تقديم

هذا مشروع عمره أكثر من ثلاث سنوات.

الفكرة ظلَّت تُطاردني، وهي للآن لا تزال تُطاردني.

وكلما رأيتُ ما صارت إليه حياتُنا وما تَصير إليه أُحسُّ إحساسًا محضًا أني لا بُدَّ أن أُخرج للناس ذلك الكتاب الذي كتبتُه على فترات متقطِّعة، وعلى هيئة حيثيات مستقلة؛ ذلك أنَّ تلك الظاهرة، ظاهرة فقر الفكر وفكر الفقر، أو الفقر في الأفكار المؤدِّية إلى فقر في الحياة والإنتاج، والفقر في الحياة والإنتاج حين يُؤدِّي بدوره إلى فقر فكري، وهكذا دواليك. تلك الدائرة الجهنمية المُفرَغة التي دخلناها وأصبح حلم حياتنا الأكبر، وحلمي بشكل ثابت خاص، أن نخرج منها. تلك الفكرة لها ألف ذراع وامتداد وشاهد، فكرة أخطبوطية تمامًا من الصعب الإمساك بتلابيبها كلها، بل كل ظاهرة منها تتكشَّف عن بئر مخبوء من الظواهر والأسباب والملابسات والنتائج، بحيث من الممكن أن يقضي الإنسان عمرًا بأكمله ولا يصل إلى الإحاطة بها كلها.

ولهذا فحين أُقدِّم تلك (المحطات) المذكِّرات والانطباعات والحقائق والتصورات، إنما أُقدِم على شيء صعب وشاق تمامًا، الإحاطة بما لا يمكن الإحاطة به إلى الآن، ولكنها أمر واجب ومحتَّم ولا بُدَّ لإنسانٍ ما أن يقوم به، فإذا كان التهديد الخارجي لحياتنا ومن هم متقدمون عنَّا علمًا ودهاءً وتكنولوجيا، فإن تهديدًا آخر أصعب يَنخر فينا من الداخل؛ وهو تهديد أصعب لأن من الصعب تمامًا رؤيتُه وقد تنكَّر لنا في أشكال وأنواع من الموجودات والموروثات، حتى أقدس أقداسنا تنكر به.

إن هي إذن إلا مُحاوَلة للتشخيص، ولقد تعلَّمنا في الطب أن التشخيص ليس فقط ثلاثة أرباع العلاج، ولكنه هو العلاج نفسه في حالتنا تلك؛ إذ إن الشعوب حين تعرف بالدقة مشاكلها فإنها بالتلقاء وبالسليقة وبغريزة الدفاع عن النفس التي ركَّبتها فيها الحياة، تَنفضُ عن نفسها أوتوماتيكيًّا ما أدركته من مشاكلها، فما بالك وهي ليست مشاكل، إنها أخطار ماحقة، مجرد إدراكها قفزة هائلة في وعينا بأنفسنا وما تُضمره لنا الأيام، وما يضمره لنا الآخرون …

فلنُحاول إذن أن نرسم الدائرة الكبيرة التي تُشكِّل ذلك الخطر، ولا نُسرع أو نتسرَّع في الحكم على كل جزء من الدائرة على حِدَة، فإن الرؤية، حين ننتهي، ستكون أكثر وضوحًا بكثير.

وبالله نستعين.

دكتور يوسف إدريس
القاهرة، أغسطس ١٩٨٤

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤