الرسالة السادسة

١٧ مايو

لي هنا الآن معارفُ كثيرون، بيد أنني لا أزال في حاجة إلى الاجتماع، ولست أدري سببًا في التفاف الأهلين حولي وسرورهم بمرافقتي في رياضتي، وأسفي عند اضطراري لمفارقتهم. أنت تسألني أي نوع من الناس هم، إذًا فاسمع الجواب، إنهم أناس كالذين تجدهم في كل مكان، إن عمل الطبيعة واحد أبدًا، ولكن الحظوظ هي التي تخلُق الفروق والاختلافات. إن السواد الأعظم من الناس ملزَم بوقف الجزء الأكبر من حياته على العمل، ليحصل على حاجاته الضرورية، بينا تجد الشطر الباقي من وقته يظهر مجهدًا مملًّا، حتى إنه يعمل للخلاص منه، كذلك خُلق الإنسان.

على أنني مسرور بمعارفي الجديدِين، ماذا؟ إن المتعجرف يقول: «إنني أنسى نفسي.» ولكنني أؤكد له أنني «أمتِّع نفسي» بجلوسي إلى مائدة تجمع بين الكرم وطيب الأخلاق، وسروري بالموافقة على ما يقترح رفاقي من سَير أو رقص أو أضرابهما من أنواع اللهو، ولكن ما يجبه سروري حقيقة هو اضطراري أحيانًا للاستخفاء عنهم، لئلا يكون وجودي سببًا في خجلهم متى شعروا بِضَعتِهم.

ثم أذكر بعد هذا صديقتي الراحلة، صديقة صباي التي لم يقدَّر لي أن أعرفها إلا لأبكيها، إيه يا للذكرى المؤلمة! لقد ذهبتْ وتوارتْ أمامي في القبر، والعالَم الآن موحش قَفْر، ولكن يكفي، يكفي.

لقيت منذ أيامٍ المهذَّبَ هِرَّب؛ شاب طَلْق المحيا، بارق الثغر، ترك منذ عهد قريب جامعة أبسالا Upsala، ولكنه لا يختال بما أُوتي من علم مع شعوره بتفوقه على جل البيئة التي هو فيها، على أن اجتهاده وجِده يظهر أنهما يفوقان مداركه ومواهبه العقلية، زارني إذ علم بمعرفتي اليونانية وولعي بالتصوير — شيئان يُعتبران أعجوبة في هذه الأرجاء — فأفرغ أمامي في أثناء الحديث جَعْبَته مما وعى من العلوم، ومن سيرة المؤلفين الذين دَرَسهم، وقال إنه قرأ كل القسم الأول من نظرية سالتزر Sultzer وإنه يملك نسخة خطية من «دراسة الآثار لهينز Heynes»، وعلى العموم فقد كان لطيف المجلس، طيب الإيناس. تعارفت أيضًا مع شخص جليل، هو نائب أعمال الأمير، ترفعه ميوله الراقية الكريمة ونفسه الشريفة إلى مستوًى سامٍ عند الجميع، له من الأطفال تسعة، وما أجمل منظرهم حين يلتفون به ويحيطون! والقوم هناك يثنون على ابنته الكبرى كثيرًا، وقد دعاني لزيارته، وسأتحين أول فرصة أقدِّم له فيها احتراماتي الشخصية. أما منزله الذي يبعد عن مسكني نحو فرسخ ونصف؛ فقد كان منزل صيد للأمير، وقد منحه إياه عند وفاة زوجته المحبوبة؛ لأنه لم يتحمل البقاء فيه بعدها.

عرفتُ أيضًا أشخاصًا آخرين، كان استيائي بمعرفتهم معادلًا لسروري بمعرفة سابقيهم، حشروا أنفسهم في رفعتي حشرًا، وارتدوا ثوبًا من الفظاظة بتأدُّب جاوز الحد، وثوبًا من السخرية بادعائهم المراتب والأعمال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠