الفصل السابع عشر

تكتيك هولاكو

«كان لهولاكو، ذلك التتري الرهيب الذي خرج كالجني من قلب آسيا، ليجتاح وسطها وغربها وعراقها وشامها، وليصل إلى مصر ويُهدِّد باجتياح كل ذلك العالم القديم الوسيط … كان لهولاكو هذا طريقة أو «تكتيك» كان هو أول من ابتكره وطبقه وعُرف باسمه.»

اكتشف هولاكو أن الحرب ليست مسألة قتال شريف، كقتال عصور النبلاء؛ حيث يتم التبارز وفقًا لتقاليد راسخة في البطولة، وحيث الغلبة للأقوى والأشجع والأكثر اتِّباعًا لأصول القتال النبيلة. اكتشف هولاكو أن الحرب ليست فقط خدعة، ولكن الذي ينتصر في الحرب هو الطرف القادر على أن يوهم خَصمه أنه أكثر قوة بكثير، ليس هذا فقط، بل لا بُدَّ أن يكون هو القادر على إرعاب خصمه. واكتشف أيضًا أن الذي يهزم الجيوش ليس خوفها أو قلَّتها، وإنما هو أن يجتاحها نوع من الرعب الجماعي، بحيث تَرتعِش لها أوصال المحاربين ويتفكَّك الجيش إلى شراذم مرعوبة ممكن أن تُلقي بكل ما لديها من سلاح وإمكانات وتجري هارعة فاقدة القدرة على التفكير، وقد شلَّ الرعب الجماعي قدرتها على التصرف حتى كأفراد.

وهكذا كان هولاكو إذا أراد أن يغزو عاصمة كبيرة مثل دمشق مثلًا، كان لا يتجه إليها كالغزاة الحمقى بجيوشه وعدَّته وعتاده ويَلتحِم مع حاميتها على الطريقة التقليدية بالغزو، وإنما كان يختار قرية أو ضاحية قريبة من المدينة الكبيرة ويَدخلها بجيوشه العاتية، ويُقيم مذبحة تشيب لهولها الرءوس، فلا يترك طفلًا أو امرأة أو شيخًا أو شابًّا إلا وبقر وذبح وخصى، ومثَّل بالأجسادِ والناسِ تمثيلًا لم تعرف وحشيتَه البشريةُ من قبل، وإلى هنا والمسألة ليست غريبة وجديدة، فكم عرف التاريخ هذا النوع من الغزو والمذابح! الجديد الذي ابتكرته العقلية الإجرامية البالغة الذكاء لهولاكو التتري، هو أنه كان لا يَفتِك بكل سكان القرية أو الضاحية التي يختارها، إنما يُتيح الفرصة لعُشر السكان مثلًا أو لرُبعهم أن يهربوا من القرية، وكان يفعل هذا لأنه يُدرك أن رعبهم سيدفعهم إلى الإسراع للاحتماء بتجمع سكاني أو بالجيش الأكبر الموجود في العاصمة القريبة الكبيرة، ومن الممكن أن نتصوَّر حالة هؤلاء الناس الذين رأوا من أهوال التنكيل والتمثيل بالأجساد ما لا بُدَّ أن يُطيِّر عقل أكبر القلوب شجاعةً أو حكمةً، وليس هذا فقط، بل إن هؤلاء الهاربين، لأنهم ليسوا أفرادًا وإنما مجموعة بشرية، يدبُّ فيهم نوع آخر من الرعب الجماعي فوق رُعبهم الفردي، والرعب الجماعي أخطر بمئات المرات من الرعب الفردي؛ وذلك أن الذي يزداد رُعبًا هذه المرة هو العقلية الجماعية، بحيث حين يُصيبها الرعب القطيعي الجماعي تُصبح هي نفسها قطيعًا حيوانيًّا مذعورًا، مدمِّرًا، متوحِّشًا، شرسًا، يدوس ويقتل ويجتاح ويدمر، والأهم من هذا أنه رعب مُعدٍ جِدًّا؛ إذ ما إن تراه مجموعة بشرية أخرى، حتى من دون أن تدري السبب أو ما هي الحكاية، تُصاب بنفس الحالة المخيفة من الرعب ويذهب عقلها شَعاعًا، وهكذا.

كان هولاكو يترك تلك المجموعة القليلة تهرب وتنطلق بحالتها تلك إلى العاصمة الكبيرة معذبة وناشرة، وصارخة، ومشِيعة كمًّا مهولًا من الفزع المَهول يدبُّ، أول ما يدب، في الجنود المكلَّفين، أو المفروض أن تقع على كاهلهم، مسئولية قتال هؤلاء الغزاة القادمين، وبدوامة ذعر تبدأ صغيرة بين قلة من الجنود لا تلبث بالضرورة أن تَنتشِر بين القوات، ويكون نفس الذعر قد اجتاح، هو الآخر، جموع السكان المدنيِّين، وهكذا لا تلبث تلك العاصمة أو المدينة الكبرى أن تتحول في ظرف ساعات قليلة إلى جهنَّم مذعورة تجتاح شوارعها وأحياءها وتشمل كل قاطنيها. وهكذا، بظرف ساعات قليلة أيضًا يكون جيش العاصمة قد تفكَّك تمامًا وهرب، وسكانها يُقتلون ويَقتَتلون ويدوسون فوق أطفالهم ونسائهم وكأنهم في يوم الحشر، هاربين تاركين المدينة قاعًا صفصفًا.

وهكذا يتهادى هولاكو على رأس جيشه ويدخل المدينة الخاوية والتي سلمت نفسها قبل أي قتال ودون أي قتال … يدخل دخول الفاتحين المنتصرين.

•••

هذا التكتيك الهولاكي درسه ووعاه ونفذه الجيش النازي الألماني بحذافيره، وعن هولاكو، وعن الجيش الألماني النازي، أخذته العصابات الإسرائيلية، ابتداءً من الأراجون والهاجانا إلى ما يُسَمَّى جيش الدفاع الإسرائيلي، إلى خليفة هولاكو وشياطين التوحش في الأرض الجزار شارون وأركان حربه بيجن وإيتان وسعد حداد وعُتاة العنصريين الكتائبيين.

ولنرجع إلى ما حدث في القرى الفلسطينية العربية قبل ٤٨ وبعد ٤٨، ومنذ سنة ١٩٣٦ … إلى مذابح دير ياسين وغيرها، ولنرجع إلى ما حدث للجيش المصري نفسه في حرب ٦٧؛ حيث تفتقت عبقرية المشير عامر وشلَّته عن فكرة جهنمية، هي أن يجيئوا بالضباط والجنود الاحتياطيين بجلابيب نومِهم ويضعوهم في الخطوط الأمامية بحيث يتلقون الضربة الأولى ليَحموا، باعتبارهم أقل تدريبًا، وبكونهم قوات من الدرجة الثانية، الجسم المدرَّب الأساسي للجيش المصري والمتمركز عند الممرات وفي الخط الثاني والثالث، وكانت النتيجة أنهم ساعدوا موشي دايان على تطبيق تكتيك هولاكو، فكان أن أباد الإسرائيليون فصائل بأكملها من هذا الاحتياطي المرعوب الموضوع في الخط الأمامي، أشياء هي ضد ألف باء العسكرية، ولا يُمكن أن يرتكبها أي شاويش أحمق. أباد الإسرائيليون أعدادًا هائلةً من الخط الأمامي وسمحوا للبقية أن تنفذ بجلودها من الإبادة، فانطلق هؤلاء وقد أصابتهم حالة الذعر التي ذكرتها سابقًا، انطلقوا يشيعون وينقلون العدوى إلى الخط الثاني والثالث وإلى كل الناس المدنيين، وكل القوات في سيناء، لتَحدُث الكارثة الكبرى ويتفكَّك الجيش، ويجتاح الارتباك القيادات وتتضارب الآراء والأوامر … ويدخل دايان سيناء بعد هذا دخول الفاتح، دون لحظة قتال حقيقية واحدة، وباطمئنان كامل إلى أنَّ الطيران المصري قد انتهى وأن الأمر أصبح مجرد نزهة … وهكذا لحقت بجيشنا المصري الباسل، وبشعبنا بالتالي، أكبر هزيمة عسكرية في تاريخه الحديث دون حرب، وكأنه أول جيش في التاريخ يَهزم نفسه بنفسِه قبل أن يوجه له عدوه ضربة واحدة، وتلك هي كارثة الكوارث كما لا نزال نعاني منها إلى الآن.

•••

ولكن تلك حكاية أخرى كما يقولون، ونحن في تلك الحلقات التي أكتبها، نتابع مأساة الاجتياح الإسرائيلي للبنان والهزيمة التي لحقت بالعرب أجمعين، سواء أكانوا قوات على أرض لبنان أو بيروت أو جيوشًا حديثة رائعة الشكل والمظهر والملابس والتسليح، واقفة، لها ألف عام وهي واقفة، على الأرض العربية من المحيط إلى الخليج، يَلمع سلاحها وتبرق دباباتها وتَنخلِع معدَّاتها وعرباتها وطيرانها … واقفة في حالة «صفا» ومعظم الأحيان في حالة «استرح»، واقفة تنتظر «المعركة» … حتى حين تقوم المعارك فعلًا، سواء في سيناء أو في الجولان، أو في الضفة، أو في لبنان لا تزال واقفة بحالة استرح تنتظر، تنتظر ماذا؟ الله وحده يعلم.

في اجتياح قرى الجنوب اللبناني، طبَّق شارون نفس التكتيك؛ بحيث إن الذين هربوا من المذابح ولجئوا إلى العاصمة «بيروت» أُريد لهم أن يُشيعوا ذلك الذعر الجماعي الهولاكي الذي ذكرناه.

هذا هو بالضبط الخاطر المُقلِق الكبير الذي هبط عليَّ وأنا في مستشفى جونز هوبكنز بالولايات المتحدة، أحاول — ويحاول معي الأطباء — إنقاذ عين ابني، وأتفرج من خلال قنوات التليفزيون الأميركي، ومن خلال صحافته وعبر إذاعته، على المذبحة الحادثة في لبنان.

كنت مندهشًا ومذهولًا؛ لأن المشاهد المروعة التي تلتقط للخراب والدمار والضحايا والناس المقتولين المبقوري البطون، والأطفال المقطَّعي الأذرع … بعيني شاهدتُ أكثر من ٢٠ طفلًا بلا أذرع وأحيانًا بذراع واحدة، وقد أُجريَت لهم عمليات بتر وصُفُّوا أمام الكاميرات، والحرائق والعربات المدمَّرة والقنابل المُتساقطة من السماء والقادمة من البحر والصادرة من المدفعية الأرضية الإسرائيلية الثقيلة ومن الصواريخ … هذا الهول الأعظم كانت تذيعه اﻟ «سي بي إس» واﻟ «إن بي سي»، وبين كل دقيقة وأخرى، يظهر على الشاشة من أعلاها سطر مكتوب يقول: إن هذا الفيلم راقبته السلطات الإسرائيلية ومرَّ مِن خلال رقابتها العسكرية.

وكنت أحتار حيرةً عُظمى …

كيف تسمح الرقابة الإسرائيلية لكل هذا الكم من المناظر إن في أوروبا أو في أمريكا أو في كل الدنيا؟ أهو نوع من الملائكية الديمقراطية التي لا وجود لها على سطح الأرض، تريد إسرائيل أن تقول به في وسط المذبحة المهولة، أن الدولة التي تقوم بهذه الأعمال غير البشرية هي في النهاية دولة متحضِّرة ديمقراطية من أحدث موديل؟ أم أن اللوبي اليهودي الذي يُسيطِر على أجهزة الإعلام الأمريكية — بإصراره على ذكر أن الأفلام المأخوذة قد مرَّت على الرقابة العسكرية الإسرائيلية — هو الذي يريد أن يقول هذا باعتبار أن الأمريكان مجنونون بالديمقراطية وبحرية الصحافة والإعلام، ومهتمُّون بها أكثر من اهتمامهم بسقوط القتلى وتخريب المدن والمذابح، وكأن مجرَّد عرضها علانية وبلا تستُّر أو إخفاء، وبإمضاء الرقابة الإسرائيلية وبإذنها، يغفر للقائمين بها ذنبهم.

ألف سؤال وخاطر كان باستمرار يدور في عقلي وأنا أشاهد كل هذا مذهولًا ومبهورًا.

إلى أن عُدت للقاهرة، وحدثَت مذابح صبر وشاتيلا، وهنا فقط أدركت الإجابة الرهيبة على أسئلتي؛ فقد أدركت أيها السادة أننا نواجه عدوًّا ذكيًّا، ذلك الشرير الإجرامي الذي من الممكن إذا لم نَفطِن له أن يوقع بنا، ليس مجرد هزيمة عسكرية محدودة أو غير محدودة، أو اغتصاب جزء من أرضنا، وإنما يُهدد وجودنا ذاته كأمة، وفلسطين رغم فداحة قضيتها ليست سوى الجزء الذي ظهر، إلى الآن، من الغزوة الكبرى التي تستهدف اقتلاع الأسس التي يقوم عليها وجود الأمة العربية كلها.

ونحن أذكياء، وفينا ذكاء، ولكنَّ ذكاءنا ذكاء مطمئنِّين غير أشرار أو مجرمين، ولذلك فهو أضعف بكثير من ذكاء أعدائنا، ذلك الذكاء الشرير.

وحين أدركت الإجابة على أسئلتي الحائرة، وأدركت أننا أمام شيء خطير جِدًّا جِدًّا، أكثر بكثير مما حدث في لبنان أو من المُمكن أن يحدث، بدأت أفتح ملف الذكاء الإسرائيلي.

ويا له من ملف مذهل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١