الفصل الثامن والعشرون

بلد تُغطيه بعقلة أصبعك!

أكثر من مرة «عبرت» هولندا، مرة قدح قهوة في مطارها كمُسافر ترانزيت، مرة مضطرًّا أن أقضي ليلة لآخذ الطائرة التي تُقلُّني إلى بلد آخر في الصباح، مرةً عابرًا إياها بالسيارة في طريقي من ألمانيا إلى إنجلترا.

وكنتُ في كل مرة أجد معالم ما يُسَمَّى بالتقدُّم وما تعوَّدنا على قياسه بالتقدُّم المادي مُضطردة ومستمرَّة، وآخر مرة كنتُ ذاهبًا إلى لندن وقطعتُ المسافة بين أمستردام ولاهاي (التي اتضح أن اسمها لاهاج، وأن حكاية لاهاي ومعاهَدات لاهاي هي من صنعنا نحن) قطعت المسافة، وهي طويلة إلى حدٍّ ما في أقل من نصف ساعة، ذلك أن الأوتوستراد المُقام بين البلدَين بل وبين أمستردام وبقية المدن الكبرى في هولندا طرق عملاقة حقًّا؛ فهي ليست مزدوجة، أي طريق للذهاب وطريق للإياب فقط، ولكن كل طريق منها مكوَّن من أربع حارات للذهاب وأربع حارات للإياب، وبينهما فاصل حدائقي مليء بالزهور والأشجار القصيرة المخضرَّة المنمَّقة، وكأنما يمر عليها «كوافير» حدائق كل ٢٤ ساعة، ليس هذا فقط، بل إن معظم هذه الطرق الكبرى كان مُضاءً من الجانبين بمصابيح الصوديوم ذات الضوء الأصفر الوهاج، حتى لتُحس كأنك تطير بسيارتك عبر مهرجان من النظام والأضواء والحدائق واللافتات التي تَحمل أسماء المدن المقتربة والقرى المقتربة والإشارات الدالة على طريق الخروج إلى هذه وتلك والانفصال عن هذا المسار المسطح الراقد الناعم (الأسفلت) إلى حد يُثير الدهشة! (يا رب طرقنا أيضًا مصنوعة من نفس الأسفلت ونفس الزلط ونفس الحجر الجيري الكثير في بلادنا القليل في بلادهم، فلماذا طرقهم مستقيمة منبسطة كلوح الزجاج لا ارتفاع فيها ولا انخفاض، وإنما هي على طول الطريق كحدِّ السيف، ولماذا طرقنا وبعد أقل من شهر من إقامتها يبدأ أسفلتُها يَنشرخ ويتآكل وتظهر فيه الالتهابات والارتفاعات والانخفاضات، ولا تجد أبدًا سطح الزجاج أو حد السيف هنا، أيكون الفارق ليس فارقًا في الخامات أو طريقة العمل، أو هناك نفس المُعدات ونفس الرجال ونفس المكن، وإنما هو الفارق بين استقامة ذِمَم المقاولين ومن يتسلَّمون الطرق منهم من رجال مصالح الطرق والكباري وبين ذمم زملائهم عندنا، أيكون هذا هو الفارق؟)

أجل، في كل مرة عبَرت هولندا كنتُ أجد مستوى الحياة فيها يَرتفع، ودائمًا في حالة ارتفاع، ومع مستوى الحياة يَرتفع مُستوى الجمال ومستوى الأزياء ومستوى الأذواق، بل حتى وأخيرًا مستوى الرياضة وعلى رأسها كرة القدم.

لقد أذهلَني كما أذهل الملايين غيري في كل أنحاء العالم هذا الأداء المُتقَن لفريق هولندا، سواء في بطولتي كرة القدم قبل الماضية وبطولة الأرجنتين، ومع أني لا أعتبر نفسي من خبراء لعبة كرة القدم أو أيَّة لعبة، إلا أنني وأي إنسان لديه إحساس عام يستطيع أن يعرف الشيء المتقَن من الرديء، ولا زلت أعتقد أن أحسن فريق في مباريات الأرجنتين كان الفريق الهولندي، وكان هو الأجدر حقيقةً بكأس العالم سواء الأسبق أم السابق …

في كل مرة كنت أتساءل: تُرى ما هو سر ذلك البلد الصغير الذي يكاد يُغطيه تمامًا أصبعي الأصغر إذا وُضع فوق خريطة أوروبا أو العالم، ذلك البلد الصغير ذي الشعب الصغير، ما سرُّه؟ ما سرُّه في الماضي وما سرُّه في الحاضر؟ في الماضي ذهبَت سفنه إلى أقصى أمكِنَة العالم بُعدًا عن هولندا، وتصوَّروا وهم هناك على طرف شمال الدنيا يستطيعون أن يحتلوا بلدًا عملاقًا كإندونيسيا من الناحية المضادة تمامًا من العالم، كي يَحتكِروا تجارة الفلفل والبهارات الشرقية ويبيعوها لأوروبا والعالم بالثمن الذي يُحدِّدونه هم. كيف استطاعوا هذا، وكيف استطاعوا بعد استقلال إندونيسيا عنهم أن يَرتفِعوا بمعدلات اقتصادهم حتى لتُصبِحَ في مستوًى ربما أعلى من إنجلترا وفرنسا بكثير، كيف؟

كان السؤال يخطر ببالي ولا أجد له إجابة شافية.

•••

إلى أن جاءني ذات يوم شابٌّ في أواخر العشرينات من عمره وقابَلَني في مكتبي بالأهرام، وقدَّم لي نفسه على أنه المُلحَق الثقافي الهولندي بالقاهرة، وقدَّم لي نفسه باللغة العربية وبلهجة أقرب ما تكون إلى سلامة النطق واللكنة المصرية.

وحسبتُ أنها زيارة مجامَلة، ولكنها لم تكن كذلك؛ فقد كانت زيارة عمل؛ ذلك أن «مارسيل» لم يأتِ للقاهرة أصلًا لكي يَعمل مُلحَقًا ثقافيًّا، ولكنه جاء إلى القاهرة ليأخذ الدكتوراه في «الخط الاجتماعي» في أدب كاتب هذه السطور، جاء إلى القاهرة ليَزداد معرفةً بالكاتب الذي اختاره وبالموضوع الذي انتقاه من أعمال هذا الكاتب، وبالمرة ليعمل عملًا مفيدًا لبلده ويكون مُلحَقَها الثقافي في القاهرة ما دام عمله سيكون بطبيعة الحال بين المثقَّفين والكُتَّاب ومتابعة للإنتاج الأدبي والثقافي في ذلك البلد.

جاء مارسيل إليَّ ليَطلُب مني سلسلة من اللقاءات يَعقدها معي بعد ستة أشهر مقبلة ليستكمل فيها بحثه بعد أن يكون قد وضع الخطوط الرئيسية لموضوع رسالته. والحقيقة وأنا أودعه لم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير في «مارسيل» أو موضوع الرسالة، ولكن في العقلية التي كانت وراء تعيين مارسيل ملحقًا ثقافيًّا في القاهرة لفترة العامَين اللذَين ستَستغرِقهما أبحاثه «الميدانية».

قارنت بين هذا وبين طريقنا نحن في تعيين مُلحَقينا الثقافيين.

فنحن نُسَمِّي الملحَق أو المستشار الثقافي ثقافيًّا ليس لأن له علاقة من قريب أو بعيد بحقل الثقافة، ولكن لأنه سيقوم بالإشراف على الطلبة أو المبعوثين القادِمين من بلده ليَدرُسوا في ذلك البلد.

أي أنه مشرف بعثات يحلُّ «أو يُعقِّد» حسب الأحوال مشاكل المبعوثين المادية والتعليمية، ويُرسل عنهم التقارير التي قد تُنهي بعثة فلان وقد تُمدُّ بعثة فلان إلى ما شاء الله، لا علاقة له بثقافة البلد الذي جاء منها ولا البلد المعيَّن فيها؛ فهو غالبًا يُختار من بين رجال وزارة التعليم العالي أو التربية والتعليم، تمامًا مثل المُلحقين أو المستشارين الصحفيِّين الذين يُختارون من بين رجال مصلحة أو مديرية الاستعلامات ولا علاقة لهم بالصحافة من قريب أو بعيد.

هم، من بلاد العالم المتقدِّم، لا يُرسلون شخصًا مُلمًّا بثقافة بلده فقط، ولكنهم في أغلب الأحوال يرسلون شخصًا مُلمًّا إلمامًا كبيرًا بثقافة البلد الذاهب إليه، بل وفي معظم الأحيان يعرف اللغة الأصلية لهذا البلد ويعرف من هم كُتَّابه ومكانتهم الحقيقية سواء على المُستوى المحلي أو المستوى العالَمي.

ولقد اختير «مارسيل» مثلًا لتمثيل بلاده ثقافيًّا في مصر، لأنه لا بُدَّ أن يكون ترتيبه قد جاء الأول على طلبة اللغة العربية بجامعة أمستردام، أو ربما على طلبة مركز دراسات الشرق الأوسط (وفي كل جامعة من جامعات العالم الآن أصبح للغة العربية أو لدراسات الشرق الأوسط قسم يتزايد الإقبال عليه عامًا بعد عام بتزايُد وضع البلاد العربية أهميةً في خريطة العالم السياسية والاستراتيجية والاقتصادية).

ولم يأتِ لكي يبحث عن السيارة المرسيدس ليَقتنيَها أو أرخص سكن مُمكن أن يلجأ إليه ليُوفِّر أقصى مبلغ من مرتَّبه ويُضيع وقته في التجارة في حصة من السجاد المُعفاة من الجمارك، وإنما جاء ليضيع وقتُه في شيء أهم بكثير.

لم أقابل مارسيل إلا ربما ثلاث أو أربع مرات بعد هذا.

ولكن … يا إلهي.

كم روعني هذا الشاب، وهو في كل مرة يأتي للقائي أجد أن معلوماته عن الأدب العربي سواء في تاريخه القديم أو الحديث، وعن دقائق دقائق تفاصيله ما يُذهل، بنفس كم الإتقان الذي رأيت به الفريق الهولندي يَستعمِل ساقَيه وقدمَيه وجسده، ويُعطي نفسه كلية لترقب اللعبة ثُمَّ اللعبة ثُمَّ ما يَعقبها، كان مارسيل يفعل هذا وأكثر منه …

وفوجئتُ في ثالث مقابلة بمارسيل يعطيني نسخة من كتاب (أجل شبه كتاب) والكتاب كتاب مذهل حقًّا.

فهو يحتوي قائمة بتاريخ كل ما كتبتُه منذ أن بدأت الكتابة هاويًا في عام ١٩٤٩ وأنا طالب بكلية الطب إلى يومنا هذا، وأيضًا يَحوي قائمةً بكل مقالة كُتبت عني، ليس من الجرائد والمجلات والكتب المصرية فقط، وإنما في جميع الصحف العربية منذ عام ١٩٥٤ وهو عام صدور أول كتاب لي إلى يومنا هذا.

بل بلغ من دقته أنه اكتشَفَ لي قصة كنت قد نسيت تمامًا أني كتبتُها ولم أضمِّنها أيًّا من مجموعاتي التي صدَرت، مع أنها كُتبت عام ١٩٧٣ قبل حرب أكتوبر بسبعة أشهر ونُشرت في عدد مجلة الآداب الخاص بالقصة العربية، ونسيتُ تمامًا كلَّ شيء عنها، ولأنه كان يعرف أني نسيتها فقد وجدتُه قد أحضر لي «فوتوكوبي» للقصة كهدية، وأيضًا نسخة من الببلوجرافيا المخيفة التي حاوَلَت جامعات كثيرة مثل الجامعة الأمريكية أن تقوم بها ولم تَستطع أن تجمع إلا ربما ثلث أو ربع ما جمَعَه مارسيل بمفرده.

تصوَّر نفسك تذهب إلى دار الكتب يَوميًّا لتراجع جميع الصحف والمجلات وكتب النقد التي صدرت في جميع أنحاء الوطن العربي منذ عام ٥٤، أي منذ خمسة وعشرين عامًا إلى الآن، تُراجعها ليس فقط صفحة صفحة، وإنما عامودًا عامودًا؛ إذ وجدتُ أنه قد ضمَّنها بعض أخبار نُشرت عني في مجلات مثل «الكواكب» أو «الموعد»!

إنه ليس شابًّا مُخيفًا فقط، ولكن المشكلة أنه لا بُدَّ إنتاج مجتمع مخيف.

ولهذا فرحتُ تمامًا حين تلقيت الدعوة لزيارة هولندا.

فلنر هولندا معًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١