الرسالة الثامنة والعشرون

٣٠ يوليو

جاء ألبرت فوجب على فرتر الرحيلُ، ولو كان أشرف وأفضل بني الإنسان وكنتُ دونه في كل شيء، لما احتملتُ أن أراه يمتلك كلَّ هذا الجمال النسائي والكمال.

يمتلك! أجل؛ فهو زوجها في المستقبل.

وهو رجل مهذَّب كامل الأخلاق، يجب أن يقدِّره الجميع ويحترموه. لم أشهد لقاءهما الأول لحسن حظي، ولو فعلت لمُزِّق فؤادي، أما هو فقد استنفد وُسْعَه كي لا يُظهِر أمامي شغفَه بشارلوت، فليسبغِ اللهُ عليه بركاته، وعليَّ أيضًا أن أحترمه وأُكبِره؛ لأنه يُجِل فتاتنا السموية، وهو يعطف عليَّ كلَّ العطف، على أنني واثق أن عنايته هذه ناشئة من تحدث شارلوت عني، وما أمهر النساءَ في التوفيق بين المزاحمِين، وهنَّ قد يفشلن أحيانًا، ولكن التجربة لازمةٌ؛ لأنها إذا نجحت كان جُلُّ الخير في مصلحتهن.

وإنني رغم كل شيء لا أَغمِط ألبرت قدْرَه؛ فإن هدوء طبعه يناقض تمامًا حِدة خُلقي، التي أحاول عبثًا إخفاءها، هذا إلى عظيم إحساسه وشعوره الحق بالكنز الثمين الذي يحرزه في شارلوت، ولم أرَ منه قط ما يُؤخذ عليه من فظاظة أو سوء خُلق، وهما — كما تعلم — أشدُّ ما أَمقُت. ويَظهرُ أنه يَعُدُّني حَسَنَ الذوقِ، ذكيَّ الفؤادِ، كما أرى أن تعلُّقي بشارلوت واغتباطي بمصاحبتها يَسُره ظاهرًا، ويزيد من شغفه بها، ولا يمكنني الجزم بأن شوائب الغَيرة لا تعكِّر صفوَ الدقائق التي يقضيانها منفردَين، على أنني واثق أنني لو كنت مكانه لما أظهرت هذا السكون والراحة.

آه أيها الحب! ما أقسى عذاب مَن يدينون بك!

وكيفما كان مركز ألبرت، فإن تلك السعادة التي أذاقَنيها وجودُ شارلوت بجانبي يجب أن تتلاشى الآن. أضَعْفٌ هذا أم حبٌّ وافتنان؟ ادْعُه كما تريد. وا حزناه! إنني أعلم أنني أشعر بالحقيقة؛ لقد علمت قبل مجيء ألبرت ما أعلم الآن، علمت أنْ لا حقَّ لي فيها، ولم أزعم لي مُلكًا؛ لأن كل سلوكي — اللاحَقَّ لي فيه — كان أثرًا من آثار محاسنها القاهرة. والآن ما أشدَّ دهشتي، بل ما أشدَّ حمقي حين ظهر صاحب الكنز الحقيقي، واضطررت أن أنفض يدي مما لم يكن لي قط في يوم ما. إنني أندُب حظي وأحتقر ضَعفي، ولكنني أمقُت كلَّ المقت هؤلاء الناس الذين قد بردت طباعهم، يُلحُّون وهم جادون هادئون بوجوب التسليم والصبر، متى لم نجد لدائنا دواءً. إنني لا أحتمل هؤلاء الفلاسفة المدَّعين، هؤلاء الوعَّاظ المضحكين.

أذهب هائمًا في الغابات، ثم أعود متعَبًا إلى شارلوت فأجدها مع ألبرت، تحت خميلة من الزهر داخل الحديقة، فأذهل وآتي فِعال الأطفال، وألعب من المضحكات ألْفَ دَورٍ، وقد قالت لي شارلوت اليوم: «بالله عليك! ألا هدأت من نفسك، إن عواطفك الهائجة مزعجة مثيرة.» بل أنا أعترف لك أيها الصديق أنني أرقب في الأيام الأخيرة حركات ألبرت، فإذا ما دعاه داعي العمل، انسللت إلى شارلوت، وهناك حين أجدها منفردة أشعر بسعادة لم أعرفها قط.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠