الفصل الثاني عشر

فالبارايزو – رحلة إلى سفح جبال الأنديز – بنية الأرض – صعود جبل الجرس في كيوتا – حطام كتل الأحجار الخضراء – الوديان الشاسعة – المناجم – أحوال عمال المناجم – سانتياجو – ينابيع كايكيونيس الساخنة – مناجم الذهب – الطواحين – الأحجار المثقوبة – عادات الأسد الجبلي – طيور التوركو والتاباكولو – طيور الطنَّان.

***

وسط تشيلي

figure
طائر الطنان المتشعب الذيل.
«٢٣ يوليو»، رست البيجل في وقتٍ متأخر من الليل على خليج فالبارايزو، الميناء البحري الرئيسي بتشيلي. وعندما حلَّ الصباح، بدا كل شيء مبهجًا. فبعد اجتياز أرخبيل أرض النار، صار الطقس ممتعًا للغاية؛ فالجو جافٌّ جدًّا، والسماء زرقاء وصافية للغاية، والشمس مشرقة وساطعة. وهكذا بدت الطبيعة بكل مظاهرها تشعُّ حياة. كان المشهد من المرسى بديعًا للغاية؛ فالمدينة مُشيَّدة عند سفح سلسلة من التلال، على ارتفاع ١٦٠٠ قدم تقريبًا، ومنحدرة إلى حدٍّ ما.

نكتشف من موقعها أن المدينة تتكوَّن من شارعٍ واحدٍ طويلٍ متشابك يمتد متوازيًا مع الشاطئ، وحيثما انحدر وهْدٌ، تصطف البيوت على جانبَيه. تنقسم التلال المستديرة، المحصَّنة جزئيًّا فقط بنباتاتٍ شحيحةٍ جدًّا، إلى عدد لا حصر له من أخاديدَ صغيرة، تبرز فيها تربةٌ حمراءُ زاهية على نحوٍ فريد. ولهذا السبب، ومع وجود بيوتٍ بيضاءَ منخفضةٍ ذات أسطحٍ مكسوَّة بالقراميد، ذكَّرني المشهد بمدينة سانت كروز، في جزيرة تينريف. وفي اتجاه شمالٍ شرقي، تظهر لمحاتٌ خلَّابة لسلسلة جبال الأنديز؛ إلا أن هذه الجبال تبدو أكبر كثيرًا عند النظر إليها من التلال المجاورة؛ فالمسافة البعيدة التي تقع عندها هذه الجبال يمكن ملاحظتها بوضوحٍ أكثر من هذا الموضع. ويبدو بركان أكونكاجوا رائعًا على نحوٍ استثنائي. فلهذه الكتلة المخروطية الضخمة غير المنتظمة ارتفاعٌ أكبر من ارتفاع بركان تشيمبورازو؛ ومن القياسات التي أجراها الضباط في سفينة البيجل، يتضح أن ارتفاعها لا يقلُّ عن ٢٣ ألف قدم. ورغم ذلك، يُعزى الجزء الأكبر من جمال سلسلة الجبال — عند النظر إليها من هذه النقطة — إلى الأجواء التي تُشاهَد من خلالها هذه الجبال. فكم كان رائعًا حين تغرب الشمس في المحيط الهادي، أن تشاهد إلى أي مدًى يمكن تمييز الخطوط الكفافية المحزِّزة لهذه الجبال بكل وضوح، بالإضافة إلى مدى تنوُّع ورِقَّة درجات ألوانها.

حالفني الحظ حين وجدتُ السيد ريتشارد كورفيلد، وهو زميل دراسة وصديقٌ قديم، يعيش هنا، والذي أدين له بالكثير لحسن ضيافته وكرمه وتوفير إقامةٍ ممتعة لي أثناء توقُّف سفينة البيجل بتشيلي. والتجاور اللصيق لمدينة فالبارايزو ليس مثمرًا للغاية بالنسبة إلى عالِم الطبيعة؛ فأثناء فصل الصيف الطويل، تهبُّ الرياح باستمرار من جهة الجنوب، بعيدًا عن الشاطئ قليلًا؛ ومن ثم لا تتساقط الأمطار أبدًا في هذه المنطقة؛ بينما خلال شهور الشتاء الثلاثة، تكون الأمطار غزيرة بما يكفي. ونتيجة لذلك، تكون النباتات شحيحةً للغاية؛ فباستثناء بعض الأودية العميقة، لا توجد أشجار، وتتناثر حشائشُ قليلةٌ وبضع شجيراتٍ قصيرة عبر أجزاء التلال الأقلِّ انحدارًا. عندما نفكر في أنه على بُعد ٣٥٠ ميلًا إلى الجنوب، يختفي هذا الجانب من سلسلة جبال الأنديز وراء إحدى الغابات الكثيفة، يصبح التباين ملحوظًا جدًّا. لقد خرجتُ في عدة نزهاتٍ طويلة لجمع عينات من تاريخ الطبيعة. تعتبر المنطقة ملائمة لممارسة الرياضة. ويوجد فيها الكثير من الزهور الجميلة للغاية، ومثلما هي الحال في معظم المناطق الأخرى ذات المناخ الجاف، تتميز النباتات والشجيرات بالروائح النفَّاذة والمميزة؛ حتى إن ملابس المرء تصير معطَّرة بمجرد المرور بخفَّةٍ خلالها. لم أكفَّ عن التعجب مما لاقيته؛ فكان كل يومٍ مقبل جميلًا كاليوم الفائت. يا له من فارق يصنعه المناخ في الاستمتاع بالحياة! ويا لها من أحاسيسَ متعارضةٍ تلك التي تُخالج المرء حين يرى الجبال السوداء مغلفة بالسحب جزئيًّا ثم يرى سلسلة جبال أخرى مغلفة باللون الأزرق الفاتح لضوء النهار في يوم صحو رائع! فقد يخالجك إحساسٌ مهيب للغاية تارة، وتارةً أخرى إحساس بالبهجة والحياة السعيدة.

•••

«١٤ أغسطس»، خرجت في رحلةٍ استكشافية ممتطيًا الخيل، بغرض الاستكشاف الجيولوجي للأجزاء القاعدية من جبال الأنديز، التي تُعدُّ الوحيدة التي لا تغلقها ثلوج الشتاء في هذا الوقت من السنة. كانت وجهتنا في اليوم الأول شمالًا، عبر شاطئ البحر. بعد حلول الظلام، وصلنا إلى ضيعة كوينتيرو، التي كان يمتلكها اللورد كوكرين فيما مضى. كان هدفي من المجيء إلى هنا هو مشاهدة القيعان الكبيرة للقواقع الموجودة فوق مستوى البحر ببضع ياردات وتُحرَق من أجل الحصول على الكلس. والأدلة دامغة على ارتفاع هذا الخط الساحلي بالكامل؛ فعلى ارتفاع بضع مئات من الأقدام يوجد عددٌ وفير من القواقع القديمة الشكل، ووجدت بعضًا منها على ارتفاع ١٣٠٠ قدم أيضًا. وهذه القواقع إما تفترش السطح حرة، وإما أن تكون مطمرة في سمادٍ نباتيٍّ ذي لونٍ أسودَ محمرٍّ. واندهشتُ كثيرًا لدى اكتشاف أن هذا السماد النباتي، تحت المجهر، هو في الواقع عبارة عن طميٍ بحريٍّ مليء بجسيماتٍ دقيقة لأجسامٍ عضوية.

•••

«١٥ أغسطس»، عُدْنَا إلى وادي كيوتا. كانت البلدة ممتعة على نحو لا يوصف، مثلما قد يصف الشعراء المشهد الريفي؛ مروجٌ خضراءُ مفتوحة، يتخللها وديانٌ صغيرة ذات جداول مياه، والأكواخ، التي قد نفترض أنها لرعاة الغنم، منتشرة على جانبَي التل. اضطررنا إلى عبور سلسلة تلال تشيليكاوكين. عند سفح التلال، كان يوجد عددٌ كبير من أشجار الغابات الدائمة الخضرة، إلا أنها لا تنمو بكثافة إلا في الوهاد حيث المياه الجارية. أي شخص لم يرَ إلا المنطقة الريفية القريبة من فالبارايزو لن يتخيل أبدًا وجود مثل هذه البقاع الخلَّابة في تشيلي. بمجرد أن وصلنا إلى حافة الجبال، صار وادي كيوتا أسفل أقدامنا مباشرة. كان المشهد واحدًا من مشاهد الثراء الخلَّابة اللافتة للنظر. فكان الوادي فسيحًا للغاية ومستويًا تمامًا؛ ومن ثمَّ يسهل ريه من جميع الأجزاء. وتزخر الحدائق المربَّعة الصغيرة بأشجار البرتقال والزيتون وجميع أنواع الخضراوات. وعلى كلا الجانبين ترتفع جبالٌ شاهقةٌ جرداء، ليضفي هذا التباين على الوادي بألوانه المتنوعة مزيدًا من البهجة. إن من أطلق على «فالبارايزو» «وادي النعيم»، لا بد أنه كان يفكر في وادي كيوتا. انتقلنا إلى ضيعة سان إيسيدرو، الواقعة عند سفح جبل الجرس (جبل كامبانا).
figure
ضيعة، كوندور، صبار … إلخ.

إن تشيلي، كما قد تظهر في الخرائط، هي عبارة عن شريطٍ أرضيٍّ ضيق يقع بين سلسلة جبال والمحيط الهادي؛ ويمتدُّ عبر هذا الشريط نفسه عدةُ سلاسل من الجبال، تسير بالتوازي في هذه المنطقة مع سلسلة جبال الأنديز العظيمة. وبين هذه السلاسل الخارجية والسلسلة الرئيسة، تمتدُّ سلسلة متعاقبة من الأحواض المستوية — المتصلة عادة بعضها ببعض من خلال ممراتٍ ضيقة — نحو الجنوب، وفي هذه الأحواض تقع المدن الرئيسة مثل سان فيليبي وسانتياجو وسان فرناندو. ليس لديَّ أدنى شك في أن هذه الأحواض أو السهول، بالإضافة إلى الوديان المستعرضة (مثل وادي كيوتا) والتي تربط البلاد بالساحل، هي قيعان لخُلْجانٍ صغيرةٍ قديمة وخُلْجانٍ عميقة، كتلك التي تقطع كل أجزاء أرخبيل أرض النار والساحل الغربي. لا بد أن تشيلي كانت فيما سبق تتشابه مع أرض النار في تكوين الأرض والمياه. وقد كانت مظاهر التشابه تتضح على نحوٍ مدهش أحيانًا عندما كان ركامٌ مستوٍ من الضباب يُغطِّي جميع الأجزاء السفلية من البلاد، كأنه ستار؛ فكان الضباب الأبيض الملتفُّ في الوهاد يوضح الشروم والخُلْجان على نحوٍ جميل، وفي أجزاءٍ متفرقة تظهر رابيةٌ منعزلة تَبيَّن أنها كانت موجودة هنا منذ زمن كجزيرةٍ صغيرة‎. ويضفي التباين بين هذه الأودية المستوية والأحواض والجبال غير المنتظمة طابعًا مميزًا للمشهد بدا لي جديدًا ومثيرًا جدًّا.

ونظرًا للانحدار الطبيعي لهذه السهول نحو البحر، يسهل ريُّها للغاية؛ ومن ثم تتمتع بخصوبةٍ فريدة. ولولا هذه الطبيعة، لما أنتجت الأرض أي شيء يُذكَر؛ إذ تبدو السماء صافية بلا أي غيوم طوال فصل الصيف. تنتشر الشجيرات والأشجار القصيرة عبر الجبال والتلال، وباستثناء هذا فالنباتات شحيحة للغاية. ويمتلك أصحاب الأراضي في الوادي قطعةً محددة من الأراضي العشبية المرتفعة، حيث تستطيع ماشيتهم نصف البرية، بأعدادها الكبيرة، العثور على عشبٍ وفير. ويُقام كل عام «سوق ماشية» كبيرة، حيث تُنقل كل الماشية وتُحصى وتوسَم بعلامة ويُعزل عددٌ معيَّن لتسمينه في الحقول المروية. يُزرع القمح بكثافة إلى جانب كميات لا بأس منها من الذرة الهندية؛ غير أن ثمة نوعًا مُعيَّنًا من الفاصوليا يُعدُّ مصدر الغذاء الرئيس للعمال. وتنتج البساتين وفرةً فائضة من الدُّرَّاق والتين والعنب. ومع توافر كل هذه المميزات، كان من المفتَرض أن يتمتع سكان البلاد بمزيد من الرخاء أكثر مما هم عليه بالفعل.

•••

«١٦ أغسطس»، كان عمدة الضيعة كريمًا بالقدر الكافي ووفَّر لي مرشدًا وخيولًا نشيطة وسريعة. في الصباح انطلقنا لصعود جبل كامبانا، أو جبل الجرس، الذي يبلغ ارتفاعه ٦٤٠٠ قدم. كانت الطرق وعرة للغاية؛ إلا أن جيولوجيا المكان والمشهد الطبيعي عوَّضاني كثيرًا عن هذا العناء. بحلول المساء، وصلنا إلى ينبوع مياه يُسمى جواناكو (جوناق) يقع على ارتفاعٍ شاهق. ولا بد أنها تسميةٌ قديمة؛ إذ مرت سنواتٌ كثيرةٌ جدًّا منذ أن شرب جوناق من مياه الينبوع. أثناء رحلة الصعود، لاحظت أن لا شيء ينمو على المنحدر الشمالي إلا شجيرات، في حين ينمو خيزران بارتفاع ١٥ قدمًا على المنحدر الجنوبي. وفي بعض الأماكن كان يوجد نخيل، واندهشتُ حين رأيتُ نخلة بارتفاع لا يقل عن ٤٥٠٠ قدم. يُعدُّ هذا النخيل، مقارنة بفصيلته، من الأشجار القبيحة المنظر؛ فجذعها كبيرٌ جدًّا وذو شكلٍ غريب، حيث يزداد سُمكه عند المنتصف عن سُمكه عند القمة أو القاعدة. والنخيل متوافر بأعدادٍ هائلة في بعض المناطق بتشيلي، وتُقدَّر قيمته على أساس نوعٍ من الدِّبْس يصنع من عصارته. في إحدى الضيعات بالقرب من إقليم بيتوركا، حاولوا عدَّ أشجار النخيل ولكنهم فشلوا، بعد أن بلغوا في العدِّ إلى عدة مئات من الآلاف. في بداية فصل الربيع من كل عام، في شهر أغسطس، يُقطَع عددٌ كبير للغاية منها، وعندما يُلقى الجذع على الأرض، يُقطع سعف النخل. وحينئذٍ تبدأ العصارة على الفور في الانسياب من الأطراف العلوية، وتستمر على هذه الحال لبضعة أشهر، ورغم ذلك، من الضروري أن تُنزع شريحةٌ رقيقة من ذلك الطرف في صباح كل يوم، وذلك لكشف طبقةٍ جديدة. وتنتج النخلة الناضجة ٩٠ جالونًا، ولا بد أن أوردة الجذع الذي يبدو جافًّا ظاهريًّا هي التي تحوي كل هذه الكمية. ويُقال إن العصارة تنساب بسرعةٍ أكبر بكثير في تلك الأيام عندما تكون الشمس حامية؛ كذلك من الضروري للغاية توخِّي الحذر عند قطع أشجار النخيل؛ لأنها ينبغي أن تسقط على جانب التل وقمتها لأعلى؛ فإذا سقطت وقمتها لأسفل على المنحدر، فإنه نادرًا ما تنساب أي عصارة؛ رغم أنه في تلك الحالة ربما يظن المرء أن قوة الجاذبية قد تدعم الحركة، بدلًا من أن تعوقها. وتتكاثف العصارة من خلال الغليان، وحينئذٍ يُطلق عليها الدِّبْس الذي تشبهه كثيرًا في المذاق.

نزعنا السروج عن الخيول بالقرب من ينبوع المياه وأخذنا الاستعدادات لقضاء الليلة. كانت الأمسية رائعة، والأجواء صافية للغاية؛ لدرجة أنه كان يمكن تمييز صواري السفن الراسية على خليج فالبارايزو، رغم أنها على بُعد مسافة لا تقل عن ٢٦ ميلًا بحريًّا، بكل وضوح كخطوطٍ سوداءَ صغيرة. وبدت سفينةٌ شراعية كانت تنعطف إلى الجانب الآخر كنقطةٍ بيضاءَ ساطعة. ويُبدي جورج أنسون، في رحلته البحرية حول العالم، دهشته الشديدة من المسافة التي اكتُشِفت منها سفنه على السواحل، إلا أنه لم يضع في حسبانه بالقدر الكافي ارتفاع الأرض وشفافية الهواء.

كان مشهد غروب الشمس مهيبًا ومتألقًا؛ فبدت الأودية مظلمة، بينما احتفظت القمم الجليدية لجبال الأنديز بظلالٍ خفيفة من اللون الأحمر الداكن. عندما أظلمت الأجواء، أشعلنا النيران أسفل تعريشةٍ صغيرة من الخيزران، وقلينا لحم الشاركي (أو شرائح اللحم البقري المجفَّف)، وتناولنا مشروب المتة، وشعرنا براحة كبيرة. ثمة سِحر يفوق الوصف في العيش في الهواء الطلق. كانت أمسيةً ساكنة وهادئة، باستثناء ما كنَّا نسمعه من وقت لآخر من الضوضاء الصاخبة التي يحدثها البيزكاتشا الجبلي والصياح الخافت لطائر السُّبَد. إلى جانب هؤلاء، يتردد عددٌ قليل من الطيور، وكذلك الحشرات، على هذه الجبال الجافة الجدباء.

•••

«١٧ أغسطس»، في الصباح، تسلَّقنا الكتلة الوعرة من الحجر الأخضر التي تكلل قمة الجبل. وكما يحدث كثيرًا، كانت هذه الصخرة مهشَّمة ومحطَّمة إلى شظايا ضخمة ذات زوايا حادة. غير أنني لاحظت وضعًا استثنائيًّا ألا وهو أن العديد من الأسطح كانت تبدو عليها كل معالم الحداثة؛ إذ بدا بعضها كما لو أنها تهشَّمت بالأمس، بينما نمت الأُشْنات على البعض الآخر حديثًا أو منذ فترةٍ طويلة. كنت مقتنعًا تمام الاقتناع أن هذا يُعزى إلى الهزات الأرضية المتكررة؛ حتى إنني شعرت برغبتي في النزول سريعًا من فوق الأكوام المزعزعة. ونظرًا لأن المرء قد ينخدع بسهولةٍ بالغة في حقيقة من هذه النوعية، ساورني الشك حيال دقتها؛ حتى تسلَّقتُ جبل ولينجتون، بجزيرة فان ديمنزلاند، حيث لا تقع زلازل؛ وهناك رأيت أن لِقمَّة الجبل تكوينًا مشابهًا، وأنها محطمة على نحوٍ مشابه؛ إلا أن جميع الكتل بدت وكأنها قُذفت إلى موضعها الحالي منذ آلاف السنوات.

قضيْنا اليوم على قمة الجبل، ولم أستمتع مطلقًا من قبلُ بيوم كما استمتعت في ذلك اليوم. بدت تشيلي، وهي مُحاطة بجبال الأنديز والمحيط الهادي، كما تبدو على الخريطة تمامًا. وزاد الاستمتاع بالمشهد، الذي كان جميلًا في حدِّ ذاته، بالتأملات الكثيرة التي نشأت من مجرد رؤية سلسلة جبال كامبانا والسلسلة الموازية الأصغر حجمًا، ووادي كيوتا الفسيح الذي يخترقها مباشرةً. من ذا الذي يستطيع أن يُحجم عن الإعجاب بالقوة التي نصبت هذه الجبال، بل والإعجاب أكثر بما استُغرِق حتمًا من دهور لا تُحصى لتحطُّم كتلٍ كاملة منها ونقلها وتسويتها؟ من الجيد في هذه الحالة أن نستحضر في أذهاننا الطبقات الحصوية والرسوبية الشاسعة في باتاجونيا، التي لو تراكمت على سلسلة الجبال، لزاد ارتفاعها عدة آلاف من الأقدام. حين كنت في ذلك البلد، كنت أتساءل كيف يمكن لأي سلسلة جبال أن تفرز مثل هذه الكتل، دون أن يمحى أثرها تمامًا. أما الآن، فلا يجب أن نعكس تساؤلنا، ونتشكك فيما إذا كان في مقدور الزمن، بكل قوَّته، أن يُفتِّت الجبال — حتى سلاسل الجبال العملاقة — إلى حصًى وطين.

كان شكل جبال الأنديز مختلفًا عما كنتُ أتوقعه؛ فقد كان الخط السفلي من الثلوج أفقيًّا بالطبع، وحتى هذا الخط بدت القمم المستوية لسلسلة الجبال متوازية تمامًا. وعلى فواصلَ متباعدةٍ فقط، كانت مجموعة من النقاط أو شكلٌ مخروطي يظهر موضعًا وُجِدَ عنده أحد البراكين، أو الموضع الذي يوجد عنده الآن. وعند هذا المكان، كانت سلسلة الجبال تشبه جدارًا ضخمًا صلبًا، يُتوِّجها برج هنا وهناك، لتصنع بذلك حصنًا منيعًا للمنطقة.

تعرضت جميع أجزاء التل تقريبًا لمحاولات التنقيب عن مناجم الذهب المفتوحة؛ إذ لم تترك الرغبة العارمة في التنقيب عن الذهب موضعًا في تشيلي بدون فحص ومعاينة. قضيت الأمسية مثلما قضيت سابقتها بالحديث مع رفيقيَّ حول النار. غير أن الفرسان (الهياسوس أو الجواسوس) في تشيلي، والذين يناظرون الجاوتشو في سهول البامبا، أناسٌ مختلفون للغاية. كما أن تشيلي أكثر تحضُّرًا من الأخيرة؛ ونتيجة لذلك فقد السكان الطابع الفردي إلى حدٍّ كبير. والتدرجات الاجتماعية ملحوظة بقوة أكبر بكثير؛ فالهياسوس في تشيلي لا يرون أحدًا ندًّا لهم مطلقًا؛ ولقد اندهشتُ كثيرًا حين وجدت أن رفيقيَّ لا يروق لهما تناول الطعام معي في الوقت نفسه. وهذا الشعور بعدم المساواة هو نتيجةٌ حتمية لوجود الأرستقراطية القائمة على الثروة. ويُقال إن عددًا قليلًا من مُلَّاك الأراضي الكبار يحققون من خمسة إلى عشرة آلاف جنيه إسترليني سنويًّا، وهو تفاوت في الثراء أعتقد أنه لا يُضاهى في أي دولة من الدول القائمة على تربية الماشية في شمال جبال الأنديز. ولا يلقى الرَّحَّالة هنا تلك الحفاوة المطلَقة المتمثلة في رفض أي مبالغَ ماليةٍ مقابل أي خدمات؛ ولكنهم مع ذلك يعرضون هذا بمنتهى السخاء حتى إنه لا يوجد أدنى حرج من قبوله. سيُرحِّب بك كل بيت في تشيلي تقريبًا لقضاء ليلة به، ولكن يُتوقع منك أن تترك النَّزْر اليسير في الصباح؛ حتى الأثرياء منهم يقبلون تقاضي شلنَين أو ثلاثة. والجاوتشو نبلاء، رغم أنهم قد يكونون متوحِّشين؛ في حين أن الهياسوس أفضل منهم في جوانب قليلة؛ ولكن في الوقت نفسه هم أشخاصٌ عاديون وسوقيون. ويختلف الاثنان في عاداتهم وملبسهم، رغم أن سلوكهم واحد، والسمات المميِّزة لكلٍّ منهم منتشرة في بلديهما. يبدو الجاوتشو وكأنه جزء من حصانه، ويستهجن بذل أي جهد إلا عندما يكون على صَهْوة جواده؛ بينما الهياسوس قد يُستأجر للعمل في الحقول. يعيش الأول على الغذاء الحيواني تمامًا، بينما يعيش الأخير على الغذاء النباتي بالكامل تقريبًا. نحن هنا لا نرى الأحذية البيضاء الطويلة والسراويل الواسعة والتنانير القرمزية، ذلك الزي الرائع المميز لسكان البامبا؛ فالسراويل المعتادة هنا محمية بغطاءٍ صوفيٍّ أسود وأخضر، غير أن عباءة البونشو منتشرة بين أهل المنطقتين. أكثر ما يعتزُّ به الهياسو هو المهماز الذي يتميَّز بحجمه الكبير على نحوٍ مبالَغ فيه؛ فقد قمت بقياس أحدها ووجدت «قطر» شوكة المهماز ست بوصات، والشوكة نفسها تتكون من حوالي ٣٠ سنًّا مدبَّبًا. وركاب السرج له نفس الأبعاد؛ فكل ركاب يتكون من قطعةٍ خشبيةٍ منحوتةٍ مربعة الشكل ومجوَّفة؛ ورغم ذلك تزن ثلاثة أو أربعة أرطال. لعل الهياسوس التشيلي أكثر تمرُّسًا من راعي الجاوتشو في ربط الوهق أو اللازو؛ ولكن بسبب طبيعة البلاد، فهو لا يعرف استخدام البولاس.

•••

«١٨ أغسطس»، هبطنا من فوق الجبل، ومررنا على بعض الأماكن الصغيرة الجميلة التي تتميز بالغدران والأشجار الجميلة. وبعد أن بتنا في الضيعة نفسها التي بتنا فيها من قبلُ، سرنا في الوادي على مدار اليومَين التاليَين، ومررنا عبر كيوتا الذي يعد أقرب إلى مجموعة من المشاتل منه إلى بلدة. كانت البساتين جميلة، إذ تبرز كتلةٌ واحدةٌ كبيرة من أزهار الدُّرَّاق. رأيت كذلك، في مكان أو مكانَين، نخلة التمر، وهي من أكثر الأشجار فخامة؛ وأظن أن مجموعة منها في موطنها الأصلي بالصحاري الآسيوية أو الأفريقية لا بد أنها تكون رائعة. مررنا أيضًا على بلدة سان فيليبي، وهي بلدةٌ مترامية الأطراف ككيوتا. يتشعب الوادي في هذه المنطقة ليصبح أحد هذه الخُلْجان الشاسعة أو السهول ويصل إلى سفح سلسلة الجبال، التي ذُكِر من قبلُ أنها تشكِّل جزءًا استثنائيًّا من المناظر الطبيعية في تشيلي. في المساء، وصلنا إلى مناجم جوجيل، الواقعة في وهاد بجوار سلسلة الجبال العظيمة. مكثت هنا خمسة أيام. كان مُضيفي — مشرف المنجم — رجلًا ألمعيًّا رغم أنه عامل مناجم كورني جاهل. كان قد تزوَّج من سيدةٍ إسبانية ولم يكن ينوي العودة إلى الديار؛ إلا أن إعجابه بمناجم مقاطعة كورنوال الإنجليزية ظل بلا حدود. ومن ضمن الأسئلة الكثيرة الأخرى، سألني: «أما وقد توفي جورج ريكس، كم عدد الأفراد المتبقين على قيد الحياة من آل ريكس؟» ولا بد أن هذا الريكس على علاقة حتمًا بالكاتب العظيم فينيس الذي ألَّف جميع الكتب!

هذه المناجم هي مناجم نحاس، ويُشحن المعدن الخام كله إلى مدينة سوانزي ليتم صهره هناك؛ لذا تتسم هذه المناجم بطابعٍ انعزاليٍّ هادئٍ استثنائي، مقارنة بتلك الموجودة في إنجلترا؛ فلا يوجد هنا دخان أو أفرانٌ عالية أو محركاتٌ بخاريةٌ عظيمة تقطع عزلة الجبال المحيطة.

وتشجِّع الحكومة التشيلية، أو بالأحرى القانون الإسباني القديم، البحث عن المناجم بكل الطرق الممكنة. ويمكن للمكتشف العمل على منجمٍ موجود في أي أرض بدفع خمسة شلنات، وقبل سداد هذا المبلغ يمكنه حتى أن يجرب العمل في حديقة شخصٍ آخر لمدة عشرين يومًا.

من المعروف تمامًا الآن أن الطريقة التشيلية للتعدين هي الأرخص على الإطلاق. ويقول مُضيفي إن التحسينَين الأساسيَّين اللذين أدخلهما الأجانب هما، أولًا: الاختزال من خلال التحميص المسبق لبيريت أو كبريتيد النحاس، وهو المعدن الخام المنتشر في مقاطعة كورنوال؛ ولذا فوجئ عمال المناجم الإنجليز فور وصولهم من التخلص منه باعتباره عديم الفائدة. ثانيًا: تفتيت صخور السكوريا أو الجفاء وإزالتها من الأفران القديمة، ومن خلال هذه العملية تُستعاد جزئيات المعدن بوفرة. في الواقع، لقد رأيت بغالًا تحمل إلى الساحل حمولة من خبث هذه الأفران لنقلها إلى إنجلترا. غير أن الحالة الأولى هي الأكثر غرابة على الإطلاق. كان عمال المناجم التشيليون مقتنعين تمام الاقتناع بأن بيريت النحاس لا يحتوي على أي جزيئات من النحاس؛ حتى إنهم سخروا من جهل الإنجليز، الذين سخروا منهم بدورهم، واشتروا منهم أغنى مواردهم المعدنية مقابل بضعة دولارات. ومن الغريب جدًّا أنه في دولةٍ مُورِسَ فيها التعدين على نحوٍ موسَّع على مدار عدة سنوات، لم تُكتشف طريقةٌ بسيطة للغاية مثل التحميص الخفيف للمعدن الخام للتخلص من الكبريت قبل صهره. أُدخلت عدة تحسيناتٍ مماثلة على بعض الآلات البسيطة؛ ولكن حتى يومنا هذا يزيح الرجال المياه من بعض المناجم من خلال رفعها عبر مدخل المنجم باستخدام قربةٍ جلدية!

figure
عامل مناجم تشيلي.

يبذل العاملون الكادحون جهدًا شاقًّا للغاية في عملهم، ويُتاح لهم وقتٌ محدود لتناول وجباتهم؛ وخلال فصلَي الصيف والشتاء يبدءون العمل مع بزوغ ضوء النهار ويغادرون بحلول الظلام، ويتقاضون جنيهًا إسترلينيًّا واحدًا في الشهر. ويوزع عليهم الطعام، فتتكون وجبة الإفطار من ١٦ ثمرة تين ورغيفَين صغيرَين من الخبز، بينما تتكون وجبة الغداء من الفاصوليا المسلوقة، أما وجبة العشاء فتتكون من حبوب القمح المحمَّص والمجروش. ونادرًا ما يذوقون اللحم؛ فمع تقاضيهم ١٢ جنيهًا سنويًّا، يكون عليهم أن يكسوا أنفسهم ويعيلوا أسرهم. أما عمال المناجم الذين يعملون في المنجم نفسه فيتقاضون ٢٥ شلنًا شهريًّا، ويُقدم لهم قطعةٌ صغيرة من اللحم المقدَّد، ولكن هؤلاء الرجال لا يبرحون مساكنهم المعزولة الكئيبة إلا مرةً واحدة فقط كل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع.

figure
صبار، جنس الشمعية العسماء.

في أثناء إقامتي هنا، استمتعت تمامًا بتسلق هذه الجبال الضخمة. كانت جيولوجيا المكان مثيرة للاهتمام جدًّا، كما كان متوقعًا. وتبين الصخور المهشَّمة والمسفوعة بالحرارة، التي تتخلَّلها خنادق لا حصر لها من الأحجار الخضراء، حجم الاضطرابات التي حدثت في وقت سابق. كان المشهد مشابهًا كثيرًا للمشهد بالقرب من جبل الجرس بكيوتا؛ جبالٌ جرداءُ قاحلة، يتخلَّلها على مسافاتٍ بعيدة شجيراتٌ شحيحة الأوراق. كان الصبار، أو بالأحرى الصبير، منتشرًا هنا بأعدادٍ كبيرةٍ جدًّا. وقد قمت بقياس نبتة صبار ذات شكلٍ دائري، وكان محيطها، بالأشواك، يبلغ ست أقدام وأربع بوصات. يتراوح طول الصبار الأسطواني الشكل الشائع، من النوعية ذات الأفرع، بين ١٢ و١٥ قدمًا، ويتراوح محيط الأفرع (بالأشواك) بين ثلاثة وأربعة أقدام.

حالَ تساقطُ الثلوج الكثيف على الجبال، خلال اليومين الأخيرين، دون الخروج في بعض النزهات الممتعة. حاولت الوصول إلى بحيرة يعتقد الأهالي، لسبب غير مفهوم، أنها لسان من البحر، وأثناء أحد مواسم الجفاف الشديد، اقتُرِح محاولة شق قناة منها من أجل توفير المياه، إلا أن القس أعلن — بعد المشورة — أن الأمر في غاية الخطورة؛ لأن من المحتمل أن تغمر المياه تشيلي بأسرها لو تم ربط البحيرة بالمحيط الهادي كما كان يُعتقد بوجه عام. صعدنا إلى ارتفاعٍ كبير؛ إلا أننا علقنا في الركام الثلجي؛ ما حال دون الوصول إلى هذه البحيرة الرائعة، وواجهنا بعض الصعوبات أثناء العودة. ظننت أننا فقدنا خيولنا حتمًا؛ إذ لم يكن ثمة وسيلة لتخمين مدى عمق الركام، وعجزت الدواب عن التحرك إلا قفزًا عند قيادتها. وأنذرت السماء السوداء بأن عاصفةً ثلجيةً جديدة في طريقها للتجمع؛ ومن ثم سعدنا كثيرًا حين فررنا. وبحلول الوقت الذي وصلنا فيه إلى قاعدة الجبال، بدأت العاصفة، ومن حسن حظنا أن هذا لم يحدث قبل ثلاث ساعات خلال النهار.

•••

«٢٦ أغسطس»، غادرنا جوجيل ومررنا على حوض مدينة سان فيليبي مرةً أخرى. كان اليوم يومًا تشيليًّا خالصًا: مشرقًا على نحوٍ ساطع والأجواء صافية للغاية. وأضفى الغطاء الكثيف والمتجانس من الجليد المتساقط مؤخرًا روعةً شديدة على مشهد بركان أكونكاجوا وسلسلة الجبال الأساسية. في ذلك الوقت، كنَّا في طريقنا إلى سانتياجو، عاصمة تشيلي. عبرنا جبل تالجوين، وبتنا في مزرعةٍ صغيرة. كان مُضيفنا متواضعًا للغاية وهو يتحدث عن وضع تشيلي مقارنةً بالدول الأخرى: «البعض يري بعينَين، والبعض يرى بعينٍ واحدة، ولكن في رأيي لا أظن أن تشيلي ترى بأيٍّ من العينين.»

•••

«٢٧ أغسطس»، بعد أن اجتزنا الكثير من التلال المنخفضة، هبطنا إلى سهل جيترون الصغير غير الساحلي. في الأحواض التي ترتفع عن سطح البحر بمسافة ١٠٠٠ أو ٢٠٠٠ قدم، كهذا الحوض، ينمو بأعدادٍ كبيرة نوعان من أشجار الأكاسيا، ذات الأشكال المتقزِّمة والتي يتباعد بعضها عن بعض بمسافاتٍ كبيرة. لا توجد هذه الأشجار مطلقًا بالقرب من الساحل؛ وهذا يضفي سمةً أخرى مميزة على المشهد الطبيعي في هذه الأحواض. اجتزنا سلسلة تلالٍ منخفضة تفصل سهل جيرتون عن السهل الكبير حيث تقع مدينة سانتياجو. كان المشهد هنا مذهلًا بشدة؛ فهناك السطح المستوي المغطَّى بغابات أشجار الأكاسيا في أجزاء منه، مع ظهور المدينة من بعيد على مرمى البصر، المتاخمة أفقيًّا لسفح جبال الأنديز والتي تظهر قممها الثلجية لامعة مع شمس الغروب. عند رؤية هذا المنظر الطبيعي للمرة الأولى، اتضح على نحوٍ جلي أن السهل يمثل امتدادًا لبحرٍ داخلي كان موجودًا من قبلُ. وبمجرد أن وصلنا إلى طريقٍ مستوٍ ركضنا بالخيول، حتى وصلنا إلى المدينة قبل حلول الظلام.

مكثت أسبوعًا في مدينة سانتياجو واستمتعت بوقتي كثيرًا. في الصباح، كنت أتَّجه إلى أماكنَ كثيرةٍ بالسهل، وفي المساء أتناول العشاء مع العديد من التجار الإنجليز المشهورين في هذا المكان بكرم الضيافة. كان من أحد مصادر المتعة المؤكدة تسلُّق الربوة الصخرية الصغيرة «سانت لوسيا» التي تبرز في وسط المدينة. لا شك أن المنظر الطبيعي مذهل إلى أقصى حد ومميز للغاية، كما قلتُ من قبلُ. ولقد علمت أن هذه السمة نفسها هي قاسمٌ مشترك بين المدن الموجودة على الرصيف المكسيكي الكبير. ليس لديَّ تفاصيل للإدلاء بها عن المدينة؛ فهي ليست رائعة للغاية أو كبيرة للغاية مثل بيونس أيرس، إلا أنها مبنية على الطراز ذاته. وصلت إلى هنا عبر جولة نحو الشمال؛ لذا عزمت على العودة إلى مدينة فالبارايزو عبر رحلةٍ أطول قليلًا جنوب الطريق المباشر.

•••

«٥ سبتمبر»، بحلول منتصف النهار، وصلنا إلى أحد الجسور المعلَّقة المصنوعة من جلود الحيوانات، والتي تمرُّ فوق نهر مايبو، وهو نهرٌ كبيرٌ مضطرب يقع على بُعد بضعة فراسخ جنوبي سانتياجو. وهذه الجسور ضعيفة للغاية؛ فالممر، الذي يتبع انحناءة الحبال المعلقة، مصنوع من حزم من الأعواد على مسافةٍ متقاربة. كان الجسر مليئًا بالفجوات ويهتزُّ على نحوٍ مخيف نوعًا ما حتى مع مرور رجل يقود حصانه فوق الجسر. في المساء، وصلنا إلى بيتٍ ريفيٍّ مريح؛ حيث وُجِدَ عدد من الآنسات الجميلات للغاية. صُدم الأهالي لدى دخولي، بدافع الفضول الصرف، إحدى كنائسهم. وسألوني: «لماذا لا تتحول إلى المسيحية؛ لأن ديننا هو دين الحق؟» أكدت لهم أنني مسيحي من ملةٍ أخرى؛ ولكنهم لم يسمعوا عنها. وردًّا على كلماتي قالوا: «هل القساوسة لديكم، أو بالأحرى الأساقفة، يتزوجون؟» وصُدموا على نحوٍ خاص من عبثية أن يحظى الأسقف بزوجة؛ إذ تضاربت مشاعرهم بين الصدمة والتعجب من جريمةٍ نكراءَ كهذه.

•••

«٦ سبتمبر»، مضينا في طريقنا نحو الجنوب، وبتنا ليلتنا في مدينة رانكاجوا. مرَّ الطريق من فوق السهل المنبسط الضيق، الذي يحدُّه تلالٌ شاهقة من جهة، وسلسلة الجبال من جهةٍ أخرى. في اليوم التالي بلغنا تل ريو كاشابوال، حيث تقع حمامات كايكيونيس الساخنة، الشهيرة منذ زمنٍ طويل بخصائصها الطبية. عادة ما تُفكَّك الجسور المعلقة، في الأجزاء الأقل ارتيادًا، أثناء فصل الشتاء حين يكون منسوب الأنهار منخفضًا. وكان هذا هو الحال في هذا الوادي؛ وبالتالي اضطررنا إلى اجتياز المجرى المائي على ظهور الخيول. كان هذا مكروهًا بلا ريب؛ لأن المياه المزبدة، رغم ضحالتها، تجري بسرعةٍ بالغة فوق قاع من الأحجار المستديرة الكبيرة؛ لدرجة تجعل المرء في ارتباكٍ شديد، ومن الصعب إدراك ما إذا كان الخيل يتحرك إلى الأمام أم يقف ثابتًا. وفي فصل الصيف، عندما يذوب الجليد، يتعذَّر اجتياز التيارات الجارفة؛ إذ إن قوَّتها وضراوتها تكون حينئذٍ شديدة جدًّا، كما يمكن أن يتضح بجلاء من العلامات التي تتركها. وصلنا إلى الحمامات في المساء، ومكثنا هناك خمسة أيام، وحُوصرنا آخر يومَين بسبب الأمطار الغزيرة. تتكون المباني من مربع من الأكواخ الصغيرة البائسة، يحتوي كلٌّ منها على منضدةٍ واحدة ومقعدٍ طويل. تقع هذه الأكواخ في وادٍ ضيقٍ عميق أمام سلسلة الجبال الوسطى مباشرة؛ وهو مكانٌ هادئ ومعزول يتَّسم بقدرٍ كبير من الجمال البري.
تتفجَّر ينابيع كايكيونيس المعدنية على امتداد خط انزياح لتعبر كتلة من الصخور الطباقية البعيدة عن تأثير الحرارة. وتتسرب باستمرار كميةٌ كبيرة من الغاز مع المياه من الفتحات نفسها. وعلى الرغم من أن الينابيع تفصلها بضع ياردات فقط، فإن لها درجات حرارة مختلفة للغاية؛ ويبدو أن هذا نتيجة منسوبٍ غير متكافئ للمياه الباردة؛ فالينابيع الأقل في درجات الحرارة ليس لها أي مذاقٍ معدني. بعد وقوع الزلزال الكبير عام ١٨٢٢، توقفت الينابيع عن التدفق، ولم ترجع المياه لمدة عام تقريبًا. كما أنها تأثرت كثيرًا بزلزال عام ١٨٣٥؛ إذ تغيرت درجات الحرارة فجأة من ١١٨ درجة إلى ٩٢ درجة.١ ويبدو على الأرجح أن المياه المعدنية التي ترتفع من أعماق الأرض دائمًا ما تتعكَّر بفعل الاضطرابات الواقعة تحت الأرض أكثر من تلك الأقرب إلى السطح. وقد أكد لي المسئول عن الحمامات أن المياه تكون ساخنة وغزيرة في فصل الصيف أكثر من فصل الشتاء. كان عليَّ أن أتوقَّع الحالة الأولى من المنسوب الأقل للمياه الباردة أثناء موسم الجفاف؛ ولكن يبدو التصريح الأخير غريبًا ومتناقضًا للغاية. أظن أن الزيادة الموسمية أثناء فصل الصيف، حين لا تتساقط الأمطار مطلقًا، لا يمكن تفسيرها إلا بذوبان الجليد؛ غير أن الجبال التي تغطيها الثلوج أثناء ذلك الموسم تبعد عن الينابيع بمسافة ثلاثة أو أربعة فراسخ. وليس لديَّ أيُّ سببٍ للتشكيك في دقة معلومات مصدري لهذه المعلومة، والذي عاش في المنطقة لعدة سنوات ولا بد أنه ملمٌّ بالأمر، الذي إن صح، فإنه غريبٌ جدًّا بكل تأكيد؛ لأننا نفترض حتمًا أن مياه الثلوج، والتي تجري عبر طبقات الأرض المسامية إلى المناطق الساخنة، تندفع مرةً أخرى إلى السطح عبر خط الصخور المزاحة والمحتقنة بالماء عند ينابيع كايكيونيس؛ وانتظام الظاهرة يبدو أنه يشير إلى أن الصخور الحرارية في هذه المنطقة توجد على عمق ليس بكبير للغاية.

ذات يوم، سرتُ عبر الوادي حتى وصلتُ إلى أبعد منطقةٍ آهلة بالسكان. بعد تلك النقطة بمسافةٍ قصيرة، ينقسم وادي كاشابوال إلى وَهْدَين عميقَين هائلَين يخترقان مباشرةً سلسلة الجبال الضخمة. تسلقتُ جبلًا مرتفعًا، يبلغ ارتفاعه على الأرجح أكثر من ٦٠٠٠ قدم. هنا، وكما هو الحال في أي مكانٍ آخر في الواقع، تعلن المناظر الطبيعية الأكثر إثارة عن نفسها. كان أحد هذين الوهدَين هو مدخل عصابة بنشيرا إلى تشيلي ومنها اجتاحت البلد المجاور. هذا هو الرجل نفسه الذي هاجم مزرعة في ريو نيجرو كنتُ قد وصفتها من قبلُ. كان شخصًا مارقًا نصف إسباني حشد مجموعةً كبيرة من الهنود واتخذ لنفسه موقعًا بالقرب من أحد المجاري المائية في سهول البامبا، وعجزت جميع القوات التي أُرسِلت لتعقُّبه عن اكتشاف المكان. ومن هذا الموضع، اعتاد شنَّ هجماته المباغتة، ومن خلال عبور سلسلة الجبال من خلال طرق لم تُرتدْ حتى الآن، نهب بيوت المزارع وساق الماشية إلى موقعه السري. كان بنشيرا فارسًا متمكنًا، جعل كل من حوله بالقدر نفسه من التمكن؛ إذ كان دائمًا يطلق النار على من يتردد في اتباعه. وقد شن روساس حرب إبادة ضد هذا الرجل وضد القبائل الهندية الهائمة.

figure
مشهد لسلسلة الجبال من سانتياجو.

•••

«١٣ سبتمبر»، غادرنا ينابيع كايكيونيس وعدنا إلى الطريق الرئيسي، وبتنا بمدينة ريو كلارو. ومن هذا المكان، انطلقنا إلى بلدة سان فرناندو. وقبل أن نصل إلى هناك، انبسط الحوض غير الساحلي الأخير إلى سهلٍ عظيم امتدَّ بعيدًا نحو الجنوب؛ حتى إن قمم جبال الأنديز البعيدة والمغطاة بالثلوج كانت تُرى وكأنها فوق أفق البحر. تبعد سان فرناندو عن سانتياجو بمسافة ٤٠ فرسخًا، وكانت أبعد نقطة نحو الجنوب وصلت إليها؛ ومن هناك استدرنا بزاوية قائمة نحو الساحل. بتنا في مناجم ياكويل للذهب، التي يديرها السيد نيكسون، وهو رجلٌ أمريكي أدين له بالكثير لما أبداه من جود وكرم خلال الأيام الأربعة التي مكثتها في منزله. في صباح اليوم التالي، امتطينا الخيول في طريقنا إلى المناجم الواقعة على مسافة بضعة فراسخ، بالقرب من قمة تلة عالية. في الطريق، رأينا لمحة من بحيرة تاجوا-تاجوا، المشهورة بجزرها العائمة التي وصفها السيد جاي.٢ تتكون هذه الجزر من سويقات عدة نباتاتٍ ميتةٍ متشابكة معًا، وعلى سطحها تمتد جذور نباتاتٍ حيةٍ أخرى؛ وهي ذات شكلٍ دائري بوجهٍ عام، ويتراوح سمكها من أربعة إلى ست أقدام، أغلبه مغمور تحت المياه. عندما تهب الرياح، تنتقل هذه الجزر من جانب البحيرة إلى الجانب الآخر، وغالبًا ما تحمل فوقها ماشية وخيولًا.

عندما وصلنا إلى المنجم، ذُهلتُ من شحوب الكثير من الرجال، واستعلمتُ من السيد نيكسون عن ظروفهم. يقع المنجم على عمق ٤٥٠ قدمًا، ويجلب كل رجل حجرًا يزن حوالي ٢٠٠ رطل. ويضطرون إلى تسلق الثقوب المتعاقبة المحفورة في جذوع الأشجار، والتي وضعت في خطٍّ متعرج أعلى مدخل المنجم بهذه الحمولة. حتى الشباب الأمرد، الذين تتراوح أعمارهم ما بين ثمانية عشر وعشرين عامًا، بأجسادهم ذات البناء العضلي الضعيف، يصعدون (وهم عراة تمامًا باستثناء السراويل) بهذه الأحمال الثقيلة من نفس العمق تقريبًا. حتى الرجل القوي، الذي لم يعتدْ هذا العمل المرهق، يتصبَّب عرقًا غزيرًا جدًّا من مجرد الصعود بجسده إلى أعلى. ورغم هذا العمل الشاق للغاية، يعيشون على الفاصوليا المسلوقة والخبز. وقد يُفضِّلون تناول الخبز وحده، إلا أن سادتهم — فور اكتشافهم أنهم لا يستطيعون العمل بكد بالاكتفاء بهذا — كانوا يعاملونهم مثل الخيول ويجعلونهم يتناولون الفاصوليا. والأجور هنا أعلى نوعًا ما من أجور العمال في مناجم جوجيل؛ إذ تتراوح بين ٢٤ و٢٨ شلنًا في الشهر. ويتركون المنجم مرةً واحدة كل ثلاثة أسابيع ليمكثوا مع أُسرهم لمدة يومَين. يبدو ذلك أحد القوانين الصارمة للغاية لهذه المناجم؛ إلا أنها تخدم مآرب السيد. والطريقة الوحيدة لسرقة الذهب هي إخفاء قطع من المعدن الخام، والخروج بها عندما تُتاح الفرصة. وعندما يكتشف المشرف قطعةً مخبأة على هذا النحو، تُخصم قيمتها بالكامل من أجور جميع العمال الذين يضطرون إثر ذلك لمراقبة بعضهم البعض على غير اتفاق بينهم.

عندما يُرسَل المعدن الخام إلى الطاحونة، يُطحَن إلى مسحوقٍ ناعم، وتزيل عملية غسله جميع الجسيمات الأخفِّ وزنًا، وفي النهاية تؤمِّن عملية خلط المعادن أو التملغم مسحوق الذهب. تبدو عملية الغسيل، عند وصفها، عمليةً سهلة للغاية؛ ولكن من الرائع أن ترى كيف أن المواءمة الدقيقة لتيار المياه مع الكثافة النوعية للذهب تفصل الشوائب المسحوقة عن المعدن بسهولة. يُجمع الحمأ الذي يمر من المطاحن في أحواض؛ حيث يترسَّب فيها ويُفرَغ من حين لآخر، ويُكدَّس في كومة. بعد ذلك يبدأ قدرٌ كبير من التفاعل الكيميائي، وتتفتَّت على السطح أملاح من مختلف الأنواع، وتصير الكتلة صلبة. وبعد أن يُترك لمدة عام أو عامَين، ثم يُعاد غسله مرةً أخرى، ينتج الذهب؛ وربما تُعاد هذه العملية ست أو سبع مرات؛ إلا أن كمية الذهب تصير أقل في كل مرة والفواصل الزمنية تكون أطول (لتوليد المعدن، على حد قول السكان). وما من شك أن التفاعل الكيميائي، الذي سبق ذكره آنفًا، يحرر في كل مرة الذهب النقي من مركَّبٍ ما. إن اكتشاف طريقة لإحداث هذا قبل عملية الطحن الأولى سيرفع بلا شك من قيمة خام الذهب عدة أضعاف. ومن الغريب أن تكتشف كيف أن جزيئات الذهب الدقيقة، في ظل تبعثرها المتبعثرة وعدم قابليته للتأكسد والصدأ، تتكدَّس في النهاية بكمياتٍ كبيرة إلى حدٍّ ما. بعد وقتٍ قصير من حصول بعض العمَّال بالمنجم — عاطلين عن العمل — على تصريح لنبش الأراضي حول المبنى والطاحونة، قاموا بغسل التراب الذي تم جمعه؛ ومن ثم حصلوا على ذهب بقيمة ثلاثين دولارًا. ويُعدُّ هذا مكافئًا دقيقًا لما يحدث في الطبيعة. فنجد الجبال تعاني من التدهور وتتعرض للتعرية، وكذلك العروق المعدنية التي تحتويها هذه الجبال. وتتحول أقسى الصخور إلى خبأ دقيق، وتتأكسد المعادن العادية، ويختفي كلاهما؛ إلا أن الذهب والبلاتين وبعض المعادن الأخرى تكاد لا تفنى، وتغوص إلى القاع بسبب أوزانها، وتترسب هناك. وبعد أن تمر الجبال كلها عبر هذه الطاحونة، وتُغسل بيد الطبيعة، يصير المتبقي محتويًا على رواسبَ معدنية، ويجد المرء أن الأمر يستحق أن يتمم مهمة فصل المعادن.

وبقدر ما تبدو المعاملة التي يلقاها عمَّال المناجم سيئة، فإنهم يستسيغونها ويتقبَّلونها عن طيب خاطر؛ لأن ظروف العمَّال الزراعيين أسوأ بكثير؛ فأجورهم أقل، ويعيشون على نحو شبه حصري على الفاصوليا. ولا بد أن هذا الفقر يرجع بصفةٍ أساسية إلى النظام شبه الإقطاعي الذي يتم فيه حرث الأرض؛ إذ يعطي صاحب الأرض قطعةً صغيرة منها للعامل، ليبني عليها ويزرعها، وفي المقابل يحصل على خدماته (أو من ينوبون عنه بالوكالة) طوال حياته، بلا أي أجر. ولا يحظى المرء بمن يعتني بأرضه، إلا في أيام عارضة، إلى أن يصير أبًا له ابن بالغ يستطيع أن يدفع الإيجار من عمل يده؛ ومن ثم ينتشر الفقر المُدْقِع انتشارًا رهيبًا بين الطبقات العمَّالية في هذا البلد.

توجد بعض الأطلال الهندية القديمة في هذا الحي، وقد عُرض عليَّ إحدى الصخور المثقوبة التي يذكر مولينا أنها موجودة بأعدادٍ كبيرة في أماكن كثيرة، وهي عبارة عن أحجار ذات شكلٍ دائريٍّ مفلطح، يتراوح قطرها من خمس إلى ست بوصات، وثقب يمر عبر المركز. وكان يُعتقد بوجهٍ عام أنها كانت تُستخدم كرءوس للهِرَاوات، رغم أن شكلها لا يبدو ملائمًا لذلك الغرض بأي حال. ويذكر بورتشيل٣ أن بعض القبائل في جنوب أفريقيا تقتلع جذور الأشجار بواسطة عصًا مستدَقَّة عند أحد طرفَيها، تزداد قوَّتها ووزنها بفعل حجرٍ مستدير به ثقب، مثبت بقوة عند الطرف الآخر. ويبدو من المحتمل أن هنود تشيلي كانوا يستخدمون فيما مضى بعض المعدات الزراعية البسيطة كهذه.

ذات يوم، جاء هاوٍ ألماني لجمع الأشياء المتعلقة بالتاريخ الطبيعي، يدعى رينوس، وجاء محامٍ إسبانيٌّ عجوز في الوقت ذاته تقريبًا. وقد سررتُ باطلاعي على الحديث الذي دار بينهما. كان رينوس يجيد التحدث بالإسبانية لدرجة أن المحامي العجوز ظنه تشيليًّا. سأله رينوس، وكان يقصدني، عن رأيه في إرسال ملك إنجلترا لهواة الجمع إلى بلاده ليجمعوا السحالي والخنافس ويكسروا الحجارة؟ فكَّر العجوز بجدية لبرهة، ثم قال: «الأمر ليس جيدًا، ثمة شيءٌ مريب في ذلك. لا يوجد شخص بهذا الثراء ليرسل أشخاصًا يجمعون مثل هذه النفايات. لا يعجبني ذلك؛ لو أراد أحد منا أن يسافر ويفعل أمورًا كهذه في إنجلترا، ألا تظن أن ملك إنجلترا سيرحلنا خارج بلاده في القريب العاجل؟» ينتمي هذا العجوز، كما يتضح من مهنته، إلى الطبقة الأذكى والأكثر اطلاعًا! لقد ترك رينوس نفسه، قبل عامين أو ثلاثة، بعض اليرقات في منزلٍ بسان فرناندو، تحت رعاية فتاة تقوم بإطعامها، على أمل أنها قد تتحول إلى فراشات. وسَرَت هذه الشائعة عبر البلدة، وفي النهاية تشاور القساوسة والحاكم معًا، وأجمعوا على أنها حتمًا بدعة؛ وبناء على ذلك ألقي القبض على رينوس عند عودته.

•••

«١٩ سبتمبر»، غادرنا ياكويل، وتابعنا السير في الوادي المنبسط، الشبيه في تكوينه بوادي كيوتا، والذي يتدفَّق عبره نهر تيندريدشيا. حتى على بعد هذه الأميال القليلة جنوب سانتياجو، يصير المناخ أكثر رطوبة بكثير، ونتيجة لذلك كانت توجد مساحاتٌ جيدة من المراعي لم تكن تُروَى. (٢٠ سبتمبر) اتبعنا هذا الوادي حتى تشعب إلى سهلٍ فسيح يمتد من البحر إلى الجبال غرب مدينة رانكاجوا. وسرعان ما اختفت من أمامنا جميع الأشجار وحتى الشجيرات؛ ومن ثم يفتقر أهالي المنطقة إلى الحطب كما هو الحال مع سكان سهول البامبا. لم أسمع من قبلُ عن هذه السهول؛ لذا اندهشتُ كثيرًا من رؤية منظرٍ طبيعي كهذا في تشيلي. تنتمي السهول إلى أكثر من سلسلة ذات ارتفاعاتٍ مختلفة، ويتخلَّلها وديانٌ فسيحةٌ مستوية القاع؛ ويشير كلا الأمرين إلى تأثير البحر على رفع الأرض تدريجيًّا، كما في باتاجونيا. في الأجراف الشديدة الانحدار المتاخمة لهذه الوديان، يوجد بعض الكهوف الضخمة، التي لا شك في أنها قد تكونت في الأصل بفعل الأمواج، ويعرف أحد هذه الكهوف باسم كويفا ديل أوبيسبو (كهف الأسقف)؛ كونه كان مُكرسًا فيما مضى. وأثناء اليوم، شعرت بتوعك شديد، ولم أتعافَ منذ ذلك الحين وحتى نهاية شهر أكتوبر.

•••

«٢٢ سبتمبر»، واصلنا المسير عبر السهول الخضراء دون أن نمرَّ على شجرةٍ واحدة. وفي اليوم التالي، وصلنا إلى منزل بالقرب من نافيداد، الواقعة على ساحل البحر، حيث وفَّر لنا صاحب ضيعة ثري مأوًى للمبيت. مكثت هنا اليومين التاليين، ورغم الوعكة الصحية الشديدة التي ألمَّت بي، تمكنتُ من جمع بعض القواقع البحرية من التكوين الجيولوجي الذي يرجع إلى العصر الثالث.

•••

«٢٤ سبتمبر»، الآن صارت وجهتنا نحو فالبارايزو، التي وصلت إليها بصعوبةٍ بالغة يوم ٢٧ سبتمبر، وهناك لازمتُ الفراش حتى نهاية شهر أكتوبر. وأثناء تلك الفترة، كنت نزيلًا في منزل السيد كورفيلد، الذي لا أعرف كيف أُعبِّر عن مدى كرمه معي.

•••

سأضيف هنا بضع ملاحظات عن بعض الحيوانات والطيور الموجودة في تشيلي. ينتشر الأسد الجبلي، أو أسد أمريكا الجنوبية، هناك. ولهذا الحيوان نطاقٌ جغرافيٌّ واسع؛ حيث يوجد في عدة أماكن بدءًا من الغابات الاستوائية، وعبر صحاري باتاجونيا، وصولًا إلى الجنوب حيث دوائر العرض الرطبة والباردة (٥٣ درجة حتى ٥٤ درجة) لأرخبيل أرض النار. لقد رأيت آثار أقدامه في سلسلة الجبال الموجودة في وسط تشيلي الوسطى، وعلى ارتفاع ١٠ آلاف قدم على الأقل. في لابلاتا، يفترس الأسد الجبلي بالأساس الأيائل والنعام والبيزكاتشا الجبلية وغيرها من رباعيات الأقدام الصغيرة، وقليلًا ما يهاجم الماشية أو الخيول، ونادرًا جدًّا ما يهاجم البشر. رغم ذلك، يفترس الأسد الجبلي في تشيلي الكثير من صغار الخيول والماشية، وهو ما يُعزى على الأرجح إلى ندرة رباعيات الأقدام الأخرى، وكذلك سمعت أن رجلَين وامرأة قُتلوا بالطريقة نفسها. وثمة تأكيد على أن الأسد الجبلي دائمًا ما يقتل فريسته من خلال القفز على كتفَيها ثم سحب رأسها إلى الوراء بأحد مخالبه حتى تنكسر الفقرات، لقد رأيت الهياكل العظمية للجوانيق في باتاجونيا وقد خُلعت أعناقها على هذا النحو.

يغطي أسد الجبال الجيفة — بعد تناول حواشيها — بعدَّة شجيراتٍ كبيرة، ويرقد ليراقبها. غالبًا ما تكون هذه العادة هي السبب وراء اكتشاف مكانه؛ إذ إن نسور الكوندور المحلِّقة في الهواء، تهبط بين الحين والآخر لتشارك في الوليمة، وحين يتم إبعادها في غضب، تطير مرتفعة لأعلى. حينئذٍ يعرف الهياسوس التشيليون أن ثمة أسدًا يراقب فريسته، وينتشر الخبر، ويخرج الرجال والكلاب سريعًا للمطاردة. ويقول السير إف هيد إن الجاوتشو في منطقة البامبا ما إن يشاهدوا نسور الكوندور تُحلِّق في السماء حتى يصيحوا «أسد!» ولم يتسنَّ لي مطلقًا أن ألتقي بأحد يتظاهر بمثل هذه القدرات على الملاحظة الدقيقة. وثمة تأكيد على أنه إذا وقع أسد الجبال في الفخ بسبب مراقبة الجيفة، ثم تم اصطياده، فإنه لا يعود مطلقًا إلى هذه العادة، لكنه بمجرد أن يشبع حتى التخمة؛ فإنه يهيم بعيدًا. يسهل قتل الأسد الجبلي؛ ففي المناطق المفتوحة، يتم الإيقاع به باستخدام البولاس، ثم تقييده باللازو أو الوهق وسحبه على الأرض حتى يفقد الوعي. في مدينة تانديل (جنوب لابلاتا)، أخبروني أنه في غضون ثلاثة أشهر قُتل حوالي مائة أسد أمريكي بهذه الطريقة. وفي تشيلي، عادة ما تُساق هذه الأسود بين الشجيرات أو الأشجار، ثم يُطلق عليها النار أو تستدرجها الكلاب إلى الموت. والكلاب المستخدمة في هذه المطاردة تنتمي إلى سلالةٍ خاصة، تُسمى ليونيرو؛ وهي كلابٌ هزيلة وضعيفة البنية، أشبه بكلاب الترير ذات الأرجل الطويلة؛ إلا أنها مولودة بغريزةٍ معينة لهذا النشاط. يوصف الأسد الجبلي بكونه حيوانًا ماكرًا للغاية؛ فعند مطاردته، غالبًا ما يعود أدراجه على نفس مساره السابق، ثم يقفز فجأة على أحد الجانبين، وينتظر في ذلك الموضع حتى تمر الكلاب. كما أنه حيوان هادئ جدًّا، لا يزأر حتى عندما يُصاب بجرح، ونادرًا ما يزأر أثناء موسم التزاوج.

أما بالنسبة إلى الطيور، فثمة نوعان من جنس الرمازيات (طائر الشقبان وطائر خطاف الذباب المنتشران في مدينة كيتليتز) ربما هما الأبرز على الإطلاق. يتميز النوع الأول — ويطلق عليه التشيليون «التوركو»، بحجمه الكبير الذي يعادل حجم طائر الدج، الذي يتشابه معه بعض الشيء؛ إلا أن ساقَيه أطول كثيرًا وذيله أقصر ومنقاره أقوى، ولونه بنيٌّ مائل للحمرة. ينتشر طائر التوركو هنا؛ فهو يعيش على الأرض، مختبئًا بين الأيكات المنتشرة عبر التلال الجافة والجدباء. ولعلك تراه بين الحين والآخر، بذيله المنتصب وساقَيه الشبيهتَين بساقَي طائر الكرسوع، يثب من شجيرة إلى أخرى بسرعةٍ استثنائية. والأمر يتطلب حقًّا قليلًا من الخيال لتعتقد أن الطائر يشعر بالإحراج من نفسه ويدرك شكله المضحك. فعند رؤيته للوهلة الأولى، يجد المرء نفسه مدفوعًا للتعجب منه؛ فهو يشبه «عينة محنَّطة على نحوٍ بائس هاربة من أحد المتاحف، ودبَّت فيها الحياة مرةً أخرى!» ويستحيل إجباره على الطيران بدون بذل جهد ضخم، كما أنه لا يركض، وإنما يثب فحسب. والصيحات العالية والمتنوعة التي يصدرها الطائر عند اختبائه بين الشجيرات غريبة كمظهره. ويُقال إنه يبني عشه في حفرةٍ عميقة تحت الأرض. وقد قمت بتشريح عدة عينات، وفحصت القانصة، التي كانت تتسم بقوةٍ عضليةٍ بالغة، وتحتوي على خنافس وأليافٍ نباتية وحصى. ومن هذه السمة، ومن طول ساقَيه، وقدمَيه النابشتَين، والأغشية التي تغطي فتحتَي الأنف، والجناحَين القصيرَين والمقوسَين، يبدو هذا الطائر بدرجةٍ ما حلقة وصل بين فصيلة السمنة ورتبة الدجاجيات.

النوع الثاني (أو طائر خطاف الذباب من جنس الرمازيات) يتشابه مع النوع الأول في شكله العام. ويُطلق عليه تاباكولو أو ترجمتها «غطِّ مؤخرتك!» والطائر الصغير الرقيع يستحقُّ اسمه؛ فهو يحمل ذيله في وضعية أكثر من منتصبة، أي تميل إلى الخلف نحو رأسه. وهو منتشر جدًّا ويتردد على الأجزاء السفلية من الأسيجة النباتية، والشجيرات المنتشرة عبر التلال القاحلة، حيث يكاد ينعدم وجود أي طيورٍ أخرى. يحمل هذا الطائر تشابهًا وثيقًا مع طائر التوركو في سلوكه العام في التغذية، وسرعة خروجه من الأيكات قفزًا ورجوعه إليها مرةً أخرى، ورغبته في الاختباء، وعزوفه عن الطيران، وطريقته في بناء العش؛ إلا أن شكله الخارجي ليس مضحكًا للدرجة. وطائر التاباكولو ماكر للغاية؛ فعندما يخيفه أحد، يبقى ساكنًا بلا حركة أسفل شجيرة، وبعد وقتٍ قصير يحاول ببراعةٍ شديدة أن يزحف مبتعدًا إلى الجهة المقابلة. وهو طائر نشيط ويصدر أصواتًا باستمرار، وهي أصواتٌ متنوعة وعجيبة على نحوٍ غريب؛ بعضها يشبه هديل الحمام، والبعض الآخر يشبه بقبقة الماء، والكثير منها يستعصي على التشبيه. ويقول الريفيون إنه يُغيِّر صيحته خمس مرات في العام وفقًا لتغييرٍ موسميٍّ ما، على ما أظن.٤
figure
مهماز ورِكاب من دولة تشيلي … إلخ.

ثمة نوعان من الطيور الطنانة ينتشران هنا؛ إذ يوجد الطائر الطنان المتشعب الذيل عبر مساحة تمتد ٢٥٠٠ ميل على الساحل الغربي، من مدينة ليما الحارة الجافة إلى غابات أرض النار؛ حيث قد تُشاهَد وهي ترفرف أثناء العواصف الثلجية. وفي جزيرة تشيلوي ذات الأشجار الكثيفة والتي تتسم بمناخٍ شديد الرطوبة، ربما يكون هذا الطائر الصغير — الذي يثب من جانب إلى آخر وسط أوراق الشجر التي تقطر بالمياه — أكثر وفرة من أي نوع آخر. قمت بتشريح بطون عدة عينات، اصطيدت من أماكنَ مختلفةٍ بالقارة، ووجدت فيها جميعًا بقايا حشراتٍ كثيرة جدًّا كتلك الموجودة في بطن طائر متسلق الأشجار. عندما يهاجر هذا النوع في فصل الصيف نحو الجنوب، يحل محلَّه نوعٌ آخر يأتي من الشمال. أما النوع الثاني (الطنان العملاق) فهو طائرٌ كبير للغاية مقارنة بالفصيلة الضعيفة البنية التي ينتمي إليها، وعندما يطير، يبدو شكله متفردًا. ومثل غيره من الطيور من نفس الجنس، ينتقل من مكان لآخر بسرعة قد تقارن بسرعة حشرة السيرفيدة بين الحشرات، وسرعة عثة أبو الهول بين العثث، ولكن أثناء الحومان فوق الزهور، يخفق أجنحته بحركةٍ بطيئةٍ جدًّا وقوية، مختلفة تمامًا عن الحركة الاهتزازية المعتادة بين أغلب الأنواع التي تصدر الصوت الطنان. لم أرَ في حياتي من قبلُ طائرًا تبدو قوة جناحَيه بالغة للغاية مقارنةً بوزن جسده (كما في الفراشات). وعندما يحوم بالقرب من زهرة، يتمدَّد ذيله باستمرار وينكمش مثل المروحة، بحيث يظل الجسد في وضعيةٍ عمودية تقريبًا. يبدو أن هذا السلوك يدعم الطائر ويحافظ على اتزانه بين حركات جناحَيه البطيئة. وبالرغم من طيرانه من زهرة إلى أخرى بحثًا عن الغذاء، فقد احتوت بطنه عمومًا على كميةٍ وفيرة من بقايا الحشرات التي أظن أنها هدف لبحثه أكثر من العسل. ونبرة صوت هذا النوع، كما هو الحال مع الفصيلة بأكملها تقريبًا، حادة للغاية.

هوامش

(١) كالدكلو، من دورية «فيلوسوفيكال ترانزاكشنز»، لعام ١٨٣٦.
(٢) «أنال دي سيونس ناتوريل»، مارس، ١٨٣٣. السيد جاي، عالم طبيعة متحمِّس وموهوب، انشغل في ذلك الوقت بدراسة كل فرع من فروع تاريخ الطبيعة عبر جميع أنحاء المملكة التشيكية.
(٣) كتاب «الأسفار» لبورتشيل، المجلد الثاني، صفحة ٤٥.
(٤) من الجدير بالملاحظة أن مولينا، رغم وصفه التفصيلي لجميع الطيور والحيوانات الموجودة في تشيلي، لم يأتِ مطلقًا على ذكر هذا الجنس، الذي تنتشر أنواعه انتشارًا كبيرًا وتتميز عاداتها بكونها استثنائية. هل شعر بالحيرة حيال كيفية تصنيفها، وهل لذلك السبب اعتقد أن التزام الصمت هو التصرف الأكثر حصافة؟ إنه مثالٌ آخر على تكرار حذف الكتَّاب لتلك الموضوعات حيثما لا يتوقع أحد حذفها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠