الفصل الثالث والخمسون

السيد عبد الغفار الأخرس

هو من نوابغ شعراء العصر، وإن كنا لا نكاد نسمع بذكر اسمه في هذه البلاد، فهو بعيد الصيت طائر الشهرة في بلاد العراق وما جاورها من بلاد العرب والعجم، يتناشد أشعاره الأدباء، ويتنافسون بها في مجالسهم. وهو السيد عبد الغفار الملقب بالأخرس للكنة كانت بلسانه، ابن السيد عبد الواحد بن السيد وهب.

ولد في الموصل نحو سنة ١٢٢٠ﻫ، ونزح منها إلى بغداد، وقضى حياته في العراق منتقلًا من بلدة إلى أخرى، وأكثر إقامته إنما كانت في بغداد والبصرة. وقد نمى منذ صباه خبر ذكائه وتوقد ذهنه إلى داود باشا والي بغداد، فأرسله إلى بلاد الهند في طلب إصلاح لسانه وحل لكنته، فقال له أحد الأطباء: إنا نعالج لسانك بدواء فإما أن ينطلق وإما أن تموت، فقال: لا أبيع بعضي بكلي، وقفل راجعًا إلى بغداد.

وسنة ١٢٩٠ﻫ أتى البصرة قصد الذهاب إلى الحج، فأقعده مرض ألمَّ به، فعاد إلى بغداد، فلم ينجع فيه دواء، فرجع إلى البصرة، وتوفي بها يوم عرفة من ذلك العام، فشيع جنازته أفاضل البصرة، ودفنوه في مقبرة الإمام الحسن البصري خارج قصبة الزير.

وكان (رحمه الله) قليل الاعتناء بحفظ شعره وإثباته على كثرته، فبقي منثورًا في أيدي حفظته إلى أن عني بجمعه شاعر عراقي آخر، وهو أحمد عزت باشا الفاروقي ابن اخي الشاعر عبد الباقي العمري، فحصل منه على عشرة آلاف بيت طبعها في الآستانة العلية سنة ١٣٠٤ﻫ بديوان سماه «الطراز الأنفَس في شعر الأخرس».

ومما يدل على إعجابه وإعجاب شعراء العراق به قوله من جملة ما قال في مقدمة الديوان المذكور: «ورد من مسقط رأسه الموصل الخضراء إلى مدينة الزوراء، وجعلها له موطنًا، وعرينًا ومسكنًا، وكانت أكابرها تحترمه وتشتاق لطلعته، وأماجد العراق ترتاح إلى مفاكهته، ورؤيته ورويته، ومدح منها الأكابر الكرام، والفضلاء الأعلام، بشعر يقف مهيار عند أقوابه، ويعجز أبو تمام عن الوصول إلى فسيح رحابه، ويتمنى الرَّضِيُّ لو ارتشف الحميا من أكوابه، وابن الأزري لو اتَّزَرَ برقيق ثيابه، من آدابه، حيث إن منواله العريض الطويل لم يتيسر لأحد أن يأتي له بنظير أو مثيل. وقد مازج برقته الأرواح، ممازجة الماء القراح، بأقداح الراح.» انتهى.

ويؤخذ من مطالعة ديوانه أنه كان بعيد التصور، متوقد الذهن، يتصرف بالمعاني تصرفًا حسنًا. على أنه سلك مسلك أكثر شعراء المتأخرين من اتخاذ صناعة الشعر ذريعة للمعاش والترنم به في مجالس اللهو والطرب، ولذلك ترى تباينًا عظيمًا بين متانة قصائده والتفنن بأساليبها، فإذا مدح شاعرًا أو عالمًا أكثر فيها من الاعتناء، فجاءت بخلاف مدحه لأكابر القوم الذين لم يتخذ الشعر إلا وسيلة للتزلف إليهم، فكأنما هو باذل لكل من بضاعته.

ومن رقيق شعره قوله في الغزل:

لا تلم مغرمًا رآك فهاما
كل صبٍّ تركته مستهاما
لو رآك العذول يومًا بعيني
ترك العذل في الهوى والملاما
يا غلامًا نهاية الحسن فيه
ما رأت مثله العيون غلامًا
أتراني أبل فيك غليلًا
أم تراني أنال منك مراما
كلما قلت أنت برءٌ لقلبي
بعثت لي منك العيون سقاما
وبوحي من سحر عينيك يوحي
لفؤادي صبابة وغراما
عمرك الله هذه كبدي الحرَّ
ى تشكَّت إلى لماك الأواما
فاسقني من رحيق ريقك صِرْفًا
لا يريني كأس المدام مداما
حام خالٌ على زلال برود
هو في فيك فاصطلاها ضرامًا
أطعمته في فيك أطماعنا فيـ
ـك فما نال بردها والسلاما
فالأمان الأمان من سحر عينـ
ـيك فقد جردت علينا حساما
لست أدري وقد تثنيت تيهًا
أقضيبًا هززته أم قوامًا

وقوله في المدح من قصيدة أنفذها للعلامة الآلوسي:

لقد أوتيت غاية كل فضل
بخوضك في العلوم وفي اشتغالك
إذا افتخرت بنو آلٍ بآل
ففخر الدين أنت وفخر آلك
وفي مرآك للأبصار وحيٌ
ينبئنا فديتك عن جلالك
فيا فرع النبوة طبت أصلًا
ثمار الفضل تُجنى من كمالك
ظفرنا من نداك بما نرجي
على أن ما ظفرنا في مثالك
وكم لله من سيف صقيل
بجوهرة العناية في صقالك
وما أنا قائل بنداك وبلٌ
لأن الوبل نوع من بلالك
إذا الأيام يومًا أظمأتنا
وردنا من يمينك أو شمالك
وإن جاوزت بالبرهان قومًا
تحامى من يرومك في نزالك
وكل منهم وله مجالٌ
فما جالت جميعًا في مجالك
وإنك أكثر العلماء علمًا
ولست أقلهم إلا بمالك
نعم هم في معاليهم رجالٌ
ولكن لم يكونوا من رجالك
وما في الناس من تلقاه إلا
ويسأل من علومك أو نوالك
فتولي من جميلك كل شخص
كأن الخَلْق صارت من عيالك

وقوله في العتاب:

بقيت بقاء الدهر هل أنت عالمٌ
من العتب ما يملي عليك وما أملي
لقد كنت تجزيني بما أنت أهله
على الشعر قبل اليوم بالنائل الجزل
فأرجعُ عن نعماك في ألف درهم
أزيل بها فقري وأغني بها أهلي
فنقصتني شيئًا فشيئًا جوائزي
وأوقفت حظي منك في موقف الذل
ولي فيك ملء الخافقين مدائحٌ
ولي غررٌ ما قالها أحدٌ قبلي
فمن أي وجه أنت أنزلت رتبتي
وأصبحت بعد الوبل أقنع بالطل
فإن كان من بخلٍ فلم يرَ قبلها
فتًى من رسول الله يوصف بالبخل
وإن كان من قلٍّ هناك وجدته
فما تعذر القوم الكرام من القل
وإن كان من طعن العداة وقدحهم
فما قولهم قولي ولا فعلهم فعلي
أكان لمولانا بذلك حكمةٌ
فقصر عن إدراك حكمته عقلي
فليس من الإنصاف مثلي تضيعه
وتجهله ظلمًا وحاشاك من جهل
وبحرك تيارٌ ومالك وافرٌ
وجودك معلومٌ وأنت أبو الفضل
وتبلغ منك الناس أقصى مرامها
ويحرم من دون الورى شاعرٌ مثلي

وقوله في الحماسة:

واقتحمها إذ نبت بك يومًا
فأرى المجد بابه الاقتحامُ
ادفع الشرَّ إن علمت بشرٍّ
ربما يدفع السقامَ السقامُ
فمتى تكبر العزائم بأسًا
صغرت عندها الأمور العظامُ
وتقلد بالرأي قبل المواضي
ليس يجدي بغير رأي صدام
رب رأي بالخطب يفعل ما لا
يفعل السمهريُّ والصمصامُ
واحذر الغدر من طباع لئيم
عنده الغدر بالصديق ذمامُ
وادخر للوغى مقالة حرب
لا تقوي الأجسام إلا العظامُ

ومن رقيق شعره قوله من موشح طويل:

بحياة الطاس والكاس عليك
نزَّه المجلس من كل ثقيل
وتحكم إنما الأمر إليك
ولك الحكم ومن هذا القبيل
كيف لا والكاس تسقى من يديك
ما على المحسن فيها من سبيل
ولك الله حفيظًا ولنا
حيثما كنت وما شئت أفعل
وآجر حكم الحب فينا وبنا
أنت مرضيٌّ وإن لم تعدل

دور

حبذا مجلسنا من مجلس
جامع كل غريب وعجيب
نعم العود وشعر الأخرس
ومحب مستهام وحبيب
يتعاطون حياة الأنفس
في بديع اللفظ والمعنى الغريب
بابلي السحر معسول الجنى
أين هذا واشتيار العسل
وإذا مرَّ نسيم بيننا
قلت هذا ويحكم من غزلي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠