الفصل الثاني والستون

عبده الحمولي

المغني المصري الشهير

إن الأمة شديدة التعلق بموسيقيها وشعرائها وخطبائها ومن جرى مجراهم من رجال الأدب ممن يشاركون الناس في إحساسهم، فالشعراء يصورون عواطف الأمة ويدافعون عن أعراضها، والخطباء يحركون حاساتها ويجمعون كلمتها، والموسيقيون — ومنهم المغنون — يطربونها ويشرحون صدورها. ويشتد شعور الأمة بفضل أولئك الرجال، ويتعاظم أسفها على ضياعهم بنسبة مبلغها من التقدم في معارج المدنية.

نعم إن الأمة إذا تمدنت عرفت قدر مخترعيها وعلمائها وفلاسفتها وساستها وغيرهم من رجالها العظماء، فتنحت لهم التماثيل، وتقيم لهم الأنصاب، وتؤلف الكتب في الثناء عليهم، ولكنها تفعل ذلك مدفوعة بإقرارها بالجميل. وأما الشعراء والموسيقيون والخطباء فإنها تشعر بفقدانهم شعور الصديق بموت صديقه أو الوالدة بضياع ولدها، فتبكيهم بلا كلفة ولا صناعة.

والفيلسوف أستاذ الأمة وحكيمها، والمخترع ساعِدها وخادمها في تسهيل أعمالها. وأما الشاعر فإنه يترجم عواطفها ويصور إرادتها، والموسيقي ينفِّس كربها وينعش روحها، والخطيب يُنهض همتها ويجمع كلمتها، ففي موت أحدهم تأثير على النفس يثير العواطف ويهيج الشجون، وفي حياته حياتها الأدبية. والأمم المتمدنة تكون آدابها كما يشاء شعراؤها وخطباؤها وموسيقيوها، فلا غرو إذا جنَّ الناس بأهل تلك القرائح.
figure
عبده الحمولي ١٨٤٥–١٩٠١م.

ألا ترى ما فعل الفرنساويون بفيكتور هيكو شاعرهم وكاتبهم، وقد عشقوه حتى كادوا يعبدونه، فحملوه على أكفهم وهو حي وطافوا به الشوارع والأزقة ينادون بفضله. وقس على ذلك ما تبديه الأمم المتمدنة من أمثال ما تقدم.

على أن إكرام الشعراء طبيعي حتى في عصور البداوة، فقد كان الشعراء في جاهلية العرب حُماة الأعراض، تتفاخر بهم القبائل وتستحث قرائحهم في الدفاع عنها.

ويسرنا أن نرى ذلك الشعور قد أينع في وادي النيل في أواخر القرن الماضي، على أثر ما بلغته مصر من الارتقاء.

فقد أنبأنا صديق نثق بصدق روايته أن جماعة من أدباء المصريين في بعض مدن الصعيد لما بلغهم منعى الشاعر المرحوم الشيخ نجيب الحداد، وكانوا من قراء أشعاره ورواياته، لم يكتفوا بالبكاء والرثاء ساعة الفاجعة، ولكنهم تحالفوا على ندبه في كل حين؛ قال الراوي: «واشتد بهم الأسف حتى تواطئوا على ترك الدنيا والإسراف في صحتهم حتى يلحقوا به!» ومهما يكن من بُعد هذا القول عن الحكمة والتعقل مع ما يتخلله من دلائل الطيش، فإنه يدل على درجة اشتراك عواطف الأمة بشعرائها.

والموسيقى أخت الشعر، وتأثيرها أعم من تأثيره؛ لأن الشعر لا يؤثر إلا على الذين يفهمونه، ولا يستطيع ذلك غير الأدباء المتعلمين، وأما الموسيقى فيفهمها ويتأثر منها كل ذي نسمة حية، حتى الحيوان إلى أدنى طبقاته. فالموسيقي ومن في معناه كالمغني والمنشد، يشارك الأمة في إحساسها، بل هو يتلاعب بعواطفها كما يشاء، ويغلب أن يدعو إلى انشراح الصدور وزوال الهموم، ومصر من أكثر بلاد الأرض حاجة إلى دواعي الأفراح؛ لأن إقليمها حار يورث الخمول ويضيق الصدر، وبقاعها متشابهة لا جبال فيها تشرح الصدر بمناظرها، ولا بحار واسعة يسرح فيها البصر، ولا غير ذلك من المناظر الطبيعية، فلا يجد المرء فرجًا من ضيقه إلا بالمجالسة والمحادثة وما يلحق بذلك من المسامرة والمنادمة والغناء وضرب الآلات، ونحو ذلك من بواعث الطرب.

وبالانتخاب الطبيعي انطبع المصري على لطف الحديث، وأصبح شديد التأثر من ألحان الغناء؛ فلا غرو — والحالة هذه — إذا أسف المصريون على عبده الحمولي وهو بلبل أفراحهم، بل هو أعظم مغنٍّ عربي في العالم اليوم. وما من بلد في وادي النيل لم يسمع أهله غناء «سي عبده»، ناهيك بما بلغ من شهرته في أقطار العالم الشرقي. ذلك ما حدا بنا إلى نشر ترجمة حاله، وجلُّ اعتمادنا في ذلك على ما كتبه صديقه إبراهيم بك المويلحي محرر مصباح الشرق، قال:

ترجمة حاله

ولد بمدينة طنطا، وكان أبوه يمارس تجارة البن، وكان للمرحوم أخ أكبر منه فوقع شقاق بين أخيه وأبيه ففر به أخوه من وجه أبيه هائمًا به في الخلوات، وكان كلما تعب المرحوم عبده من السير لصغر سنه حمله أخوه على كتفه، حتى دنا الغروب وهما على آخر رمق من الجوع والعطش وتعب السير، لا يجدان أحدًا يأنسان به أو يلجآن إليه، إلى أن سخر الله لهما رجلًا آواهما وسد رمقهما في ليلتهما، ثم أقاما عنده أيامًا.

ومن غريب الاتفاق أن الرجل كان يشتغل بصناعة الغناء، ويضرب الآلة المعروفة بالقانون في طنطا، فسمع صوت المرحوم في بعض روحاته وغداته فأعجبه، فعاد به إلى طنطا واشتغل معه هناك مدة وجيزة. وقد بقي تأثير تلك الوحشة والانفراد مع التعب والجوع في تلك الليلة التي خرج فيها المرحوم من بيت أبيه مرسومًا في رأسه، فكنت تراه في آخر عمره ينقبض صدره ويتقطب وجهه كلما آن الغروب، وطالما قصَّ هذه القصة على خلصائه ممن كانوا يعجبون لانقلابه الفجائي من السرور إلى الانقباض في ذلك الميعاد.

ثم رأى ذلك الرجل الذي آواه عنده — واسمه المعلم شعبان — أن يحضر به إلى مصر، فاشتغل معه في قهوة معروفة في ذلك العهد بقهوة عثمان أغا، في غابة أشجار كانت موضع حديقة الأزبكية، فاتسع به رزقه وخاف أن يخرج من يده ويستميله غيره من أهل هذه الصناعة فيضيع عليه رزقه، فرأى أن يربطه به بعقد زواجه من ابنته، فاستذله وأسره وانقلب يعامله أسوأ المعاملة، وكان في مصر رجل طائر الصيت في فن الغناء اسمه «المقدم»، أعجب بالمرحوم فسعى جهده ليلحقه به ويشتغل معه في «تخته»، حتى وصل إلى غرضه وجذب المرحوم إليه، وفصل بينه وبين زوجته قطعًا لعلاقته بصاحبه، وأنقذه مما كان فيه، واستمر معه يغني على الطريقة التي كانت معروفة عند المصريين في ذلك العهد.

تاريخ الغناء بمصر

وأصل طريقة الغناء بمصر على ما يُعلم من تاريخ وضعها، أن رجلًا من أهالي حلب اسمه شاكر أفندي وفد إلى القطر المصري في المائة الأولى بعد الألف، وكان فن الألحان فيه مجهولًا، فنقل إليه جملة تواشيح وقدود، وكانت هي البقية الباقية من التلاحين التي ورثها أهالي حلب عن أهل الدولة العربية، فتلقاها عنه بعضهم، وصارت عندهم ذخيرة نفيسة يضنون بها على الغير. واشتد حرصهم عليها، وصار الواقفون عليها يحرمون الناس من تلقينها. وبقيت بينهم على بساطتها الأصلية يتصرفون فيها بدون الشد والتصوير، فكانت قاصرة على أمهات المقامات وبعض الفروع المقاربة لها، وكانت بالنسبة للغناء مثل حروف الهجاء بالنسبة للكلام.

وأقام المغنون في مصر على هذه الطريقة البسيطة لا يتصرفون فيها إلى عصر عبده الحمولي، فتلقاها المرحوم منهم على أصلها، وغنى بها مدة ثم دفعته سجيته في الطرب وحسن ذوقه في الغناء أن يتصرف فيها، مع المحافظة على الأصل وعدم الخروج عن دائرته، فأزال عنها بعض الجفوة.

وما زال يرتقي المرحوم في شهرته بحسن الغناء حتى ألحقه المغفور له إسماعيل باشا بمعيته، فسافر معه إلى الآستانة مرارًا، وسمع هناك آلات الموسيقى التركية. وجلب إسماعيل باشا في عودته إلى مصر جماعة من أكابر المغنين فيها، فكان المرحوم يحضر معهم دائمًا في اشتغالهم بالغناء، فاستمالته ألحانهم وأخذ ينتقي منها ما يلائم المزاج المصري ويناسب الطريقة العربية، ورأى المجال واسعًا له في الموسيقى التركية؛ إذ وجد فيها كثيرًا من النغمات التي لم يكن للمصريين علم بها ولم تطرق آذانهم من قبل؛ مثل النهاوند والحجاز كار والعجم وغيرها، فنقلها إلى الغناء المصري.

ثم التفت إلى بقية مصطلحات الغناء في الطبقات المختلفة من ذلك العصر؛ مثل المنشدين المشهورين بأولاد الليالي (الفقهاء)، والعوالم (القيان)، والمدَّاحين (الضاربين بالدفوف)، والتقط منهم ما استنسبه فأضافه مع المختار من الغناء التركي، وخلطه بالطريقة القديمة فجعلها طريقة جديدة خاصة به. وظهر في مصر وفيها شيوخ المغنين، فصار شيخًا عليهم، وقد دعاهم جهلهم بما صنعه إلى استنكار طريقته في أول الأمر، ولكن ما لبث الناس أن ذاقوا حلاوتها وطلاوتها، فعمَّ استحسانها وذهب استنكارها وانتصر بحسنها عليهم، وله فيها من التلاحين أشياء كثيرة.

مزاياه

ومن مزاياه في صناعته أنه كان شديد الطرب، لا يقل طربه في أثناء تأديته للغناء عن طرب السامع له، وهو أول مغنٍّ مصري اهتدى إلى حسن الأداء واستصحاب حركة الغناء بالإشارات التي تقوم مقام الحكاية. وكان شديد الحفظ لما يسمعه، مجتهدًا دائمًا في استخراج محاسن المسموع وطرح معايبه، ذا قدرة على أن يبدل القبيح فيه بالحسن.

وكان ذهنه شديد التعلق بالنغم فلا يكاد ينساه، وربما نام وهو على «التخت» في أثناء الغناء ثم يستيقظ فيرجع إلى الغناء كما كان فيه من غير مراجعة آلة أو استرشاد بأحد ممن معه؛ كأنما كانت الطبقة رسخت في ذهنه فلم تشوش عليها الأصوات التي مرت عليه وهو في نومه، ولم تؤثر عليه الغيبوبة في شيء. وكان لطيف التنقل، يوهم السامع في غنائه بأن مراده ما هو فيه، حتى إذا رسخ ذلك في ذهنه انتقل منه إلى مقام آخر يدهش السامع، ثم يتدرج حتى يعود إلى ما كان عليه، وذلك من أعظم المزايا وأكبر الفضل في هذا الفن.

وجملة القول في باب الغناء أن المرحوم جدَّد فيه وأبدع، وأحياه في مصر بعد أن كان شيئًا خاملًا، ثم تمكَّن فيه من التوفيق بين المزاجين التركي والمصري؛ فبعد أن كان أهل الطبقة الحاكمة في المصريين من الأصل التركي لا يطربون للغناء المصري ولا يلتفتون إليه، أصبحوا بفضل المرحوم وبما وفقه فيه من الأنغام التركية مقبولًا عندهم مفضلًا لديهم، وبعد أن كان المصريون لا يطربون من الغناء التركي ولا يروقهم غير طريقتهم؛ طريقة التوجع والأنين، أصبحوا يطربون لما يلائمهم من الأنغام التركية التي أنعش بها طريقتهم القديمة، فهو الجدير بأن يسمى في مصر معدل المزاجين بين الأمتين.

وكما امتزج الجنسان في الأجسام بالأنساب، فقد مزج بينهما عبده بالغناء في الأرواح، وكفاه فخرًا أنه لم يصل أحد من قبله، ولن يصل من بعده، إلى مثل ما وصل إليه من هذا الابتداع والاختراع الذي اهتدى إليه بما ميَّزه الله به من لطف الذوق وشدة الذكاء وحدة الطرب ومحبة الإتقان والترقي في درجات الكمال.

أخلاقه

وكان كبير النفس، عالي الهمة، يحاول الارتفاع عن طبقته ويسعى في الخروج منها، مقتصرًا على الاشتغال بالفن لذاته؛ لجهل الناس في جيلهم الماضي بعلو قدر هذا الفن، وغفلتهم عن جلال منزلته بين الفنون. وقد عمد المرحوم إلى ذلك بالفعل في أيام المغفور له إسماعيل باشا، فترك مزاولة صناعته بالأجرة بين الناس، وخرج من زمرة المغنين إلى زمرة التجار، غير طامع في الذهب الذي كان يسيل من حياله بممارسة صناعته في تلك الأوقات، فافتتح محلًّا لتجارة الأقمشة، واشترك فيه مع بعض التجار بمبلغ عشرين ألف جنيه، فما مضى عليها عشرون شهرًا إلا وانتهت به سلامة نيته وحسن ثقته أن خرج منها صفر اليد مدينًا للشريك دائنًا للناس، يمنعه الخجل ويحجبه الحياء عن طلب الوفاء.

ولم يمتنع في أثناء ذلك عن الغناء بين الناس، بل امتنع عن طلب الأجر عليه، إلى أن عادت به حاجة العيش إلى مزاولة صناعته كما كان في أول أمره. ولم يزل يتطلع إلى غرضه في الانقطاع عنها كما فعل ودهره يحول دونه، فلم يستطع بلوغه إلى آخر مدته.

وكان شهمًا غيورًا شريف السيرة، يغار لنفسه ولأعراض الناس، لا يبالي في ذلك بهول المواقف وفداحة الخطوب. أمر له المغفور له إسماعيل باشا ذات ليلة بإحضار المرحومة ألمز لتغني في بعض قصوره، وهو في عزة سلطانه وشدة بطشه، لا يعصي له الناس أمرًا ولا يخالف هواه إلا من ارتضى لنفسه سكنى القبور، ولا يحلم أحد في منامه أن يقف موقف المعارض في رغبته أو الممانع لإشارته. فتوقف المرحوم عبده، وكان قد تزوج بها بعد أن منعها عن ممارسة الغناء، وأبى أن تخرج من بيته، فعاوده الطلب بالتشديد، فاستمر على إبائه إلى أن وصل الأمر إلى استعمال القوة، فأرسل مأمور الضابطة بعض أعوانه إلى منزله وأرادوا إخراجها منه بالقوة، فوقف أمامهم وقفة الليث يحمي أشبال العرين، وفضَّل الموت أو النفي على أن تغني المرحومة لحنًا واحدًا لأحد وهي في عصمته.

ولما لم يفِدْهُ موقفه أمام القوة بفائدة استمهلهم برهة ريثما يعود إليهم، فدخل البيت وألقى بنفسه إلى حائط الجار، وخرج منها إلى الطريق لاجئًا إلى صديقه المرحوم الشيخ علي الليثي، فكاشفه بما هو فيه من هول الخطب. وكان هذا الشاعر المرحوم ممن جمع الله له أيضًا كثيرًا من المزايا الفاضلة والأخلاق الكريمة؛ وأخصها علو الهمة والسعي لخير الناس. وكان ذا مكانة رفيعة عند المرحوم إسماعيل باشا صدِّيق، فقام إليه في الحال، وتواقع الشيخ عليه يلتمس حسن الوساطة لدى ذلك الحاكم القاهر ليرجع في أمره، فقام الوزير من ساعته وقصد مولاه وتلطف له ما أمكن في الاعتذار، وما زال به حتى رجع عن طلبه ورضي بعصيان عبده لطاعته.

وخلص المرحوم من هذه الحادثة معافًى في نفسه مصابًا في جسمه؛ فقد تولد له من اضطراب أعصابه من شدة ما قاساه في هذه النازلة داء الصداع، فلم يفارقه طول حياته، وكانت إذا اعترته نوبته ألقته على الأرض صريعًا يتخبط في أشد الآلام، لا يكاد من يراه على تلك الحال يصدق بنجاته فيها، فإذا أفاق لزم الفراش من عظم وقعها مدة طويلة، ولم ينجع في ذلك الداء معالجة الأطباء.

وسافر المرحوم في سنة ١٨٩٦ إلى الآستانة العلية، وحظي هناك بالمثول في الحضور الشاهاني مرارًا. وأعجب أمير المؤمنين بمهارته في فنه وحسن تأديته له، فأسنى عطيته وبلغه حسن رضائه، وكان الواسطة بينهما للتبليغ في ذلك المجلس السيد أبي الهدى. ومما تلقاه عنه من أوامر أمير المؤمنين أن يلقِّن ما غنَّاه في حضرته من الأصوات لبعض ضباط الموسيقى الشاهانية، فلقَّن المرحوم منه ما أمكنه، ولم يسع الوقت تمام القيام بالأمر فوعد أنه سيشتغل عند عودته إلى مصر بربط تلك الأصوات برابطة «النوطة»، ثم يعرضها على الأعتاب الشاهانية ليسهل أخذها على ضباط الموسيقى. فلما عاد إلى مصر أتمها عشرين صوتًا (دورًا) مربوطة (بالنوطة)، وأرسلها من طريق رسمي إلى الآستانة، فلم يلقَ فيها ما يحقق آماله.

وفاته

وعاد إلى مصر مصابًا بداء «البول السكري»، فأنهك جسمه وأضعف قواه، وغادر حلوان إلى سكنى مصر وقد تراكمت عليه هموم الحياة فزادت في ضعف الجسم. وظهر ذلك الداء الدفين في الرئة، ودخل من داء السل في الدرجة التي لا يرجى منها شفاء، وأشار عليه الأطباء بسكنى الصعيد مدة الشتاء، فأقام في سوهاج شهرين ونصفًا عادت له في أثنائها بعض قوته، وتقوى أمله في شفائه. ولم يدرك المرحوم ما كنه دائه إلا في اليوم الذي مات في غده، ثم عجل العودة إلى مصر ليشتغل بوضع غنائه في أسطوانات «الفونوغرافات» طلبًا للعيش. ولما حضر باشر ذلك فعلًا، ثم جاءه نعيُّ أحد أصدقائه المخلصين بالمنيا فاغتم غمًّا شديدًا، ولم يسمع لنصيحة أصحابه، بل خالفهم لقضاء ما توجبه عليه مروءته، وسافر إلى تلك المدينة وأقام هناك أيامًا مشاركًا لأهل الميت في أحزانهم، ولما عاد؛ عاد باشتداد المرض عليه حتى أدركته منيته. (انتهى بتصرف).

هذا هو عبده الحمولي، وقد رأيت من ترجمة حاله أنه كان على استعداد كبير لفن الموسيقى، ومن أكبر الأدلة على استعداده شدة طربه من الغناء كأنه كان يغني ليُطرب نفْسه، وشغف المرء بصناعته وتلذذه بممارستها يدلان على انطباعه عليها واقتداره على إتقانها، ولكن الحمولي عاش في بلاد لم يكن لعلم الموسيقى أثر فيها، واشتغل بإطراب الناس عن طلب العلم من مصادره، فلم يُبْدِ من مواهبه إلا ما تهيأتْ له الأحوال.

وعندنا أن الرجل لو درس فن الموسيقى على أهله في أوروبا، وعدل عن الغناء إلى التلحين، وألَّف الألحان، لكفانا مئونة التحسر على ضياع هذه الصناعة بيننا، وجعل الموسيقى العربية فنًّا مستقلًّا له روابط وضوابط، وكانت الألحان الشائعة على ألسنة المغنين مضبوطة في الكتب على قواعد ثابتة.

ولا لوم عليه، فإنه قد نشأ بين العامة، فلما شبَّ شغله إعجاب أكابر المصريين بما عنده من استزادته، ومصر في غفلة عن هذا الفن، فلما أفاقت كان هو قد شغل بصحته وداخليته، فأسف المصريون على ما فات، وأرادوا تدارك ما بقي فالتمسوا حبس صوته في الفونوغراف، فلم يمهلهم أجله فضاع، ولم يبقَ من آثار تفننه إلا ما اقتبسه بعض المغنين من مجالس غنائه في أثناء حياته. وبلغنا أن بعض أصدقائه تمكَّن من أخذ بضع أسطوانات فونوغرافية من صوته قبل موته.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠