الفصل التاسع عشر

مارييت باشا

مؤسس المتحف المصري

الآثار المصرية

ما برحت مصر منذ أجيال متطاولة مطمحًا لأنظار الرواد والمستطلعين من سائر الأمم والشعوب على اختلاف الزمان والمكان، ينظرون في آثارها، ويعجبون لما خلَّفه الفراعنة من الهياكل والأهرام والمدافن والأصنام، مما يستوقف الطرف ويبهر العقل، ولم يكد يقوم مؤرخ عمومي قبل المسيح أو بعده إلا ذكر آثار المصريين وأعجب بضخامتها وبُعد عهدها، وأشهر هؤلاء المؤرخين هيرودوتس وأسترابون وغيرهما من مؤرخي اليونان والرومان. أما العرب فقد ذكرها كثيرون منهم، كالمسعودي وابن الأثير وابن خلدون وعبد اللطيف البغدادي، ولكن هذا الأخير جاء الديار المصرية بنفسه في القرن السادس للهجرة، فتفقد تلك الآثار وأفاض في وصفها، وأكثر من الإعجاب بضخامتها ودقة صنعها، مما تراه مفصلًا في كتابه «الإفادة والاعتبار»، ناهيك بمن كان يتقاطر إليها من جالية الإفرنج في القرون الأخيرة، وخصوصًا بعد أن وطئها نابوليون بونابرت.

ويرى الناظر فيما كتبه هؤلاء أنها كانت في أقدم الأزمنة أكثر عددًا وأكبر مساحةً مما هي عليه الآن، وأن الدول التي توالت على مصر بعد الفراعنة كانت تستخدم كثيرًا من أحجارها فيما بنته من القصور والكنائس والجوامع، حتى كثيرًا ما تعمَّدوا هدمها لغير نفع يرجونه من أنقاضها، كما فعل الملك العزيز بن السلطان صلاح الدين، فأمر بهدم الأهرام العظمى، بدأ بالصغير منها، فأخرج إليه النقابين والحجارين قضَوْا ثمانية أشهر يعملون بكرة وأصيلًا، فلم يهدموا إلا جزءًا صغيرًا، فكفوا عن العمل.

ومن هذا القبيل ما فعله بهاء الدين قراقوش وزير السلطان صلاح الدين، فإنه نقل كثيرًا من أنقاض الأهرام وغيرها، فبنى بها سورًا يحيط بالفسطاط والقاهرة.

وبالجملة، فقد كانت تلك الآثار عرضة للهدم والنقب أجيالًا متوالية، فضلًا عما كان يأتيه عامة المصريين وغيرهم من التنقيب عن الكنوز والمطالب، فيفتحون القبور يستخرجون منها الذهب والفضة والآنية من النحاس وغيره، وكثيرًا ما كانوا يبيعون قطع المومياء والمحنطات الأخرى بيعًا بخسًا. وقد ذكر البغدادي ما يؤيد ذلك بقوله: «وأما ما يوجد في أجوافهم وأدمغتهم مما يُسمُّونه مومياء فكثير جدًّا، يجلبه أهل الريف إلى المدينة ويباع بالشيء النزر، ولقد اشتريت ثلاثة أرؤس مملوءة منه بنصف درهم مصري، وأراني بائع جواليق مملوءًا من ذلك، وكان فيه الصدر والبطن وحشوه … إلخ.»

وناهيك بما كان يتعمَّده بعضهم من السرقة والنهب، وأكثر ما سُرق منها في هذا القرن على أثر انتباه الإفرنج لحفظ الآثار، فكانت فرنسا أو إنكلترا أو غيرهما تبعث بالنقَّابين على نفقاتها يستخرجون ما في جوف الهياكل من التماثيل أو المومياء أو المصاغ أو غيره، فيحملونه إلى متاحفهم أو معارضهم، وأول من نبَّه الأذهان إلى ذلك اللجنة العلمية التي رافقت حملة بونابرت، ولم يكن يهم الإفرنج قبل ذلك من الآثار إلا ما يتعلق منها بصناعة البناء؛ كالأهرام وأبي الهول ونحوها؛ لجهلهم الكتابة الهيروغليفية، وقد كانوا يظنونها رسومًا لا معنى لها، حتى أتيح لشامبليون حل رموزها؛ فعرف الناس قدر تلك الآثار، فتسابقت دول أوروبا إلى إحرازها، لا يدَّخرون وسعًا في ذلك، ولو استطاعوا حمل الأهرام والهياكل لنقلوها. وإذا زرت متحف لندرا أو باريس أو غيرهما الآن رأيت فيها الآثار المصرية شيئًا كثيرًا، وفيه ما لو بيع لجاء بالملايين من الجنيهات. وما زالت الحال على ما تقدَّم حتى تولى المغفور له محمد علي باشا، فانتبه في أواخر حكمه إلى ما يترتب على ذلك من الخسائر الفادحة؛ فأصدر أمرًا بمنع الإفرنج من حمل هذه الآثار إلى بلادهم، على أنهم كانوا يحملونها خلسة، فقيَّض لها اللهُ المرحومَ مارييت باشا، فجمع ما بقي من شتاتها في بناءٍ سمَّاه المتحف المصري — كما سيجيء.

مارييت باشا

هو فرانسوا أوغست فردينان مارييت، وُلد في بولون سيرمير من أعمال فرنسا في ١١ فبراير سنة ١٨٢١م، وكان أبوه رئيسًا في بعض دوائر الحكومة، فكان يجب أن ينشأ مارييت مرشحًا لمثل هذه الخدمة، ولكنه نشأ ميالًا إلى الأسفار محبًّا للاكتشاف منذ نعومة أظفاره، فاتفق له قبل أن يدرك الحُلُم أنه دخل دهليزًا تحت الأرض في بولون لا يُعرف آخره، فحدَّثته نفسه أن يتتبعه إلى آخره، فما زال سائرًا حتى خرج من طرفه الآخر.
figure
مارييت باشا ١٨٢١–١٨٨٠م.
وكانت عائلته في ضيقٍ من دنياها، فأسرع في العمل لمساعدتها؛ فتعيَّن سنة ١٨٣٩ معلمًا للرسم واللغة الفرنساوية في مدرسة أسترافورد بإنكلترا وهو لم يُتم دروسه بعد، فنمت فيه موهبة الرسم العملي، ولكن ميله إلى العلم تغلب عليه، فعاد إلى بولون لنيل رتبة البكلورية، ونظرًا لضيق ذات يده اضطُرَّ لمعاطاة مهنة التعليم لتحصيل ما يقوم بنفقات التعلُّم، ولكنه ملَّ هذه المهنة، ولم تعد نفسه تطيق الإعراب والنحو، وطمحت أنظاره نحو العلى فأحب صناعة الكتابة، فتولى تحرير جريدة فرنساوية اسمها الشارح البولوني (Annotateur Boulonnais)، فاشتُهر بحسن الأسلوب في الإنشاء.

وكان الرحالة المسيو دينتون رفيق حملة بونابرت إلى مصر قد أهدى إلى متحف بولون سنة ١٨٤٧م تابوتًا مصريًّا فيه مومياء، فاتفق لمارييت أنه رأى ما على التابوت من الصور الهيروغليفية، فتاقت نفسه إلى حل رموزها، فاستعان بكتابين لشامبليون، أحدهما في نحو اللغة الهيروغليفية، والآخر معجم لحل ألفاظها، فوُفِّق إلى فهم بعض تلك الرموز فشعر بلذة حبَّبت إليه لغة الهيروغليف، فما برح من ذلك الحين يتردد إلى المتحف يقضي أوقاته بين الآثار المصرية حتى تمكَّن من تلك اللغة، فلم يعد يقنعه غير الشخوص إلى مصر، فعرض على نظارة المعارف الفرنساوية أن تعيِّنه في مهمةٍ يسير بها إلى وادي النيل للبحث في آثارها فأبت؛ فالتمس أن تأذن له بالمسير على أن لا يكلفها إلا نفقة السفر فلم ترضَ؛ فاستأذنها في الذهاب إلى باريس برخصةٍ فأذنت له، فسافر وانقطع إلى متحف اللوفر يقرأ ما فيه من الآثار المصرية. ثم كانت ثورة سنة ١٨٤٨م، فتضعضعت الأحوال وانقطع راتبه، فتوسط له بعض أصدقائه بمنصب صغير في متحف اللوفر، تمكَّن بواسطته من التبحُّر في اللغة الهيروغليفية، وألَّف كتابًا يتعلق بالكتب القبطية.

واتفق سنة ١٨٥٠م أن الإنكليز أنفذوا إلى مصر وفدًا لغويًّا يبحث في مكاتب الديور المصرية عن الكتابات القبطية القديمة، فعثروا في ديرٍ بوادي النطرون على أوراق كثيرة أرسلوها إلى لندرا، فاقتدى الفرنساويون بهم، وكانوا إنما يرجون بأبحاثهم هذه الوقوف على حقائق جديدة تتعلق بتاريخ اليونان، وكان مارييت قد اشتُهر بينهم بمعرفة هذه اللغة، فعيَّنوه في هذه المهمة براتب مقداره ثمانية آلاف فرنك، فسافر في ٤ سبتمبر سنة ١٨٥٠م حتى جاء القاهرة، فرأى أنه لا يستطيع الذهاب إلى ذلك الدير أو غيره إلا بوصية من البطريرك، وكان البطريرك قد غضب من تصرُّف الوفد الإنكليزي لأنهم حملوا ما حملوه من الكتب القبطية جبرًا. وبعد السعي والالتماس رضي أن يكتب لمارييت كتاب توصية باسم رئيس دير الأنبا مقار، على أن مارييت لم يكن يرجو الحصول على ذلك الكتاب قبل مضي ١٥ يومًا؛ فلكي لا يضيع الفرصة عمد إلى تعهُّد مشاهد القاهرة فسار إلى القلعة، وكان ذهابه إليها سببًا لتغيير عظيم في مستقبل حياته؛ لأنه أشرف من سورها على ضواحي العاصمة فرأى أهرام الجيزة وأهرام سقارة، فتاقت نفسه إلى زيارتها وقد نسي ما جاء من أجله، فركب إلى سقارة وتوغل في صحرائها يتوقع الحصول على آثار مهمة لقربها من أنقاض منف العظمى، فوقف يتفرَّس في تلك الرمال القاحلة، فرأى فيها حجرًا ناتئًا يشبه رأس الإنسان، فتأمله فإذا هو رأس أبي هول، وكان قد شاهد أمثال هذا التمثال قبلًا، فلم يهمه ذلك الاكتشاف لغرابته، ولكنه توسم منه خيرًا لما سبق إلى ذهنه مما قرأه في أسترابون عن آثار منف، وكان أسترابون قد زارها في القرن الأول للميلاد، فكتب عنها ما ترجمته: «ورأينا هناك هيكل سرابيوم (Serapium)، فإذا هو قائم في بقعة مغمورة برمال تقذفها الرياح عن أكمات هناك، ورأينا تماثيل أبي الهول عند زيارتنا هذه مغطاة بالرمال، إلا بعضها لا تزال رءوسها ظاهرة، وبعضًا آخر رأينا نصف أبدانها مكشوفة، فتمثل لنا المشقة التي كان المصريون القدماء يقاسونها في طريقهم إلى هذا الهيكل من شدة العواصف.»

وكان من عادة المصريين القدماء أن يجعلوا أمام هياكلهم صفين من هذه التماثيل، يسير الناس بينهما إلى الهيكل، فتحقق مارييت أن رأس التمثال الذي رآه سيهديه إلى ذلك الهيكل؛ فبحث في غربيه فعثر على تمثال آخر، فما زال يتتبع بحثه حتى اكتشف ١٣٤ تمثالًا، ولما وصل إلى المائة والخامس والثلاثين آنس بالقرب منه منحدرًا، فكشف ما فيه من التماثيل حتى انتهى إلى التمثال المائة والحادي والأربعين، فوصل إلى قنطرة عليها أشباه بعض آلهة اليونان وفلاسفتهم، فواصل النقب من جهة اليمين، فانتهى إلى دهليز استطرق منه إلى أروقة تحت الأرض، عثر في أوائلها على تماثيل أُسود وعجول وغيرها، فرقص قلبه طربًا، وتحقق أنه عثر بضالته. والهيكل المشار إليه لا يزال مقصدًا للرواد والمستطلعين إلى اليوم، ويُعرف بمدافن سقارة، وكان محمد علي باشا — كما قدمنا — قد منع الإفرنج وغيرهم من النقب عن الآثار، فلما تُوفِّي أُغفل ذلك المنع وعاد الباقون إلى أعمالهم.

فلما اكتشف مارييت هذا الهيكل العظيم اتصل خبره بمدير الجيزة، فأبلغه إلى عباس باشا الأول والي مصر إذ ذاك، فبعث إلى مارييت أن يكفَّ عن العمل ويتخلى عما اكتشفه من التحف، فأجاب أن الجواب على ذلك من متعلقات قنصل فرنسا، فأغضى عباس باشا عن المطالبة، ولكن العَمَلة الذين كان يستخدمهم مارييت في الحفر تقاعدوا عن العمل بإيعاز المدير، فتوقف الحفر شهرًا.

وبلغ خبر هذا الاكتشاف مسامع حكومة فرنسا، فنسيت الكتب القبطية والبحث عنها، وبذلت لمارييت ٣٠٠٠٠ فرنك أخرى تنفَق في سبيل نقل هذه التحف إلى باريس سرًّا، فبلغ الخبر مسامع الحكومة المصرية؛ فأرسلت مندوبًا يستطلع تلك المكتشفات ويلقي الحجز عليها. والمظنون أن إنكلترا هي التي حرَّضت الحكومة على ذلك؛ غيرةً وحسدًا، وبلغ عدد المكتشفات ٥١٣ قطعة بين تماثيل ومومياء وغيرها، فأبى مارييت تسليمها إلا بأمر من حكومته، فكتب أسطفان بك بالنيابة عن عباس باشا كتابًا إلى مارييت يقول له فيه: «إن الحكومة المصرية لم تسكت عما أجراه من النقب إلا لاتفاقها مع قنصل فرنسا بأن تبقى التحف المكتشفة ملكًا لها.» فبقي مارييت على إصراره، ودارت المداولة بهذا الشأن بين الحكومتين المصرية والفرنساوية حتى انتهت على الشروط الآتية: (١) أن تتخلى الحكومة المصرية عما اكتُشف من الآثار إلى ذلك الحين لجمهورية فرنسا. (٢) أن يتوقف النقب مؤقتًا. (٣) أن يباح للحكومة الفرنساوية العود إليه، على أن يكون ما تكتشفه بعد ذلك ملكًا لمصر.

وبناءً على ذلك عاد مارييت إلى العمل، فاكتشف من التماثيل والتحف ما يعجز القلم عن تعداده فضلًا عن وصفه؛ فقد كان هذا المدفن العجيب مملوءًا بالآثار الثمينة، وفيها الذهب والحجارة الكريمة مما يطول شرحه، وكثيرًا ما كان مارييت يبيع من تلك المثمنات بما يساعده على نفقات الحفر.

ولما فرغ من كشف هيكل السرابيوم تذكَّر كلامًا قرأه في كتاب بلينيوس بشأن أبي الهول الأكبر قرب أهرام الجيزة، مآله أن في جوف هذا التمثال قبرًا للملك هرمكيس، وكان مارييت مرتابًا مما قرأه؛ لاعتقاده أن أبا الهول حجر منحوت لا جوف له، فلاح له أن يكون ذلك القبر في جواره، فسار إلى أبي الهول وأخذ ينقب ويبحث حوله، فعثر على آثار كثيرة، في جملتها هيكل يعرف بالكنيسة، وهو أقدم الهياكل المصرية.

وفي سنة ١٨١٤م، عاد مارييت إلى فرنسا بسبعة آلاف قطعة من الآثار المصرية على اختلاف الأشكال والأقدار، مع أن العدد الذي وهبته الحكومة المصرية لفرنسا بموجب ذلك الاتفاق لا يزيد على ١١٣، ولكن سرقة آثار المشرق حلال في شرع أهل المغرب، ولا تزال هذه التحف في متحف اللوفر بباريس إلى هذه الغاية.

وفي تلك السنة تُوفِّي المغفور له عباس باشا الأول، وخلفه عمه سعيد باشا، وكان بينه وبين الموسيو دلسبس الشهير صداقة قديمة سهلت له الوصول إلى مشروع قنال السويس. فلما تم حفر هذا القنال كثر مرور الإفرنج بوادي النيل، فكانوا يتوغلون أحيانًا في أنحاء القطر، وأكثرهم من الإنكليز، فيحملون ما تصل إليه أيديهم من الآثار، فسعى دلسبس في وسيلةٍ تحفظ تلك الآثار في مصر — ولا نظنه فعل ذلك لمجرد رغبته في مصلحة مصر، ولكنه أراد الكيد بالإنكليز. وشاع في أثناء ذلك عزم برنس نابوليون على زيارة مصر، فتداول سعيد باشا ودلسبس في استقدام رجل عالم بالآثار يصلح لمرافقة البرنس في تجواله، فوقع الاختيار على مارييت، فجاء مصر وقد أطلق له التصرف في آثارها كما يشاء، فجد في العمل لا يخاف رقيبًا ولا يخشى حرجًا.

فكان يقضي معظم أيامه في الصحاري، لا سمير له إلا الرمال، ولا أنيس إلا الأحجار، فاكتشف آثارًا كثيرة في سقارة وما جاورها، ثم انتقل إلى الصعيد فارتاد الكرنك وأبو وأبيدوس ودندره، ونزل إلى مصر السفلى فنقب عن آثار الرعاة في صان وغيرها، فأنعم عليه سعيد باشا في أواخر سنة ١٨٥٧م بالرتبة الثانية.

ولم يكتفِ مارييت باكتشاف تلك الآثار، فأخذ يسعى في حفظها لمصر بعد أن كان في المرة الماضية يجاهد في حملها إلى باريس، ولكنه من الجهة الأخرى سعى في تقوية نفوذ الفرنساويين في مصر، فخاطب دلسبس بذلك، فحببا إلى سعيد باشا السفر إلى فرنسا على سبيل الزيارة، فسار إليها في خريف سنة ١٨٦٢م، ولما عاد من سفرته هذه رقَّى مارييت إلى رتبة المتمايز وزاد راتبه.

المتحف المصري

وفي سنة ١٨٦٣م تُوفِّي سعيد باشا، وخلفه إسماعيل فثبَّت مارييت في منصبه، وأمره ببناء متحف مصري في ساحة الأزبكية يكون وسطًا يسهل تردد الناس إليه، فيدخر فيه الآثار اليونانية والعربية الإسلامية فضلًا عن المصرية، فسُرَّ مارييت بذلك، ولكنه لم يكد يشرع فيه حتى ورد على إسماعيل باشا من الآستانة أن ساكن الجنان السلطان عبد العزيز عازم على زيارة وادي النيل قريبًا، فاشتغل عن بناء المتحف بإعداد معدات الاستقبال، وأمر أن تُجعل الآثار المصرية في بناء يليق بها ليشاهدها السلطان ريثما يتيسر بناء المتحف في فرصةٍ أخرى؛ فوضعوها في بناءٍ رحبٍ على ضفة النيل في بولاق. وفي تلك السنة زار الديار المصرية البرنس نابوليون، فرافقه مارييت إلى جزيرة أصوان، ولما عاد برنس نابوليون عاد مارييت إلى متحفه، وعمل على ترتيبه، وعوَّل على الإقامة في مصر، فاستقدم أهله وأولاده، وفي سنة ١٨٦٧م أنشأت فرنسا معرضًا عامًّا للآثار القديمة، جعلت فيه نصيبًا لمصر، فنالت قصب السبق بتدبير مارييت، وأنعمت فرنسا عليه برتبة كومندور.

وفي سنة ١٨٩٦م احتفل الخديوي إسماعيل بفتح قنال السويس، احتفالًا دعا إليه ملوك أوروبا أو من ينوب عنهم، وكان في جملة ما أعده لهم من دواعي الاحتفاء متحف الآثار، فاهتم مارييت بذلك كثيرًا وكتب كتابًا يساعد المشاهدين على فهم الآثار، فسُرَّ الخديوي منه، فأنعم على ابنتيه بمائة ألف فرنك تقتسمانها بينهما، وأهدته الحكومة الفرنساوية ٣٠٠٠٠ فرنك مكافأة على مؤلفاته، وكان قد ألَّف بعضًا منها، فازداد نشاطًا فألَّف كتبًا أخرى، وكان يتردد كل عام تقريبًا إلى فرنسا لتبديل الهواء أو طبع الكتب، وفي سنة ١٨٧٩م أقيل إسماعيل باشا، وخلفه توفيق باشا، فأنعم على مارييت برتبة لواء مع لقب باشا، وما زال عاملًا مجتهدًا حتى وافاه الله في أواخر عام ١٨٨٠م، ودُفن في متحف بولاق.

وظل المتحف المصري في بولاق حتى نقلته الحكومة المصرية إلى سراي الجيزة مذ بضع عشرة سنة، ثم اهتمت بإرجاعه إلى القاهرة تسهيلًا للوصول إليه، فقررت سنة ١٨٩٣م بناء متحف جديد بجوار قصر النيل، وشرعت في بنائه سنة ١٨٩٧م، وتم البناء سنة ١٩٠٢م، واحتفلوا بافتتاحه رسميًّا في ١٥ نوفمبر منها.

مؤلفاته

ألف مارييت باشا مؤلفاتٍ كثيرةً بالفرنساوية، يزيد عددها على ٦٣ بين صغير وكبير، بعضها طُبع على حدة، وبعضها نُشر في الجرائد العلمية في أوروبا، أهمها: (١) سرابيوم منف. (٢) جدول سقارة. (٣) ملخص تاريخ مصر من أقدام أزمانها إلى فتوح الإسلام. (٤) زيارة متحف بولاق. (٥) أبيدوس، وهو كتاب في ٣ مجلدات. (٦) وصف هيكل دندرة الكبير، طُبع في ٥ مجلدات أو ٦. (٧) أطلس متحف بولاق. (٨) مصر العليا. (٩) ملاحظات. (١٠) وصف هيكل الكرنك وتاريخه. (١١) الدير البحري. (١٢) سياحة في مصر العليا. وغير ذلك شيء كثير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠