الفصل السابع والأربعون

الدكتور يوحنا ورتبات

أستاذ التشريح والفسيولوجيا في المدرسة الكلية السورية

(١) فضل الإرسالية الأميركية في سورية

لكل الإرساليات الدينية فضل على سورية، ولكن للإرساليات الأميركية ما عدا مدارسها العالية التي تخرَّج فيها الألوف من الشبان والشابات في العلم والطب والصيدلة والتجارة ومشروعاتها الخيرية التي أعالت الألوف من المعوزين وذوي الأسقام فضلًا يربو في نظر الباحث الاجتماعي على كل ما تقدم؛ نعني تربية الأخلاق.

إن فضل المرسلين الأميركان في هذا السبيل لا يمكن تقديره حق قدره؛ إنهم بلا خلاف من أكبر دعائم هذه النهضة العلمية، ولعلنا لا نغالي إذا قلنا إن هذه التربية كانت في جملة الأسباب التي مهدت السبيل لإعلان الدستور؛ لأنها ترقي نفوس الشباب، وتعودهم استقلال الفكر، والاعتماد على النفس، والصراحة في القول، والمجاهرة بالرأي، فيخرج الطالب من مدرستهم رجلًا يثق بنفسه، فيبث هذه الروح بين أهله، وينشأ مقدامًا لا يبالي بالأسفار في استدرار الرزق أو طلب العلى.
figure
الدكتور يوحنا ورتبات ١٨٢٧–١٩٠٨م.

ناهيك بما استفاده السوريون من جوارهم بالقدوة؛ ولا سيما في أوائل هذا العصر؛ لمسيس الحاجة إلى الإصلاح، ولتفرد بعض المرسلين — يومئذٍ — بمناقب تجذب القلوب وتستهوي العقول، فيحلو للنفس تقليدها والاقتداء بأصحابها. إذا جمعت هذه الحسنات وغيرها مما لا محل له هنا، هان عليك تصور فضل الإرسالية الأميركية. وإنما عمدنا إلى ذكر هذا الفضل الآن لنتطرق منه إلى سبب ظهور صاحب الترجمة أستاذنا المرحوم الدكتور ورتبات؛ لأن ظهوره من جملة أفضال تلك الرسالة — كما سترى.

(٢) أصله أرمني

كان للرسالة الأميركية عمل في بر الأناضول قبل عملها في سورية، وكان الإنكليز قد سبقوها إلى هناك وفيهم القسيس والقنصل والتاجر والكاتب، فأخذوا بناصرها وأصبح مرجع الأميركان في شئونهم إلى سفير إنكلترا في الآستانة. ولكن الآباء اليسوعيين كانوا أسبق الجميع إلى التعليم والتبشير هناك، ولهم شأن خاص في أرمينيا، فقد دخلوها ونشروا الكثلكة فيها من أواسط القرن الخامس عشر، فظهرت طائفة الأرمن الكاثوليك، وعرف الباقون باسم الأرمن الأرثوذكس، وكانوا أقل علمًا وأضعف عزيمة؛ لتفوق الكاثوليك بالعلم والنظام واجتماع الكلمة مع ارتباطهم برومية، فاضطر الأرثوذكس أخيرًا إلى استنجاد بطرس الأكبر قيصر الروس فحماهم؛ ولا تزال كنيستهم تحت حماية روسيا مثل سائر الكنائس الأرثوذكسية في الشرق الإسلامي.

وللكنيسة الأرمنية ثلاث طبقات من الإكليروس، وهي الأساقفة والكهنة والشمامسة؛ والأساقفة ثلاث درجات:
  • (١)

    رئيس الأساقفة.

  • (٢)

    الأسقف.

  • (٣)

    نائب الأسقف، ويسمونه في اصطلاحهم «ورتباد»، وهو في الأصل يقابل لقب «دكتور في اللاهوت».

ففي أواخر القرن الثامن عشر — أو أوائل التاسع عشر — حدث في أرمينيا حادث بعث على مهاجرة جماعة من كبار الإكليروس الأرمني، نزحوا من أرمينيا إلى بر الاناضول، وصل إلينا أسماء ثلاثة منهم؛ وهم أسقفان:
  • أحدهما: قرابيب ديونيسيوس.
  • والثاني: يعقوب أبكاريوس.
  • والثالث: كان برتبة ورتباد — التي تقدم ذكرها، ثم قيل بالتحريف «ورتبات» — ولم نقف على اسمه.

لا نعلم سبب تلك المهاجرة، وقد يكون السبب اختلافًا في المذهب أو الرأي، ويقال إن الكنيسة الأرمنية ادعت عليهم أنهم تصرفوا بأموال دير أو كنيسة هناك، فلم يجدوا من ينصفهم فانضموا إلى الكنيسة الإنجيلية، ولجئوا إلى سفير إنكلترا في الآستانة اللورد ستراتفورد، فلما تفحص قضيتهم اعتقد براءتهم، فأخذ يناصرهم، وتوسط في إطلاق سراحهم، وأشار عليهم بالذهاب إلى سورية، وأرفقهم بكتب توصية إلى قنصل الإنكليز في بيروت، واسمه بطرس أبوت، وهو حمو أستاذنا الدكتور فانديك، وجدُّ صديقنا المستر إدوار فان ديك لأمه، وعليه معولنا في تحقيق أصل عائلة صاحب الترجمة ونشأته الأولى.

شخص هؤلاء إلى سورية والمرسلون الأميركان لأول عهدهم فيها، فرحبوا بهم فأقاموا فيها وتزوجوا، فأقام يعقوب أبكاريوس في بيروت، وعرف يعقوب أغا واشترى منزلًا قرب القشلاق عرف باسمه، ثم اشتراه الأرمن وجعلوه ديرًا لهم، ولا يزال إلى الآن وعائلة أبكاريوس مشهورة.

وأما ديونيسيوس فتزوج وأولد، وعرفت عائلته في بيروت باسم قرابيت. وأما ورتبات فتزوَّج وأولد يوحنا صاحب الترجمة، وكركور ويعقوب، ومات أبواهم وهم أطفال، فعنيت بتربيتهم مسز هواتين المرسلة الأميركانية أحسن تربية وعلمتهم، فلم يصبُ إلى الدين منهم إلا يوحنا، وأما أخواه فأحدها يعقوب نزح في شبابه إلى أميركا واختفى خبره، وكركور تعلم الطب في بلاد الإنكليز وتعاطاه في الكرنتينات، فأقام رئيسًا لكرنتينة كربلاء عدة سنين، ثم نقل إلى جدة ومات فيها.

(٣) سيرة حياته

أما يوحنا ورتبات فقد وُلد سنة ١٨٢٧م، وتلقى مبادئ العلم في مدارس المرسلين الأميركان في بيروت، وكانوا لا يزالون حديثي العهد في التعليم، يعلمونه كل شيء في اللغة الإنكليزية، فساعد ذلك على إتقانه هذا اللسان تفهمًا وتلفظًا. وقرأ آداب اللغة العربية على الشيخ ناصيف اليازجي، وتفقَّه بالمنطق والعروض على الشيخ عقل من علماء حلب. وقرأ على المرسلين أيضًا بعض اللغات القديمة؛ كالعبرانية واللاتينية واليونانية، في أثناء درسه علم اللاهوت. وكانت التقوى قد ظهرت فيه منذ نعومة أظفاره فتفقَّه بالدين على أن يتعاطى التبشير.

ورأى أن عمله يكون أكثر نفعًا إذا تعلم الطب، فتلقى معظمه على المرحوم الدكتور فانديك، ولم يكن يشترط بالطبيب لمعاطاة الطب أن يكون في يده شهادة، فأرسله المرسلون مبشرًا إلى حاصبيا، فأقام في هذا المنصب مدة طويلة تزوَّج في أثنائها بسالومي ابنه قرابيت، المتقدم ذكره، واشتغل وهو في حاصبيا بالعلوم الدينية، ودرس الأديان الشائعة في سورية، وخصوصًا الدرزية. وقد وفِّق إلى الإجادة في ذلك بمطالعة كتب وقعت لأحد الفرنساويين على أثر حادثة سنة ١٨٦٠م، وهو ينهب بعض الخلوات، فوصلت هذه الكتب إلى ورتبات، واستفاد منها كثيرًا في هذا الموضوع.

وأدت الحادثة — المشار إليها — إلى تشتت شمل الناس، فنزل جماعات من أهل لبنان وحاصبيا وسائر سورية إلى بيروت، وفي جملتهم يوحنا ورتبات، وترك مهنة التبشير أو التعليم، فأشار عليه أستاذنا الدكتور فانديك أن يتمم دروسه الطبية في بلاد الإنكليز، فيسهل عليه الارتزاق من الطب، فسافر إلى إيدنبرج، وأتم الطب في مدرستها. وعاد إلى سورية وبيده الدبلوما الطبية، فاستخدمته جمعية التبشير C. M. S. طبيبًا ومبشرًا في حلب، مكث فيها بضع سنين، وعاد إلى بيروت.

وكانت المدرسة الكلية في أول نشأتها وتعليمها في اللغة العربية، فهي تحتاج إلى أساتذة من الأطباء يعرفون الإنكليزية والعربية جيدًا، فوجدوا في صاحب الترجمة الرجل المطلوب، وإنما ينقصه الاختصاص بفن يتقنه لأجل التعليم، فاقترحوا عليه أن يتخصص للتشريح والفسيولوجيا. وأشار عليه الدكتور فانديك أن يتقنهما في أميركا ويتحصل على الدبلوما الأميركية؛ ليسهل على اللجنة تعيينه في عمدة المدرسة، فذهب إلى نيويورك وتفقَّه بالتشريح والفيسيولوجيا، وعاد إلى سورية فعينته عمدة المدرسة الكلية أستاذًا للتشريح والفيسيولوجيا فيها.

قضى في هذا المنصب نَيِّفًا وعشرين سنة، وهو موضع احترام التلامذة، فتخرج تحت يده مئات من الشبان، وكلهم يحبونه ويجِلُّون قَدْره، وقد كنا في جملة الذين قرءوا عليه التشريح والفيسيولوجيا إلى سنة ١٨٨٣م، درسناهما في كتابيه اللذين ألفهما في هذين العلمين باللغة العربية، وهما مشهوران، وعبارتهما سهلة ممتنعة، وقد عانى المشاقَّ الجسيمة في تأليفهما، وإن كان أكثرهما منقولًا عن الإنكليزية، وإنما المشقة في إيجاد الأوضاع العربية الملائمة للمصطلحات الإفرنجية في ذينك اللغتين. وكان يعتقد أن عبارة كتاب الفيسيولوجيا أحسن من عبارة كتاب التشريح، وأكثر التلامذة يرون عكس ذلك، فكنا إذا أردنا مداعبته قلنا له: «إن عبارة كتاب التشريح أحسن» فيظهر استغرابه.

وما زال أستاذًا لهذين الفنين حتى جرى في المدرسة الكلية الخلاف المشهور بين العمدة وطلبة الطب سنة ١٨٨٣م، واستقال الدكتور فانديك من منصبه، وكان يعلِّم الباثولوجيا، فعهدوا بتعليمها إلى الدكتور ورتبات، فعلَّمها أربع سنوات؛ أي حتى خرج الطلبة الذين كانوا بدءوا الطب باللغة العربية، ثم جعلوا يعلمون الطب في اللغة الإنكليزية، فلم تبقَ حاجة إلى أستاذ يعرف العربية.

وقد أولد ثلاثة أبناء؛ هم: هنري وأمين ووليم، توفي هذا الأخير في شبابه، وابنتين؛ هما: لومي وأدلا، ولما توفي في بيروت لم يكن في منزله من أهله إلا ابنته أدلا؛ لأن ولديه كانا بعيدين، فتولى نعيه جماعة من نخبة وجهاء بيروت، وأكثرهم من تلامذته وأصدقائه، فنعوه إلى الناس، فاحتفل أهل المدينة بتشييع جنازته احتفالًا يليق بمنزلته.

وكان له مقام رفيع بين العلماء والوجهاء، وأحرز من علامات الشرف وسام الاستحقاق الذهبي، وساعة من أصحاب المستشفى البروسياني في بيروت بعد تطبيبه فيه ١٥ سنة، والمجيدي الرابع من الدولة العثمانية مكافأة على خدمته في الكوليرا التي تفشت سنة ١٨٧٥م، ثم العثماني الرابع جزاء عمله في نشر العلم.

(٤) مناقبه ومؤلفاته

كان رَبْع القامة مع ميل إلى القصر، ممتلئ الجسم، عرفناه في كهولته وقد وخطه الشيب وزاد هيبة ووقارًا. وكان ذكي الفؤاد حسن النظر، لكنه كان ضعيف الذاكرة إلى ما يفوق التصديق، ولا سيما في أسماء الأشخاص، فقد يلتقي بأحد تلامذته الذين تلقوا العلم عليه وعاشروه سنتين في الصفوف على الأقل وسنتين أخريين في المستشفى ولا يذكر اسمه، وإنما يذكر صورته، فيقول له: «إنك من تلامذتي ولكنني لا أذكر اسمك»، فإذا تسمَّى تذكر كل ما يعرفه عنه.

ومن أمثلة ذلك أننا بعد أن تركنا المدرسة الكلية في أثناء حادثتها المشار إليها أخذنا في درس اللغة العبرانية، فعلمنا أن عند الدكتور ورتبات كتابًا مطولًا في نحو هذا اللسان، فاستعرناه منه للمطالعة، ثم دوهمنا بالسفر إلى بلاد الإنكليز، وبقي الكتاب معنا سهوًا، وفي السنة التالية عدنا إلى مصر وأعدناه إليه مع بعض الأصدقاء، لكنه لم يسلمه إليه بيده، فلم يكن يعلم أنه جاءه. واتفق أننا جئنا إلى بيروت بعد سبع سنوات فالتقينا بالأستاذ في منزل أحد الأصدقاء فلم يخاطبنا؛ لأنه نسينا على عادته، لكنه لم يكد يسمع اسمنا حتى التفت إلينا وقال: «ماذا جرى بالكتاب العبراني؟» فأخبرناه الواقع.

وكان طيب السريرة، مخلص الطوية، يميل إلى البساطة في كل شيء، حتى في اعتقاده وآرائه وفي عشرته وسيرته، فإذا استوصفه مريض وصف له أبسط العلاجات، ولم يكن يعول في الطب إلا على الوسائل الهيجينية؛ كالاستحمام بالماء البارد، وتبديل الهواء، والاعتماد على التغذية البسيطة، ويميل في إنذاره الطبي إلى التهوين على المريض. وكان قنوعًا في مطالبه لا يهمه جمع المال، إنما يهمه أن يشفى المريض، وأن يكون وسيلة لتخفيف الآلام والمصائب، فإذا كان مريضه فقيرًا أحسن إليه بما يستعين به على الغذاء والدواء، لا يفرق بين المسيحي وغير المسيحي، ولذلك سموه فانديك الثاني؛ لاشتهار صديقه أستاذنا الدكتور فانديك بهذه المناقب من قبل.

وله مؤلفات عديدة، بعضها كتب موضوعة، والبعض الآخر رسائل نشرت في المجلات أو على حِدَة، وكتبه أكثرها طبي، وبعضها غير طبي، أما الكتب الطبية فهي:
  • (١)

    كتاب أصول التشريح: وهو كتاب كبير فيه مئات من الرسوم، كان عليه مُعَوَّله في إقراء هذا العلم بالمدرسة الكلية.

  • (٢)

    كتاب الفيسيولوجيا: وهو مزين بالرسوم — وقد تقدم ذكره.

  • (٣)

    حفظ الصحة: سماه كفاية العوام في حفظ الصحة وتدبير الأسقام، وهو مجموع فوائد عامة لحفظ الصحة وتدبير المرض عند غياب الطبيب.

  • (٤)

    كتاب التشريح الصغير: في مبادئ هذا العلم، وهو جزيل الفائدة، ومعه أطلس كبير فيه صور الأعضاء؛ لإفادة غير تلامذة الطب.

  • (٥)

    رسائل عديدة، أكثرها صدر بالإنكليزية، وكل رسالة في مرض خاص؛ كالجذام والطاعون والكوليرا والحمى التيفوئيدية والتريخينيا وغيرها.

أما مؤلفاته في غير الطب فمنها:
  • (١)
    كتاب في أديان سورية، نشر في اللغة الإنكليزية واسمه Researches into the religions of Syria، وهو يبحث في الأديان الشائعة في سورية بحثًا تاريخيًّا واعتقاديًّا، ويشتمل بحثه بضعة عشر دينًا أو مذهبًا.
  • (٢)

    قاموس إنكليزي عربي: وهو منسوب إلى ابنه، ولكن له فضلًا كبيرًا في تأليفه.

  • (٣)

    قاموس إنكليزي وعربي، وعربي وإنكليزي، له وللدكتور بورتر.

  • (٤)

    كتاب حكمه العرب في اللغة الإنكليزية.

  • (٥)

    رسائل عديدة في الوصايا والتربية وغيرها، نشرت في المقتطف وغيره، يضيق المقام عن تعدادها.

وله رسائل في اللغة الإنكليزية وترجمات كثيرة في مواضيع مختلفة، وكان وسيلة في نشر بعض الآثار الشرقية الدينية؛ منها الكتب والأوراق التي استخرج منها كتابه في أديان سورية، فإنه دفعها إلى جان هندرسن أوف بارك الكويكري في لندن فطبعها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠