الفصل الأربعون

سليم دي نوفل

نُعي إلينا من مدينة بطرسبورج عاصمة الروس رجلٌ من خيرة رجال سورية الذين أحرجتهم أحوالها فالتمسوا العمل في بلاد الغربة، فنالوا ما شاءوا من الثروة والجاه والمقام الرفيع في ممالك أوروبا وأميركا. والسوري مقدام لا يبالي بالأسفار في طلب العلى، ورث ذلك عن أسلافه الفينيقيين. على أننا لا نظنه كان عُرضة للمهاجرة وتجشُّم الأخطار في عصر من العصور السالفة مثل تعرضه لذلك في هذا العصر؛ بالنظر إلى سهولة الأسفار واتساع أبواب الرزق.

وفي جملة الذين قضوا حياتهم في ديار الغربة، ونالوا جزاء اجتهادهم وفضلهم، المرحوم سليم دي نوفل، مستشار الدولة الروسية، وترجمان إمبراطوريتها، وأستاذ اللغتين العربية والفرنساوية والفقه الإسلامي في قسم اللغات الشرقية بنظارة الخارجية الروسية.
figure
سليم دي نوفل ١٨٢٨–١٩٠٢م.

وهاك خلاصة ترجمة حاله مما نقله إلينا أحد أصدقائه القدماء، قال:

ولد (رحمه الله) نحو سنة ١٨٢٨م في طرابلس الشام، من عائلة عريقة في الفضل والوجاهة والعلم، ومنها المرحوم نوفل نعمة الله نوفل، صاحب المؤلفات الشهيرة في آداب العرب وعلومهم (راجع ترجمته في هذا الكتاب). تلقى مبادئ القراءة في بعض المدارس الابتدائية، وهي قليلة في ذلك العهد، ثم كان أكثر ما اكتسبه من العلم بعد ذلك بجدِّه واجتهاده، فظهرت مخايل النجابة عليه من نعومة أظفاره، فلما شبَّ نال ثمرة أتعابه، فتعيَّن وكيلًا لشركة البواخر الروسية في طرابلس الشام، ثم تاقت نفسه إلى السياحة، فخرج إلى أوروبا، فطاف ممالكها؛ وخصوصًا مملكة الإنكليز، ورجع إلى طرابلس.

واتفق نحو سنة ١٨٧٠م أن دولة الروس طلبت من قنصلها في بيروت أن يبعث إليها برجل يحسن اللغة العربية؛ ليعلمها للشبان الروسيين الذين يتهيئون للخدمة السياسية في الشرق، فوقع الاختيار على صاحب الترجمة، فشخص إلى بطرسبورج ومعه عائلته، وأقام مدة في التدريس نال في أثنائها ثقة أهل البلاط وكبار رجال الحكومة الروسية، فجعلوا يُرَقُّونه ويزيدون راتبه ويخلعون عليه حتى صار من مستشاري الدولة، فضلًا عن منصبه في تعليم اللغتين العربية والفرنسوية، وانتدبه جلالة القيصر غير مرة لينوب عنه في مهمات سياسية بباريس ورومية، وبعضها للمخابرة بشأن الكاثوليك في بولونيا؛ نظرًا لما كان له من سعة الاطلاع في تاريخ الأديان والآداب الشرقية، وانتدب غير مرة للحضور في المؤتمرات الشرقية التي كانت تعقد في أوروبا للبحث في اللغات الشرقية وآدابها.

وكان يعرف اللغات العربية والفرنساوية والإنكليزية والإيطالية والروسية والتركية واليونانية وبعض اللغات الشرقية القديمة، وكانت له مهارة خصوصية بالإنشاء الفرنساوي، وكانت حكومة الروس تراعي جانبه وتكرمه، فأعطته قصرًا في أحسن أحياء بطرسبورج للإقامة فيه مع امرأته وأولاده. وله عدة مؤلفات في الفرنساوية؛ منها كتاب الزواج والطلاق، وكتاب سيرة النبي، طُبِعا بنفقة نظارة المعارف الروسية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠