الجزء الثاني

الجزء ٢(أ)

حان الآن إعلانُ البداية الحقيقية. هناك طريقتان لتتبُّع سياق نظرية المجموعات لكانتور. تتمثَّل الطريقة الأولى في الحديث عن العلاقة المُتداخلة المجرَّدة بين اللانهائية والنهاية على مدى تطوُّر الرياضيات. بينما تتمثَّل الطريقة الثانية في فحص الصراع التاريخي للرياضيات مع تمثيل الاتصال، أي جوانب الحركة المُتعاقبة بكثافة و/أو المُتدفِّقة بسلاسة وعمليات العالَم الحقيقي. أي شخص حتى لو كانت لديه معلومات مُشوَّشة للغاية في ذاكرته في مُقرَّر الرياضيات الجامعي لن يغيب عن ذهنه أن الاتصال والنهاية هما إلى حدٍّ كبير الركيزة التي يقوم عليها حساب التفاضل والتكامُل، وربما لا يغيب عن ذهنه أيضًا أنَّ لهما نفس الأصول العامة في الميتافيزيقا لدى الإغريق، ولهما مَصفوفتهما الخاصة في كتابات زينون الإيلي (٤٩٠–٤٣٥ قبل الميلاد)، الذي تُوفي وهو يقضم بأسنانه أُذن حاكم إيليا المُستبِد نيركوس الأول (وهي قصة طويلة)، والذي كانت المفارقات التي سُمِّيَت باسمه نقطة الانطلاق لكل شيء.

لنستعرِض في البداية بعض الحقائق الثابتة التي لا تتزعزع: الحقيقة الأولى هي أنَّ الرياضيات عند الإغريق كانت مُجردةً تمامًا، ولكن كانت لها جذورها العميقة في تطبيقات البابليِّين والمصريين. لا يُوجَد فرق حقيقي — عند الإغريق — بين الكيانات الحسابية والأشكال الهندسية؛ أي مثلًا بين العدد ٥ وخط طوله خمس وحدات. والحقيقة الثانية هي أنه لا تُوجَد أيضًا أيُّ فروق واضحة أو تمييز صريح لدى الإغريق بين الرياضيات والميتافيزيقا والدين؛ إذ كانت جميعها نفس الشيء في مناحٍ كثيرة. والحقيقة الثالثة أنَّنا في عصرنا وثقافتنا لا نُحبُّ الحدود ولا النهايات، كقولنا — مثلًا — «رجل محدود» أو «إذا كانت مُفرداتك اللغوية محدودة، فإنَّ فُرَص نجاحك محدودة أيضًا.» إلى غير ذلك. وهذه الكراهية للنهايات والحدود هي أمرٌ لم يكن ليفهمَه الإغريق. ويكفي أن نقول إنهم أحبُّوا النهايات كثيرًا، وإحدى النتائج المباشرة لذلك هي نفورهم من اللانهائية أو عدَم ثقتهم فيها. اللفظة الإغريقية «أبيرون» to apeiron لا تعني فقط طويلًا أو كبيرًا على نحوٍ غير مُتناهٍ، ولكن أيضًا غير قابل للتعريف، مُعقد على نحوٍ ميئوس منه، الشيء المُستغلِق الذي لا يُمكن التعامل معه أو معالجته.١
تُشير أيضًا لفظة «أبيرون»، وهو المعنى الأكثر شهرة، إلى الفوضى اللامحدودة عديمة الجوهر التي بدأت منها نشأةُ الخلق. يُعرِّف أناكسيماندر (٦١٠–٥٤٥ قبل الميلاد)، أولُ الفلاسفة السابقين على أرسطو الذي استخدم اللفظة في فلسفته الميتافيزيقية، الكلمةَ بالأساس على أنها «الركيزة الأساسية اللامحدودة التي نشأ منها العالم.» وكلمة «اللامُتناهي» هنا لا تعني فقط لا ينتهي ولا ينضب، ولكن أيضًا عديم الشكل، دون كل الحدود والفروق والصفات الخاصة. ضربٌ من الفراغ، باستثناء ما هو مُفتقرٌ إليه في الأساس وهو الشكل.٢ ولم يكن هذا ليس بالأمر الجيد بالنسبة إلى الإغريق. وفيما يلي اقتباسٌ من أرسطو، وهو اقتباسٌ حاسِم: «جوهر اللامتناهي هو العَوَز، ليس الكمال ولكنه افتقار النهاية.» الفكرة هي أنك عندما تستبعِد جميع الحدود وتُجرِّدها للوصول إلى اللانهائية، تكون كمَنْ يأخذ العاطل بالباطل: لا حَدَّ يعني لا شكل، ولا شكل يعني الفوضى، والقُبح، والتشوُّش وانعدام النظام. ومن ثمَّ، لاحظ الحقيقة الرابعة من الحقائق الثابتة التي لا تتزعزع، فلسفة الجمال الجوهرية وكلية الوجود في الفكر الإغريقي. الفوضى والقُبح هما الخطأ أو الشرُّ المُطلَق في حدِّ ذاته، هما الإشارة المؤكَّدة أنَّ ثَمَّة خطأً في مفهومٍ ما، بالطريقة نفسِها تقريبًا التي كان انعدام التناسُب أو الفوضى غير مسموح بهما في الفن الإغريقي.٣
يُعَدُّ فيثاغورس الساموسي (٥٧٠–٥٠٠ قبل الميلاد) عنصرًا أساسيًّا بشتَّى الطرُق في تاريخ اللانهائية (في الواقع، من الأدقِّ أن نقول «الأخوية الدينية الفيثاغورية» أو اختصارًا «الفيثاغورية»؛ لأنه طبقًا لمفهوم اللانهائية، الإنسان أقل أهميةً من المَذهب). الميتافيزيقا الفيثاغورية هي التي ربطت بوضوحٍ مفهوم «اللامُتناهي» أو «اللامُتعيِّن» لدى أناكسيماندر بمبدأ النهاية (= Gr. Peras) الذي أضفى قوامًا ونسقًا — إمكانية اتخاذ شكل — على الفراغ الأوَّلي. طرحَ أتباع الأخوية الدينية الفيثاغورية، الذين كما هو معروف جيدًا قد أنتجوا نظامًا كاملًا من الأعداد، هذه النهاية على أنها رياضية، هندسية. ومن خلال تطبيق عمليات «المُتناهي» أو «المحدود» peras على «اللامُتناهي» أو «اللامحدود» to apeiron، نتجت الأبعاد الهندسية للعالَم المادي: عندما يُحدَّد «اللامتناهي» أو «اللامحدود» مرةً واحدة، فإنَّه يُنتج النقطة الهندسية، وعندما يُحدَّد مَرتَين فإنه يُنتج الخط، وعندما يُحدَّد ثلاث مراتٍ فإنه يُنتج المُستوى، وهكذا. ومع أنَّ هذا قد يبدو غريبًا أو بدائيًّا، فإنه كان مهمًّا للغاية، وكذلك أيضًا الفيثاغورية. كان عِلم الكونيات القائم على فكرة المحدود أو المتناهي peras لديهم يَعني أن نشأة الأعداد هي نشأة العالَم. كان أتباع الأخوية الدينية الفيثاغورية غير تقليديين ومُخالفين للمألوف على نحوٍ خرافي، كما في قواعدهم المَوسمية أو الفصلية بشأن الجنس أو كراهية فيثاغورس المَرَضِيَّة للحبوب والبقول. لكنهم كانوا أوَّل مَن اعتبر الأعداد مفاهيمَ وصورًا مُجردة وتعامَل معها على هذا الأساس. كانت مركزية العدد ١٠ في مَذهبهم، على سبيل المثال، لا تعتمِد على العوامل المُتمثلة في أصابع اليدَين أو القدمَين، ولكنها تعتمِد على حالة العدد ١٠ بوصفه المجموع الكامل للمقدار ١ + ٢ + ٣ + ٤.
كان أتباع الأخوية الدينية الفيثاغورية هُم أولَ فلاسفة يُعالجون صراحةً العلاقةَ الميتافيزيقية بين حقائق الرياضيات المُجردة والحقائق التجريبية الملموسة. وكان موقفهم الأساسي أن الحقيقة الرياضية والعالَم المادي هما شيءٌ واحد، أو بالأحرى إنَّ الحقيقة التجريبية عبارة عن ظلٍّ أو إسقاطٍ للرياضيات المُجردة.٤ علاوة على ذلك، كانت الكثير من حُججهم المُتعلقة بأَوليةِ الأعداد تعتمد على الحقيقة المرصودة أنَّ العلاقات الرياضية الشكلية تمامًا لها تداعيات مُذهِلة على ظواهر العالَم الحقيقي، ومثالٌ شهير على ذلك كيفية تجريد الفيثاغورسيِّين لمعادلة المتوسِّط الذهبي ( ، التي لها الحل التقريبي ) من حلزونات الأصداف البحرية وحلقات الشجر ونشر استخدامها في العمارة. كما سبق أن ذكرنا، فإنَّ الحضارات السابقة على ذلك، مثل الحضارة المصرية القديمة، قد عرَفَت بعض هذه العلاقات ما بين الرياضيات والعالَم، أو ربما من الأفضل لو قُلنا إنهم «استخدموها»؛ إذ لم يكن المصريون القدماء يهتمُّون مُطلقًا بماهية هذه العلاقات أو ما تَعنيه فعليًّا. وفيما يلي مثالان آخران. عمليًّا، استخدَم المصريون القدماءُ ما نُسمِّيه الآن نظرية فيثاغورس في أعمال الهندسة والمَسح على طول نهر النيل، ولكن فيثاغورس هو مَنْ صاغ منها نظريةً فِعلية وأثبتَها. والكثير من الثقافات ما قبل الإغريقية كانت أيضًا تعزف المُوسيقى، ولكن الأخوية الدينية الفيثاغورية كانوا هم مَن اكتشفوا مفهومَي الأوكتاف (الجواب، أو جواب القرار)، الخُمس المثالي … إلخ، من خلال ملاحظة أن بعض الفواصل الموسيقية دائمًا ما تكون مناظرة لنِسَب مُعينة في أطوال الآلات الوترية — ٢ إلى ١، ٣ إلى ٢، وهكذا. وبما أن الأوتار هي خطوط والخطوط هي كيانات هندسية رياضية،٥ فإن نِسَب أطوال الأوتار هي نفسُها نِسَب الأعداد الصحيحة، التي تُعْرَف أيضًا بالأعداد النسبية، التي هي الكيانات الأساسية في الميتافيزيقا الفيثاغورية.

الفكرة هي أنَّ محاولات الأخوية الدينية الفيثاغورية للتعبير عن العلاقات بين الحقيقة الرياضية والعالَم المادي كانت جزءًا من مشروعٍ أكبرَ لفلسفةِ ما قبل سقراط، الذي كان الهدف منه في الأساس هو إعطاء تفسيرٍ عقلاني غير أُسطوري لِما كان حقيقيًّا، والمَنشأ الذي جاء منه. وقد يكون أهمَّ حتى من الأخوية الدينية الفيثاغورية، فيما يخصُّ اللانهائية، قانونُ الفيلسوف الصوفي الأول بارمينيدس الإيلي (٥١٥–؟ قبل الميلاد) ليس فقط لأنَّ تمييزه بين «طريق الحقيقة» و«طريق الظاهر» قد شكَّل مُصطلحات الميتافيزيقا الإغريقية (ومرَّة أخرى) أثَّر في أفلاطون، ولكن لأنَّ التلميذ الأول لبارمينيدس والمُدافع عنه كان زينون الإيلي، الذي هو الفيلسوف الإغريقي الأكثر ذكاءً ومُشاكسةً (والذي يُمكن أن يُرى حقًّا وهو يُجادل سقراط ويُشاكِسه، دافعًا بالحُجَّة، في كتاب «مُحاورة بارمينيدس» لأفلاطون). اتخَذت حُجج زينون عن الميتافيزيقا البارمينيدية — على النحو المذكور عنها — شكلَ عددٍ من المُفارقات الأكثر عُمقًا وحسمًا في تاريخ العالَم. وتأييدًا لعلاقة هذه المُفارقات الحاسمة بموضوعنا الشامل، إليكم اقتباسًا آخرَ عن بي راسل:

في هذا العالَم المُتقلِّب لا شيءَ أكثر تقلبًا من الشهرة بعد الوفاة. وأحدُ أبرز الأمثلة على افتقار الأجيال القادمة إلى مَلكة التمييز والحُكم الجيد على الأمور هو زينون الإيلي […]، الذي ربما يُنظَر إليه باعتباره مؤسِّس فلسفة اللانهائية. فقد وضع أربع حُجج، جميعها غاية في البراعة والعُمق، لإثبات أنَّ الحركة مُستحيلة منطقيًّا، وأنَّ أخيل لا يُمكنه أن يسبق السلحفاة، وأنَّ السهم الطائر هو في الواقع عديمُ الحركة. وبعد دحض هذه الحُجج وتفنيدها على يدِ أرسطو وعلى يدِ كل الفلاسفة اللاحِقين منذ ذلك اليوم وحتى زماننا، أُعيدت هذه الحُجج، وشكَّلت الأساسَ لقيام نهضةٍ رياضية، على يد أستاذٍ ألماني ربما لم يحلُم قطُّ بأي صِلة بينه وبين زينون.

إحقاقًا للحق، الميتافيزيقا البارمينيدية — التي هي أكثر غرابة من الميتافيزيقا الفيثاغورية، وإذا استرجعنا الماضيَ فإنها تبدو أكثر شبهًا بديانات الشرق عنها بالفلسفة الغربية — يُمكن وصفها بأنها نوع من الوحدانية الثابتة،٦ ومن ثمَّ فإن مُفارقات زينون (التي يتجاوز عددُها في الحقيقة الأربعة) مُوجَّهة ضدَّ حقيقة (١) التعدُّدية و(٢) الاتِّصال. وفيما يخصُّ نقاشنا الحاليَّ، فإن ما يَعنينا هو «الاتصال»، الذي يتَّخِذ عند زينون، كما يُشير راسل، شكلَ الحركة المادية المُنتظمة.
تُعرَف حجة زينون الأساسية ضدَّ حقيقة الحركة بالتقسيم الثنائي («الديخوتومي»). وتبدو بسيطةً للغاية وقد استُخدِمت في اثنَين من أشهر مُفارقاته، «مِضمار السِّباق» و«أخيل والسلحفاة». واستخدمَ التقسيم الثنائي وناقشَهُ لاحقًا، بكل أنواع الإعدادات والأجندات المختلفة، كلٌّ من أفلاطون وأرسطو وأجريبا وأفلوطين والقديس توما الإكويني ولايبنتس وجيه إس ميل وإف إتش برادلي ودبليو جيمس (ناهيك عن دي هوفستادتر في كتابه «جودل، إيشر، باخ: الجديلة الذهبية الأبدية»). وهكذا تجري الأمور.٧ أنت تقف في زاوية والضوء يتغيَّر، وتُحاول أن تعبُر الطريق. لاحِظ الفعل «تُحاول»؛ ذلك لأنك قبل أن تتمكن من عبور الطريق بالكامل، عليك أن تصِل إلى منتصف المسافة. وقبل أن تصِل إلى منتصف المسافة، عليك أن تصل إلى رُبع المسافة. وهذا أمرٌ بديهي. وقبل أن تتمكن من الوصول إلى رُبع المسافة، من البديهي أنك لا بدَّ أن تصِل إلى ثُمن المسافة، وقبل الثُّمن، واحد على ستة عشر، وهكذا إلى ما لا نهاية. ولنتناول الأمر بطريقةٍ أكثر تشويقًا، تكمُن المفارقة هنا أن الشخص السائر في الطريق لا يُمكنه التحرُّك من النقطة إلى النقطة دون عبور كل المسافات الجزئية المُتعاقبة للمسافة ، وطول كل مسافة جزئية يُساوي ، حيث تُكوِّن قِيَم المُتتابعة ، وتعني « » بالطبع أنَّ المُتتابعة ليست لها نهاية مُحددة؛ فهي مُمتدة إلى الأبد. هذا هو الارتداد إلى ما لا نهاية، أو ما يُعرَف أيضًا بالارتداد اللانهائي المنافي للمنطق. وما يجعله مخالفًا للمنطق هنا هو أنك يتعيَّن عليك إتمامُ عددٍ لا نهائي من الأفعال قبل بلوغ هدفك، وهو ما يجعل الهدف مستحيلًا منطقيًّا؛ بما أن القَصد من كونه عددًا «لا نهائيًّا» أنه لا نهاية لعدد هذه الأفعال. ومن ثمَّ، فإنك لا تستطيع عبور الشارع.
عادةً ما تكون الطريقة القياسية لشرح التقسيم الثنائي بأسلوبٍ منهجي كالتالي:
  • (١)
    لعبور المسافة لا بد أن تعبُر أولًا كل المسافات الجزئية ، حيث .
  • (٢)

    يُوجَد عدد لا نهائي من المسافات الجزئية.

  • (٣)

    من المُستحيل أن تعبُر عددًا لا نهائيًّا من المسافات الجزئية في فترة زمنية محددة.

  • (٤)
    إذن، من المُستحيل أن تعبر المسافة .
غنيٌّ عن القول إن المسافة لا يتعيَّن بالضرورة أن تكون طريقًا عريضًا للغاية، أو حتى طريقًا على الإطلاق. ينطبق مفهوم التقسيم الثنائي على أي نوع من الحركة المُستمرة. اعتاد د. جوريس في قاعة الدرس على إدارة النقاش بأسلوبٍ مُماثل للكشف عن القيادة تحت تأثير المخدِّر، وهو أن تُحرِّك إصبعك من منطقة الخصر حتى طرَفِ الأنف. وبالطبع، كما يعلم أي شخص عبَرَ طريقًا أو لمَسَ أنفه من قبل، يتَّضِح أن هناك شيئًا غريبًا غير مُقنِع بشأن حُجة زينون. وتقصِّي هذه الغرابة وتفسيرها هو موضوعٌ آخر تمامًا. ولا بدَّ أن نتوخَّى الحذَر أيضًا؛ فهناك أكثرُ من طريقٍ يُؤدي إلى الخطأ. إذا كنتَ لا تزال تذكر بعضًا من مُقرَّر الرياضيات الجامعي، على سبيل المثال، فقد يدفعك ذلك إلى القول إنَّ الخطوة (٢) من التقسيم الثنائي تُخفي وراءها مُغالطةً بسيطة، وهي الافتراض بأن مجموع مُتسلسلة غير منتهية لا بدَّ أن يكون هو نفسه غير مُنتهٍ. لعلك تذكر أن الخطوة (١)، وهي ، هي ببساطة طريقة أُخرى لتمثيل المُتسلسلة الهندسية ، وأن الصيغة الصحيحة لإيجاد مجموع هذه المتسلسلة الهندسية هو ، حيث هو الحد الأول للمتسلسلة و هو النسبة المُشتركة، وأن هنا يُساوي ، وكذلك ، و ، ويتَّضِح في هذه الحالة أنَّ من الممكن عبور الطريق ولمْس الأنف دون مشاكل، ومن ثمَّ يكون التقسيم الثنائي مجرد مسألة كلامية صعبة وليس مُفارقة على الإطلاق، اللَّهم إلا الحضارات التي كانت على درجةٍ كبيرة جدًّا من البدائية والتخلُّف لم تُمكِّنها من معرفة صيغة إيجاد مجموع متسلسلة هندسية.
ولو لم يكن هذا الردُّ كافيًا، فلنُنَحِّ جانبًا الآن موضوع ما إذا كانت الحُجة صحيحة تقنيًّا أم لا. فما يهمُّ حقًّا أنها بسيطة؛ فهي تُمثل ما يُطلِق عليه الفلاسفة نظرة قاصِرة لمسألة زينون. فمن أين نتأكَّد أن صيغة صحيحة لإيجاد مجموع هذه المُتسلسلة الهندسية؟ أي هل هذه الصيغة مجردُ جزءٍ من الدلالات الصارمة الموضوعة لتحديد مُعضلاتٍ بعينها من الوجود، أو هل هي ذات دلالةٍ رياضية بمفهوم هاردي لمصطلح «ذات دلالة»؟ وكيف نُحدِّد أيهما تكون هي؟
من الغريب أنه كلما كانت الرياضيات التي درَستها أكثر مِعياريةً ونظامية، كان من الأصعب أن تتفادى الإجابة بأسلوبٍ قاصر. كما في حالة التحقُّق، على سبيل المثال، من صحة بملاحظة أن المُتسلسلة الهندسية ذاتَ الصِّلة هنا هي نوع فرعي مُعين من المتسلسلة غير المنتهية المتقاربة طبقًا لأفضل مفاهيمِ حساب التفاضُل والتكامل (٢)،٨ وأن مجموع هذه المتسلسلة يُحدَّد على أنه نهاية مُتتابعة المجاميع الجزئية للمُتسلسلة (أي إنه إذا كانت المتتابعة من المجاميع الجزئية للمتسلسلة تقترِب من نهايةٍ ما ، فإن هي مجموع المُتسلسلة)، وهذا بالتأكيد فيما يخصُّ المتسلسلة أعلاه ، ومن ثمَّ فإن تؤدي المطلوب … وبذلك تكون قد رددْتَ مرةً أخرى على حُجة التقسيم الثنائي لزينون بطريقة مركَّبة، وصحيحة تقنيًّا، وبسيطة في جوهرها. تمامًا كالحال عندما تُجيب عن سؤال مثل «لماذا يُعَد القتل جُرمًا؟» بقولك: «لأنه فِعل غير قانوني».
المشكلة في مُقرَّر الرياضيات الجامعي، الذي يتألَّف كله تقريبًا من معلوماتٍ مجردة يتلقَّاها الطلبة ويسترجعونها بطريقةٍ نمطية رتيبة، ومُصمَّمة بطريقة تَزيد هذا التدفقَ المتبادل للبيانات، أننا يمكن أن ننخدِع بصعوبة سطحيتها التامة فنعتقدَ أننا في الحقيقة نعرف شيئًا، بينما كل ما «نعرفه» في الحقيقة هو صِيَغ وقواعدُ مُجرَّدة لاستخدامها. نادرًا ما تُخبرنا دروس الرياضيات بما إذا كانت صيغة مُعينة لها معنًى حقيقي، أو بسبب أهميتها، أو منشئها الحقيقي أو ما كان منها على المحك.٩ من الواضح أنَّ هناك فرقًا بين أن تكون قادرًا على استخدام صيغةٍ ما استخدامًا صحيحًا وأن تعرف حقًّا كيف تحلُّ مسألةً ما، أن تعرف السبب في أن مسألةً ما هي مسألة رياضياتٍ فعلية وليست مجردَ تمرين. وبخصوص هذا الموضوع، انظر جزءًا آخر من فِقرة بي راسل عن زينون،١٠ مع تقديم تأكيداتٍ هذه المرة:

كان زينون مُهتمًّا — في واقع الأمر — بثلاث مُعضلاتٍ، كلٌّ منها تُعرَض من خلال الحركة، ولكنَّ كلًّا منها أكثرُ تجريدًا من الحركة، وقابلة للمعالجة الحسابية البحتة. وهذه المعضلات هي مُتناهي الصغر، واللامتناهي، والاتصال. ولبيان الصعوبات التي ينطوي عليها الأمر بوضوح؛ ربما علينا الاضْطِلاع بالجزء الأصعب من مهمة الفيلسوف.

وفشلت ، دون قدرٍ كبير من السياق وكما لو أنها كانت دافعًا، لبيان الصعوبات المُتضمَّنة بوضوح. وفي الواقع، فإن الإتيان على ذِكر هذه الصعوبات بوضوح هو الصعوبة الحقيقية والوحيدة المُتضمَّنة هنا (وإذا بدأتَ تشعُر الآن ببعض الإجهاد و/أو الصداع، فسوف تعرف أننا في منطقة زينون الحقيقية).
أولًا، لتقليل كلمة على الأقل، أنعِش ذاكرتك بإلقاء نظرةٍ على التمثيلَيْن البيانيين التقريبيَّين التاليَين، اللذين يخصُّ أحدهما المُتتابعة المتباعدة١١ بينما يخصُّ الآخر المُتتابعة المتباعِدة :
واحدة من الصعوبات السياقية الحقيقية المُحيطة بالتقسيم الثنائي هي أن الإغريق لم يكن لديهم صفرٌ ولم يستخدموه في الرياضيات عندهم (ابتُكِرَ الصفر في وقتٍ متأخر جدًّا على أيدي البابليِّين، بأسلوبٍ عملي واكتواري بحت، سنة ٣٠٠ قبل الميلاد). ومن ثمَّ، يُمكن للمرء القول إنه بما أنه لا يُوجَد عدد معروف أو كمية معروفة تتقارب إليها المتتابعة المُتقاربة (انظر الشكل ٢أ (٢))، فالرياضيات عند الإغريق افتقرت إلى الأداة المفاهيمية لاستيعاب التقارب، والنهايات، والمجاميع الجزئية … إلخ. وهذا من شأنه أن يكون صحيحًا من جانب،١٢ وغير بسيط كليًّا.
ومع ذلك، يظل النفور الإغريقي من اللامتناهي أو اللامحدود، الذي ذكرناه سابقًا عند شرح لفظة «أبيرون» لديهم، أقلَّ بساطة. كان زينون أولَ فيلسوف يستخدِم الصفات المنطقية للانهائية الأشبهَ بالثقب الأسود كأداةِ نقاشٍ فعلية، وهي الارتداد اللانهائي المُنافي للمنطق، التي لا تزال تُستخدَم حتى اليوم في النقاشات المنطقية كطريقةٍ للبرهان بالتناقُض. مثال: في نظرية المعرفة، الارتداد اللانهائي المنافي للمنطق هو الطريقُ الأسهل لدحض الزَّعْم الشائع بأنك لكي تعرِف حقًّا شيئًا ما فلا بدَّ أنْ تعرف أنَّك تعرفه. وعلى غِرار معظم براهين الارتداد اللانهائي المُنافي للمنطق، ينطوي هذا البرهان على عددٍ من التَّكرارات التي تدور في حَلْقةٍ مُفْرَغة، وهو ما يُعَدُّ عيبًا بطبيعة الحال. افترض أنَّ المُتغير يُشير إلى أي حقيقةٍ أو حالة مسبوقة بالكلمة «أنَّ»، ثم اذكر الزَّعْم الأصلي على صورة (١) «لكي تعرف أنَّ ، يجب أن تعرِف أنك تعرِف أنَّ ». بما أنَّ العبارة «أنْ تعرِف أنَّ » بأكملها تصِف حقيقةً أو حالة، يُمكنك ببساطة في الخطوة التالية من البرهان توسيعُ دلالة بحيث يُصبح الآن = [تعرف أن ]، ثم تُعوِّض عنها بالزَّعْم الأصلي، مع إجراء ما يَلزم من التعديل والتبديل في (٢) «لكي تعرف أنَّك [تعرف أنَّ ]، يجب أنْ تعرف أنَّك تعرف أنَّك [تعرف أنَّ ]»، ثم يقودنا توسيع دلالة التالي الصحيح تمامًا إلى (٣) «لكي تعرِف أنَّك [تعرف أنَّك تعرف أنَّ ]، لا بدَّ أن تعرِف أنَّك تعرف أنَّك [تعرف أنَّك تعرف أنَّ ]»، وهكذا إلى ما لا نهاية، ممَّا يستوجب منك استيفاءَ عددٍ لا نهائي من الشروط المُسبقة لمعرفة أي شيء.
(معلومة إضافية: الارتداد اللانهائي المنافي للمنطق هو أداة فعَّالة جدًّا يُمكنك استخدامها بسهولةٍ لإزعاج المنافِسين المُحترفين، أو لإثارة غضب شريكك في الصراعات المحلية، أو (الأسوأ) لإقحام نفسك في فكرة مُسترسِلة إلى ما لا نهاية على نحوٍ يدفعك دفعًا إلى الجنون، على سبيل المثال، أي نوع من العلاقة بين شيئَين أو عنصرَين، كالحال عندما نقول: إن و مرتبطان بالدالة ، أو إنه إذا كانت السُّحب تُؤدي إلى سقوط الأمطار فإن السُّحب والأمطار تربطهما إذن علاقة سَببية. إذا تناولت الفكرة بصورةٍ مجردة وسألتَ، بالإشارة إلى أي علاقة، هل هذه العلاقة مُرتبطة في حدِّ ذاتها بالعنصرَين اللذين تربطهما، فإن الإجابة حتمًا ستكون بالإيجاب (بما أنه يستحيل أن تعرِف كيف يمكن لعلاقة أن تربط بين عنصرَين إلا إذا كانت لها صلتُها الخاصة بكلِّ عُنصر على حِدة، مثل الجسر الواصل بين ضفتَي النهر الذي يجب أن يكون متصلًا بكل ضفةٍ على حِدة)، ومِن ثمَّ فالعلاقة — مثلًا — بين السُّحب والأمطار تستلزِم في الحقيقة علاقتَين أُخريَين، وهما بين (١) السُّحب والعلاقة و(٢) المطر والعلاقة، وكلٌّ من العلاقتَين الأخيرتَين تستلزم بالتأكيد علاقتَين أُخريَين في كل جانب، وهكذا، إلى ما لا نهاية … وهو ما ليس بالأمر المُسلِّي أو بالأسلوب المُجرد النافع الذي يمكن أن يبدأ المرءُ يومَه بالتفكير فيه، لا سيَّما أن المُتسلسلة الهندسية للعلاقات هنا مُتباعدة وليست مُتقاربة، ومن ثمَّ فإنها ترتبط بكل أنواع المتسلسلات المُتباعدة والمروِّعة بوجهٍ خاص مثل التضاعُف الأُسِّي لحالات الإصابة بالسرطان، والانشطار النووي، وعِلم الأوبئة، وغيرها. من الجدير بالذكر أيضًا أنَّ أمثلة الارتداد اللانهائي المنافي للمنطق التي تقوم على التباعُد، كالمذكورة أعلاه، دائمًا ما تنطوي على مجموعةٍ من المفاهيم الميتافيزيقية المُجرَّدة، مثل «علاقة»، أو «معرفة». فالأمر أشبهُ بشقٍّ أو صدعٍ عميقٍ دائم الاتساع عند الانتقال من حالات مُعينة من المعرفة، ما يخصُّ المعرفة، (العلاقة بصورة مجردة).
كان زينون نفسه مُولَعًا إلى حَدِّ الهوس تقريبًا بالارتداد اللانهائي المنافي للمنطق القائم على التباعد، واستخدَمَه في العديد من مُفارقاته الأقل شهرة. وفيما يلي إحدى مفارقات زينون المناقضة لفيثاغورس على وجه الخصوص،١٣ التي هي نقيض فكرة أنَّ أي شيءٍ يمكن أن يكون حقًّا في موقعٍ معين، وصيغتها على نحوٍ مُبسَّط كالتالي:
  • (١)

    أيُّ شيءٍ موجود يكون في موقعٍ ما.

  • (٢)

    ومن ثمَّ، يُوجَد موقع.

  • (٣)

    ولكن بمُقتضى (١) و(٢)، الموقع يجب أن يكون في موقعٍ ما، و

  • (٤)

    بمقتضى (١) حتى (٣)، موقع الموقع يجِب أن يكون هو نفسه في موقعٍ ما، و…

  • (٥)

    … وهكذا إلى ما لا نهاية.

من الأسهل بالأحرى فَهمُ عناصر هذه المفارقة؛ حيث إنَّ الصعوبة الحقيقية هنا وفقًا لراسل هي المعنى المُراوغ إلى حدٍّ ما لكلمة «يُوجَد». في الواقع، بما أن الإغريق لم يكن لديهم فعل خاص للوجود، فإن المصدر ذا الصلة هو الأكثر مراوغةً في معناه وهو «أن يكون». وعلى أساسٍ نحوي بحْت، يُمكن أن تُتهَم حجة زينون بمُغالطة الالتباس اللفظي أو المعجمي،١٤ نظرًا لأن المصدر «أن يكون» يُمكن أن يعنيَ كل أنواع المفاهيم المُختلفةمثل: «أنا (أكون) خائفًا»، أو «هو (يكون) ديمقراطيًّا»، أو «إنها (تكون) تمطِر»، أو «أنا (أكون) أنا» (الأقواس هنا للإشارة إلى أن الفعل (يكون) يأتي مُستترًا في العربية)، ولكن يُمكنك أن ترى أن التأكيد على هذه الحالة سوف يُؤدي سريعًا إلى طرح الأسئلة الأكثر عُمقًا في المفارقة، وتكون هذه الأسئلة هنا (مرة أخرى) ذاتَ طابَعٍ ميتافيزيقي: ما الذي تعنيه بالضبط هذه المفاهيم المختلفة للمصدر المُؤوَّل (أن يكون)، وما الذي يعنيه على وجه التحديد المفهومُ الأكثر تخصيصًا للمصدر المؤوَّل (أن يُوجَد)، أي ما هي أنواع الأشياء الموجودة فعلًا، وعلى أي صورةٍ تُوجَد، وهل تُوجَد أنواع مُختلفة من الوجود لأنواعٍ مختلفة من الأشياء، وإذا كان الأمر كذلك، فهل تتَّسِم بعض أنواع الوجود بأنها جوهرية أكثرَ من أنواعٍ أخرى؟ وهكذا.

لعلك لاحظتَ أننا تناوَلنا هذه الأنواع من الأسئلة أكثر من مرةٍ بالفعل، ومع ذلك ما زال يفصلنا عن جي كانتور أكثرُ من ٢٠٠٠ عام. هذه الأسئلة هي العُملة الفاسدة الحقيقية في قصة اللانهائية، ولا سبيلَ لتفاديها إذا كنتَ لا تريد استرجاع عددٍ من دروس الرياضيات المُجردة عن نظرية المجموعات غير المُنتهية. أما الآن، فقد حان الوقت لاستعراض حجة أفلاطون حول الواحد والمُتعدِّد، التي تتمثل في المعالجة الكلاسيكية لهذه الأسئلة حسبما تنطبق على قضية الإسناد ذات الصِّلة.

لعلك تتذكَّر أيضًا مسألة الواحد والمُتعدِّد من أيام الدراسة، ومِن ثَمَّ لا داعيَ للقلق بشأنها؛ لأن ذلك لن يستغرق وقتًا طويلًا. وفقًا لأفلاطون، إذا اشترك شخصان في سِمةٍ ما، ومِن ثمَّ أصبح من المُمكن وصفُهما١٥ بنفس المحمول المسند: «توم إنسان»، «ديك إنسان»، فهناك إذَن شيءٌ ما تُوجَد بموجبه هذه السِّمةُ المشتركة لدى توم وديك (بالإضافة إلى كل المرجعيات الأخرى للمرفوع المُسنَد «إنسان»). هذا الشيء هو الشكل السرمدي الكامل للإنسان، وهذا الشكل هو ما يُوجَد حقًّا في نهاية المطاف، في حين أنَّ البشر هم مجرَّد مظاهرَ مؤقتة من هذا الشكل المُطلَق، مع نوع من الوجود المُستعار أو المُستنسَخ، مثل الظلال أو الصور المُسقطة. ويُعدُّ هذا شكلًا مُبسطًا للغاية من قضية الواحد والمُتعدِّد، وحتى عند هذا المستوى يُفترَض أنه لا يكون من الصعب رؤيةُ تأثير فيثاغورس وبارمينيدس على نظرية المُثُل الأنطولوجية لأفلاطون، التي تُعتبَر قضية الواحد والمُتعدِّد جزءًا جليًّا منها.
وهنا تُصبح الحقيقة مُعقَّدة بعض الشيء. وحسبما يحدُث كثيرًا فيما يبدو، يشمل هذا التعقيد أرسطو. في واقع الأمر، كان أول ذكرٍ لمسألة الواحد والمُتعدِّد في كتاب «بارمينيدس» لأفلاطون، ولكن ما جعل هذه الحجَّة يَذيع صداها حقًّا هو كتاب «ما وراء الطبيعة» لأرسطو،١٦ الذي نوقِشَت فيه مسألة الواحد والمُتعدِّد بقدرٍ كبير من الإسهاب بحيث يتسنَّى لأرسطو محاولةُ نقضها. يُوجَد العديد من الكتب الجديرة بالذِّكر هنا في هذا السياق التي يُمكن تخطِّيها غالبًا.١٧ والغريب (لأسبابٍ سوف يأتي ذكرها لاحقًا) هو أن حجة أرسطو الأكثر شهرةً ضد نظرية الأشكال لأفلاطون مُستقاة بالنص تقريبًا من زينون. هذه الحجة، التي تُسمَّى عادةً حُجة «الرجل الثالث»، هي في حقيقة الأمر برهنة لقضية الواحد والمُتعدِّد بإثبات نقيضها، وهو بُرهان من نوع الارتداد اللانهائي المُنافي للمنطق بمفهومه القائم على التباعُد. بعد ملاحظة أنَّ كلًّا من الشخصَين والشكل السرمدي الكامل للإنسان يشتركان في صفةٍ أو سمة يُمكن إسنادها إليه، أوضح أرسطو أنه لا بدَّ من وجود شكلٍ ميتافيزيقي آخَر — لنقل مثلًا «رجلًا» — يتضمَّن هذه السمة المشتركة، وهو ما يستتبع أيضًا شكلًا آخر، أي «رجلًا»، بما يشمل السمات المشتركة بين رجل و[رجل + رجل] وهكذا، إلى ما لا نهاية.
سواءٌ ما إذا كانت فكرة «الرجل الثالث» قد خطرَت ببالك أم لا بوصفِها تفنيدًا صحيحًا لنظرية الواحد والمُتعدِّد، فربما تكون قد لاحظتَ بالفعل أن نظرية الأشكال لأفلاطون١٨ تنطوي على مشاكل في حدِّ ذاتها، كما في حالة الحماقة الواضحة عند تطبيق نظرية الواحد والمُتعدِّد على مُسنَد مُعين: هل يُوجَد شكل سرمدي كامل لاستخدام اليد اليسرى؟ أو للغباء؟ أو للحمق؟ ومع ذلك، لاحظ أن نظرية أفلاطون تحوز الكثير من الفعالية والقَبول عندما تُطَبَّق على أي نوعٍ من النظم التي تعتمِد على العلاقات الشكلية بين مفاهيم مُجرَّدة. كما في الرياضيات. فالانتقال المفاهيمي من «خمس برتقالات» و«خمس بِنسات» إلى الكمية خمسة والعدد الصحيح هو بالضبط انتقال أفلاطون من «رجل» و«رجال» إلى «الإنسان». وفي النهاية، تذكَّر تَوجُّه هاردي في الجزء ١(ﺟ): عندما نستخدِم تعبيرًا مثل « »، فإن ما نُعبِّر عنه هو حقيقة عامة يعتمد تعميمها على التجريد الشامل للعناصر المُتضمَّنة فيها؛ فنحن نقول في الحقيقة إن: اثنين من أي شيءٍ زائد ثلاثة من أي شيءٍ سيُساوي خمسة من أي شيء.
إلا أننا لا نقول ذلك أبدًا في حقيقة الأمر. وبدلًا من ذلك، نتحدَّث عن العدد والعدد ، وعن العلاقات بين العددَيْن. من المُفيد — مرة أخرى — أن نُوضح أن ذلك قد يكون مُجردَ انتقال دلالي أو ميتافيزيقي أو كلَيهما. ومن المُفيد أيضًا أن نتذكَّر ما ورَدَ في الجزء ١(د) عن المفهوم الإسنادي في مقابل المفهوم الاسمي للكلمتَين «طول» و«جرام»، ومُختلِف مَزاعم الوجود المُتضمَّنة في «لا أرى شيئًا على الطريق»، و«الإنسان كائن فضولي بطبعه»، و«إنها تمطر»، ومن المُفيد بعد ذلك أن نتأمَّل بعنايةٍ مزاعم الوجود التي نُحيل إليها عندما نتحدَّث عن الأعداد. هل « » هو مجرد نوعٍ ما من الاختزال المفاهيمي لكل الكميات الخماسية الفعلية في العالَم؟١٩ من الواضح جدًّا أنه ليس كذلك، أو على الأقل أنَّ هذا ليس كل ما يَعنيه « »، حيث يُوجَد الكثير من الدلالات التي تخصُّ (على سبيل المثال، عدد أولي، والجذر التربيعي للعدد هو ) التي لا تتعلق بالكميات الخماسية في العالَم الفعلي، ولكنها تتعلَّق بكيانٍ من نوع مُعين يُسمَّى الأعداد وخصائصها وعلاقاتها. وممَّا يُشير إلى الوجود الحقيقي للأعداد، وإن كان غريبًا، الطريقةُ التي تبدو بها هذه الصفات والعلاقات — مثل أن لا يُمكن كتابته على صورة عددٍ عشري مُنتهٍ أو على صورة نسبة من الأعداد الصحيحة — كما لو كانت قد جرى اكتشافها حقًّا، وليس اختلاقها أو اقتراحها ثم إثبات صحتها. من المُفترض أن أغلبَنا سيَميل إلى القول إنَّ عدد غير نِسبي حتى لو أنَّ أحدًا لم يُثبِت من قبلُ أنه فعلًا كذلك، أو على الأقل اتَّضح أن قول أي شيءٍ آخر يعني الإحالة إلى نظريةٍ مُعقدة جدًّا وغريبة، تتعلق بماهيَّة الأعداد. لا شكَّ أن القضية برُمَّتها شائكة ومُعقَّدة على نحوٍ لا يُمكن تصوُّره (وهذا هو أحد الأسباب التي تجعلنا نتحدَّث عنها في جملٍ مُقتضَبة)؛ وليس ذلك لأن المسألة مجردة فحسْب، ولكن لأن كل شيءٍ مُتعلق بها هو مفهوم مجرد — الوجود، الواقع، العدد، إلخ. ومع ذلك، تأمَّل للحظةٍ عدد مستويات التجريد المتضمَّنة في الرياضيات نفسِها. نجد في عِلم الحساب المفهوم المجرد للعدد، ثم نجد في عِلم الجبر المُتغير الذي هو رمزٌ أكثرُ تجريدًا لعددٍ (أعداد) ما والدالة التي هي علاقة دقيقة، ولكنها مجردة بين نطاقاتٍ من المُتغيرات، ثم هناك بالطبع مُشتقات وتكامُلات الدوال في مُقرَّر الرياضيات الجامعي، ثم المعادلات التكامُلية التي تتضمَّن دوالَّ غير معروفة، ومجموعات الدوال الخاصة، والمعادلات التفاضُلية، والدوال المُركَّبة (وهي دوالُّ الدوال)، والتكامُلات المُحدَّدة التي يجري حسابها على صورة الفرْق بين تكامُلَين، وهكذا وصولًا إلى الطوبولوجيا وتحليل الموترات والأعداد المُركَّبة والمستوى المُركَّب والمُرافقات المُركَّبة للمصفوفات … إلخ. وهكذا يُصبح الموضوع برُمَّته مثلَ برجٍ شاهق من التجريدات وتجريدات التجريدات التي ربما كنت ستتظاهر أنَّ كل شيءٍ تُعالجه هو شيء حقيقي وملموس، وإلا ستجد نفسك مذهولًا لدرجة أنك لن تتمكنَ حتى من شحذِ قلمك الرصاص، وبالتأكيد لن تستطيع إجراء أي عمليات رياضية.
النقاط الأكثر صلةً بموضوعنا التي يُمكن أن نستخلصها من هذا كلِّه هي أنَّ مسألة الواقع المُطلَق للكِيانات الرياضية ليست شائكة فحسْب، ولكنها مُثيرة للجدل، وأنَّ نظريات جي إف إل بي كانتور عن اللانهائية هي ما أثارت هذا الجدلَ من جديد في الرياضيات الحديثة، وأوجبت ضرورة الفصل فيها. وأنَّ علماء الرياضيات الذين يميلون إلى النظر إلى الكميات والعلاقات الرياضية باعتبارها حقيقيةً من الناحية الميتافيزيقية يُسمَّون في هذا الجدل «أتباع أفلاطون»،٢٠ وقد أصبح من الواضح الآن على الأقل سببُ تسميتهم كذلك، ومن الممكن التطرُّقُ إلى هذه التسمية في وقتٍ لاحق.

الجزء ٢(ب)

أرسطو هو أول فيلسوف لم يكن من أتباع أفلاطون حقًّا. ومع ذلك، فإنه فيما يخصُّ مفهوم الارتداد اللانهائي المُنافي للمنطق لزينون الذي ساقه أرسطو ضد المفاهيم الميتافيزيقية لأفلاطون، كان من الغريب ومن دواعي المفارقة أن محاولة أرسطو هي أيضًا المحاولة الأولى والأكثر أهمية من جانب الإغريق لتفنيد مُفارقات زينون. وهذا يُوجَد بالأساس في الأجزاء الثالث والسادس والثامن من كتاب «الطبيعة» أو «الفيزياء»، والجزء التاسع من كتاب «ما وراء الطبيعة» أو «الميتافيزيقا»، اللذَين تنتهي مناقشات زينون فيهما إلى أنَّ له تأثيرًا وخيمًا على أسلوب معالجة الرياضيات لمفهوم اللانهائية للألفَي سنة القادمة. وفي الوقت نفسه، نجح أرسطو بالفعل في توضيح الصعوبات الأساسية في بعض مُفارقات زينون على الأقل، ونجح كذلك في أن يطرح بوضوحٍ ولأول مرة بعض التساؤلات المُهمة حقًّا حول اللانهائية التي لم يُحاول أحدٌ — حتى أوائل القرن التاسع عشر — الإجابة عنها بطريقةٍ دقيقة، مثل: «ما المقصود بالضبط حين نقول إن شيئًا ما لا مُتناهٍ أو غير محدود؟» و«ما نوعية الأشياء التي يُمكننا أن نتساءل عمَّا إذا كانت لا مُتناهية أم لا؟»

وفيما يخصُّ الأسئلة المحورية، ربما تذكُر ما اشتهر عن أرسطو من ولعِهِ بالتقسيم والتصنيف؛ فهو حرفيًّا مَنْ أدخل «التحليل» في الفلسفة التحليلية. انظر — على سبيل المثال — هذا المُقتطف من مناقشة التقسيم الثنائي في الجزء السادس من كتاب «الطبيعة»: «هناك مفهومان يُسمَّى بموجبهما الطولُ والزمن وعمومًا أيُّ شيءٍ مُتصل بأنه «غير متناهٍ»: إنَّها تُسمَّى كذلك إما من حيث قابليتها للتقسيم وإما من حيث نهاياتها القصوى أو أطرافها [= الحجم].» وهو ما يُعتبَر المرة الأولى على الإطلاق التي يُشير فيها أحدٌ إلى وجود أكثرَ من معنًى لمفهوم «اللامُتناهي». أراد أرسطو بالأساس التمييز بين معنًى قويًّا أو كَمِّيًّا، وهو ما يعني حرفيًّا حجمًا غيرَ مُتناهٍ أو طولًا غير مُتناهٍ أو مدةً غير متناهية، ومعنًى أضعفَ يتضمَّن قابلية التقسيم اللامُتناهي لطولٍ مُتناهٍ. وحسبما يزعم، فإنَّ التمييز الأهمَّ يتضمَّن الزمن: «على الرغم من أنه لا يُمكن لشيءٍ في زمن مُتناهٍ أن يتَّصِل بأشياءَ غير مُتناهية كمًّا، فإنه يُمكنه الاتصال بأشياءَ غير متناهيةٍ من حيث قابلية التقسيم؛ لأنه طبقًا لهذا المفهوم يُصبح الزمن نفسُه غيرَ مُتناهٍ أيضًا.»

الاقتباسان الواردان أعلاه من إحدى الحجَّتَين الأساسيَّتَين اللتين ساقهما أرسطو ضد التقسيم الثنائي لزينون حسبما عرَضناهما في الجزء ٢(أ). الهدف من هذه الحُجة على وجه الخصوص هو ما جاء في الفرضية (٣): «في فترةٍ زمنية محدودة». يرى أرسطو أنه إذا كان زينون قد مثَّل المسافة على أنها مجموع عددٍ لا نهائي من المسافات الجزئية، فلا بدَّ من تمثيل الزمن المُخصَّص الذي يستغرقه اجتياز بالطريقةٍ نفسِها، ليكن مثلًا للوصول إلى ، و للوصول إلى ، و للوصول إلى ، وهكذا. ومع ذلك، هذه الحجة غير مفيدة على الإطلاق؛ نظرًا إلى أن وجود فترةٍ زمنية غير محدودة لعبور الطريق ليست أقلَّ تناقضًا في ضوء تجارِبِ عبور الطريق الفعلية في عشرِ ثوانٍ من التقسيم الثنائي الأصلي نفسِه. بالإضافة إلى أنه من السهولة بمكانٍ صياغةُ نماذجَ أُخرى من مفارقة زينون التي لا تتطلَّب في الواقع فعلًا أو زمنًا مُستغرَقًا. (على سبيل المثال، تخيَّل كعكةً أولُ قطعةٍ منها = نصف الكعكة الكاملة، والقطعة التالية = نصف القطعة الأولى وهكذا … إلى ما لا نهاية: هل تُوجَد قطعة أخيرة من الكعكة أم لا؟)، الفكرة هي: الحجج المُضادَّة عن الزمن التتابعي أو المسافات الجزئية أو حتى الحركات الفعلية للإنسان، سوف ينتهي الحال بها دائمًا إلى إضعاف فكرة التقسيم الثنائي، وعدَم التمكُّن من ذكر الصعوبات الحقيقية المُتضمَّنة. نظرًا إلى أن زينون يُمكنه تعديلُ عرضِه، والقول ببساطة إنَّ وجودك عند ثم عند يستوجب منك أن تشغل عددًا لا نهائيًّا من النقاط المُمثِّلة للمُتتابعة ، أو، الأسوأ من ذلك، وصولك فعليًّا إلى يستتبع أن تكون قد شغلتَ بالفعل متتابعة غير مُنتهية من النقاط. وهذا فيما يبدو يتعارَض بوضوحٍ مع فكرة المتتابعة غير المُنتهية: إذا كانت «غير المنتهية» تعني حقًّا «بلا نهاية»، إذن المتتابعة غير المُنتهية هي متتابعة أُخِذَ الكثير من حدودها، ومع ذلك لا يزال هناك حدود أُخرى ستُؤخَذ. وبذلك، فإنه بغضِّ النظر عن عبور الطريق أو لمس الأنف، كان في إمكان زينون أن يُعالج الموضوع كلَّه على نحوٍ حاسم بدلالة مُتتابعات مجردة، ومن حيث حقيقةُ أنَّ فكرة إكمال متتابعة غير منتهية هي أمر ينطوي أصلًا على شيء من التعارُض أو التضارُب.
وضدَّ هذه النسخة الثانية الأكثرِ تجريدًا من فكرة التقسيم الثنائي قدَّم أرسطو حُجته الأكثرَ تأثيرًا. وتعتمد هذه النسخة أيضًا على دلالات «اللامُتناهي»، لكنها مختلفة، وتُسلِّط الضوء على النوع نفسِه من الأسئلة الإسنادية التي أُثيرَت في حجة الواحد والمُتعدِّد لأفلاطون ومفارقة الموقع لزينون. في كلٍّ من كتابَي «الطبيعة» و«ما وراء الطبيعة»، يُميِّز أرسطو بين شيئَين مُختلفَين يُمكن أن نَعنيَهما بالفعل عندما نستخدم فعل «يكون» + «لا مُتناهٍ» في تكوين جملةٍ إسنادية مثل «يكون هناك عدد لا مُتناهٍ من النقاط التي يجب شَغلُها بين و ». والفرق هنا هو فرق ظاهري فقط يتعلق بقواعد اللغة؛ فهو في الواقع فرقٌ ميتافيزيقي بين زَعْمَين مُختلفَين جذريًّا فيما يخصُّ الوجود ومفهومَيْن ضمنًا في جملة «يكون»، وهو ما يعتمد مفهوم التقسيم الثنائي فيما يبدو على عدم رؤيتنا له. يكمن الفرق بين الحقيقة الفعلية والاحتمالية بوصفهما صِفتَين مُتوقَّعتَين؛ وتتمثل الحجة العامة لأرسطو في أن اللامُتناهي هو شيء من نوعٍ خاص موجود بشكلٍ احتمالي ولكن ليس فعليًّا، وأن كلمة «لا مُتناهٍ» تحتاج إلى أن تُسنَد إلى أشياء بالتبعية، كما يتَّضح من مفهوم التقسيم الثنائي الغامض. وعلى وجه التحديد، يزعم أرسطو بعدم وجود امتدادٍ مكاني (على سبيل المثال، المسافة ) هي «فعليًّا غير مُتناهية»، ولكنْ كلُّ هذه الامتدادات هي «لا مُتناهي احتمالي» طبقًا لمفهوم لا نهائية التقسيم.

يبدو هذا كله بالطبع مُتشابكًا ومُعقدًا إلى حدٍّ كبير، ولهذا تناولَت الكثيرُ من المِهَن تعريفات أرسطو بالمناقشة والشرح. ويكفي هنا القول إنَّ مسألة الوجود الفعلي مقابل الوجود الاحتمالي للَّامتناهي تقع في صميم موضوعنا بالفعل، ولكن ممَّا لا يُمكن إنكاره أن من الصعب معالجتها هنا. وفي النهاية، فإنَّ تفسيرات أرسطو وأمثلته:

كأن يُفسِّر أنَّ مَنْ يبني هو مَنْ يكون قادرًا على البناء، وأنَّ الاستيقاظ هو النهوض من النوم، وأنَّ البصيرة هي أن تكون مُغمَض العينَين ومع ذلك قادرًا على الإبصار. لنفترض أنَّ الحقيقة هي أحد عنصرَيْ هذا الطِّباق، والاحتمال هو العنصر الآخر. ولكن لم تُقَل كل الأشياء بنفس مفهوم وجودها الفعلي، ولكن بالقياس فقط — مثل توجد في أو إلى ، و توجد في أو إلى ؛ وتكون للبعض مثل الحركة إلى القُدرة، وللبعض الآخر مثل جوهر نوعٍ ما من المادة …
لا تُصنَّف ضمن عجائب الوضوح أو جلاء التعبير. وما كان يعنيه أرسطو ﺑ «احتمالي» لم يكن بالتأكيد نوعًا من الاحتمالية التي يُحتمَل بها أن تُصبح فتاةٌ ما سيدةً أو بذرةٌ ما شجرةً. إنه بالأحرى أشبهُ بالنوع الغريب والمجرد من الاحتمالية الذي من المُرجَّح أن تُوجَد بموجبه نسخةٌ طبق الأصل من تمثال «بيتا» أو «رثاء المسيح»٢١ لمايكل أنجلو في قالب من الرخام لم يُمَس. أو بمفهوم اللانهائية، النحو الذي يتكرَّر به أي شيء على نحوٍ دَوري (أو، بلغة أرسطو، «على نحوٍ تتابُعي») — مثل القول إنها الآن الساعة ٦:٥٤ صباحًا، الذي يحدُث كل يوم على نحوٍ مُنتظم يُشبه آلية الساعة — وهو ما يرى أرسطو أنه من المُحتمَل أن يكون غير مُتناهٍ؛ من مُنطلَق أنَّ التَّكرار الدوري اللانهائي للساعة ٦:٥٤ صباحًا أمر مُمكن، في حين أن وجود مجموعة تضمُّ كل توقيتات ٦:٥٤ صباحًا لا يمكن أن يكون فعليًّا لا مُتناهيًا؛ لأن كل توقيتات ٦:٥٤ لا يمكن أبدًا أن تُوجَد معًا في آنٍ واحد، ومن ثمَّ لا سبيل مُطلقًا أن «تكتمل»٢٢ دورة التَّكرار».
يُمكنك على الأرجح أن ترى كيف سيكون لهذا كلِّه مدلولُه فيما يخصُّ التقسيم الثنائي. ولكنه، مرة أخرى، مراوغ بعض الشيء. فالقياس على التمثال والساعة ٦:٥٤ لن يُجديَ كثيرًا هنا. نعم، المسافة و/أو مجموعة كل المسافات الجزئية أو كل النقاط بين و ليست «غير مُتناهية فعليًّا» ولكنها فقط «غير مُتناهية احتماليًّا»، ولكن المفهوم الذي كان يعنيه أرسطو بقوله إن « غير متناهية احتماليًّا»، يكون أقرب — على سبيل المثال — إلى فكرة دقة القياس اللامُتناهية. وهو ما يُمكن شرحه وتوضيحه على النحو التالي. يبلغ طول ابنة أخي الكبرى الآن ٣٨٫٥ بوصة، وهو ما يُمكن التعبير عنه على نحوٍ أكثر دقةً بالقيمة ٣٨٫٥٣ بوصة؛ وفي وجود بيئة أكثر تحكُّمًا وأدواتٍ مُتطورة، يمكن تأكيده على نحوٍ أدقَّ بكثيرٍ باستخدام المنزلة العشرية الثالثة أو الحادية عشرة أو المنزلة العشرية لعدد من المرات، حيث ، من المُحتمَل أن تكون لا نهائية — ولكن من المُحتمَل أن تكون لا نهائية فقط؛ لأنَّ في العالَم الحقيقي لن تُوجَد أي وسيلة لتحقيق الدقة غير المُتناهية الحقيقية، حتى إنْ أمكن هذا «من حيث المبدأ». وبهذه الطريقة نفسِها تقريبًا، تُعتبَر من وجهة نظر أرسطو قابلةً للتقسيم «من حيث المبدأُ» عددًا لا نهائيًّا من المرات، بيد أن هذا التقسيم اللانهائي أو غير المُتناهي لا يمكن تنفيذه فعليًّا في العالَم الحقيقي.»

(معلومة إضافية: مَلمحٌ أخير من التعقيد: في الغالب، ما يُسمِّيه أرسطو «عددًا» (أي، الكميات الرياضية بصفةٍ عامة) يكون فيما يبدو غير مُتناهٍ احتماليًّا، ليس على النحو الذي يكون به القياس غير مُتناهٍ احتماليًّا، ولكن على النحو الذي تكون به مجموعة كل توقيتات الساعة ٦:٥٤ صباحًا لا نهائية احتماليًّا. على سبيل المثال، مجموعة كل الأعداد الصحيحة تكون غيرَ مُنتهية احتماليًّا؛ بمعنى أنه لا يُوجَد عدد صحيح أكبر (في اتجاه الكبر، يُمكن دائمًا التفكير في عددٍ أكبر)، ولكنها ليست في الواقع غيرَ مُنتهية؛ لأن المجموعة لا تُوجَد على هيئة كيانٍ واحد مُكتمِل. بعبارة أخرى، الأعداد عند أرسطو تتألَّف من متوالية مستمرة: يُوجَد الكثير من الأعداد على نحوٍ غير مُتناهٍ، ولكنها لا توجَد جميعًا معًا على نحو مُتزامن «الشيء الواحد يمكن أن يُفضيَ إلى شيءٍ آخر إلى ما لا نهاية».)

وتفنيدًا للقسمة الثنائية لزينون، فإن التمييز بين اللانهائية الاحتمالية في مقابل اللانهائية الفِعلية غيرُ مُقنع على الإطلاق — ومن الواضح أنه غير مُقنع حتى لأرسطو، الذي يبدو أنَّ من الممكن رفضَ حُجته المعروفة باسم «الرجل الثالث» لكونها غير مُتناهية احتماليًّا فحسْب. ولكن، في نهاية المطاف، اتَّضح أن التمييز مُهم للغاية للرياضيات على مستوى النظرية والتطبيق. والفكرة باختصار أن إحالة اللانهائية إلى حالة الاحتمالية قد سمح للرياضيات الغربية بطرح الكميات غير المُنتهية أو على الأقل تبرير استخدامها، أو أحيانًا كِلا الأمرَين معًا، حسْب ما هو مطلوب. الموضوع كله غريب جدًّا؛ فمن جهة، أعطت حجة أرسطو مصداقية لرفض الإغريق لفكرة اللانهائية و«حقيقة» المُتسلسلات غير المنتهية، وكان ذلك سببًا رئيسيًّا أنهم لم يضَعوا ما نعرفه الآن باسم حساب التفاضُل والتكامُل. ومن جهةٍ أُخرى، فإن إسباغ وجودٍ مجرد أو نظريٍّ على الأقل، على الكميات غيرِ المُنتهية، قد سمح لبعض علماء الرياضيات الإغريق باستخدامها في أساليبَ أقرب، على نحوٍ ملحوظ، إلى حساب التفاضُل والتكامل، قريبة جدًّا لدرجة أنه من المُستغرَب وقتَها أنَّ الأمر استغرق ١٧٠٠ عام لوضع حساب التفاضُل والتكامُل الحقيقي. ولكن، بالرجوع إلى المَلمح الأول، كان السبب الرئيسي في أنَّ الأمر استغرق ١٧٠٠ عام هو مفهوم الاحتمالية لأرسطو الذي كان يحمِل ظلالًا ميتافيزيقية، والذي نُبِذَت فيه اللانهائية، وهو ما أجاز حساسية الرياضيات تجاه مفهومٍ لا يُمكن حقًّا معالجته بأي حالٍ من الأحوال.

إلا أنه — من جهة أخرى أو ما أصبح الآن جهةً ثالثة٢٣ — عندما قدَّم كلٌّ من جي دبليو لايبنتس وآي نيوتن حساب التفاضُل والتكامُل الحقيقي حوالي عام ١٧٠٠، فإن مفاهيم أرسطو الميتافيزيقية هي بالأساس التي برَّرَت استخدامهما لمُتناهيات الصِّغر، على سبيل المثال، في المقدار المشهور في رياضيات الصف الأول الجامعي . وحسَبما تذكُر، أو أُخبِرت، أنَّ مُتناهيَ الصِّغر يكون قريبًا إلى حدٍّ ما من الصفر بحيث يمكن إهماله عند الجمع — أي — وبعيدًا بقدرٍ كافٍ عن الصفر بحيث يُمكن أن يكون مقسومًا عليه في اشتقاقاتٍ كالمُوضَّحة أعلاه. مرة أخرى، وبإيجازٍ شديد، فإن التعامل مع مُتناهيات الصغر بوصفها مقاديرَ ذات وجودٍ احتمالي أو نظري سمحت لعلماء الرياضيات باستخدامها في العمليات الحسابية التي لها تطبيقات مُهمة للغاية في العالَم الحقيقي، حيث إنهم استطاعوا تجريد ووصف أنواع الظواهر المُتصلة والمتجانِسة التي يتألَّف منها العالَم. واتَّضح أن لمُتناهيات الصغر هذه أهميةً كبرى. فمن دونها، قد ينتهي بك الحال إلى مشاكل مثل الذي تطرَّقنا إليه في الجزء ١(ﺟ). كما وعدْنا حينها، فإنَّ الحل الأسرع هو ألا نفترض أن تُشير إلى ولكنها تُشير إلى المقدار مطروحًا منه مقدارٌ ما مُتناهي الصغر، الذي دَعُونا نُسمِّه ، بحيث يكون . ومن ثمَّ، يمكنك إجراء بعض العمليات كما في السابق:
، الذي = ،
وهو ما يُعطينا
وفي هذه الحالة، يظل هو ولا تُوجَد أي مشكلة في .
وذلك بالطبع إلا إذا كان السؤال هو ما إذا كان مِن المنطقي ميتافيزيقيًّا أو رياضيًّا إثباتُ وجود مقدارٍ ما ، سواءٌ أكان وجوده هذا فِعليًّا أم احتماليًّا، ولكنه لا يزال يتجاوز العدد العشري غيرَ المُنتهي . فالموضوع عندئذٍ ينطوي على تجريدٍ ثنائي، حيث لا يقتصر الأمر فقط على أن ليس مِقدارًا من النوع الذي نجده في العالَم الحقيقي، ولكنه أيضًا شيء لا يُمكننا حتى تصوُّره فعليًّا ككيانٍ رياضي؛ فمهما كانت العلاقة٢٤ بين و ، هناك العدد العشري رقم وهو مكان لا أحد ولا شيء يُمكنه أبدًا الوصول إليه ولو حتى نظريًّا. ومِن ثمَّ، من غير الواضح إن كنَّا فقط نُبادل نوعًا من الثغرات المُتناقضة بآخر. ومع ذلك، فهذا سؤال من نوع آخر وشائك تمامًا وأثار كثيرًا من الجلبة قبل فايرشتراس، وديديكند وكانتور في أوائل القرن التاسعَ عشر.
أيًّا كان رأيك في الوجود الاحتمالي للَّامُتناهي من وجهة نظر أرسطو، لاحظ أنه كان مُحقًّا تمامًا على الأقل في كلماتٍ مثل «نقطة» و«يُوجَد» الجملة غير الإسنادية «هناك [= يُوجَد] عدد لا نهائي من النقاط المُتوسطة بين و .» وكما هو الحال تمامًا في مُفارقة المَوقع لزينون، من الواضح أن ثمَّة شيئًا من الخداع والمراوغة في الصياغة هنا. في فكرة التقسيم الثنائي المُنقَّحة، يكمن الخداع في التشابُه أو التجانُس الضِّمني بين الكيان الرياضي المجرد — وهو هنا المُتسلسلة الهندسية غير المُنتهية — والحيز المادي الفِعلي. ومع ذلك، لا يبدو أنَّ كلمة «يوجَد» هي الهدف المقصود هنا؛ إذ نلمس قدرًا من الغموض أكثر وضوحًا في دلالة كلمة «نقطة». إذا كانت و يُمثِّلان جانبَي طريق ما في العالَم الحقيقي، فإنَّ العبارة الاسمية «عدد لا نهائي من النقاط بين و » تَستخدِم «نقطة» للإشارة إلى موقعٍ مُعين في الحيز المادي. ولكن في العبارة الاسمية «العدد اللانهائي من النقاط المتوسطة المُحدَّد من خلال » تُشير كلمة «نقطة» إلى مفهوم رياضي مُجرد، كيانٍ بلا أبعاد «له موضع ولكن ليس له مقدار». وبما أنَّ المجال لا يتسع لإفراد صفحاتٍ عديدة لمناقشة هذا الموضوع، وهو ما يمكنك فعله في وقت فراغك،٢٥ سوف نُلاحظ ببساطةٍ هنا أنَّ من البديهي أن عبور عددٍ لا نهائي من النقاط التي ليس لها أبعادٌ رياضية غيرُ مُتناقض بالكيفية التي عليها عبور عدد لا نهائي من النقاط في الحيز الفعلي. وفي هذا الصدد، يمكن أن تبدوَ حجة زينون شبيهةً إلى حدٍّ ما بمُعضلة الرجال الثلاثة في الفندق التي ذكرناها في الجزء ١: ترجمة موقف رياضي بالأساس إلى اللغة الطبيعية يقودنا إلى حدٍّ ما نحو إغفال أنَّ الكلمات العادية يمكن أن تكون لها مفاهيمُ ودلالات مختلفة اختلافًا كبيرًا. لاحظ — مرة أخرى — أنَّ هذا بالضبط هو ما صُمِّمت رموز الرياضيات البحتة ومُخططها بحيث تتجنَّبه، ولهذا السبب غالبًا ما تكون التعريفات الرياضية المُتخصِّصة مُكثفة ومُعقدة على نحوٍ مُجهِد للتفكير. لا وقتَ للغموض أو المواربة. فالرياضيات مُصمَّمة خِصِّيصى لتحقيق الدقة كغايةٍ أساسية. كل هذا يبدو جيدًا، إلا أنه اتَّضح أنَّ هناك أيضًا قدرًا هائلًا من الغموض — الشكلي والمنطقي والميتافيزيقي — في كثيرٍ من المصطلحات والمفاهيم الأساسية في الرياضيات نفسِها. وفي الواقع، كلما كان المفهوم الرياضي جوهريًّا بقدْرٍ أكبر، كان من الأصعب تعريفه. وهذا في حدِّ ذاته إحدى الخصائص المميِّزة للنظُم الشكلية. تُصاغ أغلب التعريفات في الرياضيات من تعريفاتٍ أخرى، ومن ثمَّ تكون المصطلحات الأصلية حقًّا هي الجديرةَ بالتعريف من البداية. ذلك على أمل، ولأسباب نُوقِشت من قبل، أن تكون للمُصطلحات الأصلية هذه علاقةٌ بالعالَم الذي نعيش فيه جميعًا.

الجزء ٢(ﺟ)

لنعُد لحظةً إلى زينون ودلالات كلمة «نقطة». العلاقة بين كيانٍ رياضي (مثل المتسلسلة أو النقطة الهندسية) والحيز المادي الفعلي هي أيضًا علاقة المُتقطِّع (المنفصل) إلى المُتصل (المستمر). تخيَّل ممرًّا مرصوفًا بالحجر في مقابل طريق مُمهَّد من الأسفلت الأسود اللامع. بما أن ما يحاول التقسيم الثنائي فعله هو تقسيم عمليةٍ مادية متصلة إلى متسلسلة غير منتهية من الخطوات المنفصلة، فإنه يمكن النظر إلى ذلك على أنه المحاولة الأولى من نوعها في التاريخ لتمثيل الاتصال رياضيًّا. لا يُهِم أنَّ ما كان يُحاول زينون أن يفعله فعليًّا هو إثبات أن الاتصال مُستحيل، فما زال هو الأول. وكان هو أيضًا أولَ من أدرك٢٦ أنَّ هناك أكثرَ من نوع من اللانهائية. تُشير كلمة «أبيرون» to apeiron، أي اللانهائي أو غير المحدود، في عِلم الكونيَّات لدى الإغريق إلى الامتداد المُطلق، والحجم اللانهائي، ومُتسلسلة الأعداد الصحيحة التي تتحرك تصاعديًّا وتنازليًّا نحو هذا النوع نفسِه من اللانهائية الكبرى. في حين يبدو — على الجانب الآخر — أن اللانهائية الصغرى لدى زينون موجودة وسط الأعداد الصحيحة العادية أو بينها. وهذه الحالة الأخيرة يصعب تصوُّرها أو فَهمُها.
من الواضح أن أسهل طريقةٍ لتمثيل هذَين النوعَين المُختلفين من اللانهائية هي استخدام خطِّ الأعداد القديم، وهذه ميزة أخرى لقاعة الدرس العادية للصف الثاني.٢٧ يُعدُّ خطُّ الأعداد أيضًا إرثًا آخرَ من الإغريق، الذين عالجوا الأعداد والأشكال الهندسية — حسبما قد تتذكَّر — على أنها نفس الشيء تقريبًا. (رفضَ إقليدس — على سبيل المثال — أي جزء من المنطق الرياضي لا يمكن «إنشاؤه»، أي توضيحه هندسيًّا.٢٨) من الأمور الجديرة بالتقدير فيما يتعلق باقتران خطِّ الأعداد البسيط بكلٍّ من الرياضيات والهندسة أنه أيضًا الاتحاد المِثالي بين الشكل والمُحتوى. ونظرًا لأنَّ كل عددٍ يُناظر نقطة، ولأن خطَّ الأعداد يشتمل على جميع الأعداد ويُحدِّد ترتيبها، يمكن تعريف الأعداد بأكملها حسب مكانها على خطِّ الأعداد بالنسبة إلى أماكن الأعداد الأخرى. كالحال — على سبيل المثال — في: هو العدد الصحيح الذي يقع على يمين وعلى يسار مباشرةً، وعندما نقول إن فهذا يعني تمامًا أن يقع على مسافة مَوضعين إلى يمين ؛ أي إنَّ «المسافة» الرياضية بين عددَين غير مُتساويين يمكن تمثيلها، بل وحسابها أيضًا، بشكلٍ تصويري. حتى دون الصفر أو الأعداد الصحيحة السالبة،٢٩ وفي ظل التعريف المُبهم نوعًا ما الذي قدَّمه إقليدس ﻟ «النقطة» بأنها «ما لا جُزءَ له»، يُعدُّ خطُّ الأعداد أداةً مُهمة للغاية وفعَّالة جدًّا. كما أنه التخطيط الأمثل للمُتصِل (أو المُستمر)، وهو «كيان أو مادة تركيبها أو توزيعها مُتصل وغير مُتقطِّع»، وبذلك فإنَّ خطَّ الأعداد يُجسد ببراعةٍ تناقض الاتصال الذي اقترحه زينون ولم يستطع أحد حتى آر ديديكند أن يجد حلًّا له. ذلك لأن كِلا الأمرَين التاليين صحيح على خطِّ الأعداد: (١) كلُّ نقطة هي تالٍ لنقطة أُخرى، (٢) دائمًا ما تُوجَد نقطة أخرى بين أي نقطتَين.
على الرغم من أنه لا يخفى على أحدٍ شكلُ خطِّ الأعداد،٣٠ سنُقدِّم نسخةً هنا من خط الأعداد، بدءًا من الصفر الذي لم يكن موجودًا لدى الإغريق؛ لأنه أمرٌ غير مُهم حتى هذه اللحظة:
إذا كانت اللانهائية الكبرى، غير مُتناهية الامتداد، تقع عند الطرف اللانهائي الأيمن لخط الأعداد، فإن اللانهائية الصغرى التي استخدمها زينون تقع في الفترة بين صفر وواحد التي من الواضح أنها محدودة تمامًا، وقد أوضح زينون أن هذه الفترة تحتوي على عددٍ لا نهائي من النقاط المتوسطة، التي هي المتتابعة . والأكثر من ذلك (إن جاز التعبير) أن من الواضح أن لانهائية لا تشمل في حقيقة الأمر النقاط بين صفر وواحد، حيث إنها لا تُغفل فقط المتتابعات غير المُنتهية المتقاربة مثل إلخ، ولكن أيضًا كل مجموعة الكسور غير المنتهية الأخرى ، حيث عدد فردي. وعندما نأخذ في اعتبارنا أن كلًّا من هذه الكسور الأخيرة سوف يُناظر المتتابعة الهندسية غير المنتهية الخاصة به عن طريق توسيع نطاق — على سبيل المثال: ، إلخ، يتضح أن الفترة المحدودة على خط الأعداد من صفر إلى واحد تحتوي في الواقع على عددٍ لا نهائي من المقادير اللانهائية. وأقلُّ ما يُقال عن ذلك إنه مُحيِّر من الناحية الميتافيزيقية وغامضٌ من الناحية الرياضية، فهل سيُكتَب ذلك على صورة أو أو ماذا؟
إلا أن الأمور ربما تسير نحو الأسوأ أو الأفضل؛ لأن جميع الأعداد المذكورة سلفًا هي أعداد نسبية. وربما تعلم بالفعل أن الصفة «نسبية» مُشتقة هنا من كلمة «نسبة» وأن عبارة «الأعداد النسبية» تُشير إلى كل هذه الأعداد التي يُمكن كتابتُها؛ إما على صورة أعداد صحيحة، أو على صورة نسبةٍ بين عددَين صحيحَين (أي: على صورة كسر). هذا مجرد توضيح، لكنه مُهم. وربما كان اكتشاف أن ليست كلُّ الأعداد نسبية صعب على الأقل من وجهة نظر الإغريق شأنه شأن مفارقات زينون. وربما كان اكتشافًا مُزعجًا بالنسبة إلى «الأخوية الدينية الفيثاغورية» على وجه الخصوص. تذكَّر قناعات الفيثاغورسيين أنَّ كل شيءٍ هو نسبة أو كمية رياضية وأن لا وجود لشيءٍ غير مُتناهٍ حقًّا في هذا العالَم (بما أن «النهاية peras الشكل» هو ما يُتيح الإمكانية للوجود في المقام الأول).
ثم تذكَّر نظرية فيثاغورس. كما ذكرنا، من الحقائق الهامشية المفيدة أن الأخوية الدينية الفيثاغورية لم يكونوا هم واضِعي هذه النظرية الحقيقيِّين؛ فقد ظهرت في الحقيقة في جداول البابليين القُدَماء منذ عام ٢٠٠٠ قبل الميلاد. وأحد أسباب تسمِيتها بنظرية فيثاغورس أنها مكَّنت الأخوية الدينية الفيثاغورية من اكتشاف «المقادير غير القابلة للقياس»، المعروفة أيضًا بالأعداد غير النسبية، أو الأعداد الصمَّاء.٣١ أصبحت هذه الأعداد، التي اتضح أنها لا يُمكن كتابتها على صورة كميات منتهية، مُدمرةً جدًّا للميتافيزيقا الفيثاغورية، حتى إنَّ اكتشافها قد أصبح بطريقةٍ ما النسخةَ الإغريقية من فضيحة «ووترجيت». لعلك تذكُر من أيام الطفولة أن نظرية فيثاغورس لم تُسبِّب أي مشاكل فيما يتعلق بأشكالٍ مثل المثلث القائم الزاوية الذي أبعاده هي و و . في مقدمة مُقرَّر الهندسة، حيث إن مجموع مُربعَي الضلعَين البالغِ طولهما و هو عددٌ جذرُه التربيعي عددٌ نسبي. ولكن، اعلَم أن لفظة «مُربَّعي» تخص حرفيًّا الإغريق. بمعنى أنهم تعاملوا مع كل ضلعٍ في المثلث الذي أبعاده هي و و على أنه ضلع في مُربع …
… وهو ما مجموعُه يساوي مساحاتِ المُربعات الثلاثة. هناك سببان يجعلان هذه المعلومة جديرةً بالذكر؛ ذُكِرَ السبب الأول في موضعٍ ما أعلاه: على الرغم من أننا نتحدَّث الآن عن الأُسُس والجذور ونناقشها بشكلٍ تجريدي، فإن مسائل الرياضيات لدى الإغريق كانت دائمًا ما تُصاغ وتُحَل هندسيًّا. كان العدد النسبي يعني حرفيًّا نسبةً مادية بين طولَي خطَّين؛ حيث كان تربيعُ شيءٍ ما يُؤدي إلى تكوين مُربع وحساب مساحته. أما السبب الثاني، فهو أنه وَفقًا لمُعظم التقارير فإنَّ ما بدأ المشكلةَ برُمتها كان مربعًا بسيطًا وقديمًا. تأمَّل على وجه الخصوص مربع الوحدة المألوفَ، الذي يُساوي طول ضِلعِه ، بل وعلى نحوٍ أكثر تحديدًا المثلث القائم الزاوية المُتساوي الساقين الذي وترُه هو قُطر مربع الوحدة:
ما أدركه أتباع «الأخوية الدينية الفيثاغورية» (ربما من خلال القياسات الفعلية والجامحة على نحوٍ مُتزايد) أنه مهما كانت وحدة القياس المُستخدَمة صغيرة، فإن ضلع مربع الوحدة يكون غيرَ مُتقاسم مع القُطر، بمعنى أنه لا يُوجَد عدد نسبي بحيث يكون . الكمية هي ما أسماه الفيثاغورسيون في النهاية arratos؛ أي غير مُتقاسم أو «لا نسبة بينهما» أو بما أن logos يمكن أن تعنيَ كُلًّا من «كلمة» و«نسبة»، فإن alogos تعني بالتالي كلًّا من «غير مُتناسب» و«غير واضح».
إنَّ الشرح الفعلي لعدم تناسُب المقدار هو مثال شهير آخر لمفهوم البرهان بالتناقُض، وهو مثال جيد جدًّا لأنه بسيط للغاية ولا يتطلَّب سوى الإلمام بمُقرَّر الرياضيات للمرحلتَين الإعدادية والثانوية. وها هو الموضوع كالتالي؛ أولًا: فيما يتعلق بأغراض البرهان بالتناقُض، افترض أن كلًّا من و قابل للقياس. هذا يعني أن يُساوي نسبة ما حيث و عددان صحيحان وليس بينهما عاملٌ مشترك أكبر من . نعلم طبقًا لنظرية فيثاغورس أن أو ، أي إنه إذا كان فإن . ونعلم أيضًا أن مربع أي عدد فردي سوف يكون فرديًّا ومربع أي عدد زوجي سوف يكون زوجيًّا (يمكنك اختبار ذلك). كما نعلم أن أي شيء مضروب في سيكون زوجيًّا. هذا هو كل ما نحتاجه. وطبقًا لقانون الوسط المُستبعَد أو الثالث المرفوع، إما أن يكون فرديًّا أو زوجيًّا. إذا كان (١) فرديًّا، فثمة تناقُض مباشر؛ لأن يجب أن يكون زوجيًّا. ولكن إذا كان (٢) زوجيًّا، فهذا يعني أنه يساوي عددًا ما مضروبًا في ، وليكن مثلًا، ومن ثمَّ فإنه بالتعويض في المقدار الأصلي يكون الناتج ، التي تُختَصر إلى ، وهو ما يعني أن زوجي، وهو ما يعني أيضًا أن زوجي، أي إنَّ كلًّا من و زوجي، ومن ثمَّ يكون في هذه الحالة بينهما عاملٌ مشترك أكبر من ، وهو ما يُعَدُّ مرةً أخرى تناقُضًا. والتناقُض واضح في النقطتين (١) و(٢) اللتَين لا ثالثَ لهما. إذن، و غير مُتقاسمين؛ بمعنى أنه لا نسبة بينهما. وإلى هنا ينتهي البُرهان.٣٢
إنَّ حقيقة أنَّ الأعداد النسبية لم تستطع التعبير عن شيءٍ عادي مثل قُطر المربع، ناهيك عن أعدادٍ نسبيةٍ أخرى يسهُل تكوينها مثل ، ، وهكذا، قد زُعزِعت فلسفة الفيثاغورسيين عن نشأة الكون. وكانت رصاصة الرحمة فيما يبدو هي اكتشاف أن الوَسط الذهبي المُفضَّل لديهم هو في حدِّ ذاته غير نِسبي، وهو ما أفضى إلى أو . ثمَّة الكثير من الكتابات اللاذعة المجهولة المصدر عن الأهداف التي يُزعَم أن الفيثاغورسيين سعَوا إليها لإخفاء وجود٣٣ الأعداد غير النسبية وإبقائه سرًّا، وهو ما يمكن أن نتجاوزه الآن؛ لأن الأهم من ذلك، تاريخيًّا ورياضيًّا، هو الأعداد الصمَّاء نفسُها. وهي مُهمَّة لثلاثة أسباب على الأقل. (١) في الرياضيات، الأعداد غير النسبية هي نتيجة مباشرة للتجريد. إنها شيءٌ مُغاير تمامًا عن ٥ برتقالات أو كعكة؛ فلن تُصادف الأعداد غير النسبية حتى تبدأ في وضع نظريات مجردة مثل نظرية فيثاغورس. ويُرجى ملاحظة أنها ليست في واقع الأمر سوى شيء بسيط بالنسبة إلى الرياضيات البحتة. فقد تعرَّض المِصريون وغيرهم للأعداد غير النسبية في المسح والهندسة، ولكن لأنهم كانوا يهتمُّون فقط بالتطبيقات لم تكن لديهم أدنى مشكلة في مُعالجة كمية مثل على أنها أو . (٢) كان اكتشاف الأعداد الصمَّاء بمثابة أول اختلافٍ حقيقي بين الرياضيات والهندسة؛ فقد استطاع الرياضيون الآن إنتاجَ أعدادٍ لم يستطع مُختصُّو الهندسة في الواقع قياسها. (٣) اتَّضح أنَّ الأعداد غير النسبية، تمامًا مثل لدى زينون، هي نتيجة لمحاولة التعبير عن مفهوم الاتصال وشرحه بالإشارة إلى خطِّ الأعداد. الأعداد غير النسبية هي السبب في أن خطَّ الأعداد ليس مُتصلًا من المنظور الرياضي المُتخصِّص. وكما هو الحال مع الارتداد اللانهائي المُنافي للمنطق في مفهوم التقسيم الثنائي، فإنَّ الأعداد غير النسبية تُمثل ثغراتٍ أو فراغات في خطِّ الأعداد، وهذه الفجوات يُمكن أن تكون مَدخلًا لفوضى اللانهائية غير المحدودة حيث العَبثُ بأساسيات الرياضيات وركائزها.
إنها ليست مشكلة لدى الإغريق فحسْب. ذلك لأن المهم في الأعداد غير النسبية أنها لا يُمكن كتابتها على صورة كسور؛ ومع ذلك إذا حاولت التعبير عن الأعداد غير النسبية على صورة كسور عشرية،٣٤ فإن تسلسل الأرقام بعد العلامة العشرية لن يكون نهائيًّا (كما في حالة العددَيْن النسبيَّين و ) ولا حتى دوريًّا (وهو ما يعني أنه يتكرَّر بنمطٍ مُعين، كما في العددَيْن النسبيَّين ، و وهكذا).٣٥ بمعنى أنه، على سبيل المثال، يمكن التعبير عن على صورة العدد العشري أو أو ، أو حرفيًّا بأي طولٍ تريده … وأطول. وهو ما يعني بدوره أن نقطةً مُحدَّدة بعينها على خطِّ الأعداد — لتكن النقطة المناظرة لهذه الفترة، التي بضربها في نفسها تُناظر نقطة العدد الصحيح 3 — لا يمكن تسميتُها أو التعبير عنها بقيمة مُحددة.٣٦
وبذلك، فإنَّ الفترة المحدودة من صفر إلى واحد على خط الأعداد تكون أكثر ازدحامًا على نحوٍ لا يُمكن تصوُّره. لا يُوجَد فقط عدد لا نهائي من المُتتابعات غير المُنتهية من الكسور، ولكن أيضًا عدد لا نهائي من الأعداد الصمَّاء،٣٧ كلٌّ منها في حدِّ ذاته لا يمكن التعبير عنه عدديًّا إلا على صورةٍ مُتتابعة غير مُنتهية من الأعداد العشرية غير الدورية. دعنا نتوقَّف هنا لتأمُّل مستويات التجريد المُتغيرة المُتضمَّنة هنا، إذا كان العقل البشري لا يستطيع فهم اللانهائية أو حتى تصوُّرها حقًّا، فإنه مُطالبٌ الآن على ما يبدو أن يُقِرَّ عددًا لا نهائيًّا من اللانهائيات، أي عددًا لا نهائيًّا من العناصر الفردية التي لا يمكن التعبير عنها هي نفسها بقيمةٍ محددة، كل ذلك في فترة محدودة وبسيطة في ظاهرها نستخدمها في قاعات الدرس للنشء الصغير. وهذا كله يبدو غريبًا على نحوٍ مُدَوٍّ.
تُوجَد، بالطبع، أساليبُ عديدة لمعالجة هذه الغرابة بعدد ما تحمله كلمة «معالجة» من دلالات. رفض الإغريق — على سبيل المثال — معالجة الأعداد غير النسبية ببساطة على أنها أعداد. فكانوا إما أن يُصنِّفوها كأطوال أو مساحات من منظور الهندسة البحتة ولا يستخدموها أبدًا في الرياضيات في حدِّ ذاتها، وإما أن يجعلوا استخدام الأعداد الصمَّاء منطقيًّا من خلال التلاعب بحساباتهم (مثال: كانت خدعة الفيثاغورسيين التاليةُ هي كتابة 2 على صورة الكسر بحيث يمكنهم التعامُل مع على أنه ).٣٨ وإذا كان رفضهم الاعتراف بوجود أعدادٍ يُنتجها منطقهم الرياضي يبدو غريبًا، فاعلم أنه حتى بدايات القرن الثامن عشر كان هناك عددٌ كبير جدًّا من أفضل الرياضيين في أوروبا يفعلون الشيء نفسه،٣٩ حتى عندما بدأت الثورة العِلمية المشهورة في إنتاج كل أنواع النتائج التي تطلَّبت حساب الأعداد غيرِ النسبية. ولم يحدُث حتى أواخر القرن التاسع عشر، في واقع الأمر، أن استطاع أيُّ شخصٍ أن يتوصَّل إلى نظرية شديدة الدقة للأعداد غير النسبية أو حتى تعريف لها. وأفضل تعريفٍ هو ما قدَّمه آر ديديكند، بينما كانت المُعالجة الأكثر شمولًا لتمثيل الأعداد الحقيقية على خطِّ الأعداد من نصيب جي كانتور.

الجزء ٢(د)

جزءٌ تكميلي لا يمكن تخطيه، ولكنه يتضمَّن معلوماتٍ إضافية بالأساس

يمكنك تخطِّي الصفحات القليلة التالية إن أردت، إلا أن علامة النجمة في الفقرة أعلاه تعني أن المادة التالية ليست صحيحةً تمام الصحة من الناحية التاريخية. بعبارة أخرى: اقترب طالبٌ يُدعى يودوكسوس النيدوسي (٤٠٨–٣٥٤ قبل الميلاد)، وهو تلميذٌ من تلامذة أفلاطون، كثيرًا من تقديم تعريفٍ دقيق للأعداد غير النسبية، وهو التعريف الذي أدرجه إقليدس في الجزء الخامس من كتاب «الأصول» تحت عنوان «التعريف الخامس». يتضمَّن تعريف يودوكسوس تناسباتٍ هندسية ونِسبًا، وهذا غير مُستغرب؛ نظرًا إلى أن الرياضيات لدى الإغريق قد تعاملتْ مع الأعداد غير النسبية في صورة تناسباتٍ هندسية مُعينة لم يتَسنَّ التعبير عنها على صورة نِسب. بعد انهيار «الأخوية الدينية الفيثاغورية»، أصبحت هذه المقادير غير القابلة للقياس في كل مكانٍ تقريبًا، كالحال مثلًا إذا افترضنا أن لدَينا مستطيلًا فيه ضِلَعان يساوي طول كلٍّ منهما طول قُطر مربع الوحدة: كيف يُفترَض أن تحسب مساحته؟ والأهم من ذلك كيف استطاع الإغريق تمييز حالات عدَم القابلية للمقايسة من النوع المُتعلق بالأعداد غير النسبية عن الحالات التي يكون لديك فيها ببساطة أنواعٌ مختلفة من المقادير التي لا يمكن مُقارنتها بالنِّسَب، مثل خطٍّ في مقابل مساحة، أو مساحة في مقابل حجم شكل ثُلاثي الأبعاد؟ كان يودوكسوس في الواقع هو أول إغريقي يحاول حتى تعريف «النِّسبة» رياضيًّا.

يُقال إنَّ المقادير متساوية في النسبة، الأول إلى الثاني والثالث إلى الرابع، إذا أُخِذَت أي مُضاعفات مُتساوية أيًّا كانت من الأول والثالث، وأي مُضاعفات متساوية أيًّا كانت من الثاني والرابع، وظلَّت المضاعفات المتساوية الأولى أكبرَ مِن أو تُساوي، أو أقلَّ من، بالقدر نفسِه، وعندئذٍ تُؤخَذ المضاعفات المتساوية اللاحقة بنسقٍ مُناظِر.

وهو ما يُمكن التقليل من غموضه بترجمة بعضٍ من نصوص النظرية المكتوبة باللغة الطبيعية إلى رموز الرياضيات الأساسية. ينصُّ تعريف يودوكسوس هنا على أنه: إذا كان ، ، والعددان الصحيحان و ، فإن إذا وإذا فقط كان