الفصل الخامس والأربعون

المطران يوسف الدبس

(١) ترجمة حاله

أصل عائلته من غزير بلبنان، وانتقل جده في أواخر القرن الثامن عشر إلى كيفا، ثم استقر أبوه في كفر زينا من زاوية طرابلس، فوُلد له صاحب الترجمة سنة ١٨٣٣م، فتلقى مبادئ العلم في مدرسة القرية، فلما بلغ الرابعة عشرة أُدخل مدرسة عين ورقة، وهي أرقى مدارس الطائفة المارونية في ذلك العهد، فتلقى فيها اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية والمنطق واللاهوت الأدبي في مدة أقصر مما تقدره لها المدرسة، واضطر مع ذلك أن يغادر المدرسة سنة ١٨٥٠م، ولم يمكث فيها إلا ثلاث سنوات، فأتم ما ينقصه من العلم بالدرس على نفسه؛ لأنه كان عالي الهمة ثابتًا صبورًا.
figure
المطران يوسف الدبس ١٨٧٢–١٩٠٧م.

ومدارس لبنان في ذلك العهد كانت تعد تلامذتها على الغالب إما للتعليم أو للكهانة، إلا من رحل منهم في طلب الرزق. ولم يكن صاحب الترجمة انتظم بالكهانة فعمد إلى التدريس، فافتتح سنة ١٨٥١م مدرسة بطرابلس يعلِّم بها العربية، ويغتنم الفراغ للمطالعة والدرس، وعرف بين أقرانه بالنشاط وتوقد الذهن، فاستقدمه مطران أبرشية طرابلس سنة ١٨٥٣م وكلفه ترجمة كتاب اللدع ودحضدها، ففعل.

واتفق في السنة التالية وفاة البطريرك يوسف الخازن، وقيام البطريرك بولس مسعد، وكانت للدبس صحبة مع أحد مطارنته، فاستقدمه البطريرك وأقامه معلمًا في مدرسة ماري يوحنا مارون، ثم آنس منه نفعًا للطائفة؛ إذ انتظم في خدمتها، فجعله سنة ١٨٥٤م شماسًا، وأخذ يرتقي في رتب الكهنوت، فلم يمضِ عليه ثماني عشرة سنة حتى صار مطرانًا على بيروت، وهو المنصب الذي توفي فيه، وإنما ارتقى إليه على أثر ما بدا من غَيْرته على الطائفة، وسعيه في خدمتها بالدفاع عنها بلسانه وقلمه بما خطبه أو ترجمه أو ألَّفه. وازداد بعد توليه المنصب اجتهادًا في هذا السبيل، فارتقت الطائفة على عهده، واجتمعت كلمتها بما كان يبثه فيها من روح الغيرة، وما كانوا يرونه من سهره على مصلحتهم، ودفاعه عن حياضهم.

ومما زاده رفعة في أعينهم حتى استهلكوا في خدمته، أنه كان لا يطعن طاعن في المارونية إلا انبرى للدفاع عنها بتأليف الردود، وأشهر حرب من هذا القبيل انتشبت بينه وبين المطران يوسف داود، فقد احتدم الجدال بين الرجلين نحو سنة ١٨٧١م، وكلاهما عالم قوي الحجة، فأجادوا في الأخذ والرد بما يلائم روح ذلك العصر من المناظرات الطائفية التي يعافها أهل هذا الجيل. وأشهر ما ظهر من آثار صاحب الترجمة في سبيل الدفاع كتاب روح الردود، وقد تُرجِم إلى اللاتينية والفرنساوية، وطُبع غير مرة.

وقد زاد الطائفة تمسكًا به وتفانيًا في تعظيمه سعيُ بعض حساده في تحقيره بوشاية رفعوها إلى رومية، فلما ظهرت براءته عاد مكرمًا مبجلًا، واحتفل رعاياه باستقباله احتفالًا احتشدت فيه الجموع من لبنان وبيروت، فقيلت الخطب، ونظمت القصائد، وتواردت عليه رسائل التهنئة بما لم يسبق مثله لمثله، وذلك طبيعي في سير الرجال العظام؛ فإن ما يلاقونه من المشاقِّ أو يقام في طريقهم من العقبات يضاعف شهرتهم؛ لأنه يحمل مريديهم على المناداة بفضلهم وإذاعة آثارهم، وينشطهم على العمل. ما من عظيم لولا العقبات التي أقامها أعداؤه في سبيله لظل خامل الذكر، أو اقتصر في جهاده على بعض ما يستطيعه من الأعمال، فالرجل العاقل إذا كان على ثقة من نفسه وجب عليه أن يُسَرَّ بما يقيمه أعداؤه أو حُسَّادُه من العقبات في طريقه؛ لأن بالضغط والمقاومة تظهر القوى الكامنة، ويوافق ذلك قول الشاعر:

عِدَايَ لهم فضلٌ عليَّ ومِنَّةٌ
فلا أبْعَدَ الرحمنُ عني الأعادِيَا
هم عرَّفوني زَلَّتي فاجْتَنَبْتُها
وهم نافسوني فاكتسبتُ الْمَعالِيَا

وفي سنة ١٨٩٧م انقضت السنة الخامسة والعشرون من مطرانيته، فاحتفلت الطائفة بيوبيله، وكان قدوةً حسنة لأبناء مِلَّتِه، فتسابقوا إلى الأعمال المبرورة بإنشاء الجمعيات الخيرية، والأخذ بيده في مشروعاته، وما زال عاملًا حتى توفاه الله، وقد رحل إلى أوروبا خمس رحلات زار بها رومية، ومرَّ بالآستانة، ونال كثيرًا من أوسمة الدولة العلية وفرنسا وغيرها.

(٢) مآثره

مكث صاحب الترجمة في مطرانية بيروت ٣٥ سنة، أتى في أثنائها أعمالًا تخلد ذكره، بعضها كتبٌ والبعض الآخر أبنية كالمدارس والكنائس والأديرة، غير ما خلفه من الأثر الحسن في نفوس رعيته من الاقتداء باجتهاده وفضله. أما الكتب فبعضها من تأليفه أو ترجمته قبل المطرانية وبعدها، والبعض الآخر نقَّحه وهذَّبه، ومجموع ذلك ٣٥ كتابًا؛ إليك أشهرها:

مؤلفاته:

  • (١)

    تحفة الجليل في تفسير الأناجيل.

  • (٢)

    معجم للفقه، لم يطبع.

  • (٣)

    مغني المتعلم عن المعلم بالنحو (مدرسي).

  • (٤)

    مربي الصغار ومرقِّي الكبار (مدرسي).

  • (٥)

    سِفْر الأخبار في سَفَر الأحبار (رحلة).

  • (٦)

    روح الرُّدود على المطران يوسف داوود.

  • (٧)

    خطبة في الفلسفة واللاهوت، ثلاثة أجزاء.

  • (٨)

    تاريخ سورية، مطوَّل ومزين بالرسوم في تسعة مجلدات.

ترجماته:

  • (١)

    كتاب البدع ودحضها.

  • (٢)

    كتاب الرُّسوم الفلسفية، لم يطبع.

  • (٣)

    كتاب اللاهوت الاعتقادي، ٤ مجلدات.

  • (٤)

    كتاب الحق القانوني، لم يطبع.

ما نقَّحه وطبعه:

  • (١)

    كتاب تفسير رؤيا يوحنا للقس يوسف الباني.

  • (٢)

    القداس.

  • (٣)

    الرسائل وكتب الجنازات والأفراميات والحسابات والشحيم الكبير.

  • (٤)

    الكاتيكزمو الروماني، وذخيرة الألباب، وغيرها.

مشروعاته:

  • (١)

    مدرسة الحكمة: وهي من أكبر مدارس بيروت، تمَّ بناؤها سنة ١٨٧٨م، وقد مضى عليها نحو ثلاثين سنة وهي تعلم العلوم واللغات، فتخرج فيها جماعة كبيرة من شبان هذه النهضة، وأنشأ من تلامذتها وكهنتها جمعية علمية لها حفلات وأعمال.

  • (٢)

    الكنيسة الكاتدرائية الكبرى في بيروت: فرغ من بنائها سنة ١٨٩٤م، وقد أنفق عليها نحو ٢٠٠٠٠ ليرة، وبنى كنائس أخرى ومدارس ونحوها، فبلغ مجموع ما أنفق عليها كلها وعلى مدرسة الحكمة ٧٠٠٠٠ ليرة، ولم يكلف الأبرشية من هذه النفقات قرشًا واحدًا، وإنما كان يجمعه بسعيه وحسن أسلوبه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠