكاوى العامة.»٤٧
ولكن شَهِدَت الإسكندرية حِفْظ التراث الإغريقي النظري وتلقيحه بالتراث المصري العملي، فكانت النتيجة في القرنين السابقين على ميلاد المسيح، واحدة من أهم مراحل العلم القديم وأكثرها توهجًا وتألقًا، في الرياضيات وفي الطب والكيمياء والفيزياء، والتقانة (التكنولوجيا) … وبعد أن خَبَتْ جذوة الإبداع العلمي في الإسكندرية انْكَبَّ الرهبان على ترجمة النصوص الإغريقية إلى السريانية … لكن انتشرت العناصر الغنوصية الهرمسية، وكانت الإسكندرية مرتعًا لِلَا عقلانياتٍ شتى — وَقَفْنا على أبعاد منها — اقْتَحَمَتْ كيمياء جابر التجريبية العتيدة، ففي النهاية تَسَلَّم العربُ حين سادوا الأرضين كل هذا الميراث،٤٨ ليسْتَوْعِبُوه ويتجاوَزُوه، لتكون ملحمتَهم العِلْمِية التي نَعْرِض الآن للمشهد الأساسي من فَصْلها الكيميائي.

•••

لم تكن الكيمياء بالنسبة للعرب كالشعر، بل هي كالفلسفة والرياضة، بمعنى أن الثورة الثقافية العظمى التي أَحْدَثَهَا الإسلام ونزول الوحي في المجتمع القبلي، ومتوالياته الحضارية، لم تُطَوِّرها كما طورت الشعر أو القيم أو النظم الحاكمة، بل أَوْجَدَتْها إيجادًا. أجل! لم يَعْرِف العربُ في جاهليتهم الكيمياء البتة، ثم عَرَفُوها في نهضتهم المنطلِقة بعد الفتوحات الإسلامية، على وَجْه التحديد فتح مصر.

وحين عَرَفَ العرب الكيمياء، كان أَوَّلُ عَلَمٍ من أعلامها هو خالد بن يزيد بن معاوية (حوالي ٦٢٥–٧٠٤م) الملقب بحكيم بني أمية لِعِشْقِه العلم والعرفان، تاركًا عَرْش الخلافة، لقد تَعَلَّم على يد راهبٍ يُدْعَى ماريانُس الرومي جَعَلَهُ يتعلق بعلوم الكيمياء والطب والنجوم، ويستحضر جماعة من فلاسفة مصر الذين أتقنوا العربية وأَمَرَهُم بنقل الكتب في الصنعة — أي الكيمياء — من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي، وكانت هذه — كما يُجْمِع الثقات كابن النديم — أَوَّلَ ترجمة في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية.

كان خالد فاضلًا في نفسه مُحِبًّا للعلم، اشتغل بالصنعة (الكيمياء) وأجرى تجارب، وأَوَّل مَنْ كتب فيها من العرب، ومِنْ مصنفاته الكيميائية كتاب الحرارات وكتاب الصحيفة الكبير والصحيفة الصغير، ووصيته إلى ابنه في علم الصنعة، والفردوس وهو ديوان شعر في الكيمياء، يقول فيه عنها:٤٩
هي الصنعة المضروب مِنْ دُون نَيْلِهَا
من الرمز أَسْوَارٌ تُشِيب النواصِيَا
ولكنها أَدْنَى إذا كان عالِمًا
إلى المرء مِنْ حَبْل الوريد تَدَانِيَا

ليس لأبحاث خالد الكيميائية قيمة معرفية أو إضافة علمية، لكنَّ لشخصيته دورًا حضاريًّا كبيرًا في الكيمياء عربيًّا وعالميًّا، الأولى: لأنه فتح البوابة أمام العرب في هذا العلم، وفي الترجمات التي قامت بالدور المعرفي الخطير في العلم العربي، وعالميًّا لأنه رَفَعَ قَدْر الكيمياء بأن اشتغل بها أميرٌ، بعد أن كانت قاصرة على الصُّنَّاع الباحثين عن الكسب أو راغبي الذهب الباحثين عن الثراء السريع، فضلًا عن المشعوذين والدجالين.

ولكن هل تأثَّر به جابر بن حيان، إذا تَذَكَّرْنا أستاذَ خالد — وهو ماريانس — وَجَدْنا جابرًا يقول في «كتاب الراهب»، عن هذا الراهب الذي أَخَذَ عنه علم الصنعة، فأسمى الكتاب باسمه:
كنت مشتاقًا إلى رؤيته، وذلك أنه بَلَغَنِي عنه أنه أخذ العلم عن مريانس الذي كان خالد بن اليزيد أَنْفَذ في طَلَبِه ووَضَعَ عليه العيون والأرصاد حتى أَخَذَهُ مِنْ طريق بيت المقدس، وكان يُهْدِي في كل سنة ذهبًا كثيرًا، وإنما لما مات خَلَفَه هذا الراهب.٥٠
واضحٌ من النص أن ثمة فجوة زمانية بين خالد وجابر، فكان تأثُّره الحي والعميق بالعَلَم الثاني من أعلام الكيمياء العربية الإمام الشيعي الاثني عشري أبي عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، كان جعفرٌ عالمًا، له بَاعٌ في الصنعة،٥١ وتتلمذ جابر عليه، ثم غَطَّتْ إنجازاته وشهرته تمامًا على جعفر وخالد.
لكن الولاء الشيعي لجعفر الصادق كان يَغْمُر نَفْس جابر، فيوجه معظم كتاباته إلى الإمام جعفر الصادق مخاطبًا إياه بلقب: «سيدي»، ويُقِرُّ أنه تلقى العلم عن سيده جعفر، وتُنْسَب إليه أفكارٌ شيعية متطرفة مقترنة بنزعات سياسية ثورية، منها التبشير بقرب ظهور إمام معصوم من ذرية علي، فضلًا عن الزعم بوجود صلة بين جابر والقرامطة. لقد لاحظنا فيما سبق مُثُولَ البعد الشيعي في تصور جابر للعلم، وهو في الواقع مثول كثيف. فمثلًا: مصدر العلم عنده وَحْي يوحي للنبي ثم يتوارثه خلفاؤه المعصومون فيقول جابر عن كتبه: «تأخذ منها عِلْمَ النبي وعَلِيٍّ وسيدي وما بينهم من الأولاد منقولًا نقلًا مما كان وهو كائن وما يكون مِنْ بَعْدُ إلى أن تقوم الساعة.»٥٢ هكذا العلم عنده مُطْلَق لَدُنِّيٌّ مُوحًى به، فيؤكد دائمًا أنه لا عِلْم إلا عِلْم النبي وما عليه إلا التأليف، لعل إطار الشيعة وعلاقتهم بالأئمة وراء اهتمام جابر العذب الجميل بطبيعة العلاقة بين الأستاذ والتلميذ.
وكان يحلو لجابر الإقامة في الكوفة — موطن الشيعة — لطيب هوائها واهتمام أهلها بالعلم، وقد أوضح المستشرق ماسينون أن أول مَنْ أَطْلَعَ على النصوص الهرمسية هم غلاة الشيعة في الكوفة، وأبانَ العلامة فيستوجير أن الكيمياء في هذه النصوص الهرمسية لا تختلف عن كيمياء إستانس الزرادشتي، كلاهما يعتمد على الاعتقاد في قُوًى خفية وفي تأثير النجوم، ويَسْتَعْمل نفس الأساليب التطبيقية، لا خلاف كبير بين أساليب هرمس وأساليب أبولونيوس السكندري، أو بليناس بتعبير جابر٥٣ الذي رأينا كُلَّ هذه الأبعاد تعتمل في كيميائه، ونعتقد أن لقب الصوفي الذي يَلْحَق باسم جابر دائمًا حتى على غلاف مخطوطاته راجع إلى عُمْق تأثره بالهرمسية، ولئن كان هذا بُعدًا غير إسلامي، فقد تَفَاعَل بما يَكْفِي مع بُعْدٍ إسلامي خالِصٍ هو الشيعية.

•••

فقد عاش جابر طويلًا في مركزها — الكوفة — حيث كان مَعْمَله المهيب كما ذكرنا، لكنه لا ينتسب إليها. إنه عربي ينْحَدِر من قبيلة أزْد على حدود اليمن، ووُلِد حوالي عام ٧٢٠م إما في حَرَّان بالعراق، وإما في طُوس بفارس، رواية حران تَدَّعِي أنه أصلًا صابئي ثم دَخَلَ الإسلام وأظهر إيمانًا وغَيْرَةً عظيمة على دِينِهِ الجديد.

لكن رواية ميلاده في طُوس هي الأرجح، ولعلها تُبَرِّر — من ناحية — صِلَتَه الوثيقة بالبرامكة التي تسببت في أزمة بينه وبين الرشيد حين غَضِبَ على البرامكة، وفَتَكَ بهم عام ١٨٨ﻫ/٨٠٣م. إنها نكبة البرامكة الشهيرة في التاريخ الإسلامي.

كان يحيى البرمكي مفتونًا بجارية جميلة له، أصابها مَرَضٌ عضال حارَ فيه الأطباء، غير أن جابرًا وَصَفَ لها دواءً شفاها على الفور،٥٤ دُهِشَ يحيى لهذا وأثارت هذه الدهشة في نفسه، وفي نَفْسِ ولَدَيْه — جعفر والفضل — شغفًا بالعلوم الطبيعية، والبرامكة عمومًا مهتمون بالكيمياء، فظَنَّ هارون الرشيد أن جابرًا باحَ لهم بسر حجر الفلاسفة، وأن هذا هو سبب ثرائهم، ففر جابر إلى الكوفة، ظَلَّ مختبئًا بها حتى ولاية المأمون؛ حيث وافَتْه المنية هناك حوالي عام ٨١٣م.٥٥

•••

وعبقرية جابر المذكورة في العلاج تَعْرُج بنا على بُعْد جوهري هو علوم الطب، لنجده قد بَرَع فيها، خصوصًا وأن الكيمياء دائمًا ذات صلة وثيقة بعلوم الطب، وإذا كانت الصلة تتمثل في عَصْرنا هذا في علم العقاقير أو الفرما كولوجي، وفي الكيمياء الحيوية وما شابه هذا، فإنها لم تكن هكذا فقط أيام جابر؛ بل كانت الصلة بين الكيمياء والطب تتمثل أساسًا في الإكسير الذي يؤكد جابر أنه وَجَدَهُ.

كانت الكيمياء هي معالَجة المعادن الخسيسة لِتُصْبِح معدنًا نفيسًا، والطب هو معالجة الأبدان المريضة لتصبح صحيحة، أساس العمل في الحالتين هو الإكسير؛ لأن الإكسير هو الوسيلة التي يُخْرِج بها العالِم شيئًا من شيء، كأنْ يُضِيفَ إليه ما يَنْقُصه أو يَحْذِف منه ما زاد عليه، سواء أكان هذا الشيء جسمًا حيًّا أو مَعْدِنًا. أما إكسير الحياة — أمل السيميائيين أو الخيميائيين جميعًا — فهو الدواء الشافي من جميع الأمراض، ويقال إن هذه الفكرة تعود إلى أصول صينية.٥٦

ودَعَّم مِنْ أَثَر البُعد الطبي في الكيمياء إيمانُ جابر بالنزعة الحيوية التي سادت العِلْم القديم لترى كل شيء حيًّا حتى أَصْلَب أشْكَال الجماد. لقد ظَلَّتْ هذه النظرة الحيوية طاغية مهيمنة حتى كان العلم الحديث لَيَقْتَرن بالتصور الآلي الميكانيكي للطبيعة ويُنْهِي عصر النظرة الحيوية، حتى شهد القرن العشرون انهيار التصور الآلي للطبيعة بدوره تحت وطأة نظرية «الكوانتم» الكمومية والنسبية وسائر علوم الذرة.

المهم أن جابرًا كسائر أقرانه من العلماء القدامى آمن بحيوية الطبيعة، بل رآها عاقلة مُريدة والكواكب قُوًى حيوية علوية تُمَارِس تأثيرها، الفرق بينها وبين الله هو دخول المادة فيها، من هنا كان علم التنجيم عند جابر — أو كما أسماه عِلْم استخدام الكواكب العلوية — واحدًا من علومٍ سبعة أساسية هي كل العلوم.

آمن جابر أيضًا بأن المعدن كائن حي، ينمو في جَوْف الأرض عبر آلاف السنين، على إثر تزاوُجِ أو اتحاد عنصُرَيْن هما دُخَان أرْضِيٌّ وبخار مائي، يتكاثفان في جوف الأرض ليُكَوِّنا أصْلَيْ جميع المعادن: الزئبق والكبريت. الفرق بين مَعْدن وآخر يعود إلى اختلاف نسب الكبريت والزئبق فيه، في الذهب يكون بينهما اتزان تام، وفي الفضة يتساويان في الوزن، والنحاس يحتوي على كبريت أكثر، أما القصدير فزئبقه أكثر وهكذا، ويرى المؤرخون أن هذه الفكرة هي التي تطورت إلى مفهوم الاتحاد الكيميائي الحديث، فتُعتبر من أهم الأفكار الكيميائية التي طُرِحَتْ في القرن الثامن.٥٧
وبطبيعة الحال، اتحاد الزئبق بالكبريت يُعطي كبريتيد الزئبق، وهو ليس بمعدن على الإطلاق، فضلًا عن أن يُكَوِّن كل المعادن، وقد عَرَفَ جابر كبريتيد الزئبق، وأسماه الزنجفر. إذن فهو لا يَقْصِد بالكبريت والزئبق المقصد العامَّ لهما، بل مبدأً ما ميتافيزيقيًّا،٥٨ لعله مُتَّصِل بما أسماه جابر: الأرواح، أخْذًا عن زوسيموس السكندري تركيب المعادن من رُوح وجسد، ينفصلان ليدخلا ثانيةً في تركيب جديد.٥٩

ذلك أن الإيمان القديم بحيوية الطبيعة دَفَعَ جابرًا إلى تقسيم المواد الكيميائية إلى: أرواح وأجساد وأجسام. الأرواح تطير عن النار وعَدَدُها سِتٌّ، وهي: الزئبق والزرنيخ والكبريت والنشادر والكافور والدهن، الأجساد هي المنطرقة، وعددها سبعة وهي: الرصاص الأسرب والرصاص القلعي والحديد والذهب والنحاس والفضة والخارصين، جميعها تَمْتَزِج مع أرواحها باعتدال، بمقادير متساوية. أما الأجسام فتختلط في معادنها الأرواح والأجساد على غير مزاج أو اعتدال. الكيميائي يمكنه أن يعْطِي كل جسمٍ الطبعَ الذي يُنَاسِبه ليَعْتَدل حاله، ثم ليصبح ذَهَبًا. كذلك الطبيب يعطي كل جسم ما يناسِبُه ليعتدل حاله، وليصبح معافيًا. إن التماثل قائم إلى أبعد مدًى، بفضل ذلك البُعد الحيوي فيُطَبِّق جابر تصورات التناسل والحمل والزواج والتعليم على المعدن، وكذلك الموت والحياة، ويرى المواد الغليظة الأرضية ميتة. أما المواد المنيرة فروحانية … بكل هذا لا يختلف عمل الطبيب كثيرًا — في نظر جابر — عن عمل الكيميائي … فكان أن اجْتَهَدَ هو في العملين معًا.

وحتى في الطب، يحتفظ جابر بحضور عِلْمِيٍّ رَصِينٍ، ليظل ماثلًا في ذاكرة السنوات العشر الأواخر من القرن العشرين وما تلاه، فاهتمامه بالطب جَعَلَهُ يُخْرِج دراسة ناضجة عن السموم، الجيد منها والرديء وكيفية إيصالها للأبدان، وأسمائها والسموم المُرَكَّبة والحوادث العارضة عنها في الأبدان، وكيفية الشفاء منها والأدوية الناجعة في هذا، والأحوال الميئوس من شفائها والسموم القاتلة توًّا، وقد قَسَّمَ السموم إلى ثلاثة أنواع: حيوانية ونباتية وحجرية (أي من كيمياء الفلزات).

وجابرٌ على أيةِ حال اشتهر بقدرته العملية البارعة في وَصْف ترياق السموم، وفي شفاء العديد من الأمراض، وقد وَصَّفَ أدوية، كما اعتنى بتركيب الحيوانات وتشريحها، ولكنه أولًا وقَبْل كل شيء فاتِح بوابة الكيمياء العربية وعالِمها الأول — زمانيًّا وموضوعيًّا — سار في إِثْره الأعلامُ التالُونَ — أبو بكرٍ الرازي، وابن سينا، ومسلمة المجريطي، وأبو المنصور الموفق، والطغرائي، وأبو القاسم العراقي، والجلدكي …

•••

هو عقلية عملاقة إذَنْ. كان قادرًا على استقطاب الأبعاد المَعْرِفية في عصره واستيعابها وتجاوُزها، والرجال العظماء أخطاؤهم عظيمة، وإذا كُنَّا قد بيَّنَّا نفاذ بصيرة ابن حيان التجريبية المنهجية، نرجو أن يكون استكشافنا السابق لبعض الأبعاد المعرفية لكيميائه يحمل تفسيرًا للخطل في شطحاته التي فاقَتْ كل خيال، فقد رأينا انشغاله بالتنجيم والطلسم وتركيب المخلوقات والبشر.

من هذه الشطحات أيضًا وَصْفُه لتجارب بلهاء عديدة، منها على سبيل المثال: تجربة نستخرج بها زنبور النحل من ثور ميت، يُفَضَّل أن يكون أحمر اللون! وزَعْمه بأنه يعرف حيوانًا بحريًّا عجيب الخلقة والطباع — ويُسْهِب في وَصْفِه — قادرًا على الإبراء من جميع الأمراض، وكأنه بديل حي لإكسير الحياة.

ولن ينتهي بنا الحديث لو أحصينا شطحات جابر، التي تجعلنا نَضْرِب كفًّا على كف، كُلَّمَا تَذَكَّرْنَا أن القائل بها هو القائل بالدربة واستدلال مجرى العادة وكيفية تركيب حامض النتريك وخواص نترات الفضة وكربونات الرصاص …

لقد كان جابر تمثيلًا عينيًّا لميراث العقل العلمي في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، وفي الآنِ نفسه تمثيلًا عينيًّا للدفعة الجبارة التي بدأت بها انطلاقة العلم العربي، ليواصل — فيما بعد — نماءه وتطوره، ويصل إلى النضج وذروةٍ مِنْ أَوْج ذراه مع أبي الريحان البيروني.

١  الأبعاد المعرفية هنا مقصود بها Cognitive Dimensions، أي كل عناصر المنظومة المعرفية وأصولها وامتداداتها، وليس فقط الأبعاد الأبستمولوجية المنهجية العلمية والمنطقية التي طال التركيز أو الاقتصار عليها في تناول كيمياء جابر، من باب التعامل الحماسي مع العلم العربي الذي يُخرجه من الإطار التاريخي ويُصَوِّره ككَيَانٍ أسطوري مُعْجِز وُلِد مكتملًا. إن هدف بحْثنا على وجْه التحديد هو تجاوُز هذا الطرح إلى آخَرَ أكْثَرَ موضوعيةً وشموليةً لكيمياء جابر في إطارها المعرفي المتعَيِّن وظروفها التاريخية المحدَّدة، ويُحْسَب ما له وما عليه. إذ نعتقد أن هذا الأسلوب الموضوعي المتكامل هو الذي يَتَتَبَّع فعلًا مَعَامِل التقدم المتنامي في تاريخ العلم.
٢  كما أوْضَحْنا، الأصول التاريخية للكيمياء في تيارَيْن هما المَناشط التقنية العملية وعلم السيمياء أو الخيمياء، وعن هذا الأخير انظر: M. P. Muir, The Story of Alchemy: The Beginings of Chemistry, New York. 1902.
٣  موريس كروسلاند، تاريخ الكيمياء من منظور أَشْمل، ترجمة د. أحمد فؤاد باشا، في: منظورات تاريخية للعلم، العدد ٨١ / ١٥٩ من سلسلة العلم والمجتمع، اليونيسكو، ديسمبر–فبراير ١٩٩٠. ص٤٧، وانظر: Betty Jo Dobbs, The Foundations of Newton’s Alchemy, Cambridge, 1975.
Betty Jo Dobbs, The Janus Faces of Genius: The Role of Alchemy in Newton’s Thought, Cambridge, 1990.
٤  انظر في التأريخ لسيرة نيوتن من المنظور المطروح للتوفيق بين الخيمياء والفيزياء: Richard S. Westfall, Never at Rest: A Biography of Issac Newton, Cambridge, 1980.
من الطبيعي أن تنشغل جامعة كمبردج بهذه الإشكالية، فهي الجامعة التي احتضنت نيوتن تلميذًا للاهوت ثم للرياضيات تحت إشراف إسحق بارو الذي تخلى عام ١٦٦٩ عن كرسي الرياضيات من أجل تلميذه النجيب نيوتن، ليعتليه وهو في السابعة والعشرين من عمره، ويكون من أصغر من اعتلوه في تاريخ جامعة كمبردج العريقة التي قضى نيوتن فيها عمره وإنجازاته. الجدير بالذكر أن أستاذه بارو تخلى عن كرسي الرياضيات ليتكرس للاهوت، ولا نندهش إذ تردد نيوتن في قبوله وقبول مهامَّ أخرى؛ لأن التكرس للاهوت والخيمياء كان يراوده كثيرًا.
J. G. Crowther, A short History of Science, Methuen Educational, L.T.D, London, 1969. pp. 94–97.
وقارن الترجمة العربية تحت عنوان قصة العلم، بقلم يمنى الخولي، ود. بدوي عبد الفتاح، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة (قيد الطبع).
٥  عُقِدَ في هولندا مؤتمر دولي في تاريخ العلوم، تحت عنوان «العود مجدَّدًا للخيمياء».
Alchemy Revisited, Proceedings of an international Congress at the University of Groningen, 17–19 April, 1989 Groningen, 1990.
ولكن طبعًا الاهتمام بالخيمياء كأصل تاريخي للكيمياء مطروح دائمًا انظر مثلًا:
  • تاريخ الخيمياء K. G. Schmieder, Geschichte der Alchemie, Halle, 1832. “reissued Munich-Planegg, 1927”.
  • الخيمياء والخيميائيون L. Figuier, L’alchimie et les alchimistes, 3rd edit, 1860.
  • الخيمياء في العصور القديمة والحديثة H. Kopp. Die Alchemie in álterer und neuerer Zeit, 2 Pts, Heidelberg, 1866.
  • الماهية الخيميائية والعنصر الكيميائي M. P. Muir, The Alchemical Essence and The Chemical Elment, New York, 1894.
  • الخيمياء بين العلم واختلاق الروايات J. E. Mercer, Alchemy its Science and Romance, 1921.
  • الخيمياء قديمًا وحديثًا H. S. Redgrove, Alchemy Ancient And Modern, 1911, 2nd ed., 1922.
٦  M. Crosland, Historical Studies in the Language of Chemistery, 2nd ed., New York, 1978. Chapters 1, 2, 3.
٧  د. مختار رسمي ناشد، فضل الحضارة المصرية على العلوم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٧٣، ص٦٣.
٨  J. R. Partington, A Short History of Chemistery, Macmillan & Co., London, 1939. p. 20-21.
ويقول (ص٢٨) إن معرفة أوروبا للكيمياء المصرية السكندرية الإغريقية عن طريق العرب وترجمة نصوصها عن العربية أدت إلى شيوع خطأ: وهو أن العرب — وليس المصريون — هم مؤسسو علم الكيمياء، وعاد مجددًا لتمجيد الدور المصري في: J. R. Partington, Origins and Development of Applied chemistery, London, 1935.
٩  د. مصطفى لبيب عبد الغني، الكيمياء عند العرب، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة د. ت. ص٢٨.
١٠  انظر في تفاصيل مصنفات جابر: المرجع السابق، ص٦٨–٧٥، وقارن: د. زكي نجيب محمود، جابر بن حيان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط٢، ١٩٧٥، ص٢٩–٤٣.
١١  Partington, A Short Hist … p. 28-29.
وأيضًا ينحو بارتنجتون نفس منحى برتيلو، فيقول: «إن مؤلف ذلك العمل لاتيني مجهول يُدعى جبر Geber، وليس جابر Jabir بن حيان، تشابه الأسماء مبرر الخلط.» بصفة عامة تسود كتابات بارتنجتون كراهية للعرب واستخفاف بالعلم العربي رغم ضآلة ما كتب عنه كمًّا وكيفًا في المرجع المذكور، هذا في مقابل تمجيده للدور المصري الفرعوني.
١٢  E. J. Holmyard, Chemistery to The time of Dalton, Oxford 1925. pp. 17–19, 42.
اللغة العربية جعلت هولميارد يعرف حق جابر وحق الكيمياء العربية، وهذا ما يشيع أيضًا في عمليه: E. J. Holmyard, The Great Chemists, Oxford, 1928.
E. J. Holmyard, Makers of Chemistry, Oxford, 1931.
فضلًا عن أنه حقق بعضًا من أعمال جابر: مصنفات في علم الكيمياء للحكيم جابر بن حيان، مجموعة رسائل حققها ونشرها بالعربية أ. ج. هولميارد، باريس، ١٩٢٨.
١٣  جابر بن حيان، كتاب الحدود، في: مختار رسائل جابر بن حيان، تصحيح ونشر بول كراوس، مكتبة الخانجي، القاهرة ١٣٥٤ﻫ/١٩٣٥م، ص١٠٠–١١٢، وقارن كتاب الحدود في: د. عبد الأمير الأعسم، المصطلح الفلسفي عند العرب، دراسة وتحقيق، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٨٩، ص١٦٣–١٨٥.
١٤  انظر الرسم التخطيطي لهذا التصنيف في المرجع السابق، الأعسم ص٢٠، وقارن زكي نجيب، جابر بن حيان، ص١٠٠. انظر أيضًا: محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، دار الطليعة، بيروت، ١٩٨٤، ص١٩٦، وما بعدها.
١٥  جابر بن حيان، كتاب التصريف، مختارات كراوس، ص٤١٨.
١٦  جابر بن حيان، كتاب الخواص، م. س. ٣٢٣-٣٢٤.
١٧  جابر بن حيان، مختارات كراوس ص٢٣٢.
١٨  د. جلال محمد موسى، منهج البحث العلمي عند العرب: في مجال العلوم الطبيعية والكونية، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ١٩٧٢. ص١٣٤.
١٩  جابر بن حيان، مختارات كراوس، ص٣٢٢.
٢٠  جابر بن حيان، كتاب السبعين، م. س، ص٤٦٤.
٢١  د. زكي نجيب محمود، جابر بن حيان، ص٦١ وما بعدها. وقارن: د. علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام: اكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، دار النهضة العربية، بيروت، ط٣، ١٩٨٤، ص٣٣٧–٣٤٥.
٢٢  جابر في كتاب التجريد، مجموعة هولميارد، نقلًا عن جلال موسى، منهج البحث العلمي عند العرب، ص١٢٦.
٢٣  ابن حيان، كتاب التصريف، ص٤١٥.
٢٤  ابن حيان، كتاب التصريف، ص٤١٥.
٢٥  د. جلال موسى، منهج البحث … ص١٣٢.
٢٦  نقلًا عن المرجع السابق، ص١٢٨.
٢٧  جابر بن حيان، كتاب التصريف، ص٤١٩.
٢٨  عن: د. مصطفى لبيب، الكيمياء عند العرب، ص٧٨.
٢٩  مختارات بول كراوس، ص٣٢٢
٣٠  جابر بن حيان، كتاب الخواص الكبير، ص٢٢٥–٢٢٨.
٣١  كتاب البحث لجابر، نقلًا عن: د. جلال موسى، منهج البحث العلمي عند العرب، ص١٢٩.
٣٢  د. زكي نجيب محمود، جابر بن حيان، ص١٢٣ وما بعدها.
٣٣  د. عبد الأمير الأعسم، المصطلح الفلسفي عند العرب: دراسة وتحقيق، م. س، ص٨.
٣٤  المرجع السابق، ص١٤.
٣٥  جابر بن حيان، كتاب التصريف، مختارات كراوس، ص٣٩٧ وما بعدها.
٣٦  جابر … كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل، ص٤٧-٤٨.
٣٧  جابر … الأحجار على رأي بليناس، ص١٢٩.
٣٨  J. R. Partington, A Short History of Chemistery, p. 13.
٣٩  د. مختار رسمي ناشد، فضل الحضارة المصرية على العلوم، ص٣٨-٣٩، ٦٤.
٤٠  محمد محمد فياض، جابر بن حيان وخلفاؤه، دار المعارف، القاهرة، ١٩٥٠، ص٢٦-٢٧.
٤١  انظر مثلًا: A. P. Hokins, Alchemy Child of Greek Philosophy, New York, 1934.
٤٢  Partington, A Short Hist. of Chem., p. 25.
٤٣  إنها مسألةُ تفاعُل نووي، أُشْبِعَ بحثًا ودراسة منذ الثلاثينيات. إن أسس وتفاصيل تحويل العناصر إلى بعضها على هذا الأساس النووي مبسوط الآن أمام طلبة العلوم في مراحلهم الأولى، ومطروح في المراجع العامة للفيزياء مثلًا: Raymond A. Serway, Physics, 4th edition, Saunders Collage Publishing, U.S.A. 1996. p. 1370–1372.
٤٤  محمد فياض، جابر بن حيان وخلفاؤه، ص٥٣–٥٧.
٤٥  Holmyard, Chemistery to The Time of Dalton, p. 30.
٤٦  بنيامين فارنتن، العلم الإغريقي، ج٢، ترجمة أحمد شكري سالم، النهضة المصرية، القاهرة، ١٩٥٩، ص٥٤ وما بعدها.
٤٧  J. G. Crowther, A Short History of Science. p. 108.
وقارن الترجمة العربية المذكورة في هامش ٤.
٤٨  انظر في انتقال التراث السكندري إلى العرب: د. أميرة حلمي مطر، الفكر الإسلامي وتراث اليونان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٩٦، ص٧٣–٩١.
٤٩  د. مصطفى لبيب، الكيمياء عند العرب، ص٥٧-٥٨.
٥٠  جابر بن حيان، كتاب الراهب، مختار كراوس، ص٥٢٩.
٥١  انظر: د. محمد يحيى الهاشمي، الإمام الصادق ملهم الكيمياء، حلب، ١٩٥٩.
٥٢  ابن حيان، مختارات كراوس، ص٣١٥.
٥٣  د. محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، دار الطليعة، بيروت، ط١، ١٩٨٤، ص١٧٥.
٥٤  يعتز جابر كثيرًا بتجربته في شفاء هذه الجارية، ويؤكد أنه خَلَّصَها بالإكسير، وخَلَّص به أكثر من ألف نفس.
كتاب الخواص الكبير، ص٣٠٣–٣٠٥.
٥٥  محمد فياض، جابر بن حيان وخلفاؤه، ص٣٦–٣٩.
٥٦  L. W. Hull, History and Philosophy of Science, Longmans, London, 1965. p. 119.
٥٧  Partington, A Short Hist. of Chemistery, p. 63.
٥٨  فياض، جابر بن حيان، ص٤٨.
٥٩  د. جلال موسى، منهج البحث العلمي عند العرب، ص١٢٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١