الرسالة الحادية والتسعون

أي حبيبتي

أنتِ لا تنتظرينني! وتظنين أني سأطيعك، وأنني لا أراك قبل ليلة يوم الميلاد. آه أيها الملَك العزيز، اليوم أو أبدًا! ليلةَ يومِ الميلاد ستمسكين هذه الورقة بيدك المرتجفة، وتبلِّلينها بدموع الرحمة.

أجل يا شارلوت! لقد حتم ذلك، وأنا راضٍ كل الرضى بأنه قد قرر أخيرًا.

وزار شارلوت في الساعة السادسة من مساء ذلك اليوم، ولم تكن ثمَّ فرصةٌ لإنكار نفسها؛ فقد اندفع داخلًا ووجدها جالسةً وحدها، واضطربت حين رأته أيما اضطراب؛ فقد أكَّدت لألبرت في محادَثةٍ أخيرة معه أن فرتر لا ينوي أن يعود حتى ليلة يوم الميلاد، وعلى هذا ركب لإنجاز بعض المهام مع رطوبة اليوم، وساءتها جدًّا هذه المفاجأة القاسية، ولكنها كانت شاعرة ببراءتها؛ فهي تحب زوجها وتعطف على فرتر، وما كاد يظهر حتى بادَرَتْه والدموعُ في عينيها: «فرتر لم تَفِ بوعدك.» فأجاب: «لم أَعُد.» فقالت: «ولكن كان عليك أن تُذعِن لرغبتي لفائدة كَلَيْنا.» ثم أرسلتْ في الحال تطلب بعض أصدقائها، وسألتهم البقاء معها هذا المساء، لا ليكونوا شهودًا على حديثهما وحسب، ولكن ليسرع فرتر في الانصراف متى وصلوا، وأحضر إليها بعض الكُتب، فكانت مع أخرى قد أعارها إياها موضوعَ حديثهما، ثم فتحت هي موضوعات أخرى في الوقت الذي انتظرتْ فيه وصولَ أصدقائها. ولكن الخادم عاد يحمل اعتذارات من الجميع، وحيَّرها هذا قليلًا، على أن شعورها ببراءتها أعاد إليها هدوءَها، وشعرت بنفسها ملهمة بثقةٍ ممدوحة تحمي عقلها من شكوك ألبرت الدنيئة، وفكَّرت في بادئ الأمر في إبقاء الخادمة معهما في الغرفة، ولكن اقتناعها بطهر فؤادها ردَّ هذا العزم؛ فذهبت إلى آلتها الموسيقية، ووقَّعت بعض أنغامها المحبوبة حتى هدأت تمامًا، ثم جلست إلى جانب فرتر على الأريكة، وسألته عما إذا كان لديه شيء يقرؤه لها، فأجاب برزانة: «كلا.» فصاحت: «إذًا فافتح هذا الدرج تجد ترجمتك «لأغاني أوسيان» التي لم أقرأها بعدُ، وأنا أعلم أنها تكون أفضل بكثير إذا خرجتْ من بين شفتَيْك، ولكنك كنت كسلانَ في العهد الأخير فلم أُرِدْ أن أسألك.»

فابتسم وبحث عن الكتاب المخطوط، ولمَّا تناوَلَه ظهر عليه انفعالٌ فجائي، ثم جلس وقد دمعت عيناه، وأخد يقرأ بصوتٍ مرتجف حتى وصل بعد وقتٍ ما إلى هذه الأبيات المؤثرة؛ حيث يندب أرمن فقْدَ طفلته المحبوبة:

هناك على صخرة يلطمها البحر،
سمعتُ ابنتي الوحيدة تنتحب،
وا حسرتاه! لقد كانت أنَّاتها كثيرة عالية.
فعبثًا كان عون الوالد.

•••

وقفتُ على الشاطئ كلَّ الليل،
ورأيتها جليًّا على أشعة القمر الشاحب،
وسمعت طول الليل صرخاتها المفتِّتة للفؤاد،
رغم دوي الرياح ووابل المطر.

•••

وقبل وضوح النهار المنير،
خفَتَ صوتُها الضعيف المرتجف، وا حزناه!
كما يسكت نسيم المساء العليل،
الذي يمر على حشيش الصخرة الأهيف.

•••

لقد أضناها الحزن فماتت.
وخلَّفتك وحيدًا يا أرمن المسكين.
لقد ضاع بأسك في الحرب،
وتلاشى فخرك بين النسا.

•••

وإذا ما قصفت العاصفة من الجبال،
وارتفعت اللجج عالية،
جلست على الشاطئ المتجاوب الحزين،
على الصخرة، الصخرة القاتلة، ثم حدقت.

•••

وكلما غاب القمر،
رأيت أشباح أطفالي الأعزاء تتمشى،
وتظهر نصف محتجبة عن نظري،
وهي تتكلم معًا حزينة.

•••

أَلَا يتكلم أحدكم رحمةً بي؟
ولكنهم لا يرون أباهم فيذهبون.
أنا حزين، حزين جدًّا حقيقة؛
لأن مصيبتي هائلة!

وهنا طفح سيل الدموع من عينَي شارلوت، فخفَّف من الضغط الشديد على فؤادها، فرمى فرتر بالورقة وأمسك يدها فبلَّلها بدموعه، واستندت شارلوت على ذراعها الثانية، ووضعت منديلها على عينَيْها؛ فقد كان كلاهما في شدة التأثُّر؛ إذ أحيتْ هذه القصة المحزنة مصائبَهما، وأثارت عواطفَهما المتبادلة. وألصق فرتر عينَيْه وشفتيه الملتهبتين بذراعها المرمرية، فارتعدت وحاولت أن تترك الغرفة، ولكن الحزن والرحمة الناعمة منعاها من التحرك، ثم خفَّفت على نفسها بالتأوُّه والدموع المستشفعة، ورجَتْه أن يستمر، فتناوَلَ الورقةَ خائرَ القوى، وقرأ بصوت يرتجف:

لمَ توقظني أيها النوء؟
يقول إنني مغطًّى بقطرات الندى،
ولكن قد آنَ وقتُ فنائي.
وستهُبُّ الريح التي تُذبِل أوراقي.

•••

سيأتي الرحَّالة غدًا،
الذي رآني يومًا لطيفًا شجاعًا،
وستبحث عيناه في المزرعة،
ولكن لن يراني أبدًا.

ونفذت هذه الكلمات الموافقة لموقف بطلنا كالبرق إلى نفسه، فارتمى هائجًا يائسًا على قدمَيْ شارلوت، وأمسك بيدَيْها فأدناهما إلى عينَيْه ثم إلى جبينه، ورأت شارلوت لأول مرة عزمه المشئوم، فأفقدها هذا الخوف الخفي حواسَّها، فضغطت على يديه بحنوٍّ ثم ضمتهما إلى صدرها، وأحنتْ رأسَها بلطفٍ نحوه متأثرةً بعاطفةٍ وشعور حلو، فلمس خدُّها الملتهب خدَّه صدفةً، وفي تلك الدقائق المهيجة لم يحسا بشيء سوى ميلهما المتبادل، فأمسكها فرتر بين ذراعَيْه، وضمَّها إلى فؤاده الخافق، وطبع على شفتيها المرتجفتين ألفَ قُبلة ملتهبة، فصاحت بصوت ضعيف مرتعش وهي تحوِّل وجهها عنه: «فرتر! فرتر!» ثم أزاحته عنها بيدها الضعيفة، وتأخَّرت بضع خطوات، وحدجَتْه بعينين يسطع منهما الجلال والفضيلة، وكرَّرت لثالث مرة: «فرتر!» وغشيته هيبة فجائية، فتباعَدَ باحترامٍ وسقط على ركبتَيْه، وعادت هي ترتعد نحو الباب، وبصوتٍ مِلْؤُه الشفقة الممتزجة بالاستياء خاطبَتْه قائلةً: «هذه هي المرة الأخيرة يا فرتر، لن تراني بعد الآن.» ثم ألقتْ على المحِبِّ المسكين نظرةً أخرى هي الحنان مجسَّمًا، وأسرعت إلى غرفتها وأقفلت الباب. ومدَّ فرتر ذراعَيْه إليها، ولكنه لم يحاول منعها، وبقي على الأرض في حالته المحزنة زمنًا ما، ورأسه مُنحنٍ على الأريكة، وأخيرًا أيقَظَه من غفلته صوتُ الخادم الذي جاء يجهز المائدة، فسار جيئةً وذهابًا في الغرفة، وعندما خرج الخادم اقترب من باب شارلوت وصاح بصوت ضعيف: «شارلوت شارلوت! كلمة أخرى، وداعًا أخيرًا.» وأنصت فلم يسمع رجعًا، فتوسَّل ثانيةً ولكن عبثًا، فانطلق خارجًا يصيح بصوت مرتعد: «يا شارلوت العزيزة وداعًا، وداعًا إلى الأبد.»

ووصل فرتر خائرَ القوى إلى باب البلدة وعرفه الحارس فتركه يمر، وكان الليل حالكًا عاصفًا كثير المطر والثلج، فوصل إلى منزله في نحو الساعة الحادية عشرة، ولاحَظَ خادمُه أنه كان بلا قبعة، ورأى من الحكمة ألَّا يُعلِمه بذلك، ووجد وهو يساعده في خلع ملابسه أنها مُبتلَّة قَذِرة، ووُجِدت القبعة بعدئذٍ على قمة صخر عند منحنى جبل، ومن المدهش أنه تسلَّق في تلك الليلة المظلمةِ العاصفةِ دون أن يسقط في الهُوَّة فيتهشم. وذهب إلى فراشه ونام حتى الصباح، ولما أحضر له الخادم طعامَ الإفطار وجده يكتب، وكان ذلك تتمةَ رسالته السابقة إلى شارلوت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠