الفصل الثاني عشر

أنا كاتب عربي

من كثرة تجوالي بين أنحاء الوطن الكبير، بدأت أُوقن أن كثيرًا من المشاكل والانحرافات في تفكير أقسام كبيرة من الرأي العام العربي ليسَت مُقحَمة على هذا العالم من خارجه، ولكنها من صنعِه وابتكاره وحده.

فنحن لسنا مُحدَثي ثروة مادية فقط.

ولكننا — وهذا هو الأهم — «مُحدَثو نظم»، أو بالأصح «مُحدَثو حكومات»؛ فعمر حُكوماتنا «الوطنية» لا يتجاوز عمر الزهور، أو بالأصحِّ أعمار الحشائش؛ فلا أَستطيع أن أُشبِّه أي حكومة عربية بالزَّهرة، وإلا — كما يقول البلاغيون — لما تناسَب الكلام مقتضى الحال أبدًا، حكومة عربية كالزهرة؟ أين؟ ولو حتى نشأت حكومات عربية في المريخ لكان لها لون وشكل واسم زُحل وليس أبدًا «الزُّهرة» زهرة الفَجر البكور.

حكومة عربية الآن في مثل شفافية «الزُّهرة» النجمة، وفي مثل رقة «الزَّهرة» الوردة «دا ولا في الأحلام».

ولأنَّ كل مميزات هذه الحكومات أنها صغيرة السن (وإن كانت تتمتَّع في أحيان بإجرام الكبار)، فإن كل همها بالطبع هو الإيغال في المحافظة على البقاء، ومن ضمن وسائل هذه المحافظة لا بُدَّ أن يتوفَّر لشعوب هذه الحكومات نوع من الجهل والانعزال الشديدَين بحيث يقنع كل شعب أن حكومته خيرُ حكومة أخرجت للناس.

والطريقة الوحيدة لإحكام الجهل والانعزال هي «التحكم التام» في وسائل الإعلام، وإلى درجة مخيفة في حقيقة أمرها؛ فالمواطن العربي في أي قُطر عربي يعرف كل شيء عن مثالب الأنظمة «الأخرى»، ولا شيء أبدًا يُذكَر عن مثالب نظامه هو، إلى درجة جعلتني ذات مرة أتصور أن هناك معارضة فعلًا في الوطن العربي، ومعارضة قوية، ولكنها قوة تلك القصة المضحكة التي تقول بأن أمريكيًّا قابل روسيًّا، فقال الأول: نحن لدينا حرية وأنتم نظامكم دكتاتوري، أنا أستطيع أن أقف في ميدان واشنطن في نيويورك وأقول: يسقط ريجان، ولا شيء يحدث لي. فرد عليه الروسي قائلًا: أبدًا، هذا افتراء، نحن أيضًا لدينا حريتكم وأكثر؛ فأنا أيضًا أستطيع أن أقف في ميدان «جوركي» في موسكو وأقول بملء صوتي: يسقط ريجان، ولا شيء يحدث لي.

وبالضبط هذا هو الحادث في أيِّ بلد عربي.

تستطيع أن تقف في قلب أكبر ميدان وتَهتف بسقوط النظام، عفوًا، النظام الموجود في البلد الآخر، دون أن يُصيبَك أي شيء، بالعكس، ربما يُكافئونك بمنصب كبير أو بمال أو بوسام.

والشيء نفسه انعكس على الوضع الإعلامي، وبالذات الصحفي، في بلادنا العربية؛ بحيث حين اشتدَّت الخلافات اشتدَّ التضييق على دخول صحف أي بلد لبلد آخر، مبالغةً في قوقعة الرأي العام المحلي، ليكون الحاصل في النهاية الرضاء بحكومته وأنها خير حكومة أخرجت للناس.

•••

وهكذا وضعنا نحن الكتاب في قفص من حديد.

مثلما وُضعت كتُبنا وصحُفنا في أقفاص من حديد مَحلي الصُّنع والخاتم.

والكاتب أوَّلًا وأساسًا كاتب، ليس فقط الشعب الكبير، ولكن أيضًا كاتب اللغة.

أنا صحيح مصري، ولكن كاتب عربي.

إني أتكلم العربية، وأكتب بالعربية، وأفكر بالعربية، وقرائي العرب أكثر بكثير من قرائي في بلدي الأصلي.

وقديمًا كان الكاتب في العالم الإسلامي الوسيط، كابن سينا وابن الهيثم وابن رشد وابن بطوطة وأبو حنيفة ومالك، وحتى أشعار ابن الرومي والمتنبي وأبي العلاء وهجائيات الفرزدق تستطيع أن تَعبُر ويَعبُر قائلها الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه دون أن تَستوثقُه تأشيرة دخول أو شرطي يُفتِّش كتبه ودفاتره.

ولكنَّنا الآن في عصر آخر، في عصر نَسل ابن أُبَيٍّ الذي يتربَّع على قمة الإعلام الصحفي هنا، وعصر عبدٍ خصيٍّ يتربَّع على قمة الإعلام الصحفي هناك.

والأنسال والعبيد لا يَصنعون شيئًا إلا أن يَخدموا السادة.

السادة حديثُو النعمة والدولة والألقاب وأزمَّة الأمور.

إنَّ الشيء المؤلم، شديد الإيلام، أنَّ وطننا العربي، هذا الشاسع الثري العملاق، يُدار لمصلحة بضعة أقزام يقفون على أرجل من أوراق الدولار وودائعه يَصيرون طوالًا وعمالقةً، وهم في الحقيقة وكما أثبتَت المذابح الأخيرة عمالقةٌ من ورق، وشوارب من شوش الذرة، ومسابح مهما قلَّ عددها فهي أكثر من طبقات الجحيم التي سيَغشَونها، ليس في الآخرة فقط، ولكن في هذه الدنيا نفسها.

وما علينا، فهذا حديث آخر، أعدكم أن أكتب مرةً عن طبيعة ونوع ولزاجة الشوارب المقصود بها أن تَزيد من «ذكورة» حامليها، وهي في الواقع لا تكشف إلا عن انعدام كامل في الثِّقة بالذكورة وبالأُنوثة أيضًا؛ فالإناث حتى لا يُحبِبن الشارب ذا الدم الثقيل على وجهٍ أثقَل دمًا.

وما علينا.

نحن نُريد، وأرجو أن يوفقني الله في توجيه قلمي إلى ما أريد، وأن يكفَّ عن هذه الخصلة الغريبة والانشغال بالمعارك الجانبية، نحن نريد أن تعود للغة سطوتها.

أريد أن أعود كاتبًا للغة العربية.

يقرؤني كلُّ من يقرأ العربية.

أريد أن يقرأ الناس في الأردن ما يَكتبه الناس في المغرب، وأن يقرأ الناس في بغداد صحف وكتُب ليبيا، وأن تُباع صحف الجزائر في أكشاك القاهرة والرياض.

كي تتحطَّم الإقليمية، فمؤشِّر الراديو قد حطم الإقليمية القولية يا ناس، وتعرف حقائق وطنِنا العربي كله.

وتئوب المعارضة إلى وضعِها الطبيعي في كل داخل وليس فقط في كل خارج.

وإذا كانت هناك أهوال بين ما أريد وبين المُستطاع ولا أقول بين المرغوب،

فليس أمام كُتَّاب العرب حلٌّ إلا أن يخرجوا جميعًا من قماقمهم،

إلا أن يَكتبوا في كل مكان،

وفي أي صحيفة تُطبع بالعربي.

وشكرًا ﻟ «الموقف العربي».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤