الفصل الثالث والثلاثون

أمين شميل

ترجمته

هو ابن المرحوم إبراهيم شميل، من محتدٍ كريم، ولد في كفر شيما من أعمال لبنان في ٢٤ فبراير سنة ١٨٢٨م، وقد اشتهرت هذه القرية بجماعة من النابغين في العلم والإدارة؛ كآل اليازجي، وآل شميل، وآل تقلا، وقد وردت تراجم بعضهم في هذا الكتاب.

دخل صاحب الترجمة في السنة الحادية عشرة من عمره مدرسة المرسلين الأميركانيين، فتلقى فيها مبادئ النحو والحساب واللغة الإنكليزية، ثم تتبع درس اللغة العربية والفقه على أساتذة أفاضل، نذكر منهم السيد محيي الدين أفندي اليافي.

ولم يكد يبلغ الحادية والعشرين من عمره حتى صار رجلًا يُركن إليه في حل المشاكل، فتولى الفصل في خلاف عظيم وقع سنة ١٨٤٩م بين البطريرك مكسيموس مظلوم والمطران أغابيوس، فقضى من أجل ذلك سنتين في رومية وزمنًا في الآستانة، حتى صرف المشكل على ما أراد.
figure
أمين شميل ١٨٢٨–١٨٩٧م.

وفي يوليو سنة ١٨٥٤م قصد إنكلترا، فتعرف في لوندرا إلى أحد تجار المسلمين المشهورين، السيد عبد الله أدلبي قنصل الدولة العثمانية في منشستر، فاتخذه السيد مديرًا لأشغاله التجارية، وفي سنة ١٨٥٦م أرسله إلى بيروت بمهمة تجارية فأنجزها وعاد إلى منشستر، واستأذن السيد عبد الله أدلبي بفتح محل تجاري على حسابه الخاص في مدينة ليفربول، فأذن له بذلك، وشرع من ثمَّ يشتغل بالتجارة، وفي سنة ١٨٦٢م ترك أخاه بشارة في ليفربول يدير حركة محله، وجاء سورية ثم الإسكندرية وفتح فيها محلًّا تجاريًّا مكث فيه نحو عشرة أشهر، ثم أدخل أخاه المرحوم ملحم في المحل، وأطلق عليه اسم شميل إخوان وشركاهم.

وفي سنة ١٨٦٣م عاد إلى ليفربول، واتسع نطاق تجارته فيها اتساعًا عظيمًا، حتى كان يستأجر بواخر على حسابه الخاص لنقل بضائعه من سورية ومصر إلى إنكلترا، ومن إنكلترا إلى هذين القطرين، وفي تلك الأثناء ارتفعت أسعار الأقطان، وكلفه بعض عملائه بالإسكندرية ببيع ثلاثين ألف قنطار على التسليم بأسعار تعدل الليبرة فيها ٢٥ بنسًا، ثم ارتفعت الأسعار إلى ٣٠ بنسًا، وقصر تجار الإسكندرية في تسديد ما عليهم، فخسر رجل الترجمة بسبب ذلك ما بين فرق كونتراتات وخسائر أخرى ثمانين ألف جنيه.

وفي سنة ١٨٥٩م جدد محله التجاري بشركة أسهم رأسمالها أربعون ألف جنيه. وفي سنة ١٨٧٥م صفى أشغال محله في ليفربول، وترك تلك المدينة وقصد القطر المصري، واشتغل في التجارة بالإسكندرية ومديرية الغربية، فخسر مع الفلاحين اثني عشر ألف جنيه.

على أن فشله في التجارة بما توالى عليه من الخسارة لم يفلَّ عزمه، ولا أقعده عن العمل وهو يكاد يناهز الستين من عمره، فعمد إلى استخدام مواهبه العقلية الأخرى، فعدل عن التجارة إلى التعيُّش من العلم، فاختار مهنة المحاماة مع ما تحتاج إليه هذه المهنة من التعقل والصبر على المراجعة والمقابلة والتبحر والاستنتاج، وأصدر سنة ١٨٨٦م جريدة حقوقية سماها الحقوق، وهي أول جريدة صدرت في هذا الموضوع في اللغة العربية، ولا تزال الحقوق حية يصدرها إبراهيم أفندي الجمال المحامي، وقد تولى معاونة صاحب الترجمة بضع عشرة سنة، وعليه اعتمدنا في كثير من حقائق هذه الترجمة.

ولم يمضِ زمن على اشتغال المترجم في المحاماة حتى نال ثقة رجال القضاء خصوصًا والناس عمومًا، بما فطر عليه من الصدق والاجتهاد ولِين العَرِيكة وسلامة الطَّوِيَّة. على أن المصيبة التي أصابته بفقد ولديه في سنة ١٨٨٦م؛ وهما آرثر في عمر ١٧ سنة، وفردريك في عمر ٢١ سنة، وبين الواحد والآخر ١٢ يومًا فقط، أسست في قلبه الأحزان المستمرة، ثم جاءت وفاة ابنته البكر أمينة سنة ١٨٩٦م فقوضت بنيته المتينة حتى انحلت قواه وأتاه القدر المحتوم فلبَّاه.

مؤلفاته

ترى مما تقدم أن المترجم قضى معظم حياته العلمية في التجارة، ولكنه كان وهو تاجر يشتغل في العلم التماسًا للذة البحث والكتابة، فكان يؤلف الكتب وينظم القصائد وينشئ المقالات، فيقضي ساعات الفراغ بما يلذ ويفيد، على أن اشتغال رجال التجارة بالعلم في ساعات الفراغ كثيرًا ما يكون عونًا لهم على الارتزاق عند الضرورة، كما اتفق لصاحب الترجمة، فلما انقطع للقضاء انصب بكليته إليه، فكتب فيه وفي غيره مؤلفات عديدة؛ منها:
  • (١)

    الوافي للمسألة الشرقية: في كتابين ينقسمان إلى ستة أجزاء كبار، تشتمل على تاريخ الإسلام إلى حرب الروس، طبع منه جزء في نحو ٥٥٠ صفحة كبيرة.

  • (٢)

    مقدمات تاريخية علمية: نشرت تباعًا في الحقوق من سنة ١٨٨٦م.

  • (٣)

    بستان النزهات في فن المخلوقات: وهو ثلاثة أقسام، لم يطبع.

  • (٤)

    سهام المنايا: وهي رسالة رد فيها على بعض المعترضين على الوافي، حذا فيها حذو ابن زيدون في رسالته المشهورة.

  • (٥)

    المبتكر: هو كتاب مبتكر في بابه، يشتمل على خمسة مقامات تدعى مقامات الأوهام في الآمال والأحكام، وخمس وعشرين قصيدة مؤلفة من ألف وستة وخمسين بيتًا، شرح فيها درجات حياة الإنسان السبع من حين تصوره في الرحم إلى موته وتواريه في التراب (طبع غير مرة).

  • (٦)

    الزفاف السياسي: وهي رواية تشخيصية رمزية تمثل حالة الدول في إبَّان حرب الروس سنة ١٨٧٧م (لم تطبع).

  • (٧)

    مشروع البنك الوطني: رسالة عرض فيها على الحكومة المصرية إنشاء بنك وطني أهلي تشتمل على تفاصيل وافية في بابها.

  • (٨)

    نظام الحكومة الإنكليزية.

  • (٩)

    السدرة الجلية في المباحث القضائية.

  • (١٠)

    جريدة الحقوق المتقدم ذكرها، وهي الآن في سنتها الثامنة عشرة.

وكان شاعرا مجيدًا، نظم كثيرًا من القصائد الحكمية والفلسفية.

صفاته الشخصية وأخلاقه

كان رَبْع القامة، ضخم العضل، أبيض اللون، أصلع الجبهة، حليق الذقن، مهيب المنظر، مقدامًا على الأعمال، جَلودًا على التعب، صبورًا على المصائب، كثير العناية في أشغاله، شديد المحبة لبَنِيه وأفراد عائلته، لَيِّن العَرِيكة، كريم النفس، بادي المروءة، حاد الطبع في أواخر عمره، سريع الرضا، قوي الذاكرة، شديد الذكاء، عزيز النفس، صادقًا، حر الضمير واللسان، وبالجملة فقد كان مثال الرجولية وعنوان رجال الأعمال.

وقد رثاه شقيقه الدكتور شبلي بمرثاة فلسفية، نذكر منها الأبيات الآتية:

ذعر الناس أنهم مايتونا
جهل الناس أنهم ذاهلونا
حيرة المرء في الوجود حياة
كل يوم تريك منها شئونا
قال قوم أعياننا باقيات
قال قوم بل إننا فانونا
إن آثارنا لأثبت منا
تلك آثارنا تدوم قرونا
قسم الناس بين خلق يجازي
ثم قوم يعد ذاك مجونا
هل دريتم بما جنيتم فمظلو
مون أنتم وأنتم الظالمونا

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠