الرسالة التسعون: تتمة

أفتح عينَيَّ الآن للمرة الأخيرة ولن تريا الشمس الطالعة ثانية؛ فثمَّ غمامة تحجبها، لن تريا جسمكِ الملائكي قط، يجب أن يمنع ذلك الموت. الموت! وما الموت! نوم أبدي، نحن نحلم حين نتكلم عنه، ألم أرَ الكثيرين يموتون؟ ولكن هذه حدود أفهامنا المحصورة؛ فإننا نجهل كل الجهل بداءةَ ونهايةَ وجودنا.

لقد عُدت الآن إلى نفسي أو بالأحرى «إليكِ» يا عزيزتي شارلوت، ولكن وا حسرتاه! سنفترق سريعًا وربما للأبد، ولكن لا، لا يا شارلوت، بما أننا نشعر بوجودنا الحالي، فالفَناء مستحيل، الفناء صوتٌ فارغٌ آخَر. الموت! آه يا شارلوت، أَوَأُرَى في قبر ضيق بارد مظلم؟!

كانت لي صديقة هي بهجة أيامي الأولى، فماتت وشيَّعتُ جنازتها، ووقفتُ على مقربة من القبر، وسمعتُ صوتَ الحبال التي أُدلي بها النعش، ولما سقط عليه أولُ معول من التراب، ردَّد صوتًا فارغًا، وخفتت هذه الأصوات تدريجًا حتى امتلأ القبر ترابًا، فانطرحتُ على الثَّرى وقد اختنق قلبي وطُعِن ومُزِّق، ولم أشعر بما حدث لي بعد ذلك، كما أجهل ما كان سيحدث. الموت، القبر، كلماتٌ لا معنى لها.

أي شارلوت العزيزة! اصفحي عني. أمس، أمس، آه تلك الدقيقة الهائلة! كان عليها أن تنهي حياتي، إذًا لمتُّ سعيدًا لأنك تحبينني، إنني لَأتهيج لمجرد التفكير في ذلك، وإن هاتين الشفتين لَتلتهبان بالحرارة المقدسة التي استمدتها من شفتَيْك، وإن هذا الفؤاد لا يفتأ يحسُّ بالسعادة التي سالت، ولكن أأغضبُك عفوًا يا شارلوت العزيزة، آه عفوًا!

بلى لقد ظننت نفسي عزيزًا لديك، لقد رأيت ذلك في النظرة الأولى المنعشة التي وجَّهتِها إليَّ؛ لقد شعرت بذلك حين شددتِ في البداءة على يدي بلطف، بيْدَ أنني كنتُ إذا غبتُ عنكِ أو رأيتُ ألبرت بجانبك عادتْ إليَّ شكوكي ومخاوفي. أتذكرين الأزهار التي بعثتِ بها إليَّ يومَ كنا في اجتماعٍ مزدحم فلم تستطيعي أن تكلِّميني أو أن تعطيني يدك؟ لقد قضيتُ نصفَ الليل في عبادتها دلائل الحب، ولكن أين هذا من سعادة الأمس، إن أبدية كاملة لتقصر عن أن تمحو أثرَ شفتَيْك العَذْبتَيْن.

أنتِ تحبينني؛ لقد ضمَّتك هاتان الذراعان، وهاتان الشفتان قد اتصلتا بملء السعادة مع شفتَيْك، أنتِ لي، بلى يا شارلوت لي إلى الأبد.

أعرف أن ألبرت زوجك، وبعد؟ وهو زوجك في الحياة؛ وعلى ذلك ففي هذه الحياة يُعتبر جرمًا أن أحبك على أنني سأعاقب نفسي. لقد رشفت من السعادة التي أحيَتْ ذابلَ عواطفي، وليس لي أن أشرب كثيرًا لأنني أخاف، ولكنكِ لي، أنا أسبقك إلى أبي،١ إلى أبيك، وسأحمل أحزاني إلى قاعدة عرشه السموي، وآمل أن أتعزى حتى تأتي، وعند ذلك أطير على جناحَيْ سيرافيم٢ لألقاك ثم أطلبك فنبقى معًا إلى الأبد.

ليس هذا بحُلم ولا بمتعة خيال، اذكري «سنحيا هنا فيما بعدُ، وسيعرف ويرى كلٌّ منَّا الآخر ثانية».

وفي نحو الساعة الحادية عشرة سأل فرتر خادمه عما إذا كان ألبرت قد عاد، فأجاب بالإيجاب؛ لأنه مرَّ عليه ممتطيًا جواده، فناوله فرتر الرسالة الآتية غير مختومة ليحملها إليه بداره:

أنا مزمع سفرة فأعرني مسدساتك وإلى الملتقى.

فرتر

أما الجميلة شارلوت فقد قضت الليلة في أقصى حالات الحزن والاضطراب، وازدحمت برأسها آلاف من الإحساسات المؤلمة؛ فإن حرارة ضمَّات فرتر الحادة قد وجدت إلى قلبها سبيلًا رغم كل تظاهُر مبرقش، وذكرت كل الأيام الماضية؛ أيام الطهر والهدوء التي يظهر لها — بالمقارنة مع الحاضر — حسن جديد، وخافتْ عبوسةَ ألبرت وتعنيفه الحاد متى علم بزورة فرتر، وهي لم تكذب في حياتها قط، ولم تخادع أبدًا، بيدَ أنها وجدت من المحتم إخفاء الحقيقة لأول مرة، وقد كبَّرت خطيئتَها في نظرها رقتُها المتناهية واشمئزازها الذي شعرت به، على أنها لم تكره مسبِّبها ولم تعزم على منعه عنها، ولقت ألبرت متعبةً حزينة، ولم تكد تتم ارتداء ملابسها، وكانت هذه هي المرة الأولى التي لقته فيها غير راضية، وارتعدت خشيةَ أن يلحظ بكاءَها وأن يكتشف ذبولها لقلة النوم، فزادت هذه المخاوف اضطرابها، وقابلته بشوقٍ أظهر خوفًا وارتباكًا أكثر من سرور حقيقي، ولم يفُتْ هذا عين ألبرت اليَقِظة، فجلس وفضَّ بعض الرسائل، ثم سأل بوقارٍ عمَّا إذا كانت هناك أخبارٌ جديدة، وعمَّا إذا كان قد زارهم أحدٌ في غيبته، فأجابت بعد تلعثُمٍ قليل أن فرتر قد جاء أمسِ وبقي نحو ساعة، فقال ألبرت: «إنه لَيتخيَّر الفرصَ جيدًا.» ثم قام إلى غرفته.

وبقيت شارلوت وحيدة تفكِّر زهاء ربع الساعة؛ فإن حضور رجل تحبه وتقدِّره قد غيَّر مجرى أفكارها، وعادت لذهنها رقَّتُه الماضية وحبُّه للخير وكماله وهيامه بها وحدَها، فأنَّبت نفسها على سوء مقابلتها له، وأُلهِمت إلهامًا خفيًّا أن تتبعه، فدخلت إلى حيث كان وسألته عما إذا كان يريد شيئًا، فأجابها سلبًا ببرود، وبدأ يكتب وجلست تشتغل، وكان يترك مكتبه بين آنٍ وآخر ليتمشى في الغرفة، فكانت شارلوت تنتهز هذه الفرصة لتحدِّثه، ولكنه كان يتجنب ذلك بأن يكاد لا يجيبها، ثم يعود إلى مجلسه، وكانت هذه المعامَلة القاسية أشدَّ إيلامًا لاجتهادها في إخفاء الهم الذي سبَّبته، ولإمساك الدموع التي تكاد تسيل كل لحظة. وانقضت ساعة على هذه الحال، ثم وصل خادم فرتر فزاد في حزنها، وما قرأ ألبرت الرسالة حتى التفت بهدوء إلى زوجته قائلًا: «أعطيه المسدسات، وإنني لَأرجو له سفرًا طيبًا.» ووقع هذا الأمر كالصاعقة على شارلوت، فقامت مذعورةً من مقعدها، وتقدَّمت بخطًى بطيئة مرتجة إلى الحائط حيث تُعلَّق المسدسات، وتناولتها بيدٍ مرتجفة، ثم أخذت تنفضُ عنها الغبار على مهلٍ، ولولا نظرةٌ معنوية من ألبرت اضطرتها للطاعة لَأطالت الإبطاء، فسلَّمتِ الأسلحةَ المشئومة إلى الخادم دون أن تستطيع النطقَ بكلمة واحدة، ثم طوت ما كانت تعمل فيه، وانصرفت توًّا إلى غرفتها، وقد غلبها حزن لاذع وتقريع مريع، ومرَّ بفكرها خاطر خفي في بعض الأحايين كي تعود إلى زوجها، فتنطرح على قدمَيْه وتُفصِح له عمَّا وقع في الليلة الماضية، معترفةً بخطئها وما تخشاه، ولكنها تأكَّدت عاجلًا سوءَ المَغَبَّة من مثل هذه الأساليب، وأيقنت أن ألبرت لا يمكن أبدًا أن يُغرى على الذهاب إلى فرتر. وأخيرًا جهزت المائدة، ولولا سيدة من صاحباتها كانت مَدْعوَّةً لَسادَ على المائدة السكون.

ولما علم فرتر من خادمه أن شارلوت هي التي سلَّمته المسدسات تناوَلَها بملء السرور، ثم جلس إلى بعض الخبز والنبيذ، وصرف الخادم لعشائه وبدأ يكتب.

١  المقصود به الله.
٢  أحد ملائكة الطبقة العليا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠