الفصل التاسع والأربعون

الشيخ أمين الجندي الْحِمْصِي

هو أشهر من نظم المقطعات أو الأدوار الغنائية في سورية ووقَّعها على الألحان. وُلد في مدينة حِمْص في أوائل القرن الثالث عشر للهجرة، ونشأ فيها وطلب العلم على علمائها، وتردد إلى دمشق وقرأ على أئمتها، وفي جملتهم الشيخ عمر اليافي الشهير، ثم عاد إلى موطنه وأقام فيه ومارس الشعر فنبغ به.

وفي سنة ١٢٤٦ﻫ جاء إلى حِمْص عاملٌ من قبل المغفور له السلطان محمود الثاني، فوشى إليه بعض أعوانه أن الشيخ أمين الجندي هجاه وطعن فيه، وبلغ ذلك الشيخ ففر إلى حماه، فبعث العامل في طلبه بعض رجاله، فقبضوا عليه، وحبسوه في إصطبل الدواب، ومنعوا عنه الطعام إلا قليلًا من خبز الشعير وبعض الماء، واتفق بعد أيام قليلة أن رجلًا من قبيلة الدنادشة يقال له سليم بن باكير غشي مدينة حِمْص بمائتي فارس من عشيرته ودخلها عَنْوة، وقتل عاملها، وأخرج الشيخ من السجن بعد أربعة أيام من سجنه، وفرح به الناس، وظل موقرًا محترمًا حتى توفاه الله سنة ١٢٥٦ﻫ/١٨٤١م، ودفن في حمص.

وقد عني بعضهم في جمع منظوماته في كتاب يعرف بديوانه، جمع فيه كثيرًا من القصائد والمقامات والموشحات، ننقل بعض الأغاني على سبيل المثال؛ لأن أهل الشام ومصر ظلوا يتغنون بمنظوماته معظم القرن الماضي، ومن ذلك قوله على نغم أبيات:

يا بدر حسنٍ تبدَّى من ورا الحجب
يفترُ ياقوته عن لؤلؤ رطب
ويا غزالًا زها بالتيه والعجب
أراش عمدًا لقتلي أسهم الهدب
سل بنديه. عن عطفيه. في برديه ليلًا إذا بانا
من جفنيه. أم لحظيه. أم كفيه. دارت حميانا
دور
يا ذا الرضاب الشهبي والمبسم الحالي
سَلْ كل من تشتهي في الحي عن حالي
يا بدر لا أنتهي إن لامني الخالي
حيرت للمنتهي في نقطة الخالي
خف مولاك. في أهلاك. من يهواك. وارفق بمفتونك
من أفتاك. يا فتاك. أو أغراك. في قتل محزونك

وله من عروض حجاز:

هيَّمتني تيَّمتني
عن سواها أشغلتني
أخت شمس ذات أنس
لا بكاسٍ أسكرتني
لست أسلوها ولو في
نار هجرانٍ سلتني
كعبة لبَّيت أسعى
للصفا لما دعتني
لنظام الحسن أبدت
طرَّة فيها سبتني
أم رماح من لجينٍ
تحت رايات غزتني
جدل الشال السليمي
فوق أعطاف شجتني

وله من عروض صبا:

إن أنعمت ليلايا
بالقرب يا بشرايا

دور

شمسٌ إلى الأقمار
تهدي سنا الأنوار
يا نسمة الأسحار
أبدي لها شكوايا

دور

سلَّت على العشاق
سيفًا من الأحداقِ
لا تنكروا أشواقي
فيها ولا بلوايا

وله من قدِّ لحنه رصد:

أقبل الساقي علينا
وهو كالبدر التمام
وانثنى عجبًا لدينا
حاملًا كأس الْمُدام
كالفرقد
بالخد المورَّد
والثغر المنضد
ولديه ايه ايه ايه قم واطرب واسكر
ولديه ايه ايه ايه كم بدر أسفر

دور

تحسد الأغصان طولك
كلما حيت طلولك
والهوا يثني قوامك
والصفا يجلو شموسك
يا أغيد
يا ذا القد الأملد
واللحظ المهند
بجمال خال حال عال في روضِ الزهرِ
وبشال سال طال مال يزهو بالجرِّ

وقال مخمسًا:

أفدي التي لو رآها الغصن مال لها
شوقًا ولو قتلتْ صبًّا لحلَّ لها
حوريةٌ لو رآها عابدٌ للها
مرَّت بحارس بستان فقال لها
سرقتِ رمانتي نهديك من شجري
قالت وقد بهتت من قوله خجلًا
فتش قميصيَ حتى تذهب الوجلا
فهم أن يقبض النهدين ما مهلا
فصاح من وجنتيها الجلنار على
قضيب قامتها لا بل هما ثمري

وقال مشطرًا:

يا ناقل المصباح لا تمرر على
ربع به صبح المحاسن أسفرا
واحذر بأن تغشى أشعة نوره
وجه الحبيب وقد تكحل بالكرى
أخشى خيال الهدب يجرح خده
فيبث مسك الخال منه العنبرا
أو أن يدبَّ لفيه نمل عذراه
فيقوم من سنة الكرى متذعرا

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠