الفصل السادس والخمسون

عبد الله باشا فكري

هو عبد الله باشا فكري بن محمد أفندي بليغ بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد. وكان الشيخ عبد الله من العلماء المدرسين في جامع الأزهر، وكان مالكيَّ المذهب، أخذ العلم عن الشيخ عبد العليم الفيومي وغيره. وما زال الشيخ عبد الله مقيمًا في مصر حتى قدمت الجنود الفرنساوية في أواخر القرن الثامن عشر وأساءوا معاملة العلماء، فرحل إلى منية خصيب (المنيا) فأقام بها مدة، ثم عاد إلى القاهرة وعكف على الاشتغال في العلم حتى توفي، فنشأ ابنه محمد أفندي بليغ على مثال أبيه؛ جادًّا في طلب العلم.

وكانت مصر قد ازدهت بالعائلة المحمدية العلوية، وأنشئت مدارس العلوم الرياضية والمدرسة الحربية، فدخلها وخاض عباب علومها حتى تمكن منها، فانتظم في خدمة الجيش فترقى إلى رتبة صاغقول أغاسي، وحضر عدة مواقع حربية؛ أهمها حرب المورة، فعقد في المورة على والدة المترجم وعاد بها إلى الحجاز، فوضعت بمكة المشرفة غلامًا سماه باسم أبيه عبد الله، وهو عبد الله باشا فكري صاحب الترجمة.
figure
عبد الله باشا فكري ١٢٥٠–١٣٠٧ﻫ.

ومن غريب الاتفاق أن سنة ولادته وافقت مجموع جمل الآية: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ، وذلك سنة ١٢٥٠ﻫ، وقد وافق ذلك نبوغه بالعلم والفضل، واشتهاره بسائر فنون الكتابة نثرًا ونظمًا، وقد أعجب هو أيضًا بهذا الاتفاق، فلما شبَّ وتعلَّم نقش هذه الآية على خاتم له كان يختم به كتبه، ثم عاد محمد أفندي بليغ بولده إلى القاهرة، وما زال في خدمة الحكومة حتى نال منصب باشمهندس الشرقية، ثم مفتش هندسة الجيزة والبحيرة، وتوفي سنة ١٢٦١ﻫ.

أما صاحب الترجمة فكان عند وفاة والده لم يتجاوز الحادية عشرة، فنشأ في حجر بعض أقارب أبيه، وكان قد بدأ يتعلم القرآن فأتمه وجوَّده، ثم اشتغل في طلب العلم بالجامع الأزهر، وتلقى العلوم المتداولة فيه؛ كاللغة والفقه والحديث والتفسير والعقائد والمنطق، على الشيخ إبراهيم السقا والشيخ محمد عليش والشيخ حسن البلتاني وغيرهم. وكان مع ذلك يشتغل في تعلم اللغة التركية حتى أتقنها، وتعيَّن في القلم التركي في الديوان الكتخدائي (١٢٦٧ﻫ) وهو لا يزال مكبًّا على طلب العلم في الأزهر، يغتنم ساعات الفراغ قبل ذهابه إلى الديوان وبعد رجوعه منه.

ثم انتقل من الديوان المذكور إلى ديوان المحافظة، ثم إلى الداخلية بصفة مترجم، ثم ألحق بالْمَعِيَّة السَّنِيَّة على عهد المغفور له سعيد باشا، وبقي فيها إلى ولاية الخديوي الأسبق إسماعيل باشا سنة ١٢٧٩ﻫ، فأبقاه في مَعِيَّته فسافر معه إلى الآستانة عندما أَمَّها لإتمام الرسوم في تقليد الولاية وأداء الشكر للحضرة السلطانية. وما زال في خدمته يرافقه في أكثر رحلاته، فسافر إلى الآستانة مرارًا بمهمة الكتابة تارة مع الخديوي الأسبق، وطورًا مع الحرم الخديوي، وبمهمات أخرى، فنال الرتبة الثانية مع لقب بك سنة ١٢٨٢ﻫ.

وفي سنة ١٢٨٤ﻫ قلَّده الخديوي الأسبق ملاحظة الدروس الشرقية، وهي العربية والتركية والفارسية، بمعية أنجاله، وهم المغفور لهم محمد توفيق باشا الخديوي السابق، والبرنس حسن باشا، والبرنس حسين باشا عم الجناب الخديوي، وغيرهم من أمراء اللغة الخديوية.

فقام يباشر أمرهم في التعليم والتعلم، والتدرج في الفضل والتقدم، فكان أحيانًا يباشر التعليم بنفسه، وأحيانًا يقوم بمراقبة غيره من المعلمين، وملاحظة إلقاء الدروس وتقويم طريقة التعليم. فلم يزل على ذلك إلى أن ترقى الخديوي السابق إلى رتبة الوزارة والمشيرية، وتوجه إلى دار الخلافة العظمى لأداء رسوم الشكر على ذلك لجلالة السلطان الأعظم، فصحبه المترجم إلى دار السعادة، وبقي معه إلى أن عاد.

وفي سنة ١٢٨٦ﻫ نُقِلَ إلى ديوان المالية، فأقام أيامًا بغير عمل، ثم عُهِدَ إليه النظر في أمر الكتب التي كانت في ديوان المحافظة على ذمة الحكومة، وإبداء رأيه فيها، فلبث مدة يتردد إلى ذلك الديوان وينظر في الكتب. ثم رفع تقريرًا مفصلًا ضَمَّنه بيانها وما رآه في حالها، وذكر فيه أن بقاءها على حالتها لا يحسن ولا يحفظها، ولا يمكِّن من الانتفاع بها، وقال بلزوم جعلها على هيئة ينتفع بها الناس؛ إما بإنشاء محل خاص تنقل إليه ويجعل فيه ما فيه الكفاءة لها من الخزائن، وتوضع به على الوضع الموافق، وإما بإحالتها على المدارس لتودع في المكتبة الجاري إنشاؤها بمساعي المرحوم علي باشا مبارك ناظرها إذ ذاك، على سعة لا تضيق بهذه الكتب وأمثالها، وأوضح أن الوجه الثاني أولى. وقد حصل ذلك على ما قرره، فاستُنْقِذَتْ تلك الكتب النفيسة من زوايا الخمول والإهمال، ورُتِّبَتْ ترتيبًا حسنًا في المكتبة المذكورة، وهي الكتبخانة الخديوية الشهيرة.

وكان المجلس الخصوصي إذ ذاك (وقد خلفه الآن مجلس النظار) مشتغلًا في جمع اللوائح والقوانين وتنقيحها وتعديلها، فعهد إلى صاحب الترجمة بالمساعدة في ذلك، فاستلم القوانين واللوائح التركية، وأخذ في العمل إلى سنة ١٢٨٧ﻫ.

وفي سنة ١٢٨٨ﻫ تعيَّن وكيلًا لديوان المكاتب الأهلية، والرئيس إذ ذاك المرحوم على باشا مبارك. وفي سنة ١٢٩٤ﻫ نال صاحب الترجمة رتبة المتمايز، وبعد سنتين تعيَّن وكيلًا لنظارة المعارف العمومية، ونال رتبة ميرميران الرفيعة، ثم عهد إليه منصب الكتابة الأولى بمجلس النواب مع المنصب السابق، وفي سنة ١٢٩٩ﻫ تعين ناظرًا للمعارف العمومية، وفي رجب من تلك السنة أقيل من منصبه مع سائر زملائه النظار لأحوال اقتضتها الثورة العسكرية إذ ذاك، وأمرها مشهور.

ثم كانت الثورة العرابية — المشار إليها — فلما انقضت وأخذت الحكومة في محاكمة زعمائها والقائمين بها، كان صاحب الترجمة من جملة المقبوض عليهم، وبعد استجوابه لدى لجنة التحقيق ظهرت براءته، فأُطْلِقَ سراحه، ولكنهم قطعوا عنه معاشه، فشق ذلك عليه، فالتمس المثول بين يدي المغفور له الخديوي السابق ليدرأ عنه ما بقي من آثار الشبهة عليه، فلم يؤذن له، فعاد يلتمس ذلك من وجهة أخرى، فنظم قصيدة شائقة يمدح بها الحضرة الخديوية، وقد أبان فيها براءة ساحته، نحا بها منحى النابغة في اعتذاره، وهاك مقتطفات قال منها:

كتابي توجَّهْ وجهة الساحة الكبرى
وكبِّر إذا وافيت واجتنب الكبرا
وَقِفْ خاضعًا واستوهب الإذن والتمس
قبولًا وقبِّل سدة الباب لي عشرا
وبَلِّغْ لدى الباب الخديوي حاجة
لذي أمل يرجو له البشر والبشرا
لدى باب سمح الراحتين مؤمل
صفوح عن الزلات يلتمس العذرا
تنوء الجبال الراسيات لحلمه
إذا طاش ذو جهل لدى غيظه قهرا
يراقب رحمن السموات قلبه
فيرحم من في الأرض رفقًا بهم طُرا
مليكي ومولاي العزيز وسيدي
ومن أرتجي آلاء معروفه العمرا
لئن كان أقوام عليَّ تقوَّلوا
بأمر فقد جاءوا بما زوروا نكرا
حلفت بما بين الحطيم وزمزم
وبالباب والميزاب والكعبة الغرا
لما كان لي في الشر باع ولا يد
ولا كنت من يبغي مدى عمره الشرا
ولكن محتوم المقادير قد جرى
بما الله في أم الكتاب له أجرى
أتذكر يا مولاي حين تقول لي
وإني لأرجو أن ستنفعني الذكرى
أراك تروم النفع للناس فطرة
لديك ولا ترجو لذي نسمة ضرا
فعفوًا أبا العباس لا زلت قادرًا
على الأمر إن العفو من قادر أحرى
وحسبي ما قد مرَّ من ضنك أشهرٍ
تجرعت فيها الصبر أطعمه مرا
يعادل منها الشهر في الطول حقبة
ويعدل منها اليوم في طوله شهرا
أيجمل في دين المروءة أنني
أكابد في أيامك البؤس والعسرا

وكلها درر تشهد بفضله.

ولما عُرِضَتْ على سموه أجلَّها وأحلَّها محلها، وسمح له بالمثول بين يديه، وأعاد له معاشه؛ دلالة على رضائه عنه، فنظم قصيدة يشكره بها، نذكر منها الأبيات الآتية:

ألا إن شكر الصنع حق لمنعم
فشكرًا لآلاء الخديوي المعظم
مليك له في الجود فخر ومفخر
على كل منهلٍّ من السحب مرهم
سأشكره النعماء ما عانقت يدي
يراعي أو استولى على منطقي فمي

وفي سنة ١٣٠٢ﻫ توجه إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، فلقي من علماء مكة والمدينة وأدبائهما ما يليق بمقامه من الإكرام والإعظام. وكتب في ذلك كتابًا سماه الرحلة المكية. وفي السنة التالية شخص لزيارة بيت المقدس والخليل، ومعه نجله المرحوم أمين باشا فكري، فلقي من العلماء والعظماء هناك ما يجدر بفضله، ثم سارا إلى مدينة بيروت الزاهرة لتبديل الهواء، وأقاما فيها شهرًا، كان مقامهما فيها منتدى الفضلاء ومشرع الأدباء والعلماء، ثم ارتحل إلى دمشق فلاقى فيها ما لاقاه في بيروت من الاحتفاء وحسن الوفادة، ثم عرج إلى بعلبك فزار آثارها، وسار منها بطريق لبنان إلى بيروت، فأقام فيها شهرين وعاد إلى مصر.

وفي سنة ١٣٠٦ﻫ انتدبته الحكومة المصرية لرئاسة الوفد العلمي المصري في المؤتمر الذي انعقد في مدينة استوكهلم عاصمة أسوج ونروج، وصحبه في هذه الرحلة أيضًا نجله — المتقدم ذكره — عضوًا في هذا الوفد. وقبل سفره من إسكندرية أحسن إليه الجناب الخديوي بالنيشان المجيدي من الدرجة الثانية. وقد مرَّ في وفادته المذكورة على تريستا من أعمال النمسا، وفينسيا (البندقية) وميلانو من أعمال إيطاليا، ولوسرن من أعمال سويسره، وباريس، فأقام بها أكثر من عشرين يومًا، تفرَّج فيها بمشاهد المدينة وضواحيها، وكان وقت المعرض، فشاهد ما فيه من عجائب الصنائع وغرائب الفنون. ثم برحها إلى لندره، ومنها إلى نوتردام، وهي من أعمال هولاندا، وليدن من أعمالها أيضًا، وزار مكتبتها الشهيرة، ورأى مطبعتها المعروفة بالمطبوعات الشرقية. ثم توجه منها إلى كوبنهاجن عاصمة الدنيمارك، ومنها إلى استوكهلم محل مأموريته، فنال من العلماء المجتمعين لهذا المؤتمر باستوكهلم وخرستيانيا مزيد الرعاية، وأهداه أُسكار الثاني ملك أسوج ونروج عند إتمام هذه المهمة نيشان (وازة) من الدرجة الأولى.

ومر في العودة من مأموريته على برلين عاصمة بلاد ألمانيا، وفيانا عاصمة النمسا، فلقي بها ما لقيه في العواصم الأخرى من الاحتفاء. وقد أخذ بعد عودته إلى مصر يجمع المواد ويعد المعدات لتدوين رحلته التي وعد بها عن المهمة، وعما رآه في العواصم التي مر بها، ولكن منعه من استمرار السير في ذلك السكتة القلبية التي اعترته في شهر رجب سنة ١٣٠٧ﻫ، فأبقى إتمامها إلى ما بعد تمام صحته، ولكن عاوده بعد ظهر الخميس في ٧ ذي الحجة وهو عائد من أبعاديته بتلحوين، وتزايد عليه حتى وافاه الأجل المحتوم في الساعة الثانية عربية من صباح يوم الأحد عاشر الشهر، وهو يوم النحر، وشيِّع محمولًا على هامات الوقار والتبجيل، تودعه المحاجر والقلوب. ونظرًا لما كان له من المقام الرفيع لدى المغفور له الخديوي السابق تعطَّف (رحمه الله) بتعزية أهله وأولاده برسالة برقية.

وكان (رحمه الله) شاعرًا مطبوعًا، وكاتبًا فصيحًا، وقد نبغ بين الكتبة والشعراء ومصر قليلة الوسائل التعليمية. وكان يذهب في إنشائه مذهب القرون الوسطى من أبناء هذا اللسان، مع ميل إلى التسجيع.

أما رحلته إلى المؤتمر، فقد عُنِيَ نجله — المتقدم ذكره — بنشرها في كتاب سماه «إرشاد الألبا إلى محاسن أوروبا» في مجلد ضخم طبع بمصر سنة ١٨٩٢م، وهو جدير بالمطالعة حقيق بالاعتبار؛ لِمَا حواه من أوصاف المدن الأوروبية وعادات أهلها وأخلاقهم، وفيه شيء كثير من نظم المؤلف ونثره مما لم ينشر في سواه، وأبحاث علمية ولغوية وأدبية.

ومن مؤلفاته أيضًا المقامة الفكرية في المملكة الباطنية، طبعت في مصر غير مرة، ورسالة مطوَّلة إلى المرحوم سلطان باشا يحثُّه فيها على نشر العلوم في أنحاء الصعيد، ونبذة من محاسن آثار المغفور له محمد علي باشا الكبير، وله غير ذلك من المقالات والخطب، وله في رواية الحديث طرق عديدة وأسانيد سديدة، فضلًا عن قصائده الرنانة، وقد ذكرنا مثالًا منها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠