الفصل الحادي عشر

مضيق ماجلان – بورت فامين – صعود جبل تارن – غابات – فطر صالح للأكل – الحياة الحيوانية – أعشاب بحرية عملاقة – الرحيل من أرض النار – المناخ – أشجار الفاكهة ومحاصيل السواحل الجنوبية – ارتفاع الثلوج فوق سلسلة الجبال – هبوط الأنهار الجليدية للبحر – تكوُّن الجبال الجليدية – نقل الجلاميد الصخرية – الطقس ومحاصيل الجزر القطبية – حفظ الجثث المتجمدة – تلخيص.

***

مضيق ماجلان: مناخ السواحل الجنوبية

figure
جزيرة وولاستون، أرض النار.
في نهاية مايو ١٨٣٤ دخلنا للمرة الثانية الفم الشرقي لمضيق ماجلان. كانت المنطقة على جانبي هذا الجزء من المضيق تتكون من سهول شبه مستوية كتلك التي توجد في باتاجونيا. ربما يمكن اعتبار رأس نيجرو، الواقعة للداخل قليلًا ضمن الممرات الضيقة الثانية، النقطة التي تبدأ عندها الأرض في اتخاذ الملامح المحددة لأرخبيل أرض النار. على الساحل الشرقي، جنوب المضيق، ثمة مشهد طبيعي متقطع يشبه المتنزه أو الحديقة يصل بين هاتين المنطقتين اللتين تختلفان في جميع السمات تقريبًا. من المفاجئ حقًّا إيجاد مثل هذا التغيير في المشهد الطبيعي في مساحة ٢٠ ميلًا. إذا نظرنا لمساحة كبيرة نوعًا ما، مثل المسافة بين بورت فامين وخليج جريجوري، وهي حوالي ٦٠ ميلًا، يظل الفارق أروع. فلدينا في الأولى جبال دائرية تختفي وراء غابات منيعة غارقة في مياه الأمطار التي تجلبها عواصف متعاقبة لا تنتهي، بينما في رأس جريجوري لدينا سماء زرقاء صافية فوق سهول جافة مقفرة. ورغم سرعة التيارات الجوية١ واضطرابها وتحررها من أي قيود ظاهرية، لكنها تبدو أنها تتبع مسارًا محددًا بانتظام مثل نهر في مجراه.
figure
اثنان من هنود باتاجونيا من رأس جريجوري.

خلال زيارتنا السابقة (في يناير) التقينا في رأس جريجوري بمن يسمون بالباتاجونيين العمالقة المشهورين الذين استقبلونا استقبالًا حارًّا. كان طولهم يبدو أكبر من الواقع بسبب أرديتهم الكبيرة المصنوعة من جلد الجوناق وشعورهم الطويلة المتطايرة والتكوين الجسماني العام؛ إذ كان متوسط طولهم ست أقدام، وكان بعض الرجال أطول من ذلك والقليل منهم فقط كان أقصر، كما كانت النساء طويلات كذلك، وكانوا إجمالًا يشكلون أطول جنس رأيناه في أي مكان. أما في الملامح، فهم أقرب على نحو مثير للدهشة إلى الهنود الشماليين الذين رأيتهم بصحبة الجنرال روساس، لكنهم يملكون مظهرًا أكثر شراسة وقوة؛ إذ كانت أجزاء كبيرة من وجوههم مدهونة باللونين الأحمر والأسود، وكان أحد الرجال يكسو جسده حلقات ونقاط بيضاء مثل الفوجيين. عرض الكابتن فيتزروي اصطحاب أي ثلاثة منهم على متن السفينة، وبدا الجميع عازمين على أن يكونوا ضمن هؤلاء الثلاثة. مر وقتٌ طويل قبل أن نتمكن من إخلاء القارب وأخيرًا صعدنا على متنه بصحبة العمالقة الثلاثة الذين تناولوا العشاء مع الكابتن فيتزروي وكان سلوكهم مهذبًا وأنيقًا إلى حد كبير؛ إذ استخدموا الأشواك والسكاكين والملاعق ولم يتلذذوا بشيء بقدر ما تلذذوا بالسكر. كان لهذه القبيلة الكثير من التعاملات والاتصالات مع صائدي الفُقْمة والحيتان؛ حتى إن معظم الرجال فيها كانوا يتحدثون القليل من الإنجليزية والإسبانية؛ وكانوا شبه متحضرين وفوضويين بالقدر نفسه.

figure
بورت فامين، ماجلان.
في صباح اليوم التالي اتجهت مجموعة كبيرة إلى الساحل لمقايضة الجلود وريش النعام؛ وكان هناك رفض لمقايضة الأسلحة، فيما كان التبغ مطلوبًا بشدة أكثر بكثير من الفئوس أو الأدوات. كان جميع سكان الخيام من رجال ونساء وأطفال مصطفين على إحدى الضفاف. كان مشهدًا ظريفًا، وكان من المستحيل ألا تعجب بهؤلاء العمالقة؛ فقد كانوا في غاية المرح ونقاء السريرة ودعونا للعودة مرة الأخرى. كان يبدو أنهم أحبوا المعيشة بصحبة الأوروبيين، وتوسلت ماريا العجوز، وهي سيدة ذات شأن في القبيلة، للسيد لو ذات مرة ليترك أيًّا من بحارته معهم. كانوا يقضون الجزء الأكبر من العام هنا، لكن في الصيف يذهبون للصيد عند سفح الجبال وأحيانًا يسافرون لمسافات بعيدة حتى ريو نيجرو الذي يبعد ٧٥٠ ميلًا في اتجاه الشمال. كانوا يملكون عددًا وفيرًا من الخيول وكان كل شخص منهم، طبقًا للسيد لو، يمتلك ست خيول أو سبعًا وكانت كل النساء، وحتى الأطفال، يملك حصانه الخاص. في زمن سارمينتو (١٥٨٠) كان هؤلاء الهنود يملكون الأقواس والسهام، والتي هجروا استخدامها منذ وقت طويل، وبعد ذلك اقتنوا بعض الخيول. وتعد هذه حقيقة مثيرة للفضول للغاية؛ إذ تظهر الزيادة السريعة والاستثنائية في أعداد الخيول في أمريكا الجنوبية. دخل الحصان بيونس أيرس لأول مرة عام ١٥٣٧، وبعد ذلك هجرت المستعمرة لفترة وأصبحت الخيول تعيش حرة؛٢ وفي عام ١٥٨٠، أي بعد ذلك بثلاثة وأربعين عامًا فقط، سمعنا عن وجودها في مضيق ماجلان! يخبرني السيد لُو أن هناك قبيلة من الهنود في الجوار تتحول الآن إلى استخدام الخيول بدلًا من السير على الأقدام. كانت القبيلة في خليج جريجوري يعطونهم خيولهم المنهكة ويرسلون في الشتاء بعضًا من أمهر الرجال ليصيدوا من أجلهم.

•••

«١ يونيو»، رسونا في خليج بورت فامين الرائع. كنا آنذاك في بداية الشتاء ولم أرَ مشهدًا أكثر كآبة من هذا من قبل؛ فكانت الغابات مظلمة مرقطة بالثلج وتُرى على نحو غير واضح وسط جو غائم ومطر خفيف. غير أننا كنا محظوظين بمرورنا بيومين صحوين. في أحدهما بدا جبل سارمينتو، وهو جبل بعيد يصل ارتفاعه إلى ٦٨٠٠ قدم في مشهد مهيب للغاية. كثيرًا ما كنت أندهش وسط الطبيعة في أرض النار من الارتفاع الطفيف الظاهري في جبال شاهقة بالفعل. أعتقد أن هذا يرجع إلى سبب لا يمكن تصوره في البداية، وتحديدًا أن كتلة الجبل بأكملها من القمة حتى حافة المياه تكون عادة ظاهرة بالكامل. أتذكر رؤيتي لجبل لأول مرة من قناة البيجل؛ حيث كان ظاهرًا بالكامل على امتداده من القمة وحتى القاعدة، ثم من مضيق بونسونبي عبر عدة قمم متتالية؛ وكان من الغريب ملاحظة مدى زيادة ارتفاع الجبال في الحالة الأخيرة؛ إذ كانت كل قمةٍ جديدة تمنح وسيلة جديدة لتحديد المسافة.

قبل الوصول لبورت فامين، شوهد رجلان يركضان عبر الساحل ويلوحان إلى السفينة، وبالفعل أُرسِل قارب لهما. اتضح أنهما بحاران هربا من سفينة لصيد الفُقْمة وانضما لهنود باتاجونيا. عاملهما هؤلاء الهنود بضيافتهم الفاترة المعتادة. كانا قد انفصلا عن مجموعتهما بالخطأ، ثم واصلا طريقهما متجهين إلى بورت فامين على أمل العثور على سفينة ما. يمكنني القول إنهما كانا متشردين بلا قيمة، لكني لم أرَ من قبل من هم أكثر بؤسًا منهما؛ فقد ظلَّا لأيامٍ يعيشان على المحار والثمار وكانت ملابسهما الممزقة محترقة بسبب النوم على مقربة شديدة من النار التي كانا يشعلانها. كانا معرضين ليل نهار للعواصف القوية المتتالية التي هبَّت مؤخرًا مصحوبة بالمطر والثلج وندف البرد دون أي مأوًى يحميهما، ومع ذلك كانا في صحة جيدة.

figure
بولاس هنود باتاجونيا.

خلال إقامتنا في بورت فامين، جاء الفوجيون مرتين وهاجمونا. ونظرًا لوجود الكثير من الأدوات والملابس والرجال على الشاطئ، كان من الضروري إخافتهم ليبتعدوا. في المرة الأولى أُطلقت بعض المدافع الضخمة وكانوا على مسافة بعيدة. كان من المضحك رؤية الهنود من خلال منظار، عندما كانت الضربات تصيب الماء، وهم يلتقطون الأحجار ويرمونها تجاه السفينة بتحدٍّ وجرأة رغم أنها على بعد ميل ونصف! بعد ذلك أُرسِل قارب بأوامر لإطلاق النار من بنادق بعيدًا عنهم. اختبأ الفوجيون وراء الأشجار، وكانوا يطلقون سهامهم في كل مرة تُطلَق فيها النار من البنادق لكنها جميعًا سقطت بعيدًا عن القارب وكان الضابط يضحك وهو يشير إليهم، ما أدى لإثارة جنون الفوجيين من شدة الغضب وأخذوا يهزون عباءاتهم في غضب بلا طائل. في النهاية، بعد أن رأَوا الكرات تصطدم بالأشجار وتتحطم، فروا وتركونا في هدوء وسلام. خلال الرحلة السابقة، كان الفوجيون هنا مثيرين للمشاكل إلى حد كبير ولإخافتهم أُطلِق صاروخ ليلًا فوق أكواخهم وكانت النتيجة فعالة، وأخبرني أحد الضباط أن الضجيج الذي حدث في البداية ونباح الكلاب كانا مثيرين للضحك إلى أقصى حد مقارنة بالصمت المطبق الذي ساد المكان بعد ذلك بدقيقة أو اثنتين. في صباح اليوم التالي لم يكن ثمة أثر لهندي واحد في الجوار.

figure
غليون ومنخس من باتاجونيا.

عندما وصلت البيجل هنا في شهر فبراير، انطلقت في الرابعة من صباح أحد الأيام لصعود جبل تارن الذي يبلغ ارتفاعه ٢٦٠٠ قدم ويعد أعلى نقطة في هذه المنطقة. ذهبنا في قارب إلى سفح الجبل (لكن لسوء الحظ لم يكن أفضل جزء) ثم بدأنا صعودنا. تبدأ الغابة عند خط ذروة ارتفاع الماء وخلال أول ساعتين فقدت أي أمل في الوصول للقمة. كانت الغابة كثيفة للغاية حتى إنه كان من الضروري اللجوء للبوصلة باستمرار؛ فقد كانت نقاط الاستدلال، رغم كوننا في منطقة جبلية، مخفية تمامًا. كان المشهد المقفر الذي يشبه الموت في الوهاد العميقة يفوق أي وصف؛ ورغم أن عاصفة ريح شديدة كانت تهب بالخارج، لكن داخل هذه التجاويف لم يكن هناك أقل نفخة من الهواء قادرة على هز أوراق أطول الأشجار. كان كل جزء من الغابة مظلمًا وباردًا ورطبًا، ولم يكن يمكن حتى للفطريات أو الطحالب أو السراخس النمو والازدهار بها. في الوديان كان من الصعب المضي قدمًا؛ إذ كانت مسدودة تمامًا بجذوع ضخمة متعفنة انهارت من كل اتجاه. عند اجتياز هذه الجسور الطبيعية، غالبًا ما يعاق مسارك بالغوص حتى الركبة في الأشجار المتعفنة؛ وفي أوقات أخرى عند محاولة الاستناد على شجرة تظن أنها متينة، تفاجأ بالعثور على كتلة من العفن على أهبة الاستعداد للسقوط بأقل لمسة. في النهاية وجدنا أنفسنا بين الأشجار القصيرة التي توقَّف نموها ثم وصلنا بعد قليل إلى نتوء جبلي عارٍ أوصلنا إلى القمة. هنا كان ثمة منظرٌ مميزٌ لأرض النار عبارة عن سلاسل غير منتظمة من التلال مرقشة برقع من الثلج ووديان عميقة خضراء ضاربة إلى الصفرة وألسنة من البحر تقطع الأرض في اتجاهات عديدة. كانت الريح القوية قارصة البرودة، وكان الجو غائمًا إلى حد ما؛ لذا لم نمكث طويلًا على قمة الجبل. لم يكن نزولنا شاقًّا كرحلة الصعود؛ لأن وزن الجسد كان يشق مسارًا وكانت كل الزلات والانزلاقات في الاتجاه الصحيح.

•••

ذكرت بالفعل من قبل الطابع الكئيب والممل للغابات الدائمة الخضرة٣ حيث ينمو نوعان أو ثلاثة من الأشجار فقط. فوق أرض الغابة، يوجد العديد من النباتات الألبية القصيرة والتي تنبثق جميعًا من كتلة الخث وتساهم في تكوينها. وهذه النباتات مميزة للغاية بسبب ارتباطها الوثيق بالنوع الذي ينمو على جبال أوروبا، على الرغم من أن الكثير منها يقع على بعد آلاف الأميال. يعتبر الجزء الأوسط من أرض النار، حيث تتكون صخور الأردواز الطينية، هو أكثر الأجزاء المفضلة لنمو الأشجار؛ فعلى الساحل الخارجي لا تتيح التربة الجرانيتية الأقل جودة، والذي يعد موقعًا أكثر عرضة للرياح العنيفة، لهذه الأشجار الوصول لأي حجم كبير. بالقرب من بورت فامين رأيت أشجارًا كبيرة أكثر مما رأيت في أي مكان آخر؛ فقد قمت بقياس شجرة لحاء الشتاء ووجدت محيطها ٤ أقدام و٦ بوصات، وكان هناك العديد من أشجار الزان يصل محيطها حتى ١٣ قدمًا. يذكر الكابتن كينج كذلك شجرة زان كان قطرها ٧ أقدام، ويبلغ قطرها فوق الجذور مباشرة إلى ١٧ قدمًا.
figure
فطر كيتاريا دارويني.
ثمة نوع من النباتات يستحق الذكر بسبب أهميته كغذاء بالنسبة إلى الفوجيين. إنه فطر دائري ذو لون أصفر زاهٍ ينمو بأعداد كبيرة على أشجار الزان. عندما يكون صغيرًا يكون طريًّا ومنتفخًا وذا سطح ناعم، لكن عندما ينضج ينكمش ويصبح أقسى ويتخلل سطحه تجاويف عميقة كخلية النحل كما هو مبين في الصورة. ينتمي هذا الفطر لجنس جديد ومثير للاهتمام؛٤ وقد وجدت نوعًا آخر يعيش على نوع آخر من أشجار الزان في تشيلي. ويخبرني الدكتور هوكر أنه مؤخرًا اكتُشِف نوع ثالث يعيش فوق نوع ثالث من أشجار الزان في جزيرة فان ديمنزلاند. كم هي غريبة العلاقة بين الفطريات الطفيلية والأشجار التي تنمو عليها في أماكن نائية من العالم! يُجمَع الفطر في أرض النار بكميات كبيرة عندما يكون قاسيًا وناضجًا بواسطة النساء والأطفال ويؤكَل نيئًا، وله مذاق صمغي حلو قليلًا وله رائحة قريبة من رائحة عش الغراب. باستثناء بعض الثمار، وعلى رأسها ثمار القطلب الصغير، لا يتناول السكان الأصليون أي أطعمة نباتية باستثناء هذا الفطر. في نيوزلندا، قبل دخول البطاطس، كانت جذور السرخس تُستَهلك بكميات كبيرة؛ وفي الوقت الحاضر، وكما أعتقد، فإن أرض النار هي المكان الوحيد في العالم الذي يمثل فيه نباتٌ عديم الزهور والبذور غذاءً ثابتًا.

كانت الحياة الحيوانية في أرض النار، كما قد يُتوقع من طبيعة المناخ والنباتات، فقيرةً للغاية. فمن الثدييات، وبخلاف الحيتان والفقمات، يوجد خفاش واحد ونوع من الجِرْذان (من فصيلة قوارض الشنشيلا ذات الأخاديد المسننة)، وفأران أصليان، وقارض يشبه إلى حد كبير أو يطابق التوكو توكو ونوعان من الثعالب (الثعلب الماجلاني وثعلب أزارا أو ثعلب البامباس)، وثعلب ماء وجوناق وأيل. يسكن معظم هذه الحيوانات في الأجزاء الشرقية الأكثر جفافًا من البلاد فقط، ولم يُشاهد الأيل قط جنوب مضيق ماجلان. بالنظر إلى التطابق العام بين أجراف الحجر الرملي الناعم والطين والحصى على الجانبين المتقابلين للمضيق، وعلى بعض الجزر بينهما، يميل المرء للاعتقاد بشدة أن هذه الأرض كانت يومًا ما كتلة واحدة، وهو ما سمح لحيوانات ضعيفة جدًّا مثل التوكو توكو والجِرْذان ذات الأخاديد المسننة بالعبور، لكن التطابق بين الأجراف بعيد كل البعد عن إثبات وجود أي اتصال بين الجانبين؛ لأن مثل هذه الأجراف عادة ما تتكون عن طريق التداخل بين الرواسب المنحدرة والتي تراكمت، قبل ارتفاع الأرض، بالقرب من السواحل الموجودة آنذاك. مع ذلك، فإنها مصادفة لافتة للنظر أن هاتين الجزيرتين الكبيرتين اللتين تفصلهما قناة البيجل عن بقية أرض النار، إحداهما بها أجراف مؤلفة من مادة يمكن تسميتها الطمي الطباقي والتي تقابلها أجراف مشابهة على الجانب الآخر من القناة؛ بينما يحد الأخرى صخور بلورية قديمة؛ في الأولى المسماة بجزيرة نافارين، يوجد ثعالب وجوناق، بينما في الأخرى، وتعرف باسم جزيرة هوست، ورغم أنها تشبهها في كل شيء، ويفصل بينهما قناة يزيد عرضها على نصف ميل بقليل، فقد أكد لي جيمي بتون أن كلا الحيوانين غير موجودين فيها.

كانت الغابات المعتمة الكئيبة مأهولة بالقليل من الطيور، وقد يُسمَع بين الحين والآخر صوت عصفور الملك ذي الخصلة البيضاء الذي يختبئ بالقرب من قمة أكثر الأشجار ارتفاعًا وكذلك الصيحة العالية الغريبة لنقار خشب أسود ذي عرف قرمزي جميل فوق رأسه، وإن كان على نحو أكثر ندرة. يتواثب طائر نمنمة صغير الحجم ذو لون قاتم (التابوكولو الماجلاني) بأسلوب تسللي بين كتلة متشابكة من الجذوع المتساقطة والمتحللة، لكن يعتبر طائر متسلق الشجر هو أكثر الطيور شيوعًا في المنطقة. فيمكن العثور عليه عبر أنحاء غابات أشجار الزان أعلاها وأسفلها وفي أكثر الوهاد الشديدة الظلام والرطوبة التي لا يمكن اختراقها. لا شك أن هذا الطائر الصغير يبدو أكثر عددًا ووفرة مما هو عليه بالفعل بسبب عادته في تتبع أي شخص يدخل هذه الغابات الصامتة بفضول واضح؛ وهو يصدر تغريدًا أجش باستمرار ويرفرف من شجرة إلى أخرى على بُعد أقدام من وجه المتطفل. وهذا بعيد كل البعد عن الاختفاء البسيط لمتسلق الأشجار الأصلي الشائع، كما أنه لا يتسلَّق جذوع الأشجار مثله، لكنه يقوم، مثل نمنمة أشجار الصفصاف، بالوثب والبحث عن الحشرات فوق كل غصن وفرع بدأب. في الأجزاء الأكثر انفتاحًا، يوجد ثلاثة أو أربعة أنواع من عصفور الدوري وطائر سمنة وطائر زرزور (أو الأقطروس) ونوعان من فصيلة الفرناريات، والعديد من الصقور والبوم.

يعد غياب أي نوع أيًّا ما كان من فئة الزواحف بالكامل سمة ملحوظة في الحياة الحيوانية لهذه المنطقة وكذلك في جزر الفوكلاند. ولا أبني هذا التصريح على ملاحظاتي فحسب، بل سمعتها من السكان الإسبان للأخيرة وجيمي بتون فيما يتعلق بأرض النار. على ضفاف نهر سانتا كروز، خمسين درجة جنوبًا، رأيت ضفدعًا وليس مستبعدًا العثور على هذه الحيوانات، بالإضافة إلى السحالي، بالاتجاه جنوبًا حتى مضيق ماجلان حيث تحتفظ المنطقة بسمات باتاجونيا، لكن لا يوجد أي منها داخل الحدود الباردة الرطبة لأرض النار. ربما كان من المتوقع أن المناخ لن يكون مناسبًا لبعض الرتب مثل السحالي، لكن فيما يتعلق بالضفادع، لم يكن هذا واضحًا للدرجة.

توجد الخنافس بأعداد قليلة جدًّا؛ وقد مضى وقتٌ طويل قبل أن أصدق أن بلدًا كبيرًا مثل اسكتلندا مغطى بالمحاصيل ومجموعة متنوعة من المراعي يمكن أن يكون عقيمًا لهذا الحد. كانت القلة التي وجدتها من أنواع ألبية (الخُنْفَساء القيثارية الأرضية والهيتروميدا) تعيش تحت الصخور. أما خُنْفَساء الأوراق المميزة التي تتغذى على النباتات، والتي تعد سمة بارزة للغاية للمناطق الاستوائية، فليس لها وجود تقريبًا هنا؛٥ كما رأيت القليل جدًّا من الذباب أو الفراشات أو النحل ولم أرَ أيًّا من صرصار الليل أو مستقيمات الأجنحة. وجدتُ في برك الماء القليل من الخنافس المائية ولم أجد أيًّا من قواقع المياه العذبة؛ ربما يبدو حلزون الكهرمان استثناءً في البداية، لكنه هنا لا بد أن يُسمى قوقعة أرضية؛ لأنه يعيش على الأعشاب الرطبة بعيدًا عن الماء. كان يمكن الحصول على القواقع البرية في نفس المواقع الألبية مع الخنافس. وقد قارنتُ بالفعل بين المناخ والشكل العام لأرض النار وباتاجونيا وكان الفارق واضحًا بقوة في الحشرات. لا أعتقد أن كلا المكانين يحوي نوعًا مشتركًا من الحشرات، وبالتأكيد فإن السمة العامة للحشرات مختلفة إلى حد بعيد.
إذا تحولنا من اليابسة إلى البحر، فسنجد الأخير زاخرًا بوفرة بالكائنات الحية بينما الأولى فقيرة جدًّا منها. في كل أنحاء العالم، قد يُؤْوي شاطئ صخري ومحمي جزئيًّا عددًا أكبر من الحيوانات الفردية، في مساحة ما، أكثر من أي مكان آخر. وثمة نبات بحري يستحق تأريخًا خاصًّا نظرًا لأهميته، وهو عشب البحر العملاق (أو ماكروكايتس بيريفيرا). ينبت هذا النبات فوق كل صخرة من حد المياه الضحلة حتى عمق كبير على كلٍّ من الساحل الخارجي وداخل القنوات.٦ أعتقد أنه خلال رحلات سفينتَيِ البيجل وأدفنتشر، لم تُكتَشَف صخرة بالقرب من سطح الماء لم تكن طافية بسبب هذا النبات الطافي؛ لذا فإن الخدمة الجليلة التي يسديها للسفن التي تبحر بالقرب من هذه الأرض الكثيرة العواصف واضحة، وبالتأكيد أنقذ الكثير منها من التحطم. أعرف القليل مما يمكن أن يكون مثيرًا للدهشة أكثر من رؤية هذا النبات ينمو ويزدهر وسط تلك الأمواج العظيمة للمحيط الغربي، والتي لا يمكن أن تقاومها أي صخور مهما كانت صلابتها لفترة طويلة. تتميز الساق بأنها دائرية ولزجة وملساء ونادرًا ما يزيد قطرها عن البوصة. عند أخذ بعض منها معًا، فإنها تكون بالقوة الكافية لتحمل وزن أحجار كبيرة مفتتة تنمو ملتصقة بها في القنوات الداخلية، ومع ذلك كان بعض تلك الأحجار ثقيلًا جدًّا حتى إنها عندما تُسحب إلى السطح، لا يمكن رفعها بسهولة إلى داخل قارب بواسطة شخص واحد. يقول الكابتن كوك في رحلته الثانية إن هذا النبات في جزر كيرجولين ينبت من عمق يزيد عن ٢٤ قامة، «ولا ينمو في اتجاه عمودي لكنه يصنع زوايا حادة جدًّا مع القاع وبعد ذلك ينتشر جزء كبير منه لعدة قامات فوق سطح البحر، ويمكنني القول إن بعضه ينمو ليصل طوله إلى ٦٠ قامة أو يزيد.» لا أعتقد أن ثمة ساقًا لأي نبات آخر تبلغ هذا الطول الفارع الذي يصل إلى ٣٦٠ قدمًا كما قال الكابتن كوك. بالإضافة إلى ذلك، فقد وجده الكابتن فيتزروي ينمو٧ من عمق أكبر يصل إلى ٤٥ قامة. تصنع المسطحات المكونة من هذا الطحلب، حتى لو لم تكن ذات عرض كبير، مصدات طبيعية طافية ممتازة للأمواج. من المثير للفضول للغاية مشاهدة كيف أن الأمواج القادمة من عرض البحر، في ميناء مفتوح، سرعان ما تقل في الارتفاع، أثناء مرورها بين السيقان الشاردة المنتشرة، وتتحول إلى مياه هادئة.

إن عدد الكائنات الحية من كل الرتب، التي يعتمد وجودها بشكل كبير على الطحلب العملاق، مدهش. يمكن كتابة مجلدات في وصف سكان أحد هذه المسطحات من الطحلب. تُغطَّى كل الأوراق تقريبًا، فيما عدا تلك التي تطفو فوق السطح، بطبقة سميكة من الطحالب المرجانية مما يمنحها لونًا أبيض. نجد تركيبات هشة للغاية بعضها يسكنه سلائل بسيطة تشبه الهيدرا بينما يسكن الأخرى أنواع أكثر تنظيمًا وكيسيات مركبة جميلة المنظر. كذلك تلتصق بالأوراق العديد من القواقع الرضفية الشكل، وحلزونات التروكيتا ورخويات مكشوفة وبعض ثنائيات الأصداف. كذلك ينتشر عدد لا يحصى من القِشْرِيَّات على كل جزء من النبات. عند هز الجذور الضخمة المتشابكة، تخرج منها كومة من الأسماك الصغيرة والقواقع والحبَّار والسلطعون من كل الأنواع وقنافذ البحر ونجمة البحر وخيار البحر جميل المنظر والديدان المستورقة المفلطحة وحيوانات زاحفة حلقية بأشكال عديدة. في أغلب الأوقات عندما كنت أعود لفرع من الطحلب، لم أتوقف قط عن اكتشاف كائنات ذات تراكيب جديدة ومثيرة للاهتمام. في جزيرة شيلوي، حيث لا يزدهر الطحلب جيدًا، يغيب العديد من القواقع والطحالب المرجانية والقِشْرِيَّات، لكن يبقى بعض من الحزازيات وبعض الكيسيات المركبة وإن كانت الأخيرة من نوع مختلف عن تلك التي توجد في أرض النار؛ فنرى أن طحالب الفوقس هنا تملك نطاقًا أكبر من الحيوانات التي تستخدمها كمسكن. لا يمكنني مقارنة هذه الغابات المائية الضخمة في نصف الكرة الأرضية الجنوبي إلا بالغابات البرية في المناطق بين المدارية. ومع ذلك إذا دُمرَت غابة في أي بلد، لا أعتقد أن عددًا كبيرًا من الحيوانات سيفنى مثلما سيحدث هنا جراء تدمير الطحلب. فوسط أوراق هذا النبات تعيش العديد من أنواع الأسماك التي لا يمكنها أن تجد أي غذاء أو ملاذ في أي مكان آخر؛ وبفناء هذه الأسماك ستفنى العديد من الغاقيات وغيره من الطيور صائدة السمك، والقضاعة والفُقْمة وخنزير البحر عما قريب أيضًا، وفي النهاية سيضاعف الفوجي الهمجي، السيد البائس لهذه الأرض البائسة، من تناول لحم بني جنسه وستقل أعداده وربما يفنى.

•••

«٨ يونيو»، رفعنا المرساة من قاع الماء في وقت مبكر من الصباح وغادرنا بورت فامين. عزم الكابتن فيتزروي على مغادرة مضيق ماجلان عن طريق قناة ماجدالين المكتشفة حديثًا. كان مسارنا يتجه جنوبًا عبر ذلك الممر المظلم الذي أشرت إليه من قبل واصفًا إياه بأنه يبدو كما لو كان يؤدي لعالم آخر أكثر سوءًا. كانت الريح معتدلة، لكن الجو كان ضبابيًّا للغاية؛ حتى إننا لم نرَ الكثير من المشاهد اللافتة للانتباه. كانت السحب المظلمة غير المنتظمة تمر بسرعة فوق الجبال وتغطيها من القمم تقريبًا وحتى القواعد. كانت اللمحات التي رأيناها من خلال هذه الكتلة المعتمة، والتي تُرى من مسافات وارتفاعات مختلفة، مثيرة جدًّا مثل القمم الحادة والمخاريط الثلجية والأنهار الجليدية الزرقاء وحدود كفافية واضحة للغابة، كل ذلك يتضح بجلاء قبالة سماء متوهجة كالنار ومرعبة. وسط هذه المشاهد رسونا في رأس ترن بالقرب من جبل سارمينتو الذي كان مختفيًا وسط السحب. كان هناك كوخ ويجوام مهجور عند سفح الجوانب العالية شبه العمودية لشرمنا الصغير، وكان كفيلًا وحده بأن يذكرنا بأن البشر أحيانًا ما يهيمون حتى يصلوا لهذه المناطق المقفرة، لكن سيكون من الصعب تصور مشهد يمتلك فيه حقوقًا أو سلطة أقل. كانت أعمال الطبيعة الجامدة — الصخور والثلج والرياح والمياه التي تتصارع جميعًا فيما بينها لكنها تتحد ضد البشر — تحكم المشهد بسلطة مطلقة.

•••

«٩ يونيو»، في الصباح سعدنا برؤية غطاء من الضباب ينزاح تدريجيًّا من الجبل ويُظهره لنا. يبلغ ارتفاع هذا الجبل، والذي يعد أحد أعلى جبال أرض النار، ٦٨٠٠ قدم، وقاعدته، التي يبلغ ارتفاعها ثمن ارتفاعه الكلي، مغطاة بالغابات المظلمة، وفوقها يمتد نطاق من الجليد حتى القمة. كانت هذه الأكوام الضخمة من الثلج، الذي لا يذوب أبدًا، ويبدو أنه مقدر له أن يظل هكذا طالما ظل العالم موجودًا، يشكل مشهدًا رائعًا ومهيبًا. فكان الحد الخارجي للجبل واضحًا ومحددًا على نحو رائع. وبسبب وفرة الضوء المنعكس من على السطح الأبيض المتلألئ، لم يكن هناك ظلال واقعة على أي جزء منه وتلك الخطوط المتقاطعة مع السماء كان يمكن تمييزها بوضوح مما جعل الجبل بارزًا وواضح المعالم إلى أقصى حد. كانت هناك العديد من الأنهار الجليدية تهبط في مسار متعرج من الغطاء الثلجي العلوي حتى شاطئ البحر ويمكن تشبيهها بشلالات نياجرا العظمى عندما تتجمد وربما تكون هذه الشلالات من الثلج الأزرق في نفس جمال الأنهار ذات المياه المتحركة. بحلول الليل، وصلنا للجزء الغربي من القناة، لكن المياه كانت عميقة لدرجة أننا لم نتمكن من العثور على أي مرسى؛ لذا اضطررنا إلى الوقوف بعيدًا عن الشاطئ في هذا اللسان البحري الضيق خلال ليلة حالكة السواد لمدة ١٤ ساعة.

•••

«١٠ يونيو»، في الصباح شققنا طريقنا بنجاح إلى عرض المحيط الهادي. يتألف الساحل الغربي عمومًا من تلال منخفضة دائرية الشكل مجدبة تمامًا من الجرانيت والحجر الأخضر. وقد أطلق السير جيه ناربره على أحد أجزائه «ساوث ديسوليشن» (بمعنى الجنوب المقفر)؛ لكونه «أرضًا مقفرة لدرجة لا تسر العين»، وربما كان محقًّا بالفعل. خارج الجزر الرئيسة، يوجد عدد لا يحصى من الصخور المتناثرة التي تشن عليها الأمواج الطويلة القادمة من عرض المحيط غارات متواصلة. مررنا بين جزر الفيوريز الشرقية والغربية، وبالاتجاه إلى الشمال قليلًا يوجد الكثير من الصخور التي تتكسر عليها الأمواج حتى إن البحر يسمى «الطريق اللبني». نظرة واحدة لهذا الشاطئ كافية لأن تجعل من يعيش على اليابسة يحلم لأسبوع كامل بالسفن المتحطمة والخطر والموت؛ وكان هذا آخر مشهد نراه قبل أن نودع أرض النار للأبد.

سأناقش في الجزء التالي المناخ في الأجزاء الجنوبية من القارة وعلاقته بمزروعاتها، وخط الثلج الدائم، والانحدار البالغ الانخفاض للأنهار الجليدية، ومنطقة التجمد الدائم في الجزر القطبية الجنوبية، فإذا لم تكن مهتمًّا بهذه الموضوعات الشيقة، يمكنك تجاوز هذا الجزء أو الاكتفاء بقراءة الملخص النهائي. غير أن ما سأقدمه هنا هو موجز فقط، وإذا أردت التفاصيل، فعليك الرجوع إلى الفصل الثالث عشر وملحق الطبعة السابقة من هذا الكتاب.

«عن المناخ والمزروعات في أرض النار والساحل الجنوبي الغربي»: يوضح الجدول التالي متوسط درجة الحرارة في أرض النار وجزر الفوكلاند ومثيلاتها في دبلن بغرض المقارنة:

دائرة العرض درجة الحرارة في الصيف درجة الحرارة في الشتاء متوسط درجة الحرارة في الصيف والشتاء
أرض النار ٥٣ درجة ٣٨ دقيقة جنوبًا ٥٠ درجة ٣٣٫٠٨ درجة ٤١٫٥٤ درجة
جزر الفوكلاند ٥١ درجة ٣٠ دقيقة جنوبًا ٥١ درجة
دبلن ٥٣ درجة ٢١ دقيقة شمالًا ٥٩٫٥٤ درجة ٣٩٫٢٠ درجة ٤٩٫٣٧ درجة
إذن نرى أن الجزء الأوسط من أرض النار أبرد في الشتاء من دبلن ويقل عنها حرارة صيفًا بما لا يقل عن ٩٫٥ درجات. وبحسب فون بوخ، فإن متوسط درجة الحرارة في يوليو (وهو ليس أشد شهور السنة حرارة) في سالتينفيورد في النرويج يصل إلى ٥٧٫٨ درجة، وهذا المكان في الواقع أقرب بمقدار ١٣ درجة إلى القطب عن بورت فامين!٨ ورغم أن هذا المناخ يبدو غير مناسب لنا، فإن الأشجار الدائمة الخضرة تزدهر فيه بوفرة. ربما تُشاهَد طيور الطنان في دائرة عرض ٥٥ درجة جنوبًا ترتشف رحيق الزهور، وببغاوات تتغذى على بذور شجر لحاء الشتاء. وقد أشرتُ بالفعل إلى أي درجة يزخر البحر بالكائنات الحية، وأن القواقع — مثل رضفية الشكل والبطلينوس وعديدات الأصداف والبرنقيل — وفقًا للسيد جي بي سوربي ذات حجم أكبر بكبير ونموها أقوى من الأنواع المماثلة في نصف الكرة الأرضية الشمالي. ثمة حلزون فولتا ضخم يكثر وجوده في جنوب أرض النار وجزر الفوكلاند. أما في باهيا بلانكا، في دائرة عرض ٣٩ درجة شمالًا، فإن أكثر القواقع انتشارًا هي ثلاثة أنواع من الأوليفا (أحدها ضخم) ونوع أو اثنان من حلزون الفولتا وحلزون البريمة أو الثاقب. تعتبر هذه من بين أفضل الأشكال الاستوائية المميزة. من غير المؤكد إذا ما كان هناك حتى نوع صغير من الأوليفا على السواحل الجنوبية لأوروبا، بينما لا يوجد أي نوع من الجنسين الآخرين. وإذا وجد جيولوجي في دائرة عرض ٣٩ درجة على ساحل البرتغال قاعًا يحوي العديد من القواقع من أنواع الأوليفا الثلاثة، فمن المحتمل أن يجزم أن المناخ في حقبة وجودها لا بد أنه كان استوائيًّا؛ إلا أن مثل هذا الاستنتاج قد يكون خاطئًا عندما يتعلق بأمريكا الجنوبية.
كان المناخ الرطب العاصف الذي لا يشهد تغيرات كثيرة لأرض النار يمتد، مع زيادة طفيفة في الحرارة، لدرجات عديدة على طول الساحل الغربي للقارة. تتميز الغابات على امتداد ٦٠٠ ميل شمال رأس هورن بطابع مشابه للغاية. وكدليل على استقرار المناخ، حتى لمسافة ٣٠٠ أو ٤٠٠ ميل أبعد إلى الشمال، يمكنني أن أذكر أنه في شيلوي (التي تتطابق في دائرة العرض مع الأجزاء الشمالية من إسبانيا) نادرًا ما تنتج أشجار الدُّرَّاق ثمارًا بينما تزدهر أشجار الفراولة والتفاح تمامًا. حتى محاصيل الشعير والقمح٩ غالبًا ما تُحضَر للمنازل لتُجفف وتنضج. في فالديفيا — التي تقع في نفس دائرة عرض ٤٠ درجة مع مدريد — ينضج العنب والتين لكن لا يشيع وجودهما؛ ونادرًا ما ينضج الزيتون ولو جزئيًّا، بينما لا ينضج البرتقال مطلقًا. من المعروف أن هذه الثمار، في دوائر العرض المقابلة في أوروبا، تنضج نضجًا كاملًا؛ وحتى في هذه القارة، في ريو نيجرو، تحت نفس الخط الموازي لفالفيديا تقريبا، تُزرَع البطاطا الحلوة، كما تنتج أشجار العنب والتين والزيتون والبرتقال والبطيخ والشمام ثمارًا وافرة. ورغم أن المناخ الرطب والمستقر في شيلوي، وكذلك مناخ الساحل الشمالي والجنوبي لها، غير مناسب تمامًا للثمار، فإن الغابات الأصلية من دائرة عرض ٤٥ درجة وحتى ٣٨ درجة، تباري في نمائها الوافر تلك المناطق بين المدارية المتوهجة. والأشجار المهيبة المنظر من أنواع عدة، ذات اللحاء الأملس والملون، محملة بنباتات طفيلية أحادية الفلقة؛ كما يكثر وجود السراخس الكبيرة والجميلة الشكل، والحشائش المتشجرة تجعل الأشجار كتلة واحدة متداخلة يبلغ ارتفاعها ٣٠ أو ٤٠ قدمًا فوق الأرض. تنمو أشجار النخيل في دائرة عرض ٣٧ درجة، ونوع من الحشائش المتشجرة يشبه الخيزران إلى حد كبير في دائرة عرض ٤٠ درجة، كما يوجد نوع آخر قريب جدًّا وطويل للغاية لكنه غير منتصب يزدهر جنوبًا عند دائرة عرض ٤٥ جنوبًا.
يبدو أن المناخ الثابت، الذي يرجع إلى كبر مساحة البحر مقارنة باليابسة، يمتد ليشمل الجزء الأكبر من نصف الأرض الجنوبي؛ ونتيجة لذلك، تتشارك النباتات سمة شبه استوائية. يزدهر السرخس الشجري بوفرة في جزيرة فان ديمنزلاند (في دائرة عرض ٤٥ درجة) وقمت بقياس جذع إحداها وكان محيطه لا يقل عن ست أقدام. كان هناك سرخس متشجر عثر عليه فورستر في نيوزلندا في دائرة عرض ٤٦ درجة حيث تنمو النباتات السحلبية متطفلة على الأشجار. في جزر أوكلاند، كما يقول الدكتور ديفينباخ،١٠ يكون لنبات السرخس جذوع سميكة للغاية ومرتفعة حتى إنه قد يسمى السرخس الشجري؛ وفي هذه الجزر، وحتى مع الاتجاه جنوبًا حتى دائرة عرض ٥٥ درجة في جزر ماكواري توجد الببغاوات بكثرة.

«عن ارتفاع خط الثلج الدائم وانحدار الأنهار الجليدية في أمريكا الجنوبية»: بالنسبة إلى تفاصيل الجدول التالي، يجب الرجوع للطبعة السابقة:

دائرة العرض ارتفاع خط الثلج بالأقدام المراقب
المنطقة الاستوائية: متوسط النتيجة. ١٥٫٧٤٨ همبولت
بوليفيا، دائرة عرض ١٦ إلى ١٨ درجة جنوبًا. ١٧٠٠٠ بينتلاند
وسط تشيلي، دائرة عرض ٣٣ درجة جنوبًا. ما بين ١٤٥٠٠ و١٥٠٠٠ جيليز والمؤلف
شيلوي، من دائرة عرض ٤١ درجة حتى ٤٣ درجة جنوبًا. ٦٠٠٠ طاقم ضباط البيجل والمؤلف
أرض النار، دائرة عرض ٥٤ درجة جنوبًا. ما بين ٣٥٠٠ و٤٠٠٠ كينج
وبما أن ارتفاع مستوى الجليد الدائم يحدده بشكل أساسي فيما يبدو الحرارة الشديدة للصيف وليس متوسط درجة حرارة العام، يجب ألا نتفاجأ بهبوطه في مضيق ماجلان، حيث الصيف بارد جدًّا، إلى ٣٥٠٠ أو ٤٠٠٠ قدم فقط فوق سطح البحر؛ رغم أنه في النرويج، يجب أن نسافر بين دائرتي عرض ٦٧ درجة و٧٠ درجة شمالًا وهو ما يعني ١٤ درجة أقرب للقطب الشمالي لرؤية جليد دائم عند هذا المستوى المنخفض. إن الفرق في الارتفاع، الذي يصل تحديدًا إلى ٩٠٠٠ قدم، بين خط الثلج فوق الجبال وراء شيلوي (حيث يتراوح ارتفاع أعلى قممها بين ٥٦٠٠ و٧٥٠٠ قدم فقط) وبين وسط تشيلي١١ (أي مسافة ٩ درجات عرض فقط) مدهش حقًّا. تختفي الأرض من جنوب شيلوي وحتى كونسبسيون (دائرة عرض ٣٧ درجة) وراء غابة كثيفة يتساقط منها قطرات الماء بفعل الرطوبة. أما السماء فتكون غائمة، وقد رأينا مدى سوء نضج فواكه جنوب أوروبا. أما في وسط تشيلي، إلى الشمال قليلًا من كونسبسيون، فعادة ما تكون السماء صافية ولا يهطل المطر على مدى شهور الصيف السبعة وتنضج فواكه جنوب أوروبا على نحو مبهر، حتى إنه تمت زراعة قصب السكر.١٢ لا شك أن سطح الجليد الدائم يمر بخط الانثناء العلوي الملحوظ الذي يبلغ ارتفاعه ٩٠٠٠ قدم، والذي لا يوجد مثيل له في أجزاء أخرى من العالم، ولا يقع بعيدًا عن دائرة العرض الذي تقع فيها كونسبسيون حيث تختفي أشجار الغابات التي تغطي الأرض؛ لأن الأشجار في أمريكا الجنوبية تشير إلى مناخ مطير وسماء ممطرة مليئة بالسحب وحرارة طفيفة في الصيف.
figure
مضيق إير.
أتصور أن هبوط الأنهار الجليدية إلى البحر يعتمد بالأساس (وهو أمرٌ يخضع بالطبع إلى وجود الكم المناسب من الثلج في المنطقة العليا) على انخفاض خط الثلج الدائم فوق الجبال الشديدة التحدُّر بالقرب من الساحل. وبما أن خط الثلج منخفضٌ للغاية في أرض النار، كان يمكننا توقع أن العديد من أنهار الجليد قد وصلت إلى البحر. مع ذلك دُهشت عندما رأيت لأول مرة سلسلة جبال يبلغ ارتفاعها ما بين ٣٠٠٠ و٤٠٠٠ قدم فقط في دائرة عرض كمبرلاند، وكل وادٍ مليء بجداول من الجليد تهبط إلى سطح البحر. كان كل لسان من البحر تقريبًا يخترق السلسلة الداخلية الأكثر ارتفاعًا، ليس فقط في أرض النار بل على الساحل لمسافة ٦٥٠ ميلًا شمالًا، ينتهي ﺑ «أنهار جليدية ضخمة ومدهشة» على حسب وصف أحد ضباط المسح. كثيرًا ما تتساقط كتل ضخمة من الثلج من هذه الأجراف الثلجية ويدوي صوت الارتطام ليكون أشبه باصطدام جانب بارجة بحرية عبر القنوات المهجورة. هذا التساقط كما لاحظنا في الفصل السابق يؤدي لحدوث أمواج كبيرة تنكسر على السواحل المجاورة. من المعروف أن الزلازل تتسبب كثيرًا في سقوط كتل صخرية من الأجراف المطلة على البحر؛ فكم سيكون هائلًا تأثير صدمة شديدة (وهو ما يحدث هنا)١٣ على مسطح مثل النهر الجليدي يتحرك بالفعل وتتخلله الشقوق! يمكنني بسهولة تصديق أن المياه ستندفع خارجة من القناة الأعمق ثم تعود بقوة ساحقة وتتسبب في تدوير كتل ضخمة من الصخور كأنها أكوام من القش. في مضيق إير، الواقع في نفس دائرة عرض باريس، توجد أنهار جليدية ضخمة، ومع ذلك فإن أعلى جبل مجاور يصل ارتفاعه إلى ٦٢٠٠ قدم فقط. في هذا المضيق الصغير، شوهد نحو ٥٠ جبلًا جليديًّا ذات مرة تطفو متجهة للخارج لا بد أن أحدها يبلغ ارتفاعه ١٦٨ قدمًا «على الأقل». كان بعض من هذه الجبال الجليدية محملًا بكتل ذات حجم لا يستهان به من الجرانيت وصخور أخرى مختلفة عن صخور الأردواز الطينية المكونة للجبال المحيطة.
figure
نهر جليدي في خليج بيناس.
يقع النهر الجليدي الأبعد عن القطب، والذي خضع للمسح أثناء رحلات البيجل وأدفنتشر، في دائرة عرض ٤٦ درجة و٥٠ دقيقة في خليج بيناس. ويبلغ طوله ١٥ ميلًا وفي أحد الأجزاء يصل عرضه إلى سبعة أميال ويهبط إلى ساحل البحر، لكن حتى على بعد بضعة أميال شمال هذا النهر، في بحيرة سان رافاييل، رأى بعض المبشرين الإسبان١٤ «العديد من الجبال الجليدية، بعضها كبير وبعضها صغير والبعض الآخر متوسط الحجم» في لسان ضيق من البحر في اليوم الثاني والعشرين من الشهر المقابل لشهر يونيو عندنا وفي دائرة عرض مناظرة لدائرة عرض بحيرة جنيف!

في أوروبا، يوجد النهر الجليدي الذي يقع في أقصى الجنوب والذي يهبط إلى سطح البحر، طبقًا لفون بوخ، على ساحل النرويج في دائرة عرض ٦٧ درجة. ويعتبر هذا الآن أقرب بأكثر من ٢٠ درجة عرض أو ١٢٣٠ ميلًا إلى القطب منه إلى بحيرة سان رافاييل. وربما يمكننا اعتبار موقع الأنهار الجليدية في هذا المكان مساويًا لموقعها في خليج بيناس في وجهة نظر أكثر إثارة للدهشة؛ إذ تهبط إلى البحر داخل مساحة تبلغ سبع درجات ونصف عرضًا أو ٤٥٠ ميلًا من أحد الموانئ؛ حيث يشيع وجود ثلاثة أنواع من القواقع، وهي الأوليفا وحلزون البحر والبريمة داخل مساحة أقل من تسع درجات من مكان نمو النخيل، وأربع درجات ونصف من منطقة يعيش فيها النمر الأمريكي والأسد الجبلي عبر السهول، وأقل من درجتين ونصف من الحشائش المتشجرة، وأقل من درجتين (بالاتجاه غربًا في نفس نصف الكرة الأرضية) من النباتات السحلبية الطفيلية، ودرجة واحدة من السراخس الشجرية.

لهذه الحقائق أهمية جيولوجية كبيرة فيما يتعلق بمناخ نصف الكرة الشمالي في فترة انتقال الجلاميد الصخرية. لن أذكر هنا بالتفصيل كيف تفسر نظرية الجبال الجليدية المحملة بشظايا صخرية ببساطة أصل وموقع الجلاميد الصخرية العملاقة في شرق أرض النار، وعلى سهل سانتا كروز المرتفع، وجزيرة شيلوي. في أرض النار يقع العدد الأكبر من الجلاميد على حدود القنوات البحرية القديمة والتي تحوَّلت الآن إلى وديان جافة بسبب ارتفاع الأرض. وترتبط بتكوين ضخم غير طباقي من الطين والرمال يحوي شظايا دائرية وحادة الزوايا من كل الأحجام نتجت١٥ عن الجُرْف المتكرر لقاع البحر بفعل جنوح الجبال الجليدية والمادة التي تُنقَل عليها. يشكك بعض الجيولوجيين الآن في أن تكون الأنهار الجليدية قد دفعت بتلك الجلاميد الجانحة التي تقع بالقرب من الجبال المرتفعة وأن تلك البعيدة عن الجبال، والمطمورة في رواسب تحت الماء، انتقلت هناك سواء فوق الجبال الجليدية أو متجمدة في الثلج الذي يغطي الساحل. يتضح الرابط بين انتقال الجلاميد ووجود الثلج بشكل ما، على نحو مدهش من خلال توزيعها الجغرافي على الأرض؛ ففي أمريكا الجنوبية لا توجد هذه الجلاميد لأبعد من دائرة عرض ٤٨ درجة قياسًا من القطب الجنوبي؛ وفي أمريكا الشمالية يبدو أن حد انتقالها يمتد حتى ٥٣٫٥ درجة عرض من القطب الشمالي، لكن في أوروبا لا تمتد لأكثر من ٤٠ درجة قياسًا من النقطة نفسها. على الجانب الآخر، لم تُشاهد مطلقًا في نفس المناطق بين المدارية في أمريكا وآسيا وأفريقيا ولا حتى في رأس الرجاء الصالح ولا في أستراليا.١٦

•••

«عن مناخ ومزروعات الجزر القطبية»: بالنظر لنمو النباتات بوفرة في أرض النار، وعلى الساحل إلى الشمال منها، نجد حالة الجزر الجنوبية والجنوبية الغربية في أمريكا مفاجئة حقًّا؛ فقد عثر الكابتن كوك على جزر ساندويتش في دائرة العرض التي يقع فيها الجزء الشمالي من اسكتلندا، خلال أكثر شهور السنة حرارة، «مغطاة بجليد دائم يبلغ سمكه عدة قامات» فيما لا يبدو أن هناك أي نباتات إلا بالكاد. أما جزيرة جورجيا، وهي جزيرة طولها ٩٦ ميلًا وعرضها ١٠ أميال وتقع في دائرة عرض مناظرة ليوركشاير، فهي «مغطاة تمامًا بالثلج المتجمد في ذروة الصيف». لا تملك هذه الجزيرة سوى بعض الطحالب وتكتلات الحشائش وكزبرة الثعلب أو المرقئة البرية وبها طائر بري واحد وهو جشنة فوكلاند؛ ولكن في أيسلندا، والتي تقع بالقرب من القطب الشمالي بعشر درجات، وطبقًا للسيد ماكينزي، فيوجد ١٥ نوعًا من الطيور البرية. أما جزر شيتلاند الجنوبية، والواقعة في نفس دائرة عرض النصف الجنوبي من النرويج، فلا تملك سوى بعض الأُشْنات والطحالب والحشيش القصير، ووجد الملازم كيندال١٧ الخليج الذي رسا فيه يبدأ في التجمد في فترة تتزامن مع الثامن من سبتمبر لدينا. تتكون التربة هنا من الثلج والرماد البركاني متراصة في طبقات تبادلية وتحت السطح بعمق بسيط تظل متجمدة باستمرار حتمًا؛ لأن كيندال عثر على جثة بحار أجنبي مدفونة تحت التراب منذ فترة طويلة وكانت محفوظة تمامًا بكامل ملامحها ولحمها. من الغريب أن في القارتين الكبيرتين في نصف الكرة الشمالي (باستثناء أرض أوروبا المتكسرة الواقعة بينهما) تقع المنطقة الدائمة التجمد تحت التربة في دائرة عرض منخفضة — بالتحديد ٥٦ درجة في شمال أمريكا على عمق ثلاث أقدام١٨ و٦٢ درجة في سيبيريا على عمق يتراوح بين ١٢ و١٥ قدمًا — كنتيجة لتناقض طبيعة الأشياء مع نظيرتها في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية. ففي القارات الشمالية، يكون الشتاء قارس البرودة بسبب ما ينبعث من مساحة ضخمة من الأرض إلى سماء صافية ولا يخفف منه التيارات البحرية الجالبة للدفء؛ بينما يكون الصيف القصير ساخنًا. أما في المحيط الجنوبي، لا يكون الشتاء باردًا إلى حد بالغ، لكن الصيف يكون أقل سخونة بكثير؛ لأن السماء الملبدة بالغيوم نادرًا ما تسمح للشمس بتسخين مياه المحيط وهو نفسه وسيط سيئ لامتصاص الحرارة؛ ومِن ثَمَّ يكون متوسط الحرارة خلال العام، والذي ينظم المنطقة الدائمة التجمد تحت التربة، منخفضًا. من الواضح أن الغطاء النباتي الوافر النماء الذي لا يتطلب الكثير من الحرارة بقدر ما يتطلب حماية من البرد الشديد، يقترب أكثر بكثير من منطقة التجمد الدائم في المناخ المستقر للنصف الجنوبي من الأرض، بينما لن يحدث هذا في المناخ القاسي للقارات الشمالية.
إن جثة البحار المحفوظة بكامل هيئتها في التربة الثلجية في جزر شيتلاند الجنوبية (دائرة عرض ٦٢ درجة حتى ٦٣ درجة جنوبًا)، التي توجد في دائرة عرض أقل انخفاضًا من تلك التي عثر فيها بالاس (٦٤ درجة شمالًا) على الخرتيت المتجمد في سيبيريا، حالة مثيرة للاهتمام للغاية. ورغم أنه من الخطأ، كما حاولت أن أبيِّن في فصل سابق، افتراض أن رباعيات الأقدام الأكبر حجمًا تحتاج لغطاء نباتي وافر لإعاشتها، فإن من المهم العثور على تربة متجمدة القاع في جزر شيتلاند الجنوبية داخل نطاق ٣٦٠ ميلًا من الجزر المغطاة بالغابات بالقرب من رأس هورن، حيث يمكن توفير الغذاء، فيما يتعلق «بكم» النباتات المتوفرة، لأي عدد من رباعيات الأقدام الضخمة. ولا شك أن الحالة المثالية لحفظ جثث الأفيال والكركدن كاملة في سيبيريا هي أحد أروع حقائق الجيولوجيا، لكن بعيدًا عن الصعوبة المُتخيَّلة عن إمدادها بالغذاء من البلاد المجاورة، فإن الأمر برمته، كما أظن، ليس محيرًا للدرجة كما كان يُنظَر له عادة. فيبدو أن سهول سيبيريا، شأنها شأن سهول البامبا، قد تكونت تحت البحر، الذي جلبت إليه الأنهار جثث الكثير من الحيوانات، ومن بين هذا العدد الأكبر لم تُحفَظ سوى الهياكل العظمية، لكن البقية كانت جثثها كاملة. من المعروف الآن أن القاع يتجمد في البحر الضحل على الساحل القطبي لأمريكا١٩ ولا يذوب في الربيع سريعًا كما يحدث على سطح الأرض؛ بالإضافة إلى ذلك، فإن في أعماق أكبر، حيث لا يتجمد قاع البحر، تحت الطبقة العلوية ببضع أقدام، قد يبقى الطمي تحت درجة حرارة ٣٢ درجة حتى في الصيف، وكذلك الحال فوق الأرض التي تقع بها التربة على عمق بضع أقدام. ومع ذلك فإن درجة حرارة الطمي والمياه في أعماق أكبر ربما لن تكون منخفضة بما يكفي لحفظ الجثث؛ ومِن ثَمَّ فإن الجثث التي انجرفت لما وراء الأجزاء الضحلة بالقرب من ساحل قطبي ستظل هياكلها العظمية فقط هي المحفوظة؛ ففي الأجزاء الواقعة في أقصى شمال سيبيريا توجد العظام الآن بأعداد لا تُحصى؛ حتى إنه يُقال إن الجُزَيِّرات تكاد تتكون منها،٢٠ وتلك الجُزَيِّرات تقع على مسافة لا تقل عن عشر درجات عرض شمال المكان الذي وجد فيه بالاس حيوانات الكركدن المتجمدة. على الجانب الآخر، فإن أي جثة يجرفها فيضان داخل جزء ضحل من المحيط القطبي ستظل محفوظة لفترة غير محددة إذا غطيت بعد ذلك بالطين بسرعة بسُمك يكفي لمنع حرارة مياه الصيف من اختراقه، وإذا كان الغطاء الطيني سميكًا بما يكفي، عندما يرتفع قاع البحر ليصبح يابسة، لمنع حرارة هواء الصيف والشمس من إذابتها وإفسادها.
figure
الحياة النباتية في ماجلان.
figure
طحلب ماجلان.
«ملخص»: سأذكر بإيجاز الحقائق الأساسية الخاصة بالمناخ وحركة الثلج والمحاصيل العضوية لنصف الكرة الأرضية الجنوبي ونقل الأماكن في الخيال إلى أوروبا التي نعرفها على نحو أفضل بكثير. إذن، وبالقرب من لشبونة، تتمتع أكثر أنواع القواقع شيوعًا وتحديدًا ثلاثة أنواع من الأوليفا، وحلزون فولتا وبريمة، بطابع مداري. وفي الأقاليم الجنوبية من فرنسا، ثمة غابات رائعة متضافرة معًا بواسطة الحشائش المتشجرة والأشجار المحملة بالنباتات المتطفلة تغطي وجه الأرض. أما نمور الجاجوار والأسود الجبلية فتسكن جبال البرانس. في دائرة العرض التي يقع فيها جبل مون بلان، ولكن فوق جزيرة تقع غربًا عند وسط أمريكا الشمالية، تزدهر السراخس الشجرية ونباتات السحلبية الطفيلية وسط الغابات الكثيفة. حتى بالاتجاه شمالًا عند وسط الدنمارك، تُشاهد طيور الطنان ترفرف على مقربة من الزهور الرقيقة، بينما تتغذى الببغاوات وسط الغابات الدائمة الخضرة؛ وفي البحر هناك يوجد حلزون فولتا، وكل القواقع ذات حجم كبير ونمو قوي. مع ذلك، وفوق بعض الجزر التي تبعد ٣٦٠ ميلًا فقط شمال رأس هورن الجديدة في الدنمارك، فإن أي جثة مدفونة في التربة (أو انجرفت إلى بحر ضحل وغطاها الطين) ستظل متجمدة ومحفوظة للأبد. إذا حاول ملَّاح جريء اختراق الجزء الشمالي من هذه الجزر، فسيواجه الكثير والكثير من الأخطار بين جبال جليدية عملاقة سيرى فوق بعضها كتلًا عملاقة من الصخور حُمِلت إلى أماكن بعيدة عن موقعها الأصلي. ثمة جزيرة أخرى كبيرة في دائرة عرض جنوب اسكتلندا، لكن أبعد مرتين إلى الغرب، ستكون «مغطاة بالجليد الدائم بشكل شبه كامل»، وسينتهي كل خليج فيها بأجراف جليدية تنفصل منها كتل ضخمة كل عام، وستضم هذه الجزيرة القليل من الطحالب والحشائش وكزبرة الثعلب وسيكون طائر الجشنة هو الساكن الوحيد لها. من رأس هورن الجديدة في الدنمارك توجد سلسلة من الجبال بالكاد تصل إلى نصف ارتفاع جبال الألب تمتد في خط مستقيم إلى الجنوب، وفي جانبها الغربي ينتهي كل جدول بحري عميق أو فيورد بحري ﺑ «أنهار جليدية مدهشة وواضحة». هذه القنوات المهجورة يتردد فيها كثيرًا دوي سقوط الجليد وكثيرًا ما تندفع على شطآنها أمواج ضخمة؛ والعديد من الجبال الجليدية، التي يكون بعضها بارتفاع كاتدرائية، وأحيانًا ما تكون محملة ﺑ «كتل ضخمة من الصخور»، ستنجرف مهجورة على الجُزَيِّرات المعزولة البعيدة. وفي بعض الفترات ستضرب زلازل عنيفة كتلًا هائلة من الثلج لتطيح بها في المياه بالأسفل. وأخيرًا، سيقابل بعض المبشرين يحاولون اختراق لسان بحري طويل، الجبال المحيطة المنخفضة والتي ترسل جداولها المائية المتجمدة العديدة إلى ساحل البحر، وستتسبب الجبال الجليدية الطافية التي لا تحصى، والتي تتراوح أحجامها بين ضخم وصغير، في إعاقة تقدمهم بالقوارب، وقد حدث هذا في الثاني والعشرين من يونيو وحيث تمتد الآن بحيرة جنيف!٢١

هوامش

(١) عادة ما يكون النسيم القادم من المنطقة بين الجنوب والجنوب الغربي شديد الجفاف. ٢٩ يناير، السفينة راسية أسفل رأس جريجوري: عاصفة رياح قوية جدًّا قادمة من الجنوب الغربي؛ سماء صحوة بها القليل من الركام؛ درجة الحرارة ٥٧ درجة ونقطة تكون الندى ٣٦ درجة؛ الفارق ٢١ درجة. في ١٥ يناير، في ميناء سان جوليان: في الصباح رياح خفيفة مصحوبة بأمطار غزيرة يتبعها عاصفة مفاجئة شديدة مصحوبة بأمطار ثم استقرت في شكل عاصفة قوية بسحب ركامية ضخمة؛ أعقبها انقشاع ثم هبوب بقوة شديدة من الجنوب والجنوب الغربي. درجة الحرارة ٦٠ درجة، ونقطة تكون الندى ٤٢ درجة، الفارق ١٨ درجة.
(٢) رينجر، «طبيعة ثدييات الباراجواي»، صفحة ٣٣٤.
(٣) يخبرني كابتن فيتزروي أنه في أبريل (المقابل لأكتوبر لدينا)، تتغير ألوان أوراق تلك الأشجار التي تنمو بالقرب من سفح الجبال لكن هذا لا يحدث مع الأشجار التي تنمو في الأماكن الأكثر ارتفاعًا. أتذكر قراءة بعض الملاحظات التي توضح أن أوراق الشجر في إنجلترا تسقط مبكرًا في جو خريفي دافئ وصحو بدلًا من السقوط متأخرًا في جو بارد. لا بد أن تأخر تغير لون الأوراق في الأشجار النامية في الأماكن الأكثر ارتفاعًا؛ ومِن ثَمَّ يكون الجو أكثر برودة، يعود حتمًا لنفس القانون العام للنباتات. لا تسقط أوراق أشجار أرض النار بالكامل في أي وقت من العام.
(٤) وُصِفَت من خلال العينات والملاحظات الخاصة بي بواسطة الموقر جيه إم بيركلي في «مداولات الجمعية اللينيوية» (المجلد التاسع عشر، صفحة ٣٧) تحت اسم الكيتاريا الداروينية، والنوع التشيلي يسمى الكيتاريا التشيلية. وهذا الجنس ذو علاقة بالجنس النامي في بلغاريا.
(٥) أعتقد أن عليَّ استثناء أحد أنواع خنافس البرغوث الألبية وعينة خُنْفَساء الميلاسوما أو الأوراق. يخبرني السيد ووترهاوس أن هناك ثمانية أو تسعة أنواع من الخُنْفَساء القيثارية والأشكال من العدد الأكبر مميزة للغاية؛ وأربعة أنواع أو خمسة من خنفس الظلام (هيتروميرا)، وستة أنواع أو سبعة من السوسية؛ ونوع واحد من كل عائلة من العائلات التالية: الرواغة والدودة السلكية وسيبرويونيداي Cebrionidae وميلولونثيداي Melolonthidae. الأنواع في الرتب الأخرى أقل. ويلاحظ ندرة الأفراد في كل الرتب مقارنة بندرة الأنواع. معظم الخنافس وصفها السيد ووترهاوس بدقة في مجلة «أنالز أوف ناتشورال هيستوري».
(٦) يعتبر نطاقه الجغرافي واسعًا على نحو لافت للنظر حيث يوجد من الجُزَيِّرات في أقصى الجنوب بالقرب من رأس هورن ويمتد شمالًا حتى الساحل الشرقي (طبقًا للمعلومات التي أعطاها لي السيد ستوكس) في دائرة عرض ٤٣ درجة، لكن على الساحل الغربي، كما يخبرني د. هوكر، يمتد حتى سان فرانسيسكو في كاليفورنيا وربما حتى كامشاتكا. إذن لدينا نطاق ضخم في دائرة العرض، وكما وجده كوك، الذي لا بد أنه يعرف هذا النوع جيدًا، في جزر كيرجولين، في خط طول لا يقل عن ١٤٠ درجة.
(٧) «رحلات سفينتَيْ أدفينتشر والبيجل»، المجلد الأول، صفحة ٣٦٣. يبدو أن طحالب البحر تنمو بسرعة بالغة. فقد وجد السيد ستيفنسون («رحلة حول اسكتلندا» لويلسون، المجلد الثاني، صفحة ٢٢٨) صخرة كانت تنكشف فقط في المد والجزر في الربيع، والتي كانت قد نُحتت حتى أصبحت ملساء في نوفمبر، وفي مايو الذي يليه، أي خلال ستة أشهر، كانت مغطاة بغطاء سميك من طحالب الفوقس المضلع ويبلغ طوله قدمين، وغطاء من طحالب الفوقس المغذي يبلغ طوله ست أقدام.
(٨) فيما يتعلق بأرض النار، تم التوصل إلى النتائج من ملاحظات الكابتن كينج («جيوجرافيكال جورنال»، ١٨٣٠) وتلك التي سُجلت على متن البيجل. أما فيما يتعلق بجزر الفوكلاند، فأنا أدين للكابتن سوليفان بالتوصل إلى متوسط درجة الحرارة (من خلال الملاحظات الدقيقة في منتصف الليل والثامنة صباحًا وفترة الظهيرة والثامنة مساء) لأعلى ثلاثة شهور حرارة وهي ديسمبر ويناير وفبراير. درجة الحرارة في دبلن مأخوذة من بارتون.
(٩) أجويروز، «التاريخ المفصل لشيلوي»، ١٧٩١، صفحة ٩٤.
(١٠) انظر الترجمة الألمانية لهذه الدورية؛ وملحق السيد براون لكتاب «الرحلة» لفليندرز للاطلاع على الحقائق الأخرى.
(١١) أعتقد أن خط الجليد الدائم في جبال وسط تشيلي يتنوع في الارتفاع إلى حد بعيد في فصول الصيف المختلفة. فقد أُكد لي أنه خلال صيف جافٌّ جدًّا وطويل، اختفى كل الثلج من جبل أكونكاجوا رغم ارتفاعه الشاهق الذي يبلغ ٢٣ ألف قدم. من المحتمل أن يكون الكثير من الثلج في هذه الارتفاعات العالية يتبخر بدلًا من أن يذوب.
(١٢) كتاب «تشيلي» لمايرز، المجلد الأول، صفحة ٤١٥. يُقال إن قصب السكر كان ينمو في إنجينيو في دائرة عرض ٣٢ إلى ٣٣ درجة لكن ليس بكمية كافية لجعل الصناعة مربحة. في وادي كِيوتا، جنوب إنجينيو، رأيت بعض أشجار نخل البلح الكبيرة.
(١٣) «السرد الدقيق لقصة فقدان الويدجر» لبالكلي وكامين. وقع الزلزال في ٢٥ أغسطس عام ١٧٤١.
(١٤) أجويروز، «التاريخ المفصل لشيلوي»، صفحة ٢٢٧.
(١٥) «جيولوجيكال ترانزاكشنز»، المجلد السادس، صفحة ٤١٥.
(١٦) ذكرت التفاصيل (أعتقد أن الأولى قد نُشرت) الخاصة بهذا الموضوع في الطبعة الأولى والملحق الخاص بها. وقد أوضحت هناك أن الاستثناءات الواضحة فيما يخص غياب الجلاميد الجانحة في بعض البلاد الحارة تعود إلى ملاحظات خاطئة. ووجدت أن العديد من التصريحات الواردة بهذا الطبعة قد أكدها مؤلفون كثر.
(١٧) «جيوجرافيكال جورنال»، ١٨٣٠، الصفحات ٦٥-٦٦.
(١٨) «ملحق بعثة باك» لريتشاردسون، و«نبذات آسيوية» لهمبولت، المجلد الثاني، صفحة ٣٨٦.
(١٩) السيدان ديس وسيمبسون في «جيوجرافيكال جورنال»، المجلد الثامن، الصفحات ٢١٨ و٢٢٠.
(٢٠) كوفييه («عظام الأحفوريات»، المجلد الأول، صفحة ١٥١) من كتاب «الرحلة» لبيلينج.
(٢١) في الطبعة السابقة والملحق، ذكرت بعض الحقائق فيما يخص انتقال الجلاميد الصخرية الجانحة وجبال الجليد في المحيط القطبي. نوقش هذا الموضوع مؤخرًا بامتياز من قبل السيد هايز في دورية «بوسطن جورنال» (المجلد الرابع، صفحة ٤٢٦). لا يبدو أن المؤلف على دراية بحالة نَشرتُها (جيوجرافيكال جورنال، المجلد التاسع، صفحة ٥٢٨) عن جلمود عملاق مطمر في جبل جليدي في المحيط القطبي يبعد حوالي مائة ميل عن أي يابسة، وربما أبعد من ذلك بكثير. ناقشت في الملحق بإسهاب احتمالية أن الجبال الجليدية — وهي احتمالية من الصعب التفكير فيها — عندما تنجرف تصقل الصخور وتحفر فيها أخاديد مثل الأنهار الجليدية. يعتبر هذا الرأي حاليًّا رأيًا مقبولًا للغاية ولكن ما زلت لا أستطيع التخلص من الشك في إمكانية تطبيقه حتى على حالات مثل العصر الجوراسي. وقد أكد لي د. ريتشاردسون أن الجبال الجليدية في أمريكا الشمالية تدفع أمامها حصى ورمالًا وتترك المسطحات الصخرية تحت سطح الماء عارية تمامًا؛ من الصعب الشك في أن مثل هذه السلاسل الصخرية لا بد أنها صُقِلَت وخُددت في اتجاه التيارات السائدة. ومنذ كتابة ذلك الملحق، رأيت في شمال ويلز («لندن فيلوسوفيكال جورنال»، المجلد ٢١، صفحة ١٨٠) الحركة المتاخمة لأنهار الجليد والجبال الجليدية الطافية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠