الفصل الثاني والأربعون

نقولا توما

ولد في صور، وقد نفدت ثروة والده، ونشأ وهو يسمع ما كان لهم من سعة الرزق. وكان فيه نشاط وهمة وذكاء، فانصرفت أفكاره إلى إنهاض عائلته، والأخذ بيد والده الشيخ. وقبل أن يدرك السادسة من عمره أخذ في تلقي العلم ببعض المدارس الصغرى، ثم في مدرسة الآباء اليسوعيين، فظهر ذكاؤه ونبغ بين أقرانه، وسبق كثيرين منهم، وكان في حداثته ميالًا إلى إلقاء الخطب، والأساتذة يلاحظون ذلك فيه ويبشرون والده أن ابنه سينبغ خطيبًا.
figure
نقولا توما ١٨٥٣–١٩٠٥م.

وكأنه رأى من والده عجزًا عن القيام بأجرة تعليمه (ريال مجيدي في الشهر) فعرض على الآباء اليسوعيين أن يعلِّم بعض صفوف المبتدئين في مقابل أجرة تعليمه فأجابوه، واتفق أنه سمع بعض رفاقه من آل أبيلا يتباحثون في بعض المسائل النحوية، فرغب في النحو والتوسع فيه فوق ما تدرسه تلك المدرسة، فبث أمره إلى والده، فأخذ يبحث عن المعلم وأجرة التعليم، فوجد أن المعلم هو عم أولئك التلامذة، الخواجة ميخائيل أبيلا، فمضى إليه وقص رغبة ابنه عليه، فتبرع الخواجة أبيلا بتعليمه مجانًا، وصاحب الترجمة — يومئذٍ — في الثانية عشرة. وقد كبر عليه أن يتعلم بدون أجرة أو ما يقوم مقامها، فجعل يخدم معلمه في جميع مصالحه جهد طاقته، وكان قوي الحافظة، فتعلم النحو وبرع فيه، ومال إلى الشعر فدرس العروض.

ولم تمضِ عليه سنة في هذه الدروس حتى عُزل والده من وظيفته بالكمرك، وزادت ماليته ضيقًا، فتنغَّص الغلام فاستشار والده في الذهاب إلى بيروت ليعمل عملًا يعينه فيه على المعاش، فأبى إلا أن يتم دروسه، فأدخله مدرسة المعلم بطرس البستاني في بيروت. واتفق أن أخته كانت مقيمة مع زوجها هناك، ورأت في أخيها ذكاء ورغبة في العلم، فرتبت له معلمًا يعلمه الفرنساوية في بيتها، وحاطته أحسن حياطة وهو راغب في العمل، فعلم بعد نصف سنة أن جريدة التقدم تحتاج إلى محرر أو مترجم، فتقدم إليها فاستخدموه فيها براتب زهيد، فكان ذلك أول اشتغاله بالصحافة وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره.

وأخذت مواهبه تظهر من ذلك الحين، وعمد إلى استحثاث رفاقه على تأسيس جمعية وطنية لم يتم له إنشاؤها. وكان خاطره مع ذلك قلقًا على حال عائلته بعد أن أقيل والده من وظيفته، فاغتنم قدوم والي سورية لتمضية فصل الشتاء في بيروت ونظم قصيدة رفعها إليه، فأمر له بجائزة على جاري العادة، فرفضها، فاستغرب الوالي ذلك منه واستقدمه وسأله عن سبب الرفض، فقال: «إني رفعت إليك مديحي ألتمس منك أن تستخدمني في بعض دوائر الحكومة للقيام بأود عائلتي»، وقص عليه حديث والده، فأعجب بنباهته، فوظفه في قلم الأملاك والنفوس في قائمقامية صور، والتقى هناك بزوج عمة له اسمه نقولا الزهار، كان عالمًا بالفقه، فأحس بميل إلى هذا العلم فدرسه عليه، ثم أخذ يتبحر به لنفسه، حتى كثيرًا ما كانوا يستقضونه في بعض الشئون، وكان من حداثته ميالًا إلى الإعراب في كلامه، فإذا تكلَّم تكلَّم فصيحًا معربًا، وتعوَّد ذلك حتى صار مَلَكة فيه إلى آخر أيامه.

قضى تلك الحداثة الضيقة ونفسه تطلب المزيد، ومطامعه لا ترضى غير العلى، والأحوال تقعده وتمنعه، فاتفق استقالة الوالي الذي استخدمه، ورأى مقاومة من رئيسه، فذهب إلى بيروت وقدم استعفاءه فأعفوه، فطلبه المطران أغابيوس الرياشي أن يتولى التدريس في مدرسة عين القش بلبنان، فأجاب. ووجد في تلك المدرسة مكتبة حافلة بالكتب المنطقية والفلسفية والتاريخية، فاستفاد من مطالعتها كثيرًا. ولكنه عاد إلى مطامعه ورأى نفسه أكبر من أن تسعها تلك الحالة، فاستعفى، ونزح للإسكندرية في آخر سنة ١٨٧٤م، وأخذ يبحث عن عمل يرتزق به، فوفِّق إلى وظيفة مترجم بمصلحة الملح، وظل ملازمًا التدريس في أوقات الفراغ، فرأى في تلك المصلحة فسادًا، فانتقده، فعزلوه، فأتى القاهرة ونظم قصيدة رفعها إلى رياض باشا أرفقها بكتاب ذكر فيه أنه يستطيع عرض نظام مفيد لمصلحة الملح والوزير حر بقبوله أو رفضه، فاستحسن الوزير عزة نفسه وأجاب طلبه، فرفع عدة تقارير كان لها وقع حسن عند الحكومة، وعملت بمقتضاها، فأصدرت أمرها باحتكار الملح سنة ١٨٧٩م، واعتمدت على صاحب الترجمة في كثير من مهامها، وارتقى في هذه المصلحة إلى وظيفة مفتش في المديريات، ولكن نفسه ما زالت تطلب المزيد، فاستقال سنة ١٨٨٥م.

وكانت الصحافة العربية — يومئذٍ — لا تزال طفلة، ولها مع ذلك تأثير في دوائر الحكومة، والنفس الكبيرة ترى في صناعة القلم بابًا لسد مطامعها في سبيل الشهرة، فضلًا عن لذة الكتابة، فأخذ صاحب الترجمة يشتغل في تحرير جريدة مرآة الشرق. ثم سافر إلى باريس للسياحة، فلقي هناك المرحومين السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده. ورحل منها إلى لندن، وعرف في رحلته هذه عددًا من رجال الفضل، واطلع على حقيقة التمدن، ورأى الدنيا كما هي، فعاد إلى مصر وقد عدل عن الصحافة إلى المحاماة، فلقي مشقة كبرى فاز في آخرها ونفسه لا تزال تميل إلى القلم، فاستخدمه في سبيل المحاماة، فأنشأ مجلة الأحكام المصرية، وكان لها شأن حسن في عالم الصحافة. على أن سعة أعماله في المحاماة أدت إلى إيقافها من عامها الثاني.

وظل مثابرًا على تلك المهنة، ونبغ فيها حتى عد من أكبر رجالها، وامتاز عن معظم زملائه بفصاحة العبارة وإعرابها؛ فقد شهدناه في بعض مجالس القضاء يعرب الكلام ويلقيه فصيحًا بليغًا لا يتوقف ولا يتلجلج، مع جرأة واستقلال فكر، فلا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا يبالي أن يقول للمخطئ أخطأت، ولو كان قاضيًا أو أميرًا، فاضطغنت عليه صدور البعض، حتى إذا سنحت لهم فرصة حاسبوه فيها على عمل لا يعد في عرف المحامين ذنبًا وإن كان القانون لا يسوغه، ورافق ذلك قرائن أخرى آلت إلى إخراجه من سلك المحامين وهو في إبان الحاجة إلى الراحة، وكان الأطباء قد أشاروا عليه بها منذ أعوام وهو لا يستطيع إيقاف تيار أعماله بعد أن اتسعت أشغاله وحام أصحاب القضايا حوله، فلما حكم عليه بالراحة كان ذلك لازمًا لصحته بعد أن أنهكها الجهاد في طلب العلى، وكأن الراحة أتت بعد فوات الفرصة، فذهب للاستشفاء في بعض مدن أوروبا، فقضى هناك في مدينة إفيان في ٢٥ أغسطس سنة ١٩٠٥م، وحُملت جثته إلى مصر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠