تصدير

قال اللورد بيرون: «من أكبر المصائب على المؤلف أن يترجم إلى لغة أجنبية»؛ ذلك لأنه من المستحيل أن تتفق تراكيب الجمل في مختلف اللغات، والقالب الذي يختاره الكاتب أو الشاعر ليُفرغ فيه معانيه لا يمكن أن يكون واحدًا فيها كلها، وإذا نحن حاولنا أن نترجم ما نريد ترجمته حرفيًّا للمحافظة على القالب ما أمكن أسأنا إلى المؤلف من حيث لا ندري، وإلى أنفسنا بما نقع فيه من غرابة التعبير وركاكة الإنشاء.

هذا ما نراه كل يوم في أكثر ما نقرؤه في الكتب والمجلات والجرائد من المقالات العلمية والطبية وسواها التي تبدو أعجمية بألفاظ عربية. فالترجمة الحرفية ليست بالطريقة المثلى لحفظ جمال الأصل أو الوصول إلى أثرها في ذهن القارئ العربي. حسب المترجم أن يتفهَّم معاني الكاتب ويدخل في إهابه — إذا سُمح لي بهذا التعبير — ثم يجتهد أن يقدم للقارئ قالبًا عربيًّا لا ينفر منه ذوقه ولا يأباه سمعه.

إن في الفرنسية أو الإنكليزية أو غيرهما مثلًا جملًا تفيد من المعاني ما يقتضي له في لغتنا المتوسعة، وبالعكس فقد تجد أن المعنى الذي يحتاج إلى جملتين للتعبير عنه في لغة غريبة تكفيه في اللسان العربي جملة أو كلمة، فيجب أن لا يمنعنا من استعمال هذه الكلمة أو الجملة بُعدها عن الأصل ما دامت تؤدي المفهوم وتوصل إلى الغاية.

وإني أورد هنا مثلًا من هذه الترجمة التي لا يسعنا أن نسميها حرفية، وهي مع ذلك أمينة لا تذهب بجمال الأصل ولا تضعف من التأثير الذي أراده المؤلف، فضلًا عن أنها تتجرد من المعجمة ما أمكن فيكاد القارئ لا يشعر أنها منقولة.

يقول لامارتين في مطلع قصيدته «البحيرة» ما ترجمته بالحرف الواحد: أهكذا ونحن مدفوعون دومًا نحو شواطئ جدد، محمولون في الليل الأبدي بلا رجوع، لا نستطيع أبدًا أن نلقي على أوقيانوس الأعمار مرساتنا يومًا؟

وإليك الأصل:
Ainsi toujours poussés vers les nouveaux virages.
Dans la nuit éternelle emportés sans retour.
Ne pourrons nous jamais sur l’Océan des âges.
Jeter l’ancre un seul jour?

مهما نحاول تنميق هذه العبارة فنقدم أو نؤخر فيها مع المحافظة على حرفيتها، فهي لا تسلم من الركاكة والعجمة. ولكن إذا اكتفينا بالمعنى واجتهدنا أن نشعر شعور الناظم، ثم حاولنا نظمه كأنه صادر عنَّا قلنا مثلًا:

أهكذا أبدًا تمضي أمانينا
نطوي الحياة وليل الموت يطوينا
تجري بنا سفن الأعمار ماخرة
بحر الوجود ولا نلقي مراسينا؟

أنا أعلم أن جملة «تمضي أمانينا» ليست في الأصل، ولكنها تُحصَّل من كلام الشاعر، وهي لا تضعف قوله بل بخلاف ذلك تفسره تفسيرًا موافقًا، وفي النظم قد يضطر الناقل إلى مثل هذه الزيادة.

كذلك الشطر الثاني من البيت الأول لا يمكن أن يكون ترجمة حرفية، ولكنه يؤدي المعنى تمام التأدية. ولو افترضنا أن لامارتين بُعث من قبره وسألنا أن نترجم له ما ترجمناه عنه لما وجدنا ما يؤدي معنى هذا الشاعر أحسن من الرجوع إلى عبارته الأصلية. ولو ترجمنا نطوي الحياة … إلخ، على غير هذه لجاءت الترجمة في لغته ركيكة وغير مفهومة. فالمعنى هنا واحد وإنما القالب يختلف في اللغتين.

ومما يقرب من معنى البيت الثاني قول أبي العلاء المعري في مخاطبة الدنيا:

يموج بحرك والأهواء غالبة
لراكبيه فهل للسفن إرساء؟

هكذا أفهم الترجمة، ولا سيما الشعرية، وعليه جريت في كتابة الرسائل العلمية والطبية وغيرها مما كنت أنشره في الصحف والمجلات.

وقد رغب إليَّ الصديق أحمد عويدات صاحب «منشورات عويدات» أن أنقل إلى العربية «أنت وأنا»، كأنه أراد أن يعيد إليَّ أيام الشباب بترجمة أشعار الشباب. فلم أرَ بُدًّا من انتهاج الطريقة عينها، وما أكتم عن القارئ ما عانيت من الصعوبة فيها، ولا سيما لأنها مكتوبة بلغة بسيطة يساعد عليها أنها هي اللغة التي يُتكلم ويكتب بها في الفرنسية، بينما نحن نتكلم بالعامية وهي تختلف في كل حقل عن سواه، فنضطر أن نكتب بالفصحى وما أبعدها عن الأصل؛ من أجل ذلك كنت أتحيَّل وأُداور فأنقص هنا وأزيد هناك ليستوي التعبير في بساطته وجماله، وهو جهدٌ لا يقل عنه جهد التأليف. على أني لا أدعي هنا التأليف لئلا أتهم بالسرقة، ولا أقتنع بالقول إنها مترجمة لئلا أرمى بعدم الأمانة في النقل. حسبي أن أكون قد جلوت هذه الحسناء الباريسية في حلة عربية والسلام.

نقولا فياض
كانون الثاني ١٩٥٨م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣