الفصل السابع والثلاثون

السيد إقليميس يوسف داود

رئيس أساقفة دمشق على السريان
هو يوسف بن داود بن بهنام، من عائلة زبوني، ولد في العمادية من بلاد كردستان على مسافة ثلاث مراحل من الموصل، وأصل عائلته من الموصل، فلما بلغ الخامسة من عمره عاد به أبوه إليها فتلقى مبادئ العلوم في بعض المدارس الابتدائية، فأظهر من النجابة والذكاء ما جعله في مقدمة رفقائه التلامذة، ثم اتفق بعض ذوي الفضل، وفي مقدمتهم الأب يوسف والركا (الذي صار بعد ذلك بطريركًا أورشليميًّا على اللاتين) على إرساله إلى المدرسة الأربانية برومية؛ للتبحر في العلوم اللاهوتية ونيل رتبة الكهنوت، فبرح الموصل سنة ١٨٤٥م وله من العمر ١٦ سنة، فمر ببيروت وقضى بمدرسة غزير بضعة أشهر، ثم سار إلى رومية، وهناك أكبَّ بكليته على اكتساب العلوم على أنواعها، وفيها العلوم النحوية والبيانية والبديعية والمنطق والطبيعيات والكيمياء والرياضيات والجبر والهندسة والمساحة والجغرافية والفلك والفلسفة العقلية والأدبية واللاهوت الأدبي والنظري والفقه الكنائسي والتاريخ البيعي والموسيقى وعلم الكتاب المقدس، وتعلم اللغات اللاتينية والإيطالية والعبرانية واليونانية والإفرنسية والإنكليزية والألمانية، وأكمل اللغة السريانية والعربية والكلدانية، وذاع خبر نجاحه وذكائه وامتيازه على أقرانه، فوقع نزاع بين الطائفتين الكلدانية والسريانية من أجله، فادَّعت كل منها أنه من أبنائها رغبة في اكتساب خدماته لها، ولما طال النزاع خيروه في الانحياز إلى إحداهما، فاختار الطقس السرياني، وفي سنة ١٨٥٥م سيم قسيسًا للسريان.
figure
السيد إقليميس يوسف داود ١٨٢٩–١٨٩٠م.

وفي منتصف سنة ١٨٥٥م غادر رومية قاصدًا الموصل، فوصلها في أواخر تلك السنة، واستلم الأعمال الكهنوتية، وجعل يعظ ويعلِّم، ووجَّه انتباهه بنوع خاص إلى المدارس؛ لعلمه أن التعليم أساس كل فضيلة، فأسس بالموصل سنة ١٨٥٦م مدرسة بالاتفاق مع الآباء المرسلين الدومنكيين، كان يعلِّم فيها النحو والصرف بالعربية، ومبادئ اللغتين الإيطالية والفرنساوية والرياضيات والجفرافيا والتاريخ والموسيقى، ثم أنشأ المرسلون الدومنكيون مدرسة عالية كان هو أستاذها الأول، فأتت بفوائد يذكرها العارفون.

ويقال بالإجمال إن جميع كهنة الموصل وتوابعها كانوا من تلامذته أو تلامذة تلامذته، ونظرًا لقلة المؤلفات التدريسية إذ ذاك اضطر إلى تأليف الكتب اللازمة للتدريس، وقد طبعت بعد ذلك وستُذكر بين مؤلفاته، وكان مع كل ذلك لا يغفل لحظة عن رعاية رعيته والقيام بواجباته نحوهم دينيًّا وأدبيًّا.

وفي سنة ١٨٦٢م ترقى إلى رتبة الخورفسقفس، وعهدت إليه النيابة العامة على الأبرشية.

وفي سنة ١٨٦٧م أوعز إليه بأمر البابا بيوس التاسع أن يكون مستشارًا في اللجنة المعينة لإعداد الأمور المتعلقة بقوانين الكنائس الشرقية وتواريخهن، وهي إحدى اللجنات الخمس التي أقامها البابا استعدادًا للمجمع الفاتيكاني المسكوني الذي كان في النية التئامه، وأن يستنسخ ما يقع في يده من الكتب الخطية السريانية والعربية، فقام بمهمته حق القيام، حتى استدعي سنة ١٨٦٩م إلى المجمع الفاتيكاني، فسار وحمل معه ما كان قد استنسخه من الكتب النفيسة إلى مكتبة مدرسة البروبغندا، وكان (رحمه الله) في جملة اللاهوتيين العظام في ذلك المجمع، وهو العضو الشرقي الوحيد هناك، وقد سمي ترجمانًا فيه، فنال على أثر أعماله هذه شهرة عظيمة جدًّا، وكان لا يضيع فرصة لا يؤلف فيها أو يطالع.

وفي سنة ١٨٧٠م عاد إلى الموصل، وعمل على تصحيح ترجمة التوراة العربية بمقابلتها على الترجمات السريانية واليونانية واللاتينية والعبرانية، وعلَّق الحواشي على بعض الآيات الغامضة، وقد طبعت هذه الترجمة في مطبعة المرسلين الدومنكيين بالموصل مرتين، وراجع أيضًا الترجمة السريانية البسيطة، وطبعها بالمطبعة المذكورة بأحرف كلدانية، ولولا هذه الطبعة لفسدت الترجمة البسيطة.

وفي سنة ١٨٧٦م توفي المطران يعقوب حلياني أسقف دمشق على السريان، وبقيت طائفة السريان هناك بلا أسقف سنتين. وفي سنة ١٨٧٨م انتخب صاحب الترجمة أسقفًا لها بإجماع الطائفة وتحريض البطريرك، ولكنه كان ميالًا إلى الابتعاد عن مهام الأسقفية؛ لعلمه بما يترتب على قبولها من التبعة، وكثيرًا ما عرضت عليه قبل ذلك ولم يقبلها، أما هذه المرة فاعتذر وتردد مدة حتى ملَّ المكاتبة، وورد عليه كتاب من البطريرك يقول فيه: «إن الحضرة البابوية تريد منك أن تذعن لصوت الجمهور، وتسلم للإرادة الإلهية التي تدعوك لتلك الوظيفة السامية، وأن تقبل الانتخاب»، فلم يرَ بُدًّا إذ ذاك من القبول، فسار في أوائل سنة ١٨٧٩م من الموصل إلى دمشق لتولي مهام منصبه الجديد، وقد غادر الأهل والخلان والرفاق والجمعيات والمدارس والأخويات والكنائس والمطابع، وأكثرها من غرس يمينه، وهو لم يكد يجني ثمار أتعابه، فمرَّ بحلب، وهناك رقي إلى رتبة الأسقفية، ولقِّب إقليميس، فصار من ذلك الحين يدعى السيد إقليميس يوسف داود. وسار من حلب إلى دمشق، ولا تَسَلْ عن فرح الدمشقيين بِنَيْل تلك الأمنية التي لم يكونوا يرجون الحصول عليها؛ لعلمهم بإبائه قبلًا عن قبول الأسقفية.

أما هو فأخذ يدير شئون الطائفة بهمة ونشاط، فأنشأ الأخويات، ومجلسًا طائفيًّا للنظر في أمور الأبرشية، وشيَّد بعض الكنائس، ورمم البعض الآخر، وأنشأ كثيرًا من المدارس الصغيرة للقرى، ووجَّه التفاته إلى جمع الكتب، فجمع مكتبة يعزُّ وجود مثلها؛ لما حوته من الكتب الخطية المتعلقة بالمشرق التي يندر وجودها، وأخذ في التأليف والتصنيف، وأصلح الكتب الطقسية، فعانى في إصلاحها مشقات جسيمة.

ومما لا تنساه الطائفة السريانية سعيه في إنشاء مجمع السريان اللبناني؛ فإنه هو الذي هيأ مواده، والمجمع المذكور انعقد في الشرفة بلبنان سنة ١٨٨٨م، ونظر في أحوال الطائفة السريانية، وضبط أمورها الطقسية وقوانينها الشرعية، وكانت الطائفة قد حاولت عقد هذا المجمع غير مرة ولم تنجح إلا على يده.

وفي أوائل سنة ١٨٨٩م أصيب (رحمه الله) بِداء القلب، فقاسى فيه أهوالًا جسيمة، وفي ١٤ أغسطس (آب) سنة ١٨٩٠م توفي إلى رحمة الله وله من العمر ٦١ سنة وبضعة أشهر.

مؤلفاته

لصاحب الترجمة مؤلفات كثيرة بين مطبوع وغير مطبوع في لغات مختلفة، وهاك أسماء مؤلفاته التي طبعت مع اسم اللغة التي ألفها فيها:

(١) كتاب التمرنة في الأصول النحوية، مع مقدمتين في أصول الكتابة والقراءة (مجلدين) عربية
(٢) التمرين في التمرنة (مجلدين) عربية
(٣) غراماطيق إفرنسي مع الشرح العربي إفرنسية وعربية
(٤) اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية، مع الشرح العربي بطريقة جديدة؛ أي بالمقابلة مع اللغة العربية واللغة العبرانية خاصة سريانية عربية
(٥) نحو اللغة السريانية مع الشرح اللاتيني لاتينية
(٦) نبذتان في العروض والشعر (ألحقهما بكتاب التمرنة) عربية
(٧) مدخل الطلاب في علم الحساب (مختصر) عربية
(٨) تروُّض الطلاب في علم الحساب (مطول) عربية
(٩) علم الجغرافيا عربية
(١٠) التواريخ البيعية عربية
(١١) مختصر التواريخ البيعية عربية
(١٢) تاريخ مجمع السريان اللبناني المعقود سنة ١٨٨٨م في الشرفة إفرنسية
(١٣) بيان رئاسة بطرس زعيم الرسل وخلفائه الأحبار الرومانيين من تقليد البيعة السريانية (طبع رومية) لاتينية
(١٤) مقالة في تعليم البيعة السريانية في انبثاق روح القدس سريانية
(١٥) خطبة تاريخية في رئاسة بطرس الرسول مع تأييدها بنصوص من آباء الكنيسة السريانية عربية
(١٦) القصارى في حل ثلاث مسائل تاريخية تتعلق ببلاد الشام وما يجاورها عربية
(١٧) بيان طقس البيعة الأنطاكية السريانية ونافورتها إفرنسية
(١٨) المقابلة بين نافورة القديس يعقوب المستعملة عند السريان ونافورة القديس يوحنا فم الذهب المستعملة عند اليونان (يتخللها شرح طويل عن الطقوس اللاتينية والكلدانية والأرمنية والمارونية والحبشية والقبطية) إفرنسية
(١٩) مقالات شتى طقسية وتهذيبية ألفها وطبعها في رومية لاتينية إيطالية
(٢٠) بيان لغة أهل دمشق العربية في أيامنا إفرنسية
(٢١) بيان اللغة التي تكلم بها يسوع المسيح على الأرض إفرنسية
(٢٢) بحث عن لغة أهل سورية وفلسطين حين ظهور اللغة العربية فيهما. وبيان أنها كانت اللغة السريانية إفرنسية
(٢٣) مواد مجمع السريان اللبناني المعقود في الشرفة عربية لاتينية
(٢٤) طقوس جديدة سريانية لأعياد مستحدثة في البيعة الكاثوليكية سريانية
(٢٥) كلندار عام للبيعة السريانية على مدار السنة عربية
(٢٦) كلندار عام لجميع الطقوس غربية وشرقية (ألحقه بكتاب تحفة الزهور) عربية
(٢٧) نبذة من القوانين البيعية لكهنة أبرشية الموصل عربية
(٢٨) المقدمة والنتيجة في الخطبة والزيجة عربية
(٢٩) الكنارة الصهيونية عربية وسريانية
(٣٠) خدمة القداس الأشحيمي عربية وسريانية
(٣١) فهرست القراءات من العهدين القديم والجديد التي تقال على مدار السنة بحسب الطقس السرياني عربية
(٣٢) تروُّض في آلام المسيح لكل يوم جمعة من الصوم الكبير عربية
(٣٣) الرسالتان الأولى والثانية عربية
(٣٤) إنشاء الرسائل عربية
(٣٥) التعليم المسيحي عربية
(٣٦) التصاريف العربية عربية
(٣٧) تصاريف الأفعال الكلدانية كلدانية
(٣٨) كراسة الاشتقاقات عربية
(٣٩) تعليم القراءة السريانية عربية
وهذه أسماء مؤلفاته التي لم تطبع:
(٤٠) جامع الحجج الراهنة عربية
(٤١) تاريخ السريان عربية
(٤٢) علم الهندسة عربية
(٤٣) علم الجبر عربية
(٤٤) أغلاط ترجمة العهد الجديد العربية التي أنشأها البروتستنت في بيروت عربية
(٤٥) رياضة درب الصليب (وهي مؤثرة للغاية) عربية
(٤٦) مجموع خطبه أو مواعظه الدينية عربية
(٤٧) مقالات في حقيقة سر الأوخارستيا عربية وإفرنسية
(٤٨) قداس حبري سرياني على أصول الموسيقى الأوروبية عربية سريانية
(٤٩) تصانيف موسيقية شتى عربية سريانية
(٥٠) مجموع المناشير، أو الرسائل الراعوية التي أنفذها من حين أسقفيته سريانية
(٥١) التوطئة إلى الاحتجاج والتبرئة (فوائد تاريخية مهمة) سريانية

وله فضلًا عن ذلك خدمات جزيلة خدم بها العلم؛ كتنقيح بعض الكتب أو ترجمتها أو ضبطها، ومنه ما قد طبع؛ كالكتاب المقدس وكتاب الصلوات السريانية وغيرهما، وبعضها لم يطبع، وقد بلغ عدد الكتب التي ترجمها أو نقحها أو ضبطها ٣١ كتابًا، بعضها يزيد على عدة مجلدات، فيكون عدد كتبه بين تأليف وتصنيف وترجمة وضبط ٨٢ كتابًا في لغات مختلفة، أكثرها في مواضيع وعرة المسالك.

صفاته

كان (رحمه الله) رَبْع القامة، بشوش الوجه، سريع الخاطر، رقيق الجانب، واسع العلم في سائر العلوم التاريخية واللغوية والدينية، وكان يعرف من اللغات ١٥ لغة، ولكنه كان مغرمًا بنوع خاص باللغات الشرقية وتحليلها بما يسمى علم الفيلولوجيا أو الفلسفة اللغوية، وكان عمدة هذا العلم ومورد قصاده، فلما طبعنا كتابنا «الألفاظ العربية والفلسفة اللغوية» سنة ١٨٨٦م أرسلنا إليه نسخة منه على سبيل الهدية، فكتب إلينا كتابًا يدل على حسن ظنه بنا، ورغبته في تنشيطنا، وهاك نص الديباجة ننشره إقرارًا بفضله، ودليلًا على رقته ودعته؛ قال:

أما بعد، فأقول إني قرأت كتابك النفيس الذي عنوانه الألفاظ العربية … إلخ، في النسخة التي تفضلت بإهدائها إليَّ، فوجدته مؤلفًا كاملًا في فنه، وافيًا بكل الشروط على أتم وجه، ودالًّا على طول باع مؤلفه في هذا الفن الجديد من العلوم اللغوية الذي لم ينتبه إليه قبل اليوم أهل وطننا، فلله دَرُّك! كم تبحرت في هذا العُباب الصافي، وكم استخرجت منه من الدُّرِّ الثمين! فحقك أن أهنئك وأشكرك باسمي وباسم الجمهور كله؛ ولا سيما أهل وطننا؛ إذ إنك على ما أعهد أول من فتح لهم هذا الباب الجليل والسلام.

عن دمشق الشام في ٤ شباط سنة ١٨٨٨م

المحب الشاكر
إقليميس يوسف داود
مطران دمشق على السريان

وقد دارت بيننا وبينه بعد ذلك مكاتبات بشئون مختلفة، مرجعها إلى مبحث اللغات وفلسفتها، لا محل لها هنا، وكم تمنينا أن نلقاه وجهًا لوجه، وقد عزمنا على ذلك وقصدنا زيارة دمشق سنة ١٨٩٠م لهذه الغاية، فأنبئنا بوفاته ونحن في منتصف الطريق في بلدة زحلة، فعُدْنا ولم نَنَلْ وَطَرًا.

أما في التاريخ، فقد كانت له باع طُولَى؛ ولا سيما في تاريخ الدول القديمة؛ كالفارسية والآشورية والبابلية والمصرية والفونية واليونانية والرومانية. وكان ورعًا تقيًّا سليم القلب، مخلصًا غيورًا متواضعًا، محافظًا على الفروض الدينية، كارهًا لنِعَم الدنيا راغبًا عنها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠