الفصل الأول

اليوميات

بورتو برايا – ريبيريا جراندي – غبار جوي يحوي نقاعيات – سلوكيات البزاقة البحرية والحبَّار – صخور جزيرة سانت بول (غير البركانية) – قشور مفردة – الحشرات: أول مستعمري الجزر – فرناندو نورونيا – باهيا – صخور مصقولة – سلوك سمك النيص – الطحالب الخيطية البسيطة (كونفيرفا) والنقاعيات المحيطية – أسباب تغير لون مياه البحر.

***

سانت ياجو – جزر الرأس الأخضر

figure

بعد أن عطَّلتنا الأعاصير الجنوب غربية القوية مرتين، أبحرت سفينة «البيجل» التابعة للأسطول الملكي البريطاني، وهي سفينة شراعية ذات صاريَيْنِ تحمل عشرة مدافع، تحت قيادة الكابتن فيتزروي من البحرية الملكية، من ديفونبورت في ٢٧ ديسمبر عام ١٨٣١. كان هدف الرحلة هو استكمالَ مسح منطقة باتاجونيا وأرخبيل أرض النار (أو تييرا دل فويجو) الذي بدأه الكابتن كينج بين عامي ١٨٢٦ و١٨٣٠، ومسح سواحل تشيلي وبيرو وبعض جزر المحيط الهادي، وإجراء مجموعةٍ من القياسات الكرونومترية حول العالم. وصلنا إلى جزر تينيريفي في ٦ يناير، لكننا لم نرسُ على اليابسة خوفًا من الإصابة بالكوليرا؛ وفي الصباح التالي شاهدنا شروق الشمس من وراء خط الأفق الجبلي لجزر الكناري الكبرى، وفجأة لمعت قمة تينيريفي بينما كانت الأجزاء السفلى منها محجوبة بالسحب التي تشبه نُدَف الصوف. كان هذا أول يوم من أيامٍ عدة مبهجة لا تُنسى. في ١٦ يناير ١٨٣٢، رسونا في بورتو برايا الواقعة في جزيرة سانت ياجو التي تعتبر كبرى جزر أرخبيل الرأس الأخضر.

كانت المنطقة المجاورة لبورتو برايا تبدو مقفرة ومهجورة عند رؤيتها من البحر. وجعلت النيران البركانية من عصر مضى والسخونة الحارقة للشمس الاستوائية التربة في أماكن عديدة غيرَ صالحةٍ لنمو النباتات. كانت البلدة تقع فوق درجات متتابعة من الأراضي المنبسطة فوق تلال مخروطية مبتورة القمم، بينما كان يَحدُّ الأفق سلسلة غير منتظمة من الجبال الأكثر ارتفاعًا. كان المشهد، حين يُرى عبر الجو الغائم لهذا المناخ، مثيرًا للغاية؛ فلو جاء شخصٌ لتوه من البحر ومشى لأول مرةٍ داخل بستان من أشجار جوز الهند، لَما تصوَّر مطلقًا أنه سيكون سعيدًا في هذا المكان. لن يحكم على شيء سوى السعادة التي يثيرها هذا المشهد داخله. كان يمكن اعتبار الجزيرة عمومًا غير مثيرة للاهتمام مطلقًا، لكن بالنسبة إلى شخص لم يعتَدْ سوى المناظر الطبيعية الإنجليزية، كان المظهر الجديد لأرض قاحلة تمامًا له بهاءٌ ربما يفسده نمو النباتات. كان نادرًا ما يمكن العثور على ورقة خضراء على طول مساحات واسعة من السهول التي كوَّنتها الحمم البركانية؛ مع ذلك كانت هناك قطعان من الماعز، إلى جانب القليل من البقر، تحاول البقاء حية. كانت السماء تمطر نادرًا، ولكن خلال فترة زمنية قصيرة من السنة كانت تتساقط سيول جارفة ليظهر بعدها مباشرة القليل من النباتات من كل شق وفُرجة في الأرض، لكن هذه النباتات سرعان ما تذبل لتقتات الحيوانات على ما يصبح قشًّا بشكل طبيعي. كانت الأمطار متوقفةً منذ عامٍ كامل آنذاك. وعندما اكتُشِفَت الجزيرة، كانت الأرض المجاورة مباشرة لبورتو برايا مغطاة بالأشجار١ التي تسبب القطع الجائر لها هنا وفي جزيرة سانت هيلانة وبعض جزر الكناري في حدوث جَدْبٍ كامل. كانت الوديان الواسعة ذات القيعان المستوية، والتي كان العديد منها يعمل لأيام قليلة فقط خلال موسم المطر كمجارٍ للمياه، مغطاةً بأجمات من شجيرات عديمة الأوراق. كان ثمة القليل من المخلوقات الحية تعيش في هذه الوديان. كان أكثر الطيور شيوعًا هو صائد السمك الذي يربض في وداعةٍ على فروع نبات الخروع ثم ينقض فجأة على الجنادب والسحالي ليقتات عليها. يتميز هذا الطائر بألوانه الزاهية، لكنها ليست بنفس جمال ألوان نظيره الأوروبي؛ كما أن ثمة اختلافات كبيرة بينهما في الطيران والسلوك ومكان السكنى، والذي عادة ما يكون أكثر الأودية جفافًا.
figure
أرخبيل فرناندو نورونيا.
في أحد الأيام ذهبت بصحبة ضابطين إلى ريبيرا جراندي، وهي قرية تقع على بعد أميال قليلة شرق بورتو برايا. قبل أن نصل وادي سانت مارتن، كان الريف يَمثُل أمامنا بلونه البني الباهت المعتاد، لكن هنا، كان يوجد جدول مياه صغير للغاية نتج عنه حافة منعشة للغاية من النباتات الوافرة النماء. في غضون ساعة كنا قد وصلنا إلى ريبيرا جراندي، وفوجئنا عندما رأينا حصنًا كبيرًا وكاتدرائية مهدَّمين. كانت هذه البلدة الصغيرة، قبل أن يُغلَق ميناؤها، المَعلم الرئيسي في الجزيرة؛ أما الآن فأصبحت تحمل مظهرًا كئيبًا لكنه فاتن للغاية في الوقت نفسه. بالاستعانة بقَسٍّ أسود كدليل ومترجم إسباني شارك في حرب الاستقلال، زرنا مجموعة من الأبنية شكَّلت كنيسةٌ قديمة الجزءَ الأكبر منها. كان حكام وقادة عموم تلك الجزر قد دفنوا في هذا المكان. تواريخ بعض شواهد القبور ترجع إلى القرن السادس عشر.٢ الزخارف التي تحمل الشعارات هي الشيء الوحيد في هذا المكان المهجور الذي يذكِّرنا بأوروبا. كانت الكنيسة الصغيرة تكوِّن ضلعًا من رباعي أضلاع تنمو في وسطه مجموعة كبيرة من أشجار الموز. على الجانب الآخر مستشفى يحوي نحو دستة من النزلاء ذوي المظهر الرث.

عدنا إلى فيندا لتناول العشاء بينما تجمَّع عدد كبير من الرجال والنساء والأطفال، كلهم فاحمو السواد، يشاهدوننا. كان رفقاؤنا مبتهجين للغاية وكان كل ما نفعله أو نقوله يعقب بضحكاتهم العذبة. وقبل أن نغادر البلدة، زرنا الكاتدرائية. لا تبدو فخمة كالكنيسة الأصغر حجمًا لكنها تحوي أُرغُنًا صغيرًا يصدر أصواتًا نشازًا على نحو غريب. أعطينا القس الأسود بضعة شلنات، بينما ربَّت الإسباني على رأسه قائلًا بصراحة شديدة إن لونه لم يصنع أي فارق. عدنا بعدها بأقصى سرعة يمكن للأحصنة الصغيرة السير بها إلى بورتو برايا.

في يوم آخر، ذهبنا إلى قرية سانت دومينجو الواقعة بالقرب من مركز الجزيرة. كانت ثمة بضع أشجار متقزمة من الأكاسيا نامية في سهل صغير عبرناه، وكانت قممها منحنية بفعل الرياح التجارية المستمرة على نحو فريد؛ حتى إن بعضها كانت جذوعها منحنية بزاوية قائمة. كانت أفرع الأشجار تتجه تحديدًا إلى ما بين الشمال والشمال الغربي والجنوب الغربي، ولا بد أن هذه الدوَّارات الطبيعية تشير إلى الاتجاه السائد لقوة الرياح التجارية. لم يكن سيرنا قد ترك إلا أضعف الأثر على التربة الجدباء؛ حتى إننا فقدنا الأثر وذهبنا إلى فوينتيس. لم نكن نعرف أننا متجهون إليها إلا بعد وصولنا وكنا سعداء بغلطتنا هذه. كانت فوينتيس قرية جميلة بها جدول مياه صغير، وكان كل شيء يبدو مزدهرًا للغاية، فيما عدا من كانوا أولى أن يكون هذا حالهم وهم سكانها. فكان الأطفال السود عراةً تمامًا ويبدون في أسوأ حال، ويحملون حزمًا من حطب النار يعادل حجم الواحدة منها نصف جسد أي طفل منهم.

بالقرب من فوينتيس، رأينا قطيعًا كبيرًا من الدجاج الحبشي يضم حوالي خمسين أو ستين دجاجة. كان الدجاج حَذِرًا للغاية ولم يكن من الممكن الاقتراب منه. كان يتجنبنا كطيور الحَجَل في يوم مطير من سبتمبر، حيث كان يركض ورءوسه منتصبة لأعلى؛ وإذا سعينا للإمساك به فرَّ في الحال.

كانت المناظر الطبيعية في سانت دومينجو تتسم بجمال غير متوقع بالمرة من واقع الطابع الكئيب السائد في بقية الجزيرة. كانت القرية تقع أسفل وادٍ تحيط به أسوار مسننة وعالية من الحمم البركانية المتراصة. كانت الصخور السوداء تعطي تباينًا من أروع ما يكون مع النباتات ذات اللون الأخضر الزاهي، والتي تنمو على ضفتي جدول صغير من المياه الصافية. وتصادف أن كان اليوم يوم عيد مهم وكانت القرية مليئة بالبشر. خلال عودتنا مررنا بمجموعة من الفتيات السوداوات يصل عددهن إلى عشرين فتاة يرتدين ملابس ذات ذوق مميز؛ كانت بشرتهن السوداء وأرديتهن البيضاء كلون الثلج المصنوعة من الكتان تبدو أكثر جاذبية بفعل تباينها مع العمامات الملونة والأوشحة الكبيرة الفضفاضة. بمجرد اقترابنا، التفتن جميعًا فجأة ناظرات إلينا، وبينما كانت الأوشحة تغطي الأرض كنَّ يغنين أغنية مثيرة بحماس شديد ويضربن سيقانهن بأيديهن بين الحين والآخر على إيقاعها. ألقينا لهن بعض العملات استقبلنها بضحك هستيري ثم تركناهن وقد تضاعف ضجيج غنائهن.

في صباح أحد الأيام، كانت السماء صافية على نحو استثنائي والحدود الخارجية للجبال البعيدة شديدة الوضوح أمام صفحة من السحب الشديدة الزرقة. من واقع المنظر، ومن الحالات المماثلة التي تحدث في إنجلترا، خمَّنت أن الهواء مشبع بالرطوبة. غير أن الواقع كان العكس تمامًا. كانت قراءة مقياس الرطوبة تعطي فارقًا يصل إلى ٢٩٫٦ درجة بين درجة حرارة الجو والنقطة التي يتكون عندها الندى. وكان هذا الفارق تقريبًا ضعف ما رصدته في صباح الأيام السابقة. وكانت هذه الدرجة غير المعتادة من جفاف الجو مصحوبة بومضات برق متواصلة. أليس من غير المعتاد إذن أن نجد هذه الدرجة من الصفاء الجوي في طقس كهذا؟

عادة ما يكون الجو هنا غائمًا والسبب في هذا تساقط غبار ناعم لدرجة تجعله غير ملموس، وهو ما وجدنا أنه قد ألحق ضررًا طفيفًا بالمعدات الفلكية. في صباح اليوم السابق لليوم الذي رسونا فيه في بورتو برايا جمعت حَفْنة صغيرة من هذا الغبار الناعم البني، والذي بدا أنه قد ترشح من الرياح بواسطة شبكة الريشة الدوارة في صارية السفينة. كما أعطاني السيد لايل أربع صرات من الغبار، كان قد تساقط على سفينة تبعد بضع مئات من الأميال شمال هذه الجزر. وجد البروفيسور إيرينبرج٣ أن تلك الذرات من الغبار تتكون إلى حد كبير من نقاعيات تحيط بها أغشية من السيليكا ومن النسيج السليكوني للنباتات. ومن ضمن خمس صرات صغيرة أرسلتها له، أكد وجود ما لا يقل عن سبعة وستين شكلًا من الأشكال العضوية! وباستثناء نوعين بحريين، تعيش كل أنواع النقاعيات في المياه العذبة. وقد عثرتُ على ما لا يقل عن خمسة عشر نوعًا من الغبار تساقط على سفن بعيدة تبحر وسط المحيط الأطلنطي. ربما يؤكد اتجاه الرياح وقت تساقط الغبار، وكذلك تساقطه الدائم في الشهور التي تهب فيها رياح الهرمتان التي تثير سحابات من الغبار في أعالي السماء، أنه يأتي من أفريقيا. غير أنه، وهي حقيقة مثيرة للاستغراب، على الرغم من أن البروفيسور إيرينبرج يعرف أنواعًا عديدة من النقاعيات خاصة بقارة أفريقيا، فإنه لم يجد أيًّا منها في عينات الغبار التي أرسلتها له، ولكنه على الجانب الآخر، عثر فيها على نوعين كان معروفًا حتى ذلك الحين أنهما يعيشان في أمريكا الجنوبية فقط. يسقط الغبار بكميات تكفي لتوسيخ أي شيء على متن السفينة، وإيذاء أعين الناس؛ بل إن بعض السفن قد هرعت للرسو على الشاطئ بسبب ضبابية الجو. كما أنه كان يسقط كثيرًا على سفن تبعد عن سواحل أفريقيا بمئات بل آلاف الأميال، وفي نقاط تبعد ١٦٠٠ ميل شمالًا وجنوبًا. من خلال فحص غبار جُمِع بواسطة سفينة تبعد ٣٠٠ ميل عن اليابسة، أصابتني دهشة كبيرة عندما وجدت جسيمات صخرية تزيد على جزء من الألف من البوصة المربعة ممزوجة بمادة أكثر نعومة. لهذا ليس من المفاجئ أن تنتشر أبواغ أخف وأصغر بكثير في النباتات اللازهرية.

كانت جيولوجية هذه الجزيرة هي أكثر الأجزاء إثارة في تاريخها الطبيعي. فبمجرد دخول الميناء، يمكن رؤية شريط أبيض أفقي تمامًا يواجه الجُرْف البحري يمتد لبضعة أميال بمحاذاة الساحل ويرتفع فوق سطح المياه بنحو خمس وأربعين قدمًا. عند فحصها وُجِد أن هذه الطبقة البيضاء تتكوَّن من مادة كِلْسية وتحوي بداخلها قواقع عدة يوجد معظمها، إن لم يكن كلها، الآن على الساحل المجاور. وتوجد هذه الطبقة فوق صخور بركانية قديمة وقد كانت مغطاة بفيض من البازلت الذي لا بد أنه دخل البحر عندما كانت الأرض البيضاء المغطاة بالقواقع قابعة في قاعه. من المثير للاهتمام تتبع التغيرات التي سببتها حرارة الحمم البركانية المتدفقة، على الكتلة الهشة القابلة للتفتيت، التي تحولت أجزاء منها إلى حجر جير بلوري، بينما أجزاء أخرى تحولت إلى حجر مرقط متماسك. أينما يختلط الجير بشظايا الرماد البركاني في قاع المجرى المائي، فإنه يتحول إلى مجموعات من الألياف المشعة الرائعة الجمال تشبه معدن الأراجونيت. ترتفع مِهاد الحمم البركانية على هيئة أراضٍ منبسطة تنحدر انحدارًا بسيطًا نحو الداخل، من حيث تدفقت فيضانات من الحجارة المصهورة في البداية. وخلال الحقب التاريخية المسجلة، لم تظهر أي علامات على نشاط بركاني، على ما أعتقد، في أي جزء من سانت ياجو. وحتى الفوهات البركانية يمكن بالكاد اكتشافها على قمم التلال الحمراء العديدة المكونة من رماد البراكين، مع ذلك يمكن التعرف على مجارٍ أحدث عهدًا على الشاطئ، حيث تُكوِّن مسارات من المنحدرات أقل ارتفاعًا، لكنها تمتد لما قبل تلك المنحدرات التي تنتمي لسلسلة أقدم من المجاري؛ ومِن ثَمَّ فإن ارتفاع المنحدرات يعطي مقياسًا مبدئيًّا لعمر هذه المجاري.

خلال إقامتنا، لاحظت عادات بعض الحيوانات البحرية. كانت إحدى البزاقات البحرية الضخمة المسماة «ابليسيا» شائعة جدًّا؛ إذ كان طول هذه البزاقة يصل إلى خمس بوصات، وكان لونها مائلًا للاصفرار مشوبًا بالقرمزي. على كل جانب من جانبي جزئها السفلي، أو الأقدام، يوجد غشاء عريض يعمل أحيانًا، فيما يبدو، كمهواة؛ إذ يسمح بتدفق تيار من المياه داخل الخياشيم الظهرية أو الرئة. يتغذى هذا النوع من البزاقة على الطحالب البحرية الرقيقة التي تنمو بين الصخور في المياه الطينية والضحلة، ووجدت داخل بطونها عدة حصوات صغيرة كما في قانصة الطيور. عندما تتعرض هذه البزاقة لما يقلقها، تفرز سائلًا رائقًا للغاية ذا لون أحمر يميل للأرجواني يعكر المياه حولها لمسافة نحو قدم. إلى جانب هذه الحيلة الدفاعية، تفرز إفرازًا قارصًا ينتشر فوق جسدها يسبب إحساسًا بالوخز الحاد يشبه ما تفرزه الحوصلاء أو قناديل البارجة البرتغالية.

كان لديَّ اهتمام كبير، في عدة مناسبات، بمراقبة سلوكيات الأخطبوط أو الحبَّار. ورغم شيوع هذه الحيوانات في برك المياه التي يخلفها انحسار المد والجزر، لم يكن من السهل الإمساك بها. فبواسطة أذرعها ومِمَصَّاتها الطويلة، تستطيع جر أجسادها للدخول إلى تجويفات ضيقة للغاية، وعندما تستقر يتطلب إخراجها قوة كبيرة. في أوقات أخرى، كانت تطلق أذنابها أولًا بسرعة كالسهام من جانب من البركة إلى الجانب الآخر وفي الوقت نفسه تعكر المياه بحبر بني كستنائي داكن. كذلك تتمكن هذه الحيوانات من الإفلات من اكتشاف موضعها من خلال قدرة استثنائية للغاية على تغيير لونها كالحرباء؛ فهي تغيِّر درجات ألوان أجسادها بحسب طبيعة الأرض التي تمر فوقها على ما يبدو؛ ففي المياه العميقة كان لونها العام يصبح أرجوانيًّا مائلًا إلى البني لكن على اليابسة أو في مياه ضحلة، كان هذا اللون الداكن يتحول إلى أخضر مصفر. عند فحص اللون بمزيد من الدقة، كان رماديًّا فرنسيًّا تتخلله بقع متناهية الصغر ذات لون أصفر زاهٍ؛ حيث كان الأول متغيرًا في حدته بينما كان الثاني يختفي تمامًا ثم يظهر مجددًا بالتبادل. كانت هذه التغيرات تحدث بشكل جعل أشكالًا تشبه السحب تتراوح درجات ألوانها بين اللون الأحمر الياقوتي والبني الكستنائي٤ تمر على أجسادها على نحو متواصل. كان أي جزء من أجسادها يتعرض لصدمة كهربائية جلفانية بسيطة يتحول إلى اللون الأسود تقريبًا، وهو تأثير مشابه، وإن كان أقل في حدته، لخدش الجلد بواسطة إبرة. يُقال إن هذه السحب، أو التوردات، كما يمكن أن تسمى، تنتج عن الانبساط والانقباض المتناوبين لحويصلات دقيقة جدًّا تحوي سوائل متنوعة الألوان.٥

كانت سمكة الحبار تلك تستعرض مهارتها في تغيير ألوانها كالحرباء خلال السباحة والسكون في قاع البحر على حد سواء. وقد استمتعت أيما استمتاع بما رأيته من فنون التخفي المتنوعة من كائن حي وحيد كان يبدو مدركًا تمامًا أنني أراقبه. كان يبقى ساكنًا لفترة من الوقت ثم يتقدم خلسة لمسافة بوصة أو بوصتين كقط يتعقب فأرًا، وكان يغير لونه أحيانًا، ثم يظل يتقدم حتى يصل إلى جزء أكثر عمقًا لينطلق فجأة كالسهم تاركًا أثرًا داكنًا من الحبر ليخفي الحفرة التي زحف إليها للاختباء بها.

أثناء بحثي عن الحيوانات البحرية، وكان رأسي يعلو الساحل الصخري بمسافة قدمين، اندفعت المياه أكثر من مرة في وجهي وصاحبها صوت صرير طفيف. في البداية لم أستطع تخمين السبب وراء هذا، لكني أدركتُ لاحقًا أن الحبَّار هو الذي قادني بما فعله إلى اكتشافه رغم اختبائه في حفرة. لا شك أن الحبار يمتلك قوة دفع المياه، وبدا لي أنه بالتأكيد يجيد التصويب باستخدام الأنبوب الذي يقع في الجانب السفلي من جسده. ونظرًا إلى الصعوبة التي تواجه هذه الحيوانات في حمل رءوسها، فلا يمكنها الزحف بسهولة عندما توضع على اليابسة. وقد لاحظت أن أحدها، وكنت قد احتفظت به في قمرتي الخاصة في السفينة، يطلق وميضًا فسفوريًّا طفيفًا في الظلام.

•••

«صخور سانت بول»، أثناء عبورنا الأطلنطي صباح السادس عشر من فبراير، اقتربنا من جزيرة سانت بول. كانت الجزيرة عبارة عن تجمع من الصخور يقع عند درجة صفر و٥٨ دقيقة شمالًا و٢٩ درجة و١٥ دقيقة غربًا. تبعد الجزيرة ٥٤٠ ميلًا عن ساحل أمريكا و٣٥٠ ميلًا عن أرخبيل فرناندو نورونيا. كانت أعلى نقطة في الجزيرة ترتفع عن مستوى البحر بخمسين قدمًا فقط، وكان محيطها بالكامل أقل من ثلاثة أرباع الميل. كانت هذه الجزيرة الصغيرة ترتفع فجأة من أعماق المحيط. لم يكن تكوينها المعدني بسيطًا؛ ففي بعض الأجزاء كانت الصخور تتكون من الصوان وفي أجزاء أخرى كانت تتكون من الفلسبار أو سليكات الألمنيوم، يتخلَّلها عروق رفيعة من صخور السربنتين. كانت الحقيقة المثيرة للاهتمام أن كل الجزر الصغيرة العديدة، التي تبعد عن أي قارة، في المحيطات الهادي والأطلنطي والهندي، باستثناء جزر سيشيل وهذه الجزيرة الصخرية الصغيرة، كما أعتقد، مكونة إما من شعاب مرجانية وإما من حمم بركانية. كان من الواضح أن الطبيعة البركانية لهذه الجزر المحيطية امتداد لهذه الحقيقة، وكنتيجة لتلك الأسباب نفسها، سواء كانت كيميائية أو ميكانيكية، فإن معظم البراكين النشطة الآن تقع إما بالقرب من سواحل البحار وإما في وسط البحر مثل الجزر.

كانت صخور جزيرة سانت بول تظهر من بعيد بلون أبيض مبهر. وكان هذا يرجع جزئيًّا إلى رَوْث عدد هائل من الطيور البحرية، بالإضافة إلى طبقة من مادة صلبة لامعة كاللؤلؤ تلتصق بشدة بسطح الصخور. عند فحص هذه الطبقة بواسطة عدسة، نجد أنها تتكون من عدة طبقات رفيعة إلى حد بعيد؛ إذ كان سُمكها جميعًا حوالي عُشر البوصة، وتحتوي في جزء كبير منها على بقايا حيوانية وترجع نشأتها بلا شك إلى هطول الأمطار أو رذاذ الماء فوق رَوْث الطيور. تحت تكتلات صغيرة من الرَّوْث في جزيرة أسينشن وجُزَيِّرَات أبرولهوس، وجدتُ أجسامًا هابطية متشعبة تكوَّنت فيما يبدو بالشكل نفسه الذي تكوَّنت به الطبقة البيضاء الرفيعة فوق تلك الصخور. كانت هذه الأجسام المتشعبة تشبه إلى حد كبير في شكلها العام نباتات النوليبوري (وهي نوع من النباتات البحرية الكِلْسية القاسية)، حتى إنني لم أدرك الفارق عندما كنت أراجع على عُجالة مجموعتي من النباتات مؤخرًا. كانت الأطراف الكروية لهذه الأفرع ذات ملمس صدفي، يشبه مينا الأسنان، لكنها صلبة للغاية حتى إنها يمكنها خدش لوح زجاجي. قد يجدر بي هنا أن أذكر أنه على جزء من ساحل جزيرة أسينشن، حيث كان هناك تراكم ضخم للرمال المليئة بالقواقع، ترسبت طبقة قشرية فوق الصخور المدية بواسطة مياه البحار تشبه، كما يظهر في الصورة الموضحة أدناه، نباتات معينة لا زهرية (وهي الكبدية)، غالبًا ما تظهر على الجدران الرطبة. كان سطح الأوراق يلمع بشكل جذَّاب، وكانت تلك الأجزاء التي تتشكل حيث تكون معرضة تمامًا للضوء، ذات لون أسود كهرماني، بينما كانت الأجزاء المتوارية تحت الحواف الصخرية رمادية اللون. وقد عرضت عينات من هذه الطبقة القشرية على عدد من الجيولوجيين وأجمعوا على الاعتقاد أنها من أصل بركاني أو ناري! كانت تلك القشرة تضاهي في صلابتها وشفافيتها ولمعانها أجمل قواقع الحلزون الزيتوني، بينما تظهر تشابهًا شديدًا في رائحتها السيئة وانعدام لونها تحت قصبة النفخ مع القواقع الحية. علاوة على ذلك، فإنه من المعروف أن الأجزاء التي عادة ما تكون مغطاةً بالصدفة لدى قواقع البحر تكون أكثر شحوبًا من تلك التي تتعرض لضوء الشمس على نحو كامل كما هو الحال مع هذه القشرة. عندما نتذكر أن الجير، سواء فوسفاتي أو كربوني، يدخل في تكوين الأجزاء الصلبة لدى كل الكائنات الحية، مثل العظام والقواقع، تتضح لنا حقيقة فسيولوجية مثيرة٦ حين نجد مواد أقسى من مينا الأسنان، وأسطح ملونة ومصقولة جيدًا مثل سطح قوقعة حديثة، أعيد تشكيلها بواسطة وسائل غير عضوية من مواد عضوية ميتة، وتشبه كذلك في شكلها نباتات من أنواع أدنى.
figure

وجدنا على جزيرة سانت بول نوعين فقط من الطيور: الأخبل والأبله أو الخطَّاف. ينتمي الأول لفصيلة الأطيشيات والآخر إلى فصيلة طيور الخرشنة. كان كلاهما يتميَّز بالوداعة والحُمق وكانا غير معتادين بالمرة على رؤية الزوَّار لدرجة أنه كان بمقدوري قتل أي عدد منهم بمطرقة الصخور الخاصة بي. تضع أنثى الأخبل بيضها على الصخور العارية، على عكس أنثى الخطاف التي تصنع عشًّا بسيطًا للغاية من الطحالب البحرية. بجانب هذه الأعشاش المتعددة، وُضِعت سمكة صغيرة طائرة جلبها الذكر لأنثاه على ما أظن. كان من المثير للضحك مشاهدة سلطعون كبير سريع الحركة (من نوع جراسبوس)، والذي يسكن التجاويف الصخرية، وكيف يقوم بسرقة هذه الأسماك بسرعة من جانب العش بمجرد إزعاجنا للأبوين. وأخبرني السير ويليام سيموندس، وهو من القلائل الذين رسوا على هذه الجزيرة، أنه رأى أفراد السلطعون وهي تجر الأفراخ الصغيرة من أعشاشها وتأكلها. لم يكن ثمة نبات واحد ينمو على الجُزَيِّرَة، ولو حتى نبات الأُشْنة؛ ولكنها كانت مسكونة بالعديد من العناكب والحشرات. أعتقد أن الكائنات التالية تكمل قائمة الحيوانات البرية التي تعيش فوق الجزيرة: نوع من الذباب (من عائلة طفيليات الطيور) التي تعيش فوق جسد الأخبل، وقُرَادة لا بد أنها جاءت إلى هنا كطفيل يعيش على أجسام الطيور، وعُثَّة بنية صغيرة تنتمي لنوع يتغذى على الريش، وخُنْفَساء (من فصيلة الرواغة) وقمل الخشب وجدتهما تحت الرَّوْث، وأخيرًا عدد من العناكب التي أعتقد أنها تفترس هذه الكائنات الضئيلة وآكلات جيف الإوزيات. ربما لا يكون الوصف المتكرر للنخيل المهيب المنظر والنباتات الاستوائية الأخرى المثيرة للإعجاب ثم الطيور وأخيرًا البشر، الذين يستوطنون جميعًا هذه الجُزَيِّرَات المرجانية بمجرد تكوُّنها في المحيط الهادي، وصفًا صحيحًا؛ وأخشى أن أفسد هذا الاعتقاد بأن أذكر أن العناكب والحشرات الطفيلية والطفيليات التي تتغذى على الريش والدنس يفترض حتمًا أن تكون هي أول من استوطن هذه الجزر المحيطية الحديثة النشأة.

كذلك توفر أصغر صخرة في هذه البحار الاستوائية موطنًا لعدد كبير من الأسماك، من خلال تهيئة الظروف لنمو أنواع لا تحصى من الطحالب البحرية والحيوانات التي تتكاثر لا جنسيًّا. ظل هناك صراع مستمر بين البحارة في قواربهم وأسماك القرش، على من منهم يقتنص الجزء الأكبر من الغنائم التي تلتقطها صنانير الصيد. وقد سمعت أن صخرة بالقرب من جزر برمودا، تقع على بعد عدة أميال وسط البحر وعلى عمق كبير، اكتُشفت لأول مرة عن طريق ملاحظة وجود أسماك في المنطقة المجاورة لها.

•••

«جزيرة فرناندو نورونيا، ٢٠ فبراير»، بقدر ما أتيح لي أن ألاحظ، وخلال الساعات القليلة التي مكثناها في هذا المكان، فإن الجزيرة بركانية لكن من المحتمل أنها ليست حديثة النشأة. كان أكثر ما يميِّزها هو تلة مخروطية بارتفاع حوالي ألف قدم، وكان الجزء الأعلى منها منحدرًا إلى حد بعيد، وكانت تشرف من إحدى الجهات على قاعدتها. كانت الصخور المكونة للجزيرة صخورًا نارية، وكانت مقسمة لأعمدة غير منتظمة. عند مشاهدة هذه التكتلات المنفصلة، يميل المرء للوهلة الأولى إلى الاعتقاد بأنها اندفعت إلى أعلى فجأة في حالة شبه سائلة. غير أنني تأكدت في جزيرة سانت هيلانة، من أن بعض القمم، من نفس الشكل والتركيب تكوَّنت بحقن الصخور المنصهرة في الطبقات المطواعة، وهو ما أدَّى لتكوُّن هذه القوالب الخاصة بهذه الأعمدة الصخرية العملاقة. كانت الجزيرة مغطاةً بالأشجار بالكامل، لكن بسبب جفاف الطقس لم تكن ذات مظهر جذَّاب. في منتصف الطريق إلى قمة التل، يوجد بعض الكتل الضخمة من الصخور ذات الشكل العمودي التي تظللها أشجار تشبه إكليل الغار كما تزيِّنها أشجار أخرى ذات أزهار رقيقة وردية اللون لكن بدون أي أوراق مما أكسب الأجزاء الأقرب من المشهد تأثيرًا مبهجًا.

•••

«باهيا أو سان سلفادور، البرازيل، ٢٩ فبراير»، مر اليوم على نحو ممتع، ولكن كلمة ممتع تعد تعبيرًا واهيًا عما يشعر به عالم طبيعة يتجول للمرة الأولى بنفسه في غابة برازيلية؛ فقد امتلأت نفسي إعجابًا ببهاء الأعشاب ورؤية النباتات الطفيلية لأول مرة، وجمال الأزهار، والخضرة اللامعة للأوراق، وقبل كل شيء الوفرة العامة للنباتات. كان ثمة مزيج شديد التناقض من الأصوات والصمت يعم الأرجاء الظليلة من الغابة. وكان ضجيج الحشرات عاليًا للغاية، حتى إنه قد يصل إلى أسماع ركاب سفينة راسية على بعد مئات الياردات من الشاطئ؛ ولكن داخل تجاويف وأعماق الغابة يسود صمتٌ شامل. إن يومًا كهذا من شأنه أن يجلب متعة كبرى في نفس شخص مولع بالتاريخ الطبيعي، تفوق ما يأمل أن يشعر به مرة أخرى. بعد التجول لمدة ساعتين، عدت إلى مكان الرسو، لكن قبل أن أصل إليه، فوجئت بهبوب عاصفة استوائية. حاولت أن أجد ملاذًا من العاصفة تحت شجرة كانت متشابكة الأغصان لدرجة أنه لا يمكن للمطر الإنجليزي المعتاد أن يخترقها، لكن هنا وفي غضون بضع دقائق غمر سيل محدود من المطر الجزء السفلي من جذعها، ولكن لا بد أن ننسب إلى قوة هذه الأمطار الفضل في اخضرار النباتات في الأجزاء السفلية من أكثر الغابات كثافة؛ فلو كانت تتساقط بنفس قوة تساقطها في الأماكن ذات الطقس الأكثر برودة، لامتُص أكثرها أو تبخَّرت في الجو قبل وصولها إلى الأرض. لن أحاول الآن وصف المناظر الطبيعية الخلَّابة لهذا الخليج العظيم لأننا عدنا هنا مرة أخرى في رحلة العودة للوطن؛ لذا أتيحت لي الفرصة مرة أخرى لإبداء ملاحظاتي عليه.

بمحاذاة ساحل البرازيل بالكامل على امتداد ٢٠٠٠ ميل على الأقل، وبالطبع إلى جانب جزء كبير من اليابسة، تتكوَّن الصخور الصلبة، أينما وجدت، من الجرانيت. إن ظروف هذه المنطقة الشاسعة من حيث بنيتها التي تتكوَّن من مواد يعتقد معظم الجيولوجيين أنها تبلورت عندما تعرضت للحرارة تحت ضغط تثير عدة تساؤلات مثيرة للفضول. هل حدث هذا التأثير تحت أغوار محيط عميق؟ أم امتدت طبقات لتغطيها فيما سبق ثم اختفت؟ هل يمكننا أن نصدق أن أي قوة، تعمل لفترة تقل عن اللانهاية، يمكنها تعرية الجرانيت على امتداد آلاف الفراسخ المربعة؟

في نقطة لا تبعد كثيرًا عن المدينة، حيث كان أحد الجداول يتدفق داخل البحر، لاحظتُ حقيقة متصلة بأحد الموضوعات التي ناقشها عالم الطبيعة الألماني همبولت.٧ عند شلالات الأنهار الكبرى، مثل نهر النيل، والكونغو، وأورينوكو، تُغطَّى الصخور السيانيتية النارية بمادة سوداء تجعلها تبدو كما لو كانت قد لُمِعَت بالجرافيت. تتميَّز هذه الطبقة بأنها شديدة الرقة، وعند تحليل الكيميائي السويدي بيرسيليوس لها، وُجِد أنها تتكون من أكسيدي المنجنيز والحديد. في نهر الأورينوكو بأمريكا الجنوبية، تظهر هذه الطبقة على الصخور التي تُجرَف دوريًّا بفعل الفيضانات، وفي تلك الأجزاء التي يكون فيها تيار المياه سريعًا فقط؛ أو كما يقول الهنود: «تكون الصخور سوداء عندما تكون المياه بيضاء.» هنا تكتسب الطبقة التي تغطي الصخور لونًا بنيًّا داكنًا بدلًا من اللون الأسود، ويبدو أنها تتكون من الحديد فقط. ولا تستطيع عينات الصخور اليدوية إعطاءنا فكرةً دقيقةً عن تلك الأحجار البنية اللامعة التي تتألق في ضوء الشمس، والتي توجد داخل حدود موجات المد والجزر؛ وبينما تنساب مياه الجدول ببطء، لا بد أن المياه المتكسرة توفِّر قوة الصقل الخاصة بشلالات الأنهار الكبرى لتلميع الصخور. على النحو نفسه، ربما يكون فيضان المد وانحساره مسئولَيْن عن الفيضانات الدورية؛ ومِن ثَمَّ تنتج الآثار نفسها تحت ظروف تبدو مختلفة لكنها في الواقع متشابهة. ومع ذلك، فإن أصل هذه الطبقات المكوَّنة من الأكاسيد المعدنية، التي تبدو كما لو كانت مثبتة بشدة بالصخور، غير معروف، وأعتقد أنه لا يوجد أي سبب يمكن أن نعزي له ثبات سمكها.
figure
سمكة النيص (في حالتي الانتفاخ والانقباض).

ذات يوم كنت أتسلَّى بمراقبة سلوكيات أسماك النيص التي اصطيدت وهي تسبح بالقرب من الساحل. من المعروف أن هذه السمكة ذات الجلد الرخو المتهدل تملك قدرة استثنائية على نفخ جسدها حتى تتحول إلى شكل شبه كروي. وبعد إخراجها من المياه بوقت قصير، ثم وضعها في المياه مرة أخرى، تتشرب كمية كبيرة من المياه والهواء بواسطة الفم وربما كذلك بواسطة الفتحات الخيشومية. تحدث هذه العملية بوسيلتين: ابتلاع الهواء ثم دفعه إلى داخل تجويف الجسد ومنع عودته مرة أخرى بواسطة انقباض عضلي يمكن رؤيته بوضوح من الخارج، لكن المياه تدخل في تدفق هادئ ورقيق من خلال الفم والذي يظل مفتوحًا على اتساعه وثابتًا بلا حراك؛ ومِن ثَمَّ لا بد أن تعتمد هذه الحركة الأخيرة على المص. يتسم الجلد حول البطن بأنه أكثر تهدلًا من جلد الظهر؛ ولذلك فإنه خلال عملية التمدد والانتفاخ، يصبح السطح السفلي منتفخًا أكثر من السطح العلوي؛ ونتيجة لهذا تطفو السمكة وظهرها للأسفل. يشكِّك الفرنسي كوفييه في قدرة سمكة النيص على السباحة في هذه الوضعية؛ لكنها لا تستطيع فقط التحرُّك للأمام في خط مستقيم، بل يمكنها الاستدارة لتتجه إلى أي من الجانبين. وهذه الحركة الأخيرة تتم بمساعدة الزعانف الصدرية فقط؛ إذ يُطوى الذيل ولا يُستَخدَم. وبطفو الجسم بكل هذه الكمية من الهواء، تصبح فتحات الخياشيم مفرغة من المياه، لكن يجري فيها تيار مائي دائم يدخل من خلال الفم.

بعد بقائها لفترة قصيرة من الزمن في حالة الانتفاخ، تُخرِج السمكة الهواء والماء من الفم والفتحات الخيشومية بقوة كبيرة. يمكنها أن تلفظ، متى أرادت، كمية محددة من المياه؛ ولذا يبدو من المحتمل أنها تمتص هذه المياه جزئيًّا من أجل تنظيم جاذبيتها الخاصة. تمتلك سمكة النيص وسائل دفاعية عدة. فيمكنها العض بشكل حاد، ونفث المياه من فمها لمسافة ما، بالتزامن مع إصدار صوت غريب بتحريك فكيها. عند انتفاخ جسدها، تنتصب الحليمات التي تغطي جلدها وتصبح مدببة، لكن أغرب ما يميِّزها هو أنه عند الإمساك بها يفرز جلد البطن مادة قوية ذات لون أحمر قرمزي من أجمل ما يكون؛ تلطخ العاج والورق على نحو دائم، حتى إن اللون يحتفظ ببريقه حتى اليوم، لكني أجهل تمامًا ما طبيعة هذا الإفراز ونفعه. وقد سمعت من د. آلان من فوريس أنه كثيرًا ما كان يعثر على سمكة النيص منتفخة وتطفو على قيد الحياة داخل معدة أسماك القرش، وفي مرات عديدة كان متأكدًا من أنها كانت تنهش ليس فقط طبقات المعدة، بل جانبي الوحش الضخم مما يتسبب في مقتله. من كان يتخيل أن سمكة رخوة صغيرة الحجم مثل هذه يمكنها تدمير مثل هذا القرش الضخم المتوحش؟!

•••

«١٨ مارس»، أبحرنا من باهيا. وبعد أيام معدودة، ولم نكن قد ابتعدنا كثيرًا عن جُزَيِّرَات أبرولهوس، جذب انتباهي لونًا بنيًّا مائلًا إلى الحمرة في ماء البحر. كان سطح المياه بالكامل يبدو، لو نظرنا إليه تحت عدسة ضعيفة، كما لو كان مغطًّى بقطع صغيرة جدًّا من القش ذات أطراف ممزقة. كانت هذه عبارة عن طحالب خيطية دقيقة أسطوانية الشكل تسمى «كونفيرفا»، وقد تجمعت في حزم أو أشكال دائرية كالأطواف تضم كل حزمة من عشرين إلى ستين منها. أخبرني السيد بيركلي أن هذه الطحالب من نفس نوع الطحالب التي توجد في مساحات شاسعة من البحر الأحمر (وتسمى «تريكوديزميوم») والذي اشتق اسمه منها.٨ ولا بد أن أعدادها كانت لا تحصى؛ فالسفينة مرت بمجموعات منها كانت إحداها يبلغ عرضها حوالي ١٠ ياردات، بينما كان يبلغ طولها، بالنظر إلى لون المياه الذي يشبه الطين، ميلين ونصفًا على الأقل. يرد ذكر هذه الطحالب الخيطية في كل رحلة طويلة تقريبًا، كما يشيع وجودها على نحو خاص في البحر بالقرب من أستراليا، كما وجدت نوعًا مشابهًا في الصفات، لكنه أصغر حجمًا ومن نوع مختلف على ما يبدو، بالقرب من كيب ليوين. ويشير الكابتن كوك في رحلته الثالثة إلى أن البحارة أطلقوا على هذه الطحالب اسم نشارة البحر.

بالقرب من جزيرة كيلينج المرجانية، في المحيط الهندي، لاحظت العديد من التجمعات الصغيرة للطحالب الخيطية البسيطة تمتد إلى بضع بوصات مربعة، تتكوَّن من خيوط أسطوانية طويلة شديدة الرقة؛ حتى إنها بالكاد يمكن رؤيتها بالعين المجردة، تختلط بأجسام أكبر منها نسبيًّا، يتخذ طرفاها شكلًا مخروطيًّا على نحو انسيابي. ويظهر اثنان منها في الشكل الوارد أدناه متحدين معًا. تختلف أطوالها من أربعة بالمائة إلى ستة بالمائة من البوصة وقد تصل حتى إلى ثمانية بالمائة من البوصة، بينما يتراوح قطرها بين ستة من الألف وثمانية من الألف من البوصة. كان هناك غشاء أخضر فاصل، يتكوَّن من مادة حُبيبية، وكان أثخن ما يكون في المنتصف، يمكن رؤيته بالقرب من أحد طرفي الجزء الأسطواني. أعتقد أن هذا هو الجزء السفلي من كيس رقيق للغاية عديم اللون يتكون من مادة لُبِّية، تبطن الغلاف الخارجي، لكنه لا يمتد إلى داخل الأطراف المخروطية. في بعض عينات الطحالب الخيطية، تشغل كرات صغيرة تامة الاستدارة من المادة الحُبيبية الضاربة إلى البني الأغشية الفاصلة، وشاهدتُ العملية الغريبة المثيرة للفضول التي أنتجت بها هذه الكرات. جمعت المادة اللبية التي تُكوِّن البطانة الداخلية فجأة نفسها لتشكل خطوطًا، اتخذ بعضها شكلًا ينبثق من مركز مشترك، ثم بدأت بحركة سريعة وغير منتظمة في الانكماش؛ حتى إنه في غضون ثانية واحدة كانت كلها متحدة في شكل دائرة صغيرة تامة شغلت موضع الغشاء الفاصل في أحد الأطراف الخاصة بالغلاف الخارجي الذي أصبح مفرغًا تمامًا الآن. كان تكوين الدائرة الحُبيبية يتسارع بسبب أي أذى عارض يلحق بها. يمكنني أن أضيف أنه كثيرًا ما كان زوج من هذه الأجسام يرتبط بعضهما ببعض كما هو مبين في الصورة أعلاه، مخروطًا بجوار مخروط، عند الطرف الذي يوجد به الغشاء الفاصل.

figure
سأضيف هنا بضع ملاحظات أخرى عن تغيُّر لون مياه البحار لأسباب عضوية. على ساحل تشيلي، على بعد بضعة فراسخ شمال مدينة كونسيبسيون، مرت البيجل ذات يوم بنطاقات واسعة من المياه الموحلة تمامًا كتلك التي تكون في الأنهار الفائضة بالمياه، ومرة أخرى وعلى بُعد درجة جنوب فالبارايزو على بُعد خمسين ميلًا من اليابسة، كان المشهد نفسه ما زال موجودًا أكثر على نطاق أوسع. عندما وضعت بعض المياه في كأس زجاجي كان لونها يميل إلى الأحمر الباهت، وبعد فحصها تحت المجهر، وُجِدَ أنها مليئة بحُيَيْوينات دقيقة تتحرَّك بسرعة كبيرة في كل مكان، وفي أحيانٍ كثيرة كانت تنفجر. كانت هذه الحييوينات بيضاوية الشكل ومعقودة من المنتصف بحلقة من أهداب مقوسة متذبذبة. على الرغم من ذلك، كان من الصعب للغاية فحصها بدقة؛ لأن أجسامها كانت تنفجر بمجرد توقفها عن الحركة السريعة، حتى عندما تمر بمجال الرؤية. وأحيانًا كان طرفا الجسم ينفجران في اللحظة نفسها، وأحيانًا طرف واحد فقط، لتخرج مادة حُبيبية خشنة ضاربة إلى البني. قبل انفجاره مباشرة كان حجم الحيوان يتمدد بمقدار نصف حجمه الطبيعي، وكان الانفجار يحدث بعد حوالي خمس عشرة ثانية من توقف الحركة السريعة المتصاعدة. وفي حالات قليلة فقط كان يسبق هذا فاصل زمني قصير يحدث خلاله حركة دائرية حول المحور الأطول. وبعد حوالي دقيقتين من عزل أي عدد من تلك الحييوينات في قطرة ماء، كانت تموت جميعًا. كانت الحُيَيْوينات تتحرَّك وقمتها الدقيقة إلى الأمام بمساعدة أهدابها الاهتزازية وعادة ما كانت حركتها في شكلِ وَثَباتٍ خاطفةٍ. كانت تلك الكائنات متناهيةَ الصغر إلى حدٍّ بعيد، وكانت لا تُرى بالعين المجردة مطلقًا؛ إذ كانت تشغل مساحة تبلغ مربع جزء من الألف من البوصة. كانت أعدادها لا نهائية؛ فكانت أصغر قطرة من المياه تحتوي على الكثير والكثير منها. وقد مررنا في يوم واحد بحيِّزين من المياه تغير لون المياه فيهما بهذا الشكل، امتدت إحداهما لعدة أميال مربعة. كم كانت أعداد تلك الكائنات المجهرية لا تحصى! كان لون المياه، عند رؤيتها من بُعد، كلون نهر يتدفق عبر منطقة من رواسب الطين الطفلي الأحمر، لكن في ظل جانب السفينة كانت المياه داكنةً تمامًا كلون الشوكولاتة. كان خط التقاء اللونين الأحمر والأزرق محددًا بوضوح. كان الطقس على مدى بعض الأيام السابقة هادئًا وكان المحيط زاخرًا لدرجة غير معتادة بالكائنات الحية.٩

في البحر المحيط بأرض النار، وعلى مسافة ليست ببعيدة من اليابسة، رأيت خطوطًا ضيقة من المياه بلون أحمر زاهٍ تتكون من عدد من القِشْرِيَّات التي تشبه في شكلها إلى حد ما القريدس العملاق. كان البحارة يسمونها طعام الحيتان. لا أعرف ما إذا كانت الحيتان تتغذى عليها أم لا، لكن في بعض أجزاء الساحل تستمد طيور الخرشناوات والغاقيات والأسراب الضخمة من الفُقْمة الكبيرة البطيئة الحركة؛ غذاءها الأساسي من تلك السلطعونات السابحة. يعزو البحارة دائمًا تغير لون مياه البحار إلى بيض السمك، لكنني وجدت أن هذا صحيح فقط في حالة واحدة. على بُعد عدة فراسخ من أرخبيل جالاباجوس، عبرت السفينة ثلاثة شرائط ضيقة من مياه داكنة اللون تميل للصفرة أو كلون الطين؛ وكانت هذه الشرائط بطول بضعة أميال في حين لم يتجاوز عرضها بضع ياردات فقط، وكانت منفصلة عن المياه المحيطة بحد متعرج لكنه واضح. كان لونها هذا يُعزى إلى كرات هلامية صغيرة قطرها خُمس بوصة وكانت كل واحدة منها تحوي بُيَيْضاتٍ دائريةً دقيقة، من نوعين متمايزين: الأول يميل إلى الحمرة ويختلف شكله عن الآخر. لا يمكنني تخمين لأي نوعين من الحيوانات كانت تنتمي هذه البُيَيْضات. يقول الكابتن كولنت إن هذا المشهد شائع جدًّا في جزر جالاباجوس، وإن اتجاه مجموعات البُيَيْضات يشير إلى اتجاه تيار المياه؛ غير أنه في الحالة المذكورة، كانت الرياح هي ما حدد اتجاه صف البُيَيْضات. المشهد الوحيد الآخر الذي لا بد من الإشارة إليه هو طبقة زيتية رقيقة على سطح المياه تتلون بألوان قزحية. وقد رأيت جزءًا كبيرًا من المحيط مغطًّى بهذه الطبقة على ساحل البرازيل. وعزا البحارة هذا إلى الجثة المتحللة لأحد الحيتان ربما كان طافيًا على مسافة ليست ببعيدة. لا أذكر هنا الجسيمات الهلامية الدقيقة التي تتناثر كثيرًا على امتداد سطح المياه، والتي سيشار إليها فيما بعد؛ لأنها لم تكن من الوفرة بما يكفي لإحداث أي تغيير في لونها.

figure
قارب قطمران (باهيا).

ثمة حدثان يبدوان مثيرين للاهتمام فيما سبق: الأول، كيف تحافظ الأجسام المختلفة التي تشكل النطاقات ذات الحواف المحددة على تماسكها معًا؟ في حالة السلطعونات الشبيهة بالقريدس، كانت حركاتها متزامنة كما لو كانت مجموعة من الجنود، لكن هذا لا يمكن حدوثه عن طريق حركة إرادية كما في البُيَيْضات أو طحالب الكونفيرفا، ومن غير المحتمل أيضًا أن يحدث بين النقاعيات. الظاهرة الثانية، ما الذي يتسبب في طول وصغر قطر هذه النطاقات؟ لقد كان شكلها يشبه إلى حد بعيد ما قد يُرى في أي سيل جارف عندما يفكك مجرى المياه الزبد المتجمع في الدوامات إلى خطوط طويلة، ما يدفعني إلى عزو ذلك الأثر إلى مفعول مشابه إما لتيارات الهواء أو البحر. ومن منطلق هذا الافتراض، يجب أن نؤمن بأن الأجسام المختلفة المتعضية تنتج في أماكن محددة ملائمة، وتتحرَّك من أماكنها هذه بفعل اتجاه حركة الرياح أو المياه. ومع ذلك، أعترف بوجود صعوبة كبيرة في تخيل أن أي بقعة يمكنها أن تكون محل ميلاد ملايين الملايين من الحييوينات والطحالب الخيطية؛ فمن أين تأتي الجراثيم إلى مثل هذه النقاط؟ بعد أن نشرت الرياح والأمواج الأجسام الأبوية عبر المحيط الشاسع، ولكن لا توجد أي فرضية أخرى يمكنها أن تفسر لي تجمعهم على هذه الهيئة الخطية. يمكنني أن أضيف ما أشار إليه سكورسبي من أن المياه الخضراء التي تزخر بالكائنات المحيطية توجد دائمًا في جزء محدد من المحيط المتجمد الشمالي.

هوامش

(١) أذكر هذا على عهدة د. إرنست ديفينباخ في ترجمته الألمانية لأول نسخة من هذه اليوميات.
(٢) اكتُشفت جزر الرأس الأخضر في عام ١٤٤٩، وكان هناك شاهد قبر لأحد الأساقفة يرجع تاريخه إلى عام ١٥٧١ وشعار نبالة ليد وخنجر يرجع إلى عام ١٤٩٧.
(٣) لا بد أن أنتهز هذه الفرصة للتعبير عن خالص عرفاني لذلك العالم الطبيعي المرموق لما أبداه من كرم شديد بفحص العديد من العينات التي جمعتها. وقد أرسلت تقريرًا كاملًا (في يونيو ١٨٤٥) عن تساقط هذا الغبار إلى الجمعية الجيولوجية.
(٤) سُمِّي بذلك تيمنًا بتسمية باتريك سايمس.
(٥) انظر «موسوعة التشريح ووظائف الأعضاء»، مقال «رأسيات القدم».
(٦) وصف السيد هورنر والسير ديفيد بروستر («فيلوسوفيكال ترانزاكشن»، ١٨٣٦، صفحة ٦٥) «مادة اصطناعية تشبه الصَّدَف» وتتسم بالغرابة. تترسب هذه المادة على هيئة رقائق ناعمة شفافة شديدة اللمعان وذات لون بني، على الجزء الداخلي لوعاء ما، بداخله قطعة من القماش، مغلفة جيدًا في البداية بالصمغ ثم بالجير، وتُدَوَّر سريعًا في الماء، وهي تتميز بخصائص بصرية غريبة. هذه المادة أكثر نعومة وشفافية وتحوي من المادة الحيوانية أكثر مما هو موجود في القشرة الطبيعية في جزيرة أسينشن، لكن هنا نرى مرة أخرى النزعة القوية التي يظهرها كل من كربونات الكالسيوم والمادة الحيوانية لتكوين مادة صلبة تماثل الصدف.
(٧) انظر كتاب «مذكرات شخصية» لهمبولت، المجلد الخامس، الجزء الأول، صفحة ١٨.
(٨) السيد مونتين، دورية «كومت روندو» … إلخ، جولييت، ١٨٤٤، ودورية «أنال دي سيونس ناتوريل»، ديسمبر، ١٨٤٤.
(٩) يذكر السيد ليسون («رحلة القوقعة»، المجلد الأول، صفحة ٢٥٥) وجود مياه حمراء بالقرب من ليما يبدو أنها ناتجة عن نفس السبب. يذكر عالم الطبيعيات البارز، بيرون، في كتاب «رحلة اكتشاف الأراضي الجنوبية»، ما لا يقل عن اثنتي عشرة إشارة إلى بحارة أشاروا إلى تغير لون مياه البحر (المجلد الثاني، صفحة ٢٣٩). يمكن أن نضيف إلى إشارات بيرون، كلًّا من كتاب همبولت «سرد شخصي» المجلد السادس، صفحة ٨٠٤، وكتاب «رحلة» لفليندرز، المجلد الأول، صفحة ٩٢، ولابيلارديير، المجلد الأول، صفحة ٢٨٧، وكتاب «الرحلة: رحلة الأسطرلاب والقوقعة» لأولوا، وكتاب «مسح أستراليا» للكابتن كينج لأستراليا … إلخ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤