الفصل السابع

السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني

قد تمرُّ القُرُونُ وتتوالى الأجيالُ والناس على ما ساقتْهم إليه الحاجة مِنْ شئون معائشهم لا يفقهون غثَّها مِن ثمينها، ولا يدركون مبدأها ولا مصيرَها، حتى تتمخَّض الطبيعةُ فتلد من أبنائها أفرادًا يُميطون عن أسرارها اللثام، فيرى الناس من ورائه شرائعَ ونواميسَ كانوا عنها غافلين؛ أولئك هم أقطابُ العلم وأنوارُ العالم، ومنهم الفلاسفة الطبيعيون الذين مزَّقوا أستارَ الجهل وكشفوا غوامضَ الطبيعة، فمهَّدوا سُبُل الاختراع والاكتشاف، ومنهم الفلاسفة العقليون الذين استطلعوا أسرارَ الحِكمة المستترة وراء تلك النواميس، وبيَّنوا ما أودعه الخالق في خليقته من القواعد العقلية والروابط الأدبية.

ولكن الطبيعة لا تجودُ بواحدٍ من أولئك الأفراد إلا كل بضعة قُرُون، فيسيرُ الناسُ على خطواته أجيالًا، حتى إذا كادوا يرجعون إلى غيِّهم جادتْ عليهم بآخرَ ينفُثُ فيهم روحًا حية فيهبُّون من رُقادهم، ويعودون إلى رُشدهم ريثما يأتيهم ثالث.

هكذا كان شأنُ العالم مِنْ بدء عمرانه، ومن أولئك الفلاسفة سقراط وأفلاطون ومَن تقدَّمهم، وجاء بعدهم مِن فلاسفة اليونان والرومان والفُرس والعرب وغيرهم من علماء المعقول والمنقول ممن لا نزال نستضيءُ بنبراسهم.

ولكن لله في خَلْقِهِ حكمةٌ لا تدركُها العقول؛ فقد ينبغُ في بعض الأجيال أفرادٌ توافرتْ فيهم قُوى الفلاسفة ومواهب رجال الأعمال، فتُحيط بهم بيئاتٌ لا تصلح لنماء ما يغرسون، فيذهب سعيُهُم هباءً منثورًا.

ولَمَّا كان الإنسانُ لا يقدِّر العمل إلا بنسبة ما يترتب عليه من الفائدة، كان نصيبُ كثيرين من عظماء الأرض جهل الناس حق قدرهم، وأغفل التاريخ ذكرَهم كما هو شأننا بفقيد الشرق الفيلسوف الخطيب السيد جمال الدين الأفغاني (رحمه الله)؛ فقد نشأ قطبًا من أقطاب الفلسفة، وعاش رُكنًا من أركان السياسة، ولكنه مات ولم يُتِمَّ عملًا ولا ألَّف كتابًا، على أَنَّ ذلك لا يحطُّ من مقامه، وقد رأينا أعظمَ فلاسفة اليونان (سقراط) مات ولم يدوِّن شيئًا من كلامه، ولكن تلامذته حفظوا فلسفتَه ودونوها فتوارثتْها الأجيالُ خلفًا عن سلف، فعسى أن لا نحرم من مريدي الأستاذ وتلامذته من يفعل مثل ذلك.

ترجمة حاله

هو السيد محمد جمال الدين بن السيد صفتر، وُلد في بيت شرف وعلم بقرية أسعد أباد من قُرى كنر من أعمال كابل ببلاد الأفغان سنة ١٢٥٤ﻫ/١٨٣٩م، ويتصل نسبُهُ بالسيد علي الترمذي المحدِّث المشهور، ويرتقي إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب. وآل هذا البيت عشيرةٌ كبيرةٌ تُقيم في خطة كنر، ولها منزلة عليا في قلوب الأفغانيين لحرمة نسبها، وكانت تملك جزءًا من أرض الأفغان حتى سلب الملك منها دوست محمد خان، جد الأمير عبد الرحمن، وأمر بنقل والد السيد جمال الدين وبعض أعمامه إلى مدينة كابل، وجمال الدين لا يزال في الثامنة من عمره، فعني والده في تربيته وتثقيفه، فتلقى مبادئ العلوم العربية والتاريخ وعلوم الشريعة من تفسير وحديث وفقه وأصول وكلام وتصوف والعلوم العقلية من منطق وحكمة عملية سياسية ومنزلية وتهذيبية وحكمة نظرية طبيعية وإلهية والعلوم الرياضية من حساب وهندسة وجبر وهيئة أفلاك ونظريات الطب والتشريح، وكانت ملامح النجابة والذكاء ظاهرةً فيه منذ نُعُومة أظفاره، فأتمَّ هذا كله وهو في الثامنة عشرة من عمره.
figure
السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني.

ثم عرض له سفرٌ إلى بلاد الهند فأقام بها سنة وبضعة أشهُر، ينظر في بعض العلوم الرياضية على الطريقة الإفرنجية الحديثة، وقدم بعد ذلك إلى الأقطار الحجازية؛ لأداء فريضة الحج، فقضى سنةً ينتقلُ من بلد إلى آخر حتى وافى مكة المكرمة في سنة ١٢٧٣ﻫ/١٨٥٧م، فوقف على كثيرٍ مِنْ عادات الأُمم التي مَرَّ بها في سياحته، ثم رجع إلى بلاده وانتظم في سلك رجال الحكومة على عهد الأمير دوست محمد خان المتقدم ذكرُهُ، ولما زحف هذا الأميرُ إلى هراة ليفتحها ويملكها على سلطان أحمد شاه صهره وابن عمه؛ سار السيد جمال الدين معه في جيشه، ولازمه مدة الحصار، إلى أن تُوُفِّيَ الأميرُ وفُتحت المدينةُ بعد معاناة الحصار زمنًا طويلًا.

وتقلَّد الإمارة ولي عهدها شير علي خان سنة ١٢٨٠ﻫ/١٨٦٤م، وأشار عليه وزيرُهُ محمد رفيق خانْ أن يقبضَ على إخوته ويعتقلهم، فإن لم يفعل سعَوا بالناس إلى الفتنة وألَّبوهم للفساد طلبًا للاستبداد بالإمارة، وكان في جيش هراة من إخوة الأمير ثلاثةٌ؛ محمد أعظم، ومحمد أسلم، ومحمد أمين؛ فانتصر السيد جمال الدين لمحمد أعظم، فَلَمَّا أَحَسُّوا بتدبير الأمير ومشورة الوزير أسرعوا إلى الفِرار، وتفرقوا في الولايات، فذهب كُلٌّ منهم إلى ولايته التي كان يليها من قِبل أبيه، وطاشت بهم الفتن، واشتعلت نيرانُ الحُرُوب الداخلية.

وبعد مجادلات عنيفة عظم أمر محمد أعظم وابن أخيه عبد الرحمن، وتَغَلَّبا على عاصمة المملكة، وأنقذا محمد أفضل والد عبد الرحمن من سجن قزنة، وسَمَّيَاهُ أميرًا على أفغانستان، ثم أدركه الموتُ بعد سنة، وقام على الإمارة بعده شقيقه محمد أعظم خان، فارتفعتْ منزلةُ جمال الدين عنده فأحلَّه محل الوزير الأول، وعظمتْ ثقتُهُ به، فكان يلجأُ لرأيه في العظائم وما دونها، وكادت تخلص حكومة الأفغان لمحمد أعظم بتدبير السيد جمال الدين لولا سُوء ظن الأمير بالأغلب من ذوي قرابته، مما حمله على تفويض مهمات الأعمال إلى أبنائه الأحداث وهم خلو من التجربة عراةٌ من الحنكة، فساق الطيش أحدهم — وكان حاكمًا في قندهار — على منازلة شير علي في هراة، ولم يكن له من الملك سواها، وظَنَّ الفتى أنه يظفر فينال عند أبيه حظوة فيرفعه على سائر إخوته، فلمَّا تلاقى مع جيش عمه دفعتْه الجرأةُ على الانفراد عن جيشه في مائتي جندي اخترق بها صفوف أعدائه، فأوقع الرعب في قلوبهم وكادوا ينهزمون لولا ما التفت يعقوب خان قائد شير علي فوجد ذلك الغلام منقطعًا عن جيشه، فكرَّ عليه وأخذه أسيرًا، فتشتت جند قندهار وقوي الأمل عند شير علي فحمل على قندهار واستولى عليها.

وعادت الحرب إلى شبابها، وعضد الإنكليز شير علي وبذلوا له قناطير من الذهب، ففَرَّقَها في الرؤساء والعاملين لمحمد أعظم، فبِيعت أمانات ونُقضت عهودٌ وجددت خيانات، وبعد حُرُوب هائلة تغلَّب شير علي وانهزم محمد أعظم وابن أخيه عبد الرحمن، فذهب عبد الرحمن إلى بخارى، وذهب محمد أعظم إلى بلاد إيران، ومات بعد أشهر في مدينة نيسابور.

أما السيد جمال الدين فبقي في كابل لم يمسسه الأمير بسوء؛ احترامًا لعشيرته، وخوف انتقاض العامة عليه حمية لآل البيت النبوي، إلا أنه لم ينصرف عن الاحتيال للغدر به والانتقام منه بوجه يلتبس على الناس حقه بباطله، ولهذا رأى السيد جمال الدين خيرًا له أن يفارق بلاد الأفغان، فاستأذن للحج فأذن له على شرط أن لا يمر ببلاد إيران كي لا يلتقي فيها بمحمد أعظم — وكان لم يمت بعد — فارتحل على طريق الهند سنة ١٢٨٥ﻫ/١٨٦٩م بعد هزيمة محمد أعظم بثلاثة أشهُر، فلما وصل إلى التخوم الهندية تلقته حكومةُ الهند بحفاوةٍ وإجلال، إلا أنها لم تسمح له بطُول الإقامة في بلادها، ولا أذنت للعلماء في الاجتماع عليه إلا تحت مراقَبة رجالها، فلم يُقم هناك إلا شهرًا، ثم سيَّرته من سواحل الهند في أحد مراكبها إلى السويس، فجاء مصر وأقام بها نحو أربعين يومًا تَرَدَّدَ فيها على الجامع الأزهر، وخالطه كثيرٌ من طلبة العلم السوريين، ومالُوا إليه كل الميل، وسألوه أن يقرأ لهم شَرْحَ الإظهار، فقرأ لهم بعضًا منه في بيته، ثم تحوَّل عن الحجاز عزمُهُ، وتعجَّل بالسفر إلى الآستانة.

وبعد أيامٍ مِن وُصُوله الآستانة قابل الصدر الأعظم عالي باشا، فنزل منه منزلة الكرامة، وعرف له الصدرُ فضلَه، وأقبل عليه بما لم يسبق لمثله، وهو مع ذلك بزيِّه الأفغاني من القباء والكساء والعمامة العجراء، وحوَّمت عليه — لفضله — قلوبُ الأمراء والوزراء، وعَلَا ذكرُهُ بينهم، وتناقلُوا الثناء على عِلْمِهِ وأدبه وهو غريبٌ عن أزيائهم ولغتهم وعاداتهم، ولم تمضِ ستةُ أشهُر حتى سُمِّيَ عضوًا في مجلس المعارف، فأَدَّى حَقَّ الاستقامة في آرائه، ولكنه أشار إلى طُرُق لتعميم المعارف لم يوافقْه عليها رفقاؤه، وبينها ما ساء شيخ الإسلام إذ ذاك؛ لأنها كانت تمسُّ شيئًا من رزقه، فأرصد له العنت حتى كان رمضان سنة ١٢٨٧ﻫ/١٨٧١م، فرغب إليه مدير دار الفنون أن يلقي فيها خطابًا للحَثِّ على الصناعات، فاعتذر إليه بضعفه في اللغة التركية، فأَلَحَّ عليه فأنشأ خطابًا طويلًا كتبه قبل إلقائه وعرضه على نُخبة من أصحاب المناصب العالية، فاستحسنوه.

فلما كان اليوم المعيَّن لاستماع الخطاب تسارع الناس إلى دار الفنون، واحتفل له جمٌّ غفير من رجال الحكومة وأعيان أهل العلم وأرباب الجرائد، وحضر في الجمع معظم الوزراء، فصعد السيد جمال الدين على منبر الخطابة وألقى ما كان أعدَّه ببلاغة سحرت عقول السامعين، فأنكر مشائخ العلم شيئًا من آرائه، واتصل الأمر بشيخ الإسلام وكان متغيرًا عليه — كما علمت — فالتمس من الدولة إبعاده عن الآستانة، فصدر له الأمر بالجلاء عنها بضعة أشهُر حتى تسكن الخواطر ويهدأ الاضطرابُ ثم يعود إن شاء، ففارقها وحمله بعض من كان معه على التحوُّل إلى مصر، فجاء إليها في أول المحرم سنة ١٢٨٨ﻫ/٢٢ مارس ١٨٧١م.

قدم السيد جمال الدين إلى مصر على قصد التفرُّج بما يراهُ من مناظرها ومظاهرها، ولم تكن له عزيمةٌ على الإقامة بها حتى لاقى صاحب الدولة رياض باشا، فاستمالتْه مساعيه إلى المقام، وأجرت عليه الحكومة راتبًا مقداره ألف قرش مصري كل شهر نزلًا أكرمته به لا في مقابل عمل، واهتدى إليه بعد الإقامة كثيرٌ من طلبة العلم، واستوروا زنده فأورى، واستفاضوا بحره ففاض درًّا، وحملوه على التدريس فقرأ من الكتب العالية في فنون الكلام الأعلى، والحكمة النظرية من طبيعة وعقلية، وفي علم الهيئة الفلكية، وعلم التصوف، وعلم أُصُول الفقه الإسلامي، وكانت مدرستُهُ بيته، فعظم أمرُهُ في نُفُوس طلاب العلوم، واستجزلُوا فوائدَ الأخْذ عنه وأعجبوا بعلمه وأدبه، وانطلقت الألسنُ بالثناء عليه، وانتشر صيتُهُ في الدار المصرية.

ثم وجَّه عنايته لتمزيق حُجُب الأوهام عن أنوار العقول، فنشطت لذلك ألبابٌ واستضاءت بصائر، وحمل تلامذته على العمل في الكتابة وإنشاء الفصول الأدبية والحكمية والدينية، فاشتغلوا على نظره وبرعوا، وتقدم فن الكتابة في مصر بسعيه، وكان القادرون على الإجادة في المواضيع المختلفة قليلين.

فنبغ من تلامذته في القُطر المصري كتبة لا يُشقُّ غبارهم ولا يوطأ مضمارهم، وأغلبهم أحداث في السن شيوخ في الصناعة، وما منهم إلا من أخذ عنه أو عن أحد تلامذته، أو قلد المتصلين به، هذا ما حسده عليه أقوام واتخذوا سبيلًا للطعن عليه من قراءته بعض الكتب الفلسفية؛ أخذًا بقول جماعة من المتأخرين في تحريم النظر فيها، فتمكَّنوا من نسبة ما أودعته كتب الفلاسفة إلى رأي هذا الرجل، وأذاعوا ذلك بين العامة، ثم أيدهم أخلاطٌ من الناس من مذاهبَ مختلفة، غير أن هذا كله لم يؤثر في مقامه من نفوس العارفين بحاله.

وكان (رحمه الله) — على علمه وفضله — ميالًا إلى السياسة، فنظر في حال مصر وما آلتْ إليه من التداخُل الأجنبي، فعلم أن لا بد من تغير أحوالها، وكان قد انتظم في سلك الجمعية الماسونية، وتقدَّم فيها حتى صار من الرؤساء، فأنشأ محفلًا وطنيًّا تابعًا للشرق الفرنساوي، دعا إليه مُريديه من العُلماء والوُجهاء، فصار أعضاؤُهُ نحوًا من ثلاث مائةٍ عدًّا.

وكان شديد الكره للدولة الإنكليزية — كما تقدم من حاله معها في الهند — وما كان من اعتدائهم على أبناء أبيه، فجهر بذلك غير مرة، ونشر فصولًا ناطقة به ترجموها إلى جرائد إنكلترا، واهتمُّوا بها كثيرًا حتى تَوَلَّى المستر غلادستون نفسه أمر الجدال في موضوعها، فلمَّا عظُم أمر محفله داخَل الخوف قنصل إنكلترا فوشى به إلى الحكومة، وبثَّ الرقباء في المحفل، فسعَوا فيه فسادًا، وفي خِلال ذلك بلغتْ أحوالُ مصر نهايةَ الارتباك فصرَّح بأُمُور قوَّت حُجَّة الساعين، وكان تولى مصر المرحوم الخديوي السابق توفيق باشا، فأصدر أمرَه بإخراجه من القطر المصري هو وتابعه أبو تراب، ففارق مصر إلى البلاد الهندية سنة ١٢٩٦ﻫ/١٨٧٩، وأقام بحيدر آباد الدكن، وفيها كَتب رسالته في «نفي مذهب الدهريين».

ولَمَّا كانت الحوادثُ العرابية بمصر دُعِيَ من حيدر آباد إلى كلكتة، وألزمتْه حكومةُ الهند بالإقامة فيها حتى انقضى أمرُ مصر وفثأت الحرب الإنكليزية، ثم أُبيح له الذهاب إلى أي بلد، فاختار الشخوص إلى أُوروبا، وأول مدينة نزلها مدينة لوندرا، أقام بها أيامًا قلائلَ ثم انتقل إلى باريس، فوافاه إليها صديقُهُ الشيخ محمد عبده المصري، وكانت في مصر جمعيةٌ وطنيةٌ اسمها جمعية العروة الوُثقى، فكلَّفته — على بُعد الدار — أن ينشئ جريدة تدعو المسلمين إلى الوحدة الإسلامية، فأنشأ «العُروة الوثقى»، وكلف صديقه المشار إليه بتحريرها، وكان لها وقع حسن في العالم الإسلامي، فنشر منها ١٨ عددًا، ثم قامت الموانع دون استمرارها؛ حيث أقفلت أبواب الهند عنها، وشددت الحكومة الإنكليزية في إساءة من يقرؤها.

وقضى جمال الدين في باريس ثلاث سنوات، نشر في أثنائها مقالات في جرائدها تبحث في سياسة روسيا وإنكلترا والدولة العلية ومصر، ترجمت جرائد إنكلترا كثيرًا منها، وجرت له أبحاث فلسفية مع الفيلسوف الفرنساوي رينان في «العلم والإسلام»، فشهد له هذا بسعة العلم وقوة الحجة، ثم شخص إلى لندرا بإيعاز اللورد شرشل واللورد سالسبري؛ ليسألاه عن رأيه في المهدي وظهوره إذ ذاك، ثم عاد إلى فرنسا وتعرَّف بكثيرين من علمائها وفلاسفتها، فأحلُّوه مكانًا عليًّا.

ثم عزم على نجد، فاستقدمه شاه الفُرس إذ ذاك المرحوم ناصر الدين شاه على لسان البرق ليراه، فسار قاصدًا طهران، فالتقى في أصفهان بالأمير ظل السلطان فلاقى منه إكرامًا، حتى إذا وصل طهران استقبله الشاه أحسن استقبال، وأكثر من الثناء عليه حيثما ذكره، حتى في بلاطه وبين أهله وأولاده، وولَّاه نِظَارة الحربية على أن يرقيه بعد قليل إلى منصب الصدارة.

وكان جمال الدين قد درس أخلاق الأُمم، وعرف تواريخ الدول، وتَدَبَّرَ أحوال السياسة على اختلاف الأمكنة والأزمنة، مع بلاغته وقوة برهانه، فنال لدى أمراء الفُرس وعلمائها منزلةً قَلَّ أن ينالها غيرُهُ في مثل حاله، فأصبح منزله حلقة علم يؤمها سراة البلاد ووجهاؤها، يتسابقون إلى سماع حديثه، فخامر الشاه ريب من أمره؛ مخافة أن يكون وراء ذلك ما يخشى منه على سلطانه، فأبدى تغيره عليه، فأدرك جمال الدين ما في نفسه فاستأذنه في السفر لتبديل الهواء، فأذن له فسار إلى موسكو في روسيا، فلاقاه أهلها بالتجلة والإكرام لِما سبق إلى مسامعهم من شهرته، ثم شخص إلى بطرسبورج وتَعَرَّفَ بأعظم رجالها من العلماء والسياسيين، ونشر في جرائدها مقالاتٍ ضافية في سياسة الأفغان والفُرس والدولة العلية والروسية والإنكليزية، كان لها دويٌّ شديد في جو السياسة.

واتفق إذ ذاك فتح معرض باريس لسنة ١٨٨٩م، فشخص جمال الدين إليها، فالتقى بالشاه في مونيخ عاصمة بافاريا عائدًا من باريس، فدعاه الشاه إلى مرافقته، فأجاب الدعوة وسار في معيَّته إلى فارس، فلم يكد يصل طهران حتى عاد الناس إلى الاجتماع به والانتفاع بعلمه، والشاه لا يرتابُ من أمره، كأن سياحته في أُوروبا محتْ كثيرًا من شُكُوكه، فكان يقرِّبه منه ويوسِّطه في قضاء كثيرٍ من مهام حكومته، ويستشيره في سن القوانين ونحوها، فشق ذلك على أصحاب النفوذ؛ وخصوصًا الصدر الأعظم، فأسرَّ إلى الشاه أن هذه القوانين وإن تكن لا تخلو من النفع فهي لا توافق حال البلاد، فضلًا عما ستئول إليه من تحويل نفوذ الشاه إلى سواه، فأثَّر ذلك في الشاه حتى ظهر على وجهه، فأحس جمال الدين بالأمر فاستأذنه في المسير إلى بلدة شاه عبد العظيم على ٣٢ كيلومترًا من طهران، فأذن له فتبعه جمٌّ غفير من العلماء والوجهاء، وكان يخطب فيهم ويستحثُّهم على إصلاحِ حكومتهم، فلم تمضِ ثمانية أشهُر حتى ذاعتْ شهرتُهُ في أقاصي بلاد الفرس، وشاع عزمُهُ على إصلاح إيران، فخاف ناصر الدين عاقبةَ ذلك فأنفذ إلى شاه عبد العظيم خمسمائة فارس قبضوا على جمال الدين، وكان مريضًا، فحملوه من فراشه وساقوه يخفره خمسون فارسًا إلى حدود المملكة العثمانية، فعظم ذلك على مريديه في إيران فثاروا حتى خاف الشاه على حياته.
figure
السيد جمال الدين الأفغاني في حال مرضه.

أما جمال الدين فمكث في البصرة ريثما عادت إليه صحتُهُ، فشخص إلى لندرا وقد عرفه الإنكليز من قبل، فتلقَّوه بالإكرام، ودَعَوْه إلى مجتمعاتهم السياسية وأنديتهم العلمية ليروه ويسمعوا حديثه، وكان أكثر كلامِهِ معهم في بيان حال الشاه وتصرُّفه في المملكة، وما آلتْ إليه حالُها في عهده، مع حث الحكومة الإنكليزية على السعي في خلعه.

وفيما هو في ذلك ورد عليه كتابٌ من المابين الهمايوني بواسطة المرحوم رستم باشا سفير الدولة العلية في لندرا إذ ذاك، أن يَقْدم إلى الآستانة، فاعتذر؛ لأنه في شاغل وقتي لإصلاح بلاده، فورد عليه كتاب آخر وفيه ثناء وتحريض، فأجاب الدعوة تلغرافيًّا على أن يتشرف بمقابلة جلالة السلطان ثم يعود، فقدم الآستانة سنة ١٨٩٢م فطابتْ له فيها الإقامةُ لما لاقاه من التفات الحضرة السلطانية وإكرام العلماء ورجال السياسة، وما زال فيها معزَّزًا مكرمًا وجيهًا محترمًا حتى داهمه السرطانُ في فكه أواخر سنة ١٨٩٦م، وامتدَّ إلى عنقه، فتوفاه الله في ٩ مارس سنة ١٨٩٧م، واحتفل بجنازه ودفْنه في مدفن «شيخلر مزار لفي» قرب نشان طاش.

صفاته الشخصية

كان أسمر اللون بما يشبه أهل الحجاز، ربعة ممتلئ البنية، أسود العينين نافذ اللحظ، جذاب النظر مع قصر فيه، فإذا قرأ أدنى الكتابَ من عينيه، ولكنه لم يستخدم النظارات، وكان خفيف العارضين مسترسل الشعر، بجبة وسراويلات سوداء تنطبق على الكاحلين، وعمامة صغيرة بيضاء على زي علماء الآستانة.

طعامه

كان قانتًا قليلَ الطعام، لا يتناولُهُ إلا مرة في النهار، ويعتاض عما يفوتُهُ من ذلك بما يشربُهُ من منقوع الشاي مرارًا في اليوم، والعفة في الطعام لازمةٌ لمن يعمل أعمالًا عقلية؛ لأن البطنة تُذهب الفطنة، وكان يدخن نوعًا من السيكار الإفرنجي الجيد، ولشدة ولعه بالتدخين وعنايته في انتقاء السيكار لم يكن يركن إلى أحدٍ من خدمه في ابتياعه فيبتاعُهُ هو بنفسه.

مسكنه

كان يقيم في أواخر أيامه بقصر في نشان طاش بالآستانة، أنعم عليه به جلالة مولانا السلطان، وفيه الأثاث والرياش وعربة من الإسطبل العامر يجرها جوادان، وأجرى عليه رزقًا مقداره خمس وسبعون ليرة عثمانية في الشهر، فكان قبل مرضه الأخير يُقيم معظم النهار في منزله، فإذا كان الأصيل ركب العربة لترويح النفس في منتزه كاغدخانه بضواحي الآستانة، وكان كثير القيام لا ينام إلا الغلس إلى الضحى.

مجلسه وخطابه

كان أديب المجلس، كثير الاحتفاء بزائريه على اختلاف طبقاتهم، ينهض لاستقبالهم ويخرج لوداعهم، ولا يستنكف من زيارة أصغرهم على امتناعه من زيارة أكبرهم إذا ظن في زيارته تزلُّفًا، وكان ذا عارضة وبلاغة، لا يتكلم إلا اللغة الفُصحى بعباراتٍ واضحة جلية، وإذا آنس من سامعه التباسًا بسَّط مراده بعبارة أوضح، فإذا كان السامع عاميًّا تنازل إلى مخاطبته بلغة العامة.

وكان خطيبًا مصقعًا لم يقم في الشرق أخطبُ منه، وكان قليلَ المزاح رزينًا كتومًا، قد يخاطب عشرات من الناس في اليوم فيبحث مع كل منهم في موضوع يهمه، فإذا خرج جليسه كان خروجه آخر عهده بذلك الموضوع حتى يعود هو إليه بشأنه.

أخلاقُهُ

كان حُرَّ الضمير، صادق اللهجة، عفيف النفس، رقيق الجانب، وديعًا مع أنفة وعظمة، ثابت الجأش، قد يُساق إلى القتل فيسير إليه سير الشجاع إلى الظفر، وكان راغبًا عن حطام الدنيا، لا يدخر مالًا ولا يخاف عوزًا، ومما رواه المرحوم أديب إسحاق أن جمال الدين لما أُبعد من مصر أُنزل في السويس خالي الجيب، فأتاه السيد النقادي قنصل إيران في ذلك الثغر ومعه نفر من تُجَّار العجم، قدَّموا له مقدارًا من المال على سبيل الهدية أو القرض الحسن، فرده وقال لهم: «احفظوا المال، فأنتم إليه أحوجُ، إن الليث لا يعدم فريسة حيثما ذهب.»

وكان مقدامًا حاثًّا على الإقدام، فلا يخرج جليسُهُ من بين يديه إلا وقد قام في نفسه محرِّض على العلى، منشِّط على السعي في سبيلها، ولكنه كان — على فضله — لا يخلو من حدة المزاج، ولعلها كانت من أكبر الأسباب لِما لاقاه من عواقب الوشاية.

عقله

كان ذكيًّا فطنًا، حادَّ الذهن سريع الملاحظة، يكاد يكشف حُجُب الضمائر ويهتك أسرار السرائر، دقيق النظر في المسائل العقلية، قوي الحجة ذا نفوذ عجيب على جلسائه، فلا يباحثه أحد في موضوع إلا شعر بانقياد إلى برهانه، وربما لا يكون البرهان بحد ذاته مقنعًا، وكان مع ذلك قوي الذاكرة، حتى قيل إنه تعلَّم اللغة الفرنساوية أو بعضها، وصار يقدر على الترجمة منها ويحفظ من مفرداتها شيئًا كثيرًا في أقل من ثلاثة أشهر بلا أستاذ، إلا من علمه حروف هجائها يومين.

علومه

كان واسع الاطلاع في العلوم العقلية والنقلية؛ وخصوصًا الفلسفة القديمة وفلسفة تاريخ الإسلام والتمدُّن الإسلامي وسائر أحوال الإسلام، وكان يعرف اللغات الأفغانية والفارسية والعربية والتركية والفرنساوية جيدًا، مع إلمام باللغتين الإنكليزية والروسية، وكان كثيرَ المطالعة، لم يفتْه كتابٌ في آداب الأُمم وفلسفة أخلاقهم إلا طالعه، وأكثر مطالعته في اللغتين العربية والفارسية.

آماله وأعماله

يؤخَذ من مجمل أحواله أن الغرض الذي كان يصوب نحوه أعماله، والمحور الذي كانت تدورُ عليه آمالُه، توحيد كلمة الإسلام، وجمع شتات المسلمين في سائر أقطار العالم في حوزة دولة واحدة إسلامية، تحت ظل الخلافة العظمى، وقد بذل في هذا المسعى جهدَه، وانقطع عن العالم من أجله، فلم يتخذ زوجة ولا التمس كسبًا، ولكنه مع ذلك لم يتوفَّق إلى ما أراده، فقضى ولم يدوِّن من بنات أفكاره إلا رسالةً في نفي مذهب الدهريين، ورسائل متفرقة في مواضيعَ مختلفة قد تقدم ذكرها، ولكنه بث في نفوس أصدقائه ومريديه روحًا حية، حركتْ هِمَمَهم وحددتْ أقلامهم، فانتفع الشرق، وسوف ينتفع بأعمالهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠