الفصل التاسع والخمسون

إلياس صالح

وُلد في بيروت، وتلقى العلم في المدرسة الكلية السورية الأميركانية، فنبغ في اللغة العربية وآدابها، وكان منذ حداثته متوقد الذهن ذكيًّا فطنًا، ومن غريب قريحته أنه جمع بين الشعر والإنشاء، ويندر أن يتفق ذلك لواحد.

نال شهادة البكلورية من المدرسة الكلية سنة ١٨٨٨م> وكان قد اشتهر بين البيروتيين بقريحته السيالة في الشعر، وسلامة ذوقه في الإنشاء، فاستقدمته إدارة المقطم فتولى التحرير فيها حتى توفاه الله في ريعان الشباب، ولو فسح في أجله لأتى بمعجزات البيان؛ لأنه كان على صغر سنه من نوابغ الشعراء وعمدة الكتاب، حتى طار صيته في القطرين. وكان كاتبًا أديبًا تسيل عباراته سهولة، وتمتزج معانيه بالنفوس رقة، قلَّ أن يهفو هفوة يؤخذ عليها، متضلعًا بقواعد اللغة، لو سألته عن أي شاردة من شواردها لأجابك فورًا وأورد لك مثالًا أو أمثلة. وكان إنشاؤه عربيًّا فصيحًا خالصًا من صبغة العجمة، مع كثرة اشتغاله ومطالعته باللغات الأجنبية. وكان قابضًا على ناصية الألفاظ، عارفًا اشتقاقاتها ومواقعها وظلال معانيها، فلا تسأله عن لفظ إلا أورد لك سائر اشتقاقاته ومعانيه، وأشار بأصبعه إلى موضع كل منها في الصفحة من القاموس.
figure
إلياس صالح ١٨٧٠–١٨٩٥م.

وكان شاعرًا مطبوعًا، يمتاز شعره مع الرقة والفصاحة بالسهولة والطلاوة، لا يخلو له بيت من نكتة تدل على الذكاء والظرف. وقد نظم على صغر سنه واشتغاله عن الشعر قصائد رنانة ومقاطع جرت مجرى الأمثال.

وكان مع ذلك سريع الخاطر فطنًا، لا تكاد تبدأ بحديثك حتى يدرك مرادك منه، ولا تخفاه خفية من مكنونات معانيك حتى يخال لك أنه ينطق بلسانك ويعبر عن جنانك، وكان حلو الحديث، حسن المعاشرة، لا يخلو مجلسه من المطارحة أو المذاكرة أو المباحثة فيما يحلو الخوض فيه من المواضيع الأدبية أو العلمية أو السياسية. وإذا ناظرته في أمر آنست منه آراء قويمة وأفكارًا أكثرها في جانب الإصابة.

وكان أديبًا عفيفًا يتحدث بعفته واعتداله سائر أصدقائه وخِلَّانه ما يصح أن يكون قدوة لشبان هذا العصر، ويندر أن نرى على مثاله بينهم.

وكان يعرف اللغة الإنكليزية معرفة جيدة؛ ترجمة وكتابة، ويحسن الفرنسوية، وكثيرًا ما عرَّب قصائد إنكليزية فنظمها في العربية، لا يشك قارئها أنها نظمت في العربية رأسًا. وترجم جانبًا من رواية الأميرة المصرية، درج شيء منه في مجلة اللطائف قبل مرضه، وفيها ما يدل على تمكُّنه من الإنكليزية مع اقتداره على نقل معانيها إلى عبارة عربية فصيحة لا يشتم منها رائحة التعريب.

وكان كبير النفس عزيزها، ممتلئ القلب أنفة ونزاهة، لا يفتر لحظة عن الاهتمام بمستقبله. وقد بالغ في ذلك حتى أودى به إلى تعب الجسم ونحول البدن، فلما جاءه المرض لم يستطع إلى دفعه سبيلًا، فقضى ونفسُه شاخصةٌ إلى المعالي، وآماله لا تزال عالقة بنيل الأماني إلى آخر نسمة من حياته.

وأما آثاره، فإن الأجل لم يفسح له إلا قليلًا، ومع ذلك فإن من منظوماته ما تناقلته الألسنة، وأعجب به رجال الأدب، وأكثره منشور في جريدة المقطم، ومنه ما يتناقله زملاؤه في المدرسة في محفوظهم، ولم نوفق إلى جمع شيء يستحق النشر في كتاب على حدة، فنأتي بأمثلة منها دلالة على منزلته من عالم الشعر.

قال من قصيدة فلسفية في «الحرية»، ودَّع بها المدرسة الكلية عند نيل شهادتها:

خلِّ عنك الوقوف في دار ميَّة
واعتزل ذكر زينب وأميَّهْ
رحم الله كل من قال شعرًا
في ربوع الإسلام والجاهليهْ
إنما دارنا بمن شرفوها
عن سليمي وعن سعاد غنيه
بل هي الروض فتح الزهر فيه
من خلال اللواحظ النرجسيه
وأقامت فيه خدود العذارى
حرب بدر على القلوب الشقيه
لا تلمني يا عاذلي بهواها
فأنا قيس هذه العامريه
وعلامَ الملام والقلب قلبي
ومعي فيه حجة شرعيه
فإذا كنت تدعيه فقدم
(عرض حال) للأعين التركيه
وخبطنا العشواء لوكنت تدري
في ليالي تلك الشعور الدجيه
واتخذنا سلاسل الشعر قيدًا
فنسينا المسكينة الحريه
وزعمنا الإنسان ذا شهوات
يمتطيها مهما تكن دنيويه
وهو زعم إن صح فالمرء خلق
من جميع المناقب الأدبيه
أفلا تستطيع إن جعتَ قل لي
كبح تلك المطالب الجسديه
أنت حرٌّ فتستطيع ومهما
قاومتك الطبيعة البشريه
ولكون الانسان يسأل عما
يمتطيه من الأمور الدنيه
شاهدٌ أنه مدى الدهر حر
يفعل الأمر عن رضى ورويه
هب أدرت الإدارة أنت فأخطت
أعليها في ذاك مسئوليه
كم تلظيت إذ أسأت صنيعًا
وندمت الندامة الكسعية
إن في (ليتني فعلتُ) دليلًا
من أصح الأدلة العقليه
أنكر الناس ذاك قبلًا ولكن
أثبتته الشرائع المبدنيه
أنت حر يا أيها المرء فاعلم
ولك العلم فيه والأسبقيه
أنت حر فاعلم بهذا وعلم
أنت حر وهذه أوليه
لست عبدًا إن كنت تحت نظام
لا وليس النظام ذا أوليه
أنت فوق النظام إن تتبعه
ولأنت الذي وضعت الوصيه
يتمنى الإنسان لو كان عبدًا
ويقيم الأدلة العلميه
ولكم قد رأيت من حيوان
يقضم الحبل بغية الحريه
يا بني أمنا ذوي الفضل بل يا
معشر الناطقين بالعربيه
لست عبدًا أنا ولا أنت مولى
أيها اللابس الحلي الذهبيه
هكذا الناس أيها الناس طرًّا
ما لزيد على عبيد مزيه

وساق الكلام إلى وصف الفراق وفراق التلامذة والأساتذة فقال:

لست ممن يقوى عليه فرفقًا
بالمعنى يا ساكني الكليه
كيف تلقون في لظى الوجد نفسي
وأنا صالح ونفسي بريه
يا بدورًا راموا التباعد عني
وأمطوا للفراق أي مطيه
أفلا تجذب البدور بحورًا
ها دموعي فأين ذي الجاذبيه
إن درًّا أودعتموه بإذني
صهرته حرارتي القلبيه
وستذريه مقلتاي عقيقًا
فترون الغرائب الكيميه

وقال يهنئ صاحبي المقتطف برتبة الدكتورية، وكان قد سافر إلى بيروت فبدأ بوصف السفينة واستطرد إلى المدح، قال:

تلك السفينة باسم الله مجراها
على دموعي مسراها ومرساها
تجري وفي قلبها النيران موقدة
مثلي كأن هوى الأوطان أشجاها
سكرى تميد بمن فيها فتسكرهم
وهمًّا فكيف إذا ذاقوا حماياها
وليس بدعٌ إذا سارت بنا مرحًا
فتلك جارية يهتز عِطْفاها
هيفاء لكنها بالقار قد خضبت
كالخود يخضب بالحناء كفاها
سلطانة البحر إذ ترسو يحيط بها
من القوارب جند من رعاياها
وإن سرت نشرت أعلامها وشدا
صوت البخار لها والموج حياها
طورًا تُرَى في قرار اليم غائصة
وتارة فوق هام السحب تلقاها
لم أنسَ ليلة بتنا والرفاق بما
نرعى النجوم ولو شئنا مسسناها
وحولنا الماء من كل الجهات ولا
شيء سوى الماء يغشانا ويغشاها
تزجي الركاب إلى أرض الشآم وفي
مصر لنا حاجة هيهات ننساها
أنتم منى النفس لا زالت تطيب بكم
نفس الصحاب وتلقى نجح مسعاها
سعى إليكم بنا فضل لكم شهدت
به البرية أقصاها وأدناها
وشهرة بين أهل الأرض طائرة
يردد الصحب والأعداء ذكراها
ورغبة في اقتباس العلم غالبة
لم نهجر الأهل والأوطان لولاها
يا بهجة الشرق حسب الشرق أنكما
من بعض أبنائه بين الورى جاها
أحييتما العلم فيه بعد أن درست
معالم الدرس والإهمال أفناها
شهادة لم ينلها غير ذي خطر
قد نال من درجات الفضل أسماها
لأنتما توأماها دون غيركما
وأنتما أنتما في الشرق صنواها
فلتهنآ وهي فلتهنأ ونحن بما
حزنا وحازت وحزتم واشكروا الله

وقال يصف جسر قصر النيل بالقاهرة، وفيه إشارة إلى دورانه في أثناء فتحه:

جسر قصر النيل المبارك جسرٌ
قصرت في الفخام عنه الجسور
ثابت كالزمان هيهات يفنى
وهو أيضًا مثل الزمان يدور

وله في نظم التواريخ أبيات لم نرَ مثلها فيما نظمه الشعراء، من ذلك تاريخ نظمه تقريظًا لكتابنا تاريخ مصر الحديث عند صدوره سنة ١٣٠٨ﻫ، يكاد يكون معجزة من معجزات النظم، وهو قوله بعد وصف الكتاب نثرًا:

وبالاختصار فقد حوى ووعى
ما لم يكن في الكتب منسوخا
فيرى الحكيم له به عظة
ويرى الجهول كذاك توبيخا
ويرى المطالع فيه تفكهة
ويرى المؤرخ فيه تاريخا

وآخر ما نظمه قبل مرضه بيتان، كتبهما إلى خطيبته على بطاقة، وفيهما إشارة إلى ساعة أهداها إليها، وهما:

يا من دعاني حبه فأجبته
سمعًا لما تدعو إليه وطاعهْ
تفديك روحي إن حبك راسخ
فيها قديمًا قبل هذه الساعه

وبيتان آخران كتبهما إليها، وقد أهداها حليًّا مرصعًا على شكل طائر يجعل في أعلى الصدر، وهما:

إليك حبيب القلب مني هدية
تزيدك في عيني محاسنها حسنا
أتتك وقد حنت إليك صبابة
ولا عجب للطير أن يعشق الغصنا

ومن النكات الشعرية قوله في نحوية:

ونحوية ساءلتها أَعْربي لنا
حبيبي عليه الحب قد جار واعتدى
فقالت حبيبي مبتدًا في كلامهم
فقلت لها ضميه إن كان مبتدا

وقوله:

قد رماني بالصد والهجر عمدًا
ولحاني إذ ملت للسلوان
ما رأى نفسه فلا تعذلوه
لا ترى العين نفسها بل تراني

وآخر ما نظمه بعد مرضه، وقد ثقلت عليه وطأة الحمى، بيتان قالهما في وصفها وكانت تشتد عليه ليلًا:

إذا جنَّ الظلام وغاب صحبي
وفارقني أحبائي وناسي
أتت تسعى إليَّ وليس ترضى
مقامًا غير أحشائي وراسي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠