الفصل الثامن والأربعون

الدكتور جورج بوست

أستاذ الجراحة في المدرسة الكلية الأميركية في بيروت

ترجمة حاله

وُلد في نيويورك سنة ١٨٣٨م، وكان أبوه الدكتور ألفريد بوست من مشاهير الجراحين، وعضوًا في اللجنة المركزية التي أنشأت المدرسة الكلية الأميركية بأموالها ومساعيها. انتظم الدكتور ألفريد في سلك هذه اللجنة في نيويورك سنة ١٨٧٣–١٨٨٦م، واشترك في عملها بمال وَقَفَه لتنشيط القسم الطبي من هذه المدرسة بما ينتج من ريعه، فكان ينفق من هذا الريع حسب الحاجة في سبيل المدرسة الطبية وما زاد منه يحفظ، وبلغ ما اجتمع من ذلك الريع ولم ينفق نحو ٧٠٠٠٠ ريال أميركاني «١٤٠٠٠ جنيه»، وهي مرصودة لعمل الخير في سبيل الطب، وعهد بإنفاقها بهذا السبيل إلى ابنه صاحب الترجمة، ولعلها تصير الآن إلى حفيده.

تلقى الدكتور جورج بوست العلم في كلية نيويورك، وتعلم الطب في جامعتها، وكان أبوه من أساتذتها، فنال شهادتها سنة ١٨٦٠م، ثم تعلم اللاهوت فصار من المبشرين الأطباء، وقضى مدة في خدمة الأمة الأميركية أثناء الحرب الأهلية. وفي سنة ١٨٦٣م قدِم إلى سورية للتبشير والتطبيب، فقطن طرابلس، وأخذ في إتقان اللغة العربية؛ ليسهل عليه مخالطة الناس وتبشيرهم أو معالجتهم، فنال منها حظًّا وافرًا. وكان يستعين على حفظ المفردات العربية بقوائم من ألفاظها يعلقها على جدران غرفته بحيث يراها كيفما اتجه، وما زالت لهجته عند التكلم كثيرة الشبه بلهجة الطرابلسيين إلى آخر أيامه.
figure
الدكتور جورج بوست ١٨٣٨–١٠٩١م.

وكان المبشرون الأميركان في سورية لا يزالون مضطهدين، يخافون على حياتهم من القتل؛ لأن رؤساء النصرانية هناك كانوا يسيئون الظن بهم، ويعدونهم غرماء ينافسونهم على السيادة، فكثيرًا ما أصاب المتقدمين من مبشري الأميركان أذى، أو لحق بهم إهانة في سبيل التبشير. ومن هذا القبيل أن الدكتور بوست خرج يومًا إلى دوما للوعظ، فحضر الوعظ رجال من بسكنتا صاحوا به وهموا بقتله، فضربه أحدهم بالعصا على كتفه، وأطلق آخر الرصاص عليه فأخطأه، فأسرع بعض الأصدقاء وحملوه إلى البيت وقد تعطلت كتفه.

وبعد بضع سنوات عاد إلى نيويورك سنة ١٨٦٧م، وكان المرحومان الدكتور فانديك والدكتور ورتبات قد باشرا تأسيس المدرسة الطبية وأخذا في العمل، فعينت اللجنة المركزية الدكتور بوست أستاذًا للنبات والمواد الطبية والجراحة فيها، فعاد إلى سورية وأخذ في العمل مع رفيقيه المذكورين. وقد جعلوا تعليم الطب في اللغة العربية، ولم يكن فيها كتب تلائم التدريس فأخذوا يشغلون ساعات الفراغ بالتأليف، ويلقنون التلامذة ما يؤلفونه، فينسخونه في دفاترهم، ويدرسونه في منازلهم.

ولذلك كان تلامذة مدرسة الطب في السنين الأولى من إنشاء هذه المدرسة ينسخون الكتب بأيديهم، لا يجدون في ذلك مشقة؛ لأن أساتذتهم كانوا قدوة لهم بالنشاط والهمة والمواظبة، وما زال الدكتور بوست يعلِّم في هذه المدرسة، ويطبب في المستشفى البروسياني، ويعالج في المنازل، ويخطب على المنابر، ويؤلف الكتب، إلى سنة ١٩٠٨م، فالتمس إقالته فأقيل، وعينوا ابنه الدكتور ألفريد مكانه، ففاجأه المرض ولم يجد حيلة في دفعه، فمات مأسوفًا عليه.

أعماله وآثاره

قضى ٤١ سنة وهو يعلِّم الجراحة وغيرها في المدرسة، ويعالج المرضى في المستشفى بالجراحة، وهو الفرع الذي خصص نفسه له واشتهر به بين الخاصة والعامة، حتى أصبح لفظ «بوست» في عُرْف البعض مرادفًا للفظ «جراح»؛ لأنه أول من اشتهر بينهم بهذا الفن في أثناء هذه النهضة. ولم يكن عمله قاصرًا على التعليم والتطبيب والتأليف، فقد كان يشتغل بعلوم أخرى يساق إليها شغفًا بالعلم ورغبة في العمل؛ كاشتغاله بالنبات. وكان مولعًا به، وله فيه وفي علم الحيوان آراء واكتشافات مهمة؛ وخصوصًا في النبات، فإنه اكتشف كثيرًا من أنواعه في سياحاته بسورية وفلسطين ومصر وسينا والأناضول، وقد سمي بعضها باسمه «بوست»، وألَّف على أثر ذلك كتابه في نبات فلسطين وسورية، وأصبح ثقة بجغرافية فلسطين الطبيعية.

وقد جمع بتوالي الأعوام معرضًا نباتيًّا بالمدرسة الكلية، يعد من المعارض الثمينة، وكان (رحمه الله) يقضي أكثر ساعات الفراغ فيه. وقد أعانه في جمعه تلامذته في النبات؛ لأنه كان يفرض على كل منهم أن يجمع أمثلة من النبات ويجففها ويقدمها له، فيختار هو ما يستحسنه منها ويضيفه إلى معرضه. وكنا في جملة من فعل ذلك، فهو بهذا الفن وحده يستحق لقب العالم العامل، ويعد من كبار علماء النبات. وقد عرف فضله علماء أوروبا وأميركا؛ فأدخلوه في جمعياتهم الطبية والعلمية، فهو عضو في جمعية لينيوس في لندن، وفي نادي النباتيين، وعضو في أكاديمية الطب في نيويورك، ونال النيشان العثماني من الدولة العثمانية، ونيشان ال دوكان السكسوني، والنسر الأحمر من حكومة ألمانيا، ولقب فارس من جمعية فرسان أورشليم الألمانية؛ جزاء خدمته في المستشفى البروسياني في بيروت.

وكان له في المدرسة — فضلًا عن معرض النبات — معارض للمواد الطبية والمستحضرات الجراحية، وفيها آثار ما أجراه من العمليات الجراحية؛ كالحصى المثانية والأورام والعظام.

وكان مع ذلك يجد فراغًا يشتغل فيه بهندسة أبنية المدرسة، فقد رسم بعضها بيده، وكثيرًا ما كان يتعهد بناءها وينتقده؛ وخصوصًا قاعة العلم، فإنه تتبع بناءها بنفسه. ولم يكن يضيع فرصة لا يفيد بها تلامذته حيثما التقى بهم؛ من شرح عملية في المستشفى، أو تفسير حادثة على الطريق أو في المنزل. وكان رابط الجأش وهو يعمل العمليات، فكثيرًا ما سمعناه يتحدث في السياسة أو الأدب أو الاجتماع ويداه غائصتان في الدم، لا يظهر عليه الارتباك مهما يكن من خطر العملية التي يشتغل بها، فضلًا عن خفة يده في العمل.

وكان يرحل إلى أميركا سعيًا في جمع الأموال للمدرسة، وخصوصًا للقسم الطبي، ومن ثمار سعيه في هذا السبيل إنشاء قاعة العلم التي جعلوها دارًا للمعارض العلمية، وقد سميت باسمه G. E. Post Science Hall، ومن آثاره الأدبية في خدمة هذه المدرسة أنه أنشأ لتلامذة الطب جمعية سماها الجمعية الكلية، يتباحث فيها التلامذة في المواضيع المفيدة، وقد تولى رئاستها مدة طويلة، ووضع لها نظامات كانت مثالًا لكثير من الجمعيات التي نشأت في سورية بعد ذلك. أما آثاره القلمية فأهمها في الطب وفروعه، وبعضها في سبيل الكتاب المقدس، وهي:
  • (١)

    مبادئ التشريح والهيجين والفسيولوجيا.

  • (٢)

    علم الحيوان، في جزأين: الأول في نظام الحلقات في سلسلة ذوات الفقرات، والثاني في الطيور.

  • (٣)

    مبادئ علم النبات: ويتضمن شرح بنيته ووظائفه ووصف الفصائل الطبيعية.

  • (٤)

    نبات سورية وفلسطين: الذي ألفه بعد رحلته التي تقدم ذكرها، وهو من أهم مؤلفاته، وقد خدم فيه علم النبات خدمًا جزيلة.

  • (٥)

    كتاب الأقرباذين، أو المواد الطبية.

  • (٦)

    المصباح الوضاح في صناعة الجراح: وهو مطول في الجراحة العلمية.

  • (٧)

    مجلة الطبيب: أنشأها وحررها هو بنفسه بضع سنين، ثم حررها المرحومان الشيخ إبراهيم اليازجي والدكتور زلزل والدكتور خليل سعادة سنة واحدة، ثم تولى رئاسة تحريرها المرحوم الدكتور إسكندر بك البارودي، ولا تزال تصدر في بيروت إلى الآن.

  • (٨)

    فهرس الكتاب المقدس: وهو فهرس أبجدي مطول لكل الألفاظ الواردة في التوراة والإنجيل والزبور.

  • (٩)

    قاموس الكتاب المقدس، في مجلدين كبيرين.

غير ما كان يتلوه من الخطب أو ينشئه من المقالات مما نشر في المجلات العلمية وغيرها.

أخلاقه ومناقبه

قد رأيت مما تقدم أنه كان مثالًا في النشاط والهمة والثبات والمواظبة على العمل، مع المحافظة على الوقت، وكان يعد التقصير في ذلك رذيلة، ويغضبه الإخلال في الوقت لأي سبب من الأسباب. ذكروا من أمثلة ذلك: أنه كان في سفر بعيد، فلما رجع ذهب أصدقاؤه لملاقاته، ولم يذهب معهم ولده لاشتغاله بدرس كان عليه في تلك الساعة، فسألوه عن سبب تخلفه، فقال: «لأن والدي لا يرضى أن أترك درسي في هذا السبيل.»

وكان مدققًا في سائر معاملاته، لا يقصر فيما عليه للآخرين، ولا يحتمل تقصير الآخرين في حقه، وهذا هو السبب فيما أشيع عنه من التدقيق في اقتضاء حقه من مرضاه، فلم يكن يتجاوز عن شيء من أجرة العيادة أو العملية، وربما نقص المبلغ المطلوب قرشًا أو بعض القرش فلا يتحول ما لم يقبضه ولو كان المريض فقيرًا معوزًا، ويعدون ذلك بخلًا منه. وظهر هذا البخل مجسمًا بالمقابلة مع أريحية زميله الدكتور فانديك وسخائه، فقد كان (رحمه الله) كثير التساهل مع مرضاه، يعين بعضهم بثمن الدواء والطعام، فضلًا عن أجرة العيادة، فظهر تدقيق صاحب الترجمة بخلًا قبيحًا وتحدث الناس به. والحقيقة أنه إنما كان يفعل ذلك جريًا على طبيعته في دقة المعاملة — كما تقدم — بدليل ما علمناه عن ثقة أنه كان إذا دُعي لإعانة في مشروع خيري تبرع بأضعاف ما يتبرع به سواه، والتمس أن لا يُذكر اسمه في قائمة المتبرعين.

وكان عصبي المزاج، حاد الطبع، يتسرع إلى سوء الظن، ربما بعثه على ذلك بالأكثر صمم كان في إحدى أذنيه، فإذا رأى اثنين يتخاطبان سبق إلى ذهنه أنهما يتكلمان عنه، فيحكم بالظن. وقد يعاتب على الشبهة، وكثيرًا ما جرَّ ذلك إلى التنافر بينه وبين تلامذته حتى آل إلى التقاضي لدى عمدة المدرسة. وتجسم الخلاف مرة حتى اشتكاه طلبة الطب كافة إلى لجنة المبشرين الكبرى في سورية على أثر الخلاف الذي وقع بين الطلبة وعمدة المدرسة سنة ١٨٨٢م. وكنا من أولئك الطلبة، فاجتمعت تلك اللجنة من أنحاء سورية للنظر في ذلك الخلاف، لكنها لم تحسن السياسة في حكمها، فخرج معظم طلبة الطب من المدرسة، واستعفى الدكتور فانديك انتصارًا لهم في حديث طويل لا محل له هنا — والكمال لله وحده.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠