الفصل الثالث عشر

تشيلوي – الطابع العام – نزهة بالقارب – الهنود الأصليون – مدينة كاسترو – ثعالب أليفة – صعود سان بيدرو – أرخبيل تشونوس – شبه جزيرة تريز مونتيز – سلسلة الجبال الجرانيتية – بحارة القارب المحطم – ميناء لوو – البطاطا البرية – تكوين الخُث – فأر النهر (الكيب) والقضاعة البحرية والفئران – تشوكاو تاباكولو وطائر النباح – طائر الصُّقْلُود الشائع – خاصية فريدة لعلم الطيور – طائر النوء.

***

جزر تشيلوي وتشونوس

figure
كنيسة عتيقة، مدينة كاسترو، جزيرة تشيلوي.
«١٠ نوفمبر»، أبحرت البيجل من فالبارايزو نحو الجنوب، بغرض مسح الجزء الجنوبي من تشيلي، وجزيرة تشيلوي، والأرض الوعرة المسماة بأرخبيل تشونوس، وحتى أقصى الجنوب وصولًا إلى شبه جزيرة تريز مونتيز. وفي اليوم الحادي والعشرين من الشهر نفسه، رست السفينة بخليج سان كارلوس، عاصمة تشيلوي.

يبلغ طول هذه الجزيرة حوالي ٩٠ ميلًا، ويقلُّ عرضها عن ٣٠ ميلًا. والأرض هنا منحدرة كثيرة التلال، ولكن ليست جبلية، ومغطاة بغابةٍ واحدةٍ كبيرة، باستثناء الأماكن التي أُزيلت منها بعض الرقع الخضراء حول الأكواخ المسقوفة بالقش. ومن على بُعد، يشبه المشهد إلى حدٍّ ما ذلك المشهد في أرخبيل أرض النار؛ ولكن الغابات، عند رؤيتها عن كثب أكثر، تبدو أجمل على نحوٍ منقطع النظير. فثمة أنواعٌ كثيرة من الأشجار الدائمة الخضرة الرائعة والنباتات ذات الطابع الاستوائي تحلُّ محلَّ أشجار الزان الكئيبة المنتشرة على الشواطئ الجنوبية. في فصل الشتاء، يكون المناخ بغيضًا جدًّا، وفي فصل الصيف، يكون أفضل قليلًا. أعتقد أن ثمة بضعة أجزاء قليلة من العالم، في نطاق المناطق المعتدلة، تتساقط فيها الأمطار بكثافة. الرياح عاصفة للغاية، والسماء ملبَّدة بالغيوم على نحوٍ شبه دائم؛ حتى إن قضاء أسبوع من الطقس الجيد يُعدُّ أمرًا رائعًا. ومن الصعب أن ترى ولو لمحةً خاطفة من سلسلة الجبال؛ ففي أول زيارة لنا، برز بركان أوسورنو على نحوٍ جلي مرةً واحدة، وكان هذا قبل شروق الشمس؛ كان مشهدًا مُثيرًا للفضول، أن ترى الخط الكفافي يتلاشى تدريجيًّا مع شروق الشمس تحت وهج السماء الشرقية.

ويبدو أن ثلاثة أرباع الدماء التي تجري في أوردة السكان، من طبيعة بشرتهم وقصر قامتهم، دماءٌ هندية؛ وهم مجموعة من الرجال المتواضعين والهادئين والكادحين. وعلى الرغم من أن التربة الخصبة، الناتجة عن تحلُّل الصخور البركانية، تُعزِّز زراعة مجموعةٍ كبيرة من النباتات، فإن المناخ غير مواتٍ لأي نبات يتطلب قدرًا كبيرًا من أشعة الشمس لينضج. توجد مساحةٌ صغيرة للغاية من الكلأ لرباعيات الأقدام الأكبر حجمًا؛ ونتيجة لذلك، فإن المصادر الأساسية للغذاء هي الخنازير والبطاطا والأسماك. ويرتدي الجميع ملابسَ صوفيةً متينة، تصنعها كل أسرة بنفسها وتصبغها باللون الأزرق الداكن. ورغم ذلك، فإن الحِرف في أبسط حالةٍ ممكنة، كما قد يتبيَّن في طريقتهم الغريبة في حرث الأرض، وطريقتهم في الغزل وطحن الذرة وبناء القوارب. والغابات منيعة وصعبة الاختراق لدرجة يتعذَّر معها زراعة الأرض في أي مكان باستثناء الأماكن القريبة من الساحل وعلى الجزر الصغيرة المجاورة. حتى حيثما توجد طرق، يتعذَّر المرور فيها بسبب طبيعة التربة الناعمة والسبخة. ويتنقل السكان، شأنهم شأن السكان في أرض النار، بالأساس إما على الشاطئ وإما على متن القوارب. وعلى الرغم من وفرة الغذاء، فإن السكان فقراء للغاية؛ إذ لا يوجد طلب على العمالة، ومن ثمَّ تعجز الطبقات الدنيا عن جمع المال الكافي لشراء حتى أبسط الرفاهيات. ويوجد أيضًا عجزٌ كبير في وسائل التبادل النقدي. فلقد رأيت رجلًا يحمل على ظهره جوالًا من الفحم ليشتري به شيئًا زهيدًا، وآخر يحمل لوحًا خشبيًّا ليبادله بزجاجة خمر؛ ومن ثم، فإن أي حرفيٍّ لا بد أن يكون تاجرًا أيضًا، ليبيع البضائع التي يحصل عليها مرةً أخرى في المقابل.

•••

«٢٤ نوفمبر»، أُرسِل القارب الشراعي وقارب بمجاديف تحت قيادة السيد سوليفان (الذي صار الآن قبطانًا) لمسح الساحل الشرقي أو الداخلي لجزيرة تشيلوي؛ وكان يحمل أوامر باستقبال سفينة البيجل عند أقصى الطرف الجنوبي للجزيرة؛ وهي النقطة التي ستنطلق إليها السفينة بالانعطاف إلى الخارج؛ ومن ثم تبحر حول الجزيرة بأكملها. لقد رافقتُ هذه البعثة، ولكن بدلًا من الصعود على متن أحد القاربين في اليوم الأول، استأجرتُ خيولًا لتقلَّني إلى قرية تشاكاو، عند أقصى الطرف الشمالي للجزيرة. يسير الطريق بمحاذاة الساحل ليتقاطع بين الحين والآخر مع النتوءات الخليجية المغطاة بالغابات الرائعة. في هذه الدروب المظلَّلة، من الضروري قطعًا أن يكون الطريق بأكمله مصنوعًا من جذوع الأشجار التي تُقطع إلى مربعاتٍ متساوية وتوضع بعضها بجوار بعض. ونظرًا لأن أشعة الشمس لا تخترق الأوراق الدائمة الخضرة، فالأرض رطبة وطرية للغاية؛ ولولا ذلك لمَا استطاع المرء أو الخيل المرور. وصلتُ إلى قرية تشاكاو بعد فترةٍ قصيرة من نصب الخيم الخاصة بالقاربين لقضاء الليلة.

تمت تسوية الأرض وتطهيرها في هذه المنطقة على نحوٍ موسع، وكان ثمة الكثير من الأركان الهادئة والرائعة في الغابة. كانت تشاكاو الميناء الرئيسي للجزيرة سابقًا؛ ولكن فُقدت سفنٌ كثيرة، بسبب التيارات والصخور الخطيرة الموجودة في المضايق، وقيام الحكومة الإسبانية بإحراق الكنيسة؛ مما اضطر عددًا كبيرًا من الأهالي إلى الهجرة إلى مدينة سان كارلوس. لم نعسكر في العراء لوقتٍ طويل حتى جاء ابن حاكم القرية حافي القدمَين لاستطلاع أمرنا. وما إن رأى علم إنجلترا مرفوعًا على صاري المركب الشراعي، حتى تساءل في لامبالاةٍ شديدة عما إذا كانت السفينة بصدد مهاجمة تشاكاو واحتلالها على نحوٍ دائم. ففي عدة أماكن، كثيرًا ما كان الأهالي يُصابون بالدهشة عند ظهور القوارب الحربية، ويأملون ويعتقدون أنها تمهد الطريق للأسطول الإسباني القادم لاستعادة الجزيرة من الحكومة الوطنية التشيلية. غير أن جميع رجال السلطة كانوا قد أُبلِغوا بزيارتنا المزمَعة، وكانوا في غاية التهذيب والتحضُّر. وبينما كنَّا نتناول العشاء، جاء الحاكم لزيارتنا. كان يحمل رتبة مقدم في الجيش الإسباني، ولكنه الآن يعاني من الفقر المُدْقِع. أهدانا خروفَيْن، وفي المقابل قَبِل منديلَين قطنيَّين وبعض الحلي النحاسية والقليل من التبغ.

•••

«٢٥ نوفمبر»، انهمرت السيول؛ ورغم ذلك تمكنَّا من الركض عبر الساحل وصولًا إلى هوابي-لينو. يتميز هذا الجانب الشرقي من تشيلوي بأكمله بسِمَةٍ واحدة؛ فهو عبارة عن سهل يتخلَّله أودية وينقسم إلى جزرٍ صغيرة، والأرض بأكملها مغطاة بكثافة بغابةٍ واحدةٍ خضراءَ داكنة ومنيعة. وعلى الأطراف، توجد بعض المساحات الخالية التي تحيط بالأكواخ ذات الأسقف العالية.

•••

«٢٦ نوفمبر»، بزغ النهار صافيًا متألقًا. كانت ثمة أدخنةٌ كثيفة تتصاعد من بركان أوسورنو. برز هذا الجبل الشديد الجمال — الذي تشكل على هيئة مخروطٍ تام، واكتسب لونًا أبيض نتيجة تساقط الثلوج — أمام سلسلة الجبال. انبعثت من الفوَّهة الضخمة لبركانٍ شامخٍ آخر، ذي قمةٍ سرجية الشكل، دفعاتٌ صغيرة من البخار. بعد ذلك، رأينا جبل كوركوفادو ذا القمة العالية والذي يستحق عن جدارة اسم «كوركوفادو الشهير». وهكذا، رأينا من وجهةٍ واحدة ثلاثة براكينَ كبيرةً نشطة، يبلغ ارتفاع كلٍّ منها ٧٠٠٠ قدم. بالإضافة إلى هذا، كان ثمة قممٌ مخروطيةٌ شاهقةٌ أخرى مغطاة بالثلوج أقصى الجنوب، والتي تتسم حتمًا بطبيعتها البركانية رغم أنها لا تشتهر بكونها نشطة. في هذه المنطقة، لا نجد خط جبال الأنديز مرتفعًا للغاية كما هو في تشيلي، ولا يبدو أنه يُشكِّل حاجزًا كاملًا بين أقاليم الأرض. وبسبب خدعةٍ بصرية، تبدو دومًا هذه السلسلة العظيمة من الجبال — رغم أنها تمتد في خطٍّ مستقيم إلى الشمال والجنوب — مقوسة تقريبًا؛ لأن الخطوط الممتدة من قمم الجبال إلى عين الناظر تلتقي بالضرورة عند نقطةٍ واحدة مثل نصف قطر لنصف دائرة، ونظرًا لاستحالة تحديد المسافة التي تقع عندها أبعد القمم (بسبب صفاء الأجواء وغياب كل الأجسام الوسيطة)، فقد بدت منتصبة على هيئة نصف دائرةٍ مسطحة نوعًا ما.

حين رست السفينة في وقت الظهيرة، رأينا أسرة من أصولٍ هنديةٍ خالصة. كان الأب يُشبه عمدة مدينة يورك على نحوٍ استثنائي، كما أن بعض الفتيان الأصغر سنًّا قد يبدون للناظر خطأً أنهم هنود من سهول البامبا بسبب بشرتهم المتورِّدة. كل شيء رأيته يقنعني أن القبائل الأمريكية المختلفة تربطها صلةٌ وثيقة رغم أنهم يتحدَّثون بلغاتٍ متباينة. كانت هذه المجموعة تستطيع التحدث بالإسبانية قليلًا، ولكنهم يتحدَّثون، بعضهم إلى بعض، بلغتهم الأم. من الممتع أن ترى السكان الأصليين وقد حققوا القدر نفسه من التقدم الحضاري، رغم أنه قد يبدو ضئيلًا بجوار ما حققه الغزاة البيض.

حين توغلنا أكثر نحو الجنوب، رأينا الكثير من الهنود الأصليين، بل إن جميع سكان بعض الجزر الصغيرة يحتفظون بألقابهم الهندية. ووفقًا لتعداد السكان لعام ١٨٣٢، بلغ تعداد سكان جزيرة تشيلوي والأقاليم التابعة لها ٤٢٠٠٠ نسمة، ويبدو أن عددًا كبيرًا منهم ذوو دماء مختلطة. ويحتفظ ١١٠٠٠ نسمة بألقابهم الهندية، ولكن ليس جميعهم على الأرجح يتمتعون بنسَبٍ خالص. وأسلوب حياتهم يشبه أسلوب حياة غيرهم من السكان الفقراء، ويدينون جميعًا بالمسيحية؛ ولكن يُقال إنهم ما زالوا يحتفظون ببعض الطقوس الغريبة المرتبطة بالخرافات، وإنهم يدَّعون الاتصال بالشيطان داخل كهوفٍ معينة. وكان أي شخص يُدان بهذه الجريمة فيما مضى يعرض على محكمة التفتيش بمدينة ليما. ولا يمكن تمييز الكثير من السكان — الذين لا يندرجون ضمن الأحد عشر ألف نسمة الحاملين لألقابٍ هندية — عن الهنود من مظهرهم الخارجي. فينحدر جوميز — حاكم جزيرة ليموي — من أصولٍ إسبانيةٍ نبيلة من ناحية الأب والأم؛ إلا أن الرجل صار هنديًّا بسبب تزاوج أسلافه المستمر مع السكان الأصليين. من ناحيةٍ أخرى، يتفاخر حاكم جزيرة كينشاو كثيرًا باحتفاظه بنسبه الإسباني خالصًا.

في المساء، وصلنا إلى خليجٍ صغيرٍ جميل، شمال جزيرة كوكاهيو. يشتكي الناس هنا من نقص الأراضي. ويرجع جزء من السبب إلى إهمالهم وعدم إزالتهم الغابات، وجزءٌ آخر من السبب يرجع إلى القيود التي تفرضها الحكومة والتي تقتضي ضرورة دفع شلنين إلى خبير مسح الأراضي لقياس كل ١٥٠ ياردةً مربعة، قبل شراء قطعة أرض حتى لو كانت صغيرة، بالإضافة إلى سداد السعر الذي يحدده الخبير نظير قيمة الأرض أيًّا كان. وبعد تقييمه لسعر الأرض، لا بد من عرضها في مزادٍ علني ثلاث مرات، فإذا لم يقدِّم أحد عطاءً أعلى، يستطيع المشتري أن يحصل عليها بذلك السعر. ولا بد أن كل هذه الابتزازات تمثل عائقًا خطيرًا أمام تسوية الأراضي، حيث يعاني الأهالي من الفقر المُدْقِع. في معظم الدول، تزال الغابات بدون صعوباتٍ كثيرة بواسطة النيران؛ ولكن في جزيرة تشيلوي، ونظرًا لطبيعة المناخ الرطب ونوعية الأشجار، من الضروري قطعها أولًا. ويُعدُّ هذا عائقًا فادحًا أمام ازدهار تشيلوي. أثناء الحكم الإسباني، لم يكن في استطاعة الهنود امتلاك الأراضي؛ لدرجة أن أسرة بالكامل قد تُرحَّل بعد تسويتها قطعة أرض، وتستولي الحكومة على ملكية الأرض. وتقيم السلطات التشيلية الآن العدالة من خلال تعويض هؤلاء الهنود الفقراء بمنح كل رجل جزءًا معينًا من الأرض وفقًا لوضعه في الحياة. وقيمة الأرض غير المطهرة قليلة للغاية. وقد منحت الحكومة السيد دوجلاس (خبير مسح الأراضي الحالي الذي أطلعني على هذه الظروف) ثمانية أميال مربعة ونصف ميل من الغابة الموجودة بالقرب من مدينة سان كارلوس، سدادًا لدَين؛ والتي قام ببيعها مقابل ٣٥٠ دولارًا، أي حوالي ٧٠ جنيهًا إسترلينيًّا.

كان اليومان التاليان رائعَين، وفي المساء وصلنا إلى جزيرة كينشاو. تعدُّ هذه المنطقة أكثر جزءٍ مزروع من الأرخبيل؛ حيث يُجرف شريطٌ واسع من الأرض على ساحل الجزيرة الرئيسية بالكامل تقريبًا وكذلك الكثير من الأراضي المجاورة الأصغر مساحة. تبدو بعض بيوت المزارع وثيرةً جدًّا. ومن ثم، انتابني الفضول للتحقق من مدى الثراء الذي ربما يكون عليه هؤلاء الأشخاص، ولكن يقول السيد دوجلاس إنه لا يمكن اعتبار أحد منهم صاحب دخلٍ ثابت. فربما يجمع أحد أغنى ملاك الأراضي ثروة تصل إلى ١٠٠٠ جنيه إسترليني عبر حياةٍ طويلةٍ كادحة؛ ولكن لكي يحدث هذا، لا بد أن تُخبَّأ كل هذه الثروة في ركنٍ سري؛ إذ إنه من عادة كل الأسر تقريبًا إخفاء جرة أو صندوق تحت الأرض.

•••

«٣٠ نوفمبر»، في وقتٍ مبكر من صبيحة يوم الأحد، وصلنا إلى مدينة كاسترو، العاصمة القديمة لجزيرة تشيلوي؛ ولكنها صارت الآن مكانًا مهجورًا ومهملًا إلى أقصى حد. أمكن رؤية أثر التخطيط المعتاد للمدن الإسبانية على هيئة شكلٍ رباعي الزوايا؛ غير أن الميدان والشوارع كانت مُغطاة بطبقةٍ عشبيةٍ خضراء ترعى فيها الأغنام. والكنيسة — التي تقف في وسط المدينة — مبنية بالكامل بالألواح الخشبية وتتميز بشكلٍ رائع ومهيب. قد يُلاحَظ فقر المكان من حقيقة أن واحدًا من مجموعتنا تعذر عليه شراء رطل سكر أو سكينٍ تقليدية من أي مكان بالمدينة رغم أنها تضم بضع مئات من السكان. ولم يكن أحد يمتلك ساعة يد أو ساعة حائط، وعُيِّن رجلٌ عجوز — يُفترض أن لديه درايةً جيدة بالوقت — ليدقَّ جرس الكنيسة معتمدًا على تخمين الوقت. كان وصول قواربنا حدثًا نادرًا في هذا الركن الهادئ المنعزل من العالم؛ حتى إن جميع الأهالي تقريبًا أتوا إلى الشاطئ ليشاهدونا ونحن ننصب خيامنا. كانوا مهذَّبين للغاية وعرضوا علينا توفير منزل لنا، وأرسل لنا أحدهم برميلًا من نبيذ التفاح هدية. بعد الظهر، قمنا بزيارة إلى الحاكم، وهو رجلٌ عجوز هادئ الطبع، لا يرقى — من مظهره الخارجي وأسلوب معيشته — إلى مقارنته بساكن كوخ إنجليزي. في المساء، انهمرت أمطارٌ غزيرة، لم تكن كافية لإبعاد دائرةٍ كبيرة من المتفرجين عن خيامنا؛ حتى إن أسرةً هندية، جاءت من كايلن على متن زورق كانو للمقايضة، خيمت بالقرب منا. ولم يكن لديهم مأوًى يحميهم أثناء سقوط الأمطار. وفي الصباح، سألت شابًّا هنديًّا كان مبتلًّا بالكامل كيف قضى الليلة. بدا راضيًا تمامًا وهو يجيب: «بأحسن حال، يا سيدي.»

•••

«١ ديسمبر»، توجَّهنا إلى جزيرة ليموي. كنت متلهِّفًا إلى استكشاف منجم فحم كنتُ قد سمعتُ عنه، والذي تبيَّن أنه فحم الليجنيت الزهيد القيمة، في الحجر الرملي (الذي يعود على الأرجح إلى العصر الجيولوجي الثالث القديم) الذي تتكون منه هذه الجزر. عندما وصلنا إلى جزيرة ليموي واجهنا صعوبةً بالغة في العثور على مكان لنصب خيامنا فيه، وكان ذلك بسبب تيارات المد المرتفع والأرض الممتلئة بالأشجار حتى حافة المياه. وفي غضون وقتٍ قصير، تجمَّع حولنا مجموعةٌ كبيرة من السكان ذوي الأصل الهندي شبه الخالص. كانوا في غاية الدهشة من مجيئنا، وقال أحدهم للآخر: «هذا هو السبب في أننا رأينا عددًا كبيرًا من الببغاوات مؤخرًا؛ لم يصِحْ طائر التشوكاو «احذروا» من فراغ (وهو طائرٌ صغيرٌ غريب الشكل أحمر الصدر يعيش في الغابات الكثيفة ويُصدر أصواتًا غريبة للغاية).» وسرعان ما تهافتوا على المقايضة. لم يكن المال يساوي شيئًا تقريبًا؛ غير أن تلهُّفهم للتبغ كان أمرًا استثنائيًّا للغاية. ومن حيث القيمة، يأتي نبات النيلة في المرتبة التالية للتبغ، ثم يأتي الفلفل الأحمر الحار والملابس القديمة والبارود. وقد كان الأخير مطلوبًا لغرضٍ بريء للغاية؛ إذ كانت كل أبرشية تمتلك بندقيةً قديمة معروضة للجمهور، وكان البارود مطلوبًا لإحداث ضجة في أعياد القديسين أو أيام الأعياد.

يعيش الأهالي هنا بصفةٍ أساسية على المحاريات والبطاطا. وفي مواسمَ معينةٍ أيضًا، يصطادون — من خلال أسيجة تحت المياه — الكثير من الأسماك التي تبقى على الضفاف الطينية عند انحسار المد. وأحيانًا يمتلكون الدواجن والخراف والماعز والخنازير والخيول والماشية؛ والترتيب المذكور هنا يُعبِّر عن أعدادها بالترتيب. لم أرَ في حياتي من قبلُ أناسًا أكثر كرمًا وتواضعًا من هؤلاء؛ فهم عادة ما يبدءون حديثهم بقول إنهم الفقراء من السكان الأصليين للمكان وليس الإسبان، وإنهم في أمسِّ الحاجة إلى التبغ وغيره من وسائل الرفاهية. ففي جزيرة كايلن، أقصى الجزر جنوبًا، اشترى البحارة بلفافة تبغ — تبلغ قيمتها بنسًا ونصف البنس — دجاجتَين، قال الهنود إن إحداهما لها زوائدُ جلدية بين أصابع رجليها، وتبين أنها بطةٌ رائعة، ويشترون بمناديلَ قطنية، تساوي ثلاثة شلنات، ثلاثة خراف وحزمة بصل كبيرة. كان المركب الشراعي في هذا المكان راسيًا بعيدًا عن الشاطئ بعض الشيء، وكنَّا نخشى على سلامته من هجمات اللصوص تحت جنح الليل؛ ولذا أخبر مرشدنا، السيد دوجلاس، مسئول الأمن بالمقاطعة أننا ننشر دومًا الحراس مدجَّجين بالسلاح ولا يفهمون الإسبانية، وإذا رأينا أي شخص في الظلام، فقطعًا سنُطلق النار عليه. وبكل تواضع وافق مسئول الأمن على المواءمة المثالية لهذا الاتفاق ووعدنا بألا يتحرك أحد من منزله أثناء تلك الليلة.

خلال الأيام الأربعة اللاحقة، واصلنا الإبحار نحو الجنوب. بقيت السمات العامة للمنطقة على حالها دون تغيير؛ غير أن الكثافة السكانية كانت أقلَّ كثيرًا. وعلى جزيرة تانكوي الشاسعة، يكاد ينعدم وجود الأماكن المجروفة من الزرع؛ فالأشجار على كل جانب تمتد فروعها على شاطئ البحر. ذات يوم، لاحظت بعض النباتات الرائعة جدًّا (الجونيرة الصبغية) التي تشبه نبات الراوند إلى حدٍّ ما بحجمٍ عملاق. يأكل السكان السويقات، القليلة الحامضية، ويدبغون الجلود بجذور النبات ويجهزون الصبغة السوداء منها. الأوراق شبه دائرية الشكل؛ ولكنها منبعجة بشدة عند الحوافِّ. وقد قمت بقياس واحدة ووجدت قطرها يبلغ حوالي ثماني أقدام؛ ومن ثم لا يقل محيطها عن أربعة وعشرين قدمًا! يتعدى طول السويقة الياردة الواحدة، ويمتد من كل نبتة أربع أو خمس ورقاتٍ ضخمة، تُشكِّل معًا شكلًا فخمًا للغاية.

•••

«٦ ديسمبر»، وصلنا إلى جزيرة كايلن، المعروفة ﺑ «نهاية حدود العالم المسيحي». وفي الصباح، توقَّفنا لبضع دقائق عند منزل في الطرف الشمالي لمنطقة ليلاس، والتي كانت أقصى نقطة للعالم المسيحي بأمريكا الجنوبية، وكان كوخًا حقيرًا. تقع هذه المنطقة على دائرة عرض ٤٣ درجة و١٠ دقائق، أي أبعد درجتَين جنوبًا من ريو نيجرو على الساحل الأطلسي. كان هؤلاء المسيحيون الموجودون في أقصى البلاد يعانون من الفقر الشديد؛ وبحجة وضعهم، كانوا يَسْتَجْدون الحصول على بعض التبغ. وكدليل على فقر هؤلاء الهنود، لعلِّي أُشير إلى أنه قبل ذلك بفترةٍ قصيرة التقينا برجلٍ قطع مسيرة ثلاثة أيام ونصف على قدمَيه وقطع مسافةً أطول للعودة من أجل استرداد قيمة فأسٍ صغيرة وعددٍ قليل من الأسماك. لا بد أن شراء أبسط السلع يعتبر أمرًا صعبًا للغاية بالفعل، عندما تتكبَّد مشقةً كهذه لكي تسترد دَينًا صغيرًا كهذا.

في المساء، وصلنا إلى جزيرة سان بيدرو، حيث وجدنا البيجل راسية. وعند الالتفاف حول اليابسة، نزل اثنان من الربابنة لقياس مجموعة من الزوايا باستخدام المزواة. على الصخور، جلس ثعلب (ثعلب داروين)، من نوع يُقال إنه يقتصر وجوده على الجزيرة، ونادر جدًّا فيها، وهو نوعٌ جديد. كان الثعلب مستغرقًا في مراقبة عمل الضباط عن كثب وانتباه، حتى إنني تمكنتُ من التسلُّل بهدوء من خلفه وضربه على رأسه بمطرقة الصخور التي معي. وهذا الثعلب، الأكثر فضولًا أو الأكثر ميولًا علمية ولكنه أقل حكمة من عموم أقرانه، معروض الآن بمتحف جمعية علم الحيوان.

مكثنا ثلاثة أيام في هذا الميناء، وفي أحد هذه الأيام حاول كابتن فيتزروي، برفقة مجموعة، أن يصعد قمة سان بيدرو. كانت الغابات هنا تتخذ شكلًا مختلفًا عن تلك الموجودة في الجزء الشمالي من الجزيرة. كذلك كانت الصخور مختلفة؛ إذ كانت مكوَّنة من الإردواز الميكائي، ولا يوجد شاطئ؛ إلا أن الجوانب الشديدة الانحدار تنغمس مباشرة أسفل المياه؛ ومن ثم كانت السمة العامة لهذه المنطقة أقرب لأرخبيل أرض النار عن تشيلوي. حاولنا عبثًا أن نصل إلى القمة؛ فقد كانت الغابة متشابكة إلى حد جعلها منيعة على الاختراق؛ حتى إن من لم يرها لا يستطيع أن يتخيل تشابك كتلة من الجذوع المحتضرة والميتة. وأنا على يقين بأنه رغم السير لأكثر من عشر دقائق معًا، لم تطأ أقدامنا الأرض مطلقًا أغلب الوقت، وكنا على ارتفاع عشر أو خمس عشرة قدمًا فوقها، لدرجة أن البحارة كانوا يقيسون العمق من خلال الصدى الصوتي على سبيل المزاح. وفي أحيانٍ أخرى، كنا نزحف الواحد تلو الآخر، على أيدينا ورُكَبنا، أسفل الجذوع المتعفنة. في الجزء السفلي من الجبل، تشابكت أشجار لحاء الشتاء المهيبة ونبات غاري أشبه بنبات الساسفراس له أوراقٌ عطرية، وغيرها من الأشجار التي لا أعرف أسماءها بواسطة البامبو أو القصب. كنا أشبه بأسماك، من أي حيوانٍ آخر، تنازع داخل شبكة صياد. وفي الأجزاء العلوية من الجبل، حلَّت الأدغال محل الأشجار الأكبر حجمًا، مع تناثر شجر الأرز الأحمر أو شجر الصَّنَوْبَر الأرزي هنا وهناك. سعدت أيضًا برؤية صديقتنا القديمة أشجار الزان الجنوبية على ارتفاع أقل قليلًا من ١٠٠٠ قدم، ولكنها كانت أشجارًا هزيلة توقَّف نموها، وأظن أن هذا حتمًا هو حد نموها في الشمال. في النهاية، يئسنا من المحاولة.

•••

«١٠ ديسمبر»، واصل المركب الشراعي والقارب ذو المجاديف، تحت قيادة السيد سوليفان، عملية المسح؛ ولكني مكثتُ على متن البيجل التي غادرت سان بيدرو في اليوم التالي متجهة إلى الجنوب. وفي الثالث عشر من ديسمبر، وصلنا بالصدفة إلى أخدود في الجزء الجنوبي من جواياتيكاس أو أرخبيل تشونوس؛ وكان ذلك من حسن حظنا؛ لأنه في اليوم التالي هبَّت عاصفة، أشبه بعواصف أرض النار، بضراوة بالغة؛ فقد تجمَّعت سحبٌ بيضاءُ هائلة على صفحة السماء الزرقاء الداكنة، وعبرها تجمعت سريعًا طبقاتٌ محزَّزة الحواف من البخار الأسود. بدت سلاسل الجبال المتوالية أشبه بالظلال القاتمة، وأضفى غروب الشمس وهجًا أصفر اللون على الغابة، يشبه كثيرًا اللهب الناتج من احتراق الكحول. كانت المياه بيضاء ذات رذاذٍ متطاير، وكانت الرياح تهدأ وتثور مجدَّدًا عبر الأشرعة؛ كان المشهد مهيبًا ومنذرًا بالسوء. وخلال بضع دقائق، ظهر قوس قزح لامعًا، وكان من المثير ملاحظة تأثير الرذاذ المتقاذف عبر سطح المياه، الذي يغير نصف الدائرة المعتادة للقوس إلى دائرةٍ كاملة — مجموعة من الألوان الموشورية تمتد من طرفَي القوس المعتاد عبر الخليج، بالقرب من جانب السفينة؛ مما أدى إلى تكوين حلقةٍ معوجَّة ولكنها شبه كاملة.
figure
داخل أرخبيل تشونوس.

مكثنا هنا ثلاثة أيام. استمر الطقس السيئ؛ ولكن لم يكن لهذا أهميةٌ كبيرة؛ لأن سطح الأرض في هذه الجزر كلها يتعذَّر اجتيازه. فالساحل وعر ومتعرج للغاية لدرجة أن محاولة السير في ذلك الاتجاه تتطلب تدافعًا متواصلًا صعودًا وهبوطًا على صخور الأردواز الميكائي الحادة؛ أما بالنسبة إلى الغابات، فوجوهنا وأيادينا وعظام قصبة سيقاننا جميعًا تشهد على ما عانيناه من مجرد محاولة اختراق أغوارها المنيعة.

•••

«١٨ ديسمبر»، انطلقنا إلى عرض البحر. وفي العشرين من ديسمبر، ودعنا الجنوب، واتجهنا بالسفينة شمالًا مدفوعين برياحٍ معتدلة. ومن رأس تريز مونتيز، سعدنا بالإبحار بمحاذاة الساحل المرتفع المتأثر بالعوامل الجوية، والمشهور بالخطوط الكفافية الحادة لتلاله، والغطاء الكثيف الذي توفِّره الغابة حتى على الجانبين الشديدي الانحدار. في اليوم التالي، اكتشفنا ميناءً، ربما يقدم خدمةً جليلة للسفن المنكوبة على هذا الساحل الخطير. يمكن تمييزه بسهولة من خلال تل يصل ارتفاعه إلى١٦٠٠ قدم، يتخذ شكلًا مخروطيًّا أكثر اكتمالًا من جبل باو دي أسوكار في ريو دي جانيرو. في اليوم التالي، بعد أن رست السفينة، نجحت في الوصول إلى قمة هذا التل. كانت مهمةً مضنية؛ لأن الجانبَين كانا منحدرَين للغاية؛ حتى إنه في بعض الأجزاء كان من الضروري استخدام الأشجار كسلالم. كان يوجد أيضًا غطاءٌ كثيف من نبات الفوشية كانت أشبه بمكابح، مغطاة بالزهور الجميلة المتدلِّية؛ إلا أنه كان من الصعب للغاية الزحف خلالها. في هذه المناطق البرية، من المبهج للغاية أن تبلغ قمة أي جبل. فثمة احتمالٌ قائم دائمًا أن ترى شيئًا غاية في الغرابة، وهو الأمر الذي لم أفشل مطلقًا في تكراره في كل محاولة تلو الأخرى، رغم ما قد يعيقه عادةً. ولا بد أن الجميع يعرف شعور النصر والافتخار الذي تثيره في الأذهان رؤية منظرٍ بديع من علو. وفي هذه المناطق الأقل ارتيادًا، يصاحب هذا الشعور قدر من الغرور بأنك ربما تكون أول إنسان يقف على هذه القمة أو يعجب بهذا المنظر.

دائمًا ما يتملَّك المرءَ رغبةٌ قويةٌ في التحقق مما لو كان قد سبق لأحد أن زار مكانًا مهجورًا غير مُرتاد. فيتم التقاط قطعة خشبٍ مغروسٍ بها مسمار وتفحُّصها جيدًا كما لو أنها مغطاة برموز اللغة الهيروغليفية. ونظرًا لأن هذا الشعور قد تملَّكني واستحوذ عليَّ تمامًا، فقد شعرت بإثارةٍ شديدة حين وجدت طبقةً من الحشائش أسفل حافةٍ صخرية على جزءٍ موحش من الساحل. وبالقرب منه، كان يوجد نيران، ورجل يستخدم فأسًا. كانت النيران وطبقة الحشائش والموقع كلها عناصر تشير إلى كونه هنديًّا بارعًا؛ ولكن احتمال أن يكون هنديًّا كان شبه منعدم؛ لأن هذا الجنس في هذه المنطقة منقرض، وهذا يرجع إلى رغبة الكاثوليك في استهداف المسيحيين والرقيق بضربةٍ واحدة. في ذلك الوقت، كان لديَّ بعض الشكوك بأن الرجل المنعزل، الذي صنع فراشه في هذه المنطقة البرية، هو حتمًا بحَّارٌ مسكين تحطَّمت سفينته، وفي أثناء محاولته التوغل في الساحل، اضطجع هنا ليقضي ليلته الموحشة.

•••

«٢٨ ديسمبر»، استمر الطقس سيئًا للغاية؛ ولكنه سمح لنا في النهاية بمواصلة عملية المسح. كان الوقت يمر ببطءٍ شديد، كما هو الحال دومًا حين تعوقنا نوَّات الرياح المتعاقبة يومًا بعد يوم. وفي المساء، اكتشفنا ميناءً آخر حيث رست سفينتنا. بعدها مباشرة، شوهد رجل يلوِّح بقميصه، ثم أُرسل قارب وعاد ببحارَين اثنين. تبيَّن لنا أن مجموعة من ستة رجال هربوا من على متن سفينةٍ أمريكية لصيد الحيتان، وتوجهوا نحو الجنوب قليلًا في قارب، تحطم بعد فترةٍ قصيرة إلى أشلاء بسبب الأمواج المتلاطمة. وكانوا في ذلك الوقت يجوبون الساحل ذهابًا وإيابًا منذ خمسة عشر شهرًا، دون معرفة أي طريق يسلكون، أو المكان الذي يوجدون فيه. يا له من حسن حظٍّ استثنائي وفريد أن اكتُشِف هذا الميناء الآن! فلولا هذه الصدفة، لمكثوا عمرهم هائمين على وجوههم على الساحل حتى أرذل العمر، ولقوا حتفهم في النهاية على هذا الساحل البري. كانت معاناتهم بالغة للغاية، ولقي أحد أفراد مجموعتهم حتفه جراء سقوطه من فوق المنحدرات. وكانوا يضطرون أحيانًا للانفصال بحثًا عن الطعام، وهذا يفسر فراش الرجل المنعزل. وبالتمعُّن فيما مروا به، أظن أنهم حسبوا الوقت حسابًا دقيقًا للغاية؛ لأنهم لم يضيعوا سوى أربعة أيام فقط.

•••

«٣٠ ديسمبر»، رسَت سفينتنا في خليجٍ صغير وباعث على الراحة عند سفح بعض التلال المرتفعة، بالقرب من الطرف الشمالي لتريز مونتيز. بعد تناول الإفطار في صباح اليوم التالي، صعدت مجموعةٌ منا واحدًا من هذه الجبال، الذي بلغ ارتفاعه ٢٤٠٠ قدم. كان المشهد استثنائيًّا. كان الجزء الأساسي من سلسلة الجبال يتكوَّن من كتلٍ جرانيتيةٍ هائلة وصلبة شديدة الانحدار بدت وكأن عمرها من عمر بداية الحياة على كوكب الأرض. كان الجرانيت مغطًّى بطبقة من الأردواز الميكائي، وقد تدهور بفعل تعاقب الأزمنة ليتحول إلى أطرافٍ مستدقَّة على هيئة أصابعَ غريبة الشكل. ويتشابه هذان التكوينان، واللذان اختلفا في خطوطهما الخارجية، في الافتقار الشديد إلى المزروعات. بدا هذا الجَدْب غريبًا على أعيننا؛ إذ اعتدنا لوقتٍ طويل رؤية غابة شبه كاملة من الأشجار الخضراء الداكنة. وجدتُ متعةً كبيرة في معاينة بنية هذه الجبال؛ فقد حملت سلسلة الجبال المعقدة والشاهقة سيماء مهيب من المتانة، رغم أنه لا طائل من ورائها بالنسبة إلى الإنسان وكل الحيوانات الأخرى على حد سواء. وبالنسبة إلى عالم الجيولوجيا، يُعدُّ الجرانيت سطحًا تقليديًّا؛ فمن أطرافه الممتدة وملمسه الجميل والمضغوط، تم التعرف على القليل من الصخور قديمًا. ربما أثار الجرانيت المزيد من النقاش حول أصله أكثر من أي تشكيلاتٍ صخريةٍ أخرى. وبوجهٍ عام، نراه يشكل الصخور الرئيسية، ومهما كان الشكل الذي يتخذه، فنحن نعرف أنه أعمق طبقة للقشرة الأرضية لهذا الكوكب اخترقها الإنسان. إن الوصول إلى أقصى حدود المعرفة في أي موضوع أمرٌ مثير للغاية، وتزداد الإثارة حين نتجاوز هذه الحدود ونقترب من عوالم الخيال.

•••

«١ يناير، ١٨٣٥»، جاء العام الجديد بالمراسم الاحتفالية اللائقة بهذه المناطق. ولم يأتِ بأي وعودٍ كاذبة؛ فقد أعلنت عاصفةٌ شماليةٌ غربيةٌ عاتية، مصحوبة بأمطار متواصلة، عن قدوم العام الجديد. حمدًا لله أنه ليس مقدَّرًا لنا البقاء هنا حتى نشهد نهايته، ولكن نأمل أن نكون حينها وسط المحيط الهادي؛ حيث تبشرنا السماء الزرقاء بأن هناك فردوسًا؛ شيئًا ما فوق رءوسنا خلف السحاب.

استمرت الرياح الشمالية الغربية على مدار الأيام الأربعة التالية، ولم نتمكن من فعل شيء سوى عبور خليجٍ كبير، ثم رست سفينتنا في ميناءٍ آخرَ آمن. رافقتُ ربان السفينة في قاربٍ متجه نحو رأس خليجٍ صغيرٍ عميق. في الطريق، كان عدد الفقمات التي رأيناها مدهشًا للغاية؛ فكل صخرةٍ مفلطحة إلى جانب أجزاء من الشاطئ كانت مغطاة بها. وبدت أنها في حالة حب، تضطجع محتشدة معًا، مثل العديد من الخنازير؛ ولكن حتى الخنازير تخجل من قذارتها ومن الرائحة الكريهة التي تنبعث منها. كان كل قطيع تحت مراقبة عينَي النسر الرومي الصبورتَين المشئومتَين. فهذا الطائر المقزِّز، برأسه الأصلع القرمزي اللون والمعتاد على التمرغ في الوسخ، منتشرٌ جدًّا في الساحل الغربي وتربُّصه بالفقمات يبين نوعية الغذاء الذي يعتمد عليه. وجدنا المياه (على الأرجح تلك الموجودة على السطح فقط) شبه عذبة؛ وكان هذا يرجع إلى عدد التيارات الجارفة، على هيئة شلالات، التي تتساقط فوق الجبال الجرانيتية الشديدة الانحدار إلى البحر. والمياه العذبة تجذب الأسماك، وهذا يجلب المزيد من الخرشناوات وطيور النورس ونوعَين من الغاقيات. رأينا أيضًا زوجًا جميلًا من البجع ذي العنق الأسود، وعدة قضاعاتٍ بحريةٍ صغيرة، والتي يُقدَّر فراؤها أشد تقدير. وفي رحلة العودة، استمتعنا مرةً أخرى بالطريقة المتهوِّرة التي كانت تتقافز بها أكداس الفقمات، الكبيرة والصغيرة، في المياه أثناء مرور القارب. لم تكن تمكث طويلًا تحت المياه، ولكنها عندما ترتفع كانت تتبعنا بأعناقٍ مشرئبَّةٍ معبِّرة عن قدرٍ كبير من الدهشة والفضول.

•••

«٧ يناير»، بعد الهبوط على الساحل، رست سفينتنا بالقرب من الطرف الشمالي لأرخبيل تشونوس، في ميناء لوو، حيث مكثنا أسبوعًا. كانت الجزر هنا، كما هي الحال في تشيلوي، تتكون من طبقات من رواسبَ ساحليةٍ لينة؛ ومن ثم كانت النباتات وافرة النمو على نحوٍ جميل. كانت الغابة تمتد حتى شاطئ البحر، مثلما تنسدل شجيراتٌ دائمةٌ خضرة فوق ممشًى مرصوفٍ بالحصى. ومن المرفأ استمتعنا كذلك بمنظرٍ خلَّاب لأربع قممٍ مخروطية الشكل مغطاة بالثلج في سلسلة الجبال، من بينها جبل «كوركوفادو الشهير»؛ كانت سلسلة الجبال نفسها عند دائرة العرض هذه ذات ارتفاعٍ محدودٍ جدًّا؛ لدرجة أن الأجزاء التي تظهر منها فوق قمم الجزر الصغيرة المجاورة قليلة. وجدنا هنا مجموعة من خمسة رجال من جزيرة كايلن، المعروفة ﺑ «نهاية حدود العالم المسيحي»، عبروا المساحة المفتوحة من البحر التي تفصل تشونوس عن تشيلوي على متن زورق كانو بائس في جسارة غير عادية، بغرض صيد الأسماك. أغلب الظن أن هذه الجزر ستصير آهلة بالسكان خلال فترةٍ وجيزة كتلك الجزر المجاورة لساحل تشيلوي.
تنمو البطاطا البرية بوفرةٍ كبيرة في هذه الجزر في التربة الرملية المليئة بالقواقع بالقرب من شاطئ البحر. كان أطول النباتات يبلغ طوله أربع أقدام. كانت الدرنات بوجهٍ عام صغيرة، إلا أنني وجدت واحدة ذات شكلٍ بيضاوي يبلغ قطرها بوصتَين، كانت تشبه البطاطا الإنجليزية من جميع النواحي ولها نفس رائحتها، ولكن حين سُلقت انكمش حجمها كثيرًا وصارت مشبعة بالماء وعديمة الطعم، تخلو من أي طعمٍ لاذع. ولا شك أن هنا موطنها الأصلي؛ فهي تنمو في أقصى الجنوب، وفقًا للسيد لو، عند دائرة عرض ٥٠ درجة، ويسميها الهنود البربريون في تلك المنطقة الأكويناس، فيما يطلق عليها هنود تشيلوي اسمًا مختلفًا. ويقول البروفيسور هينسلو، الذي فحص العينات المجفَّفة التي أحضرتها معي إلى الديار، إنها تشبه تلك التي وصفها السيد سابين١ من فالبارايزو؛ باستثناء أنها تمثل نوعًا مختلفًا يعتبره بعض علماء النبات مميزًا على وجه الخصوص. ومن اللافت للنظر أن نفس النبات يوجد على الجبال الجدباء في وسط تشيلي، حيث لا تسقط قطرة مطر لأكثر من ستة شهور، وداخل الغابات الرطبة في هذه الجزر الجنوبية.
في الأجزاء الوسطى من أرخبيل تشونوس (دائرة عرض ٤٥ درجة)، تتمتع الغابة إلى حدٍّ كبير بنفس طابع الغابات الموجودة على طول الساحل الغربي بأكمله، على امتداد ٦٠٠ ميل جنوب رأس هورن. ولا يوجد هنا نبات المصفورة الموجودة في تشيلوي؛ في حين تنمو أشجار الزان الخاصة بأرخبيل أرض النار وتصل إلى حجمٍ جيد، وتشكل نسبةً كبيرة من الغابات، ولكن ليس بنفس الطريقة الاستثنائية في أقصى الجنوب. هنا تجد النباتاتُ اللازهرية مناخًا ملائمًا تمامًا. ففي مضيق ماجلان، كما أشرت من قبلُ، تبدو المنطقة باردة ورطبة للغاية لدرجة لا تسمح بازدهار تلك النباتات على النحو التام، إلا أنه في هذه الجزر، وداخل الغابة، يوجد عددٌ هائل وغير عادي من الطحالب والأُشْنات والسراخس الصغيرة.٢ في أرض النار، يقتصر نمو الأشجار على منحدرات التلال، وكل قطعة أرضٍ مستوية مغطاةٌ دائمًا بطبقةٍ كثيفة من الخُث؛ ولكن في تشيلوي تدعم الأرض المستوية نمو أغلب الغابات الوافرة النماء. وطبيعة المناخ هنا في أرخبيل تشونوس أقرب إلى مناخ أرض النار من مناخ شمال تشيلوي؛ إذ إن كل قطعة أرضٍ مستوية مغطاة بنوعَين من النباتات (أستيليا بوميلا ودوناتيا ميجالانيكا) التي تشكل بتحلُّلها طبقةً سميكة من الخث اللدن.

في أرض النار، فوق منطقة الغابات، يُعدُّ النبات الأول من هذين النباتَين المتحابَّين العامل الرئيس في إنتاج الخث؛ فالأوراق الجديدة تتعاقب دومًا الواحدة تلو الأخرى حول الجذر الوتدي المركزي، وسرعان ما تتحلل الأوراق السفلية، وبتتبع الجذر إلى أسفل في الخث، يمكن ملاحظة الأوراق — رغم حفاظها على أماكنها — تمر بجميع مراحل التحلل، حتى يندمج الكل في كتلةٍ واحدة غير متناسقة. والأستيليا تدعمها بضعة نباتاتٍ أخرى — حيث يوجد هنا وهناك نبات آس صغيرٌ متسلق (الآس البري)، ذو الجذع الخشبي الشبيه بالتوت البري لدينا وذو ثمارٍ لذيذة، وتوت أحمر شبيه بنبات الخلنج لدينا — وأحد أنواع الأسليات (الأسل الكبير الأوراق) — وهي تقريبًا النباتات الوحيدة التي تنمو على السطح السبخي. وهذه النباتات مختلفة، رغم التشابه العام الكبير بينها وبين الأنواع الإنجليزية. في الأجزاء الأكثر استواء من المنطقة، ينقسم سطح الخُث إلى بركٍ صغيرة من المياه على ارتفاعاتٍ مختلفة وتبدو كما لو أنها محفورة صناعيًّا. وتأتي جداول المياه الصغيرة المتدفقة تحت الأرض لتكمل تحلُّل المادة النباتية ولتعزيز السطح بأكمله.

يبدو مناخ الجزء الجنوبي من أمريكا مواتيًا بصفةٍ خاصة لإنتاج الخث؛ ففي جزر فوكلاند، تتحول كل أنوع النباتات تقريبًا، حتى الحشائش الخشنة التي تغطِّي سطح الأرض بأكملها؛ إلى هذه المادة، ونادرًا ما يحدُّ أي موقع من نموها؛ فبعض الطبقات يصل سمكها إلى اثنتي عشرة قدمًا، والجزء السفلي منها يصير صلبًا للغاية حين يجفُّ، حتى إنه يحترق بصعوبة إن احترق. وعلى الرغم من أن جميع النباتات تدعم تكوين الخث، فإنه في معظم الأجزاء تكون الأستيليا هي الأكثر كفاءة في ذلك. ويكون ظرفٌ استثنائيٌّ نوعًا ما، كون ذلك يختلف اختلافًا شديدًا عما يحدث في أوروبا؛ إذ لم أرَ في أي مكان طحلبًا يتكون من تحلل أي جزء من الخُث في أمريكا الجنوبية. أما فيما يخص الحدود الشمالية، التي يسمح عندها المناخ بحدوث نوعيةٍ مميزة من التحلل البطيء الضروري لإنتاج الخث، فأظن أن تشيلوي (دائرة عرض ٤١ درجة حتى ٤٢ درجة)، لا يتوافر فيها خثٌّ مميز رغم وجود مساحةٍ كبيرة من الأرض السبخة؛ ولكن في جزر تشونوس، الواقعة ثلاث درجات أبعد نحو الجنوب، رأينا أنه موجود بوفرة. على الساحل الشرقي في لابلاتا (دائرة عرض ٣٥ درجة)، أخبرني ساكنٌ إسبانيٌّ مقيم كان قد زار أيرلندا أنه كثيرًا ما بحث عن هذه المادة، ولكنه لم يستطع العثور عليها مطلقًا. وقد أراني تربةً سوداء خُثَّة مُخترقة بقوة بالجذور لإتاحة الاحتراق البطيء وغير الكامل، وكان هذا هو أقرب شيء للخث استطاع اكتشافه.

•••

والحياة الحيوانية على هذه الجزر الصغيرة الوعرة من أرخبيل تشونوس فقيرة للغاية، كما هو متوقَّع. ومن الحيوانات الرباعية الأقدام، يوجد نوعان منتشران من الحيوانات المائية. فيوجد الكيب القارض (وهو يشبه القندس ولكنه ذو ذيلٍ مستدير) المشهور بفرائه الرائع، والذي يُعدُّ هدفًا للتجارة عبر روافد نهر لابلاتا. غير أنه هنا يتردد على المياه المالحة حصرًا، وهو نفس ما يحدث أحيانًا كما ذكرنا من قبلُ مع القارض الكبير خنزير الكابيبارا. والقضاعات البحرية الصغيرة موجودة بأعدادٍ كبيرة جدًّا؛ ولا يقتصر غذاء هذا الحيوان على الأسماك فقط، ولكنه مثل الفقمات، يتخذ من السلطعون الأحمر الصغير، الذي يسبح في أسراب بالقرب من سطح المياه، مصدرًا مهمًّا للغذاء. وقد رأى السيد باينو واحدة في أرض النار تلتهم حبَّارًا؛ وفي ميناء لوو رأى مقتل واحدة أثناء نقل محارٍ حلزوني كبير إلى الجحر. وفي أحد المناطق، أمسكتُ بفأرٍ صغيرٍ غريب (فأر الحشائش الزيتوني M. brachiotis) بواسطة مصيدة، بدا أنه منتشر في عدة جُزَيِّرات؛ إلا أن أهالي تشيلوي بميناء لوو يقولون إنه غير موجود مطلقًا. يا لها من سلسلة فرص متعاقبة٣ أو لا بد أن تغييرات الارتفاع قد لعبت دورًا في توزيع هذه الحيوانات الصغيرة عبر هذا الأرخبيل المقسَّم!

في جميع أنحاء تشيلوي وتشونوس، يوجد نوعان غريبان من الطيور، يتشابهان كثيرًا مع طيور التوركو والتاباكولو المنتشرة في وسط تشيلي؛ أحدهما يطلق عليه الأهالي «تشوكاو» (تشوكاو تاباكولو): تتردَّد هذه الطيور على أكثر الأماكن ظلمة وانعزالًا داخل الغابات الرطبة. وأحيانًا لو جلس المرء يراقب طائر التشوكاو بأكبر قدر من اليقظة والتنبه، فإنه لن يراه، رغم أن صياحها قد يُسمَع من قريب، وفي أحيانٍ أخرى يقف المرء بلا حراك ليجد الطائر الصغير ذا الصدر الأحمر يقترب بأسلوبٍ مألوف ليصبح على مقربة بضع أقدام، بعد ذلك يتقافز بنشاط نحو الكتلة المتعفنة من القصب والفروع بذيله الصغير المنتصب لأعلى. وسكان جزيرة تشيلوي يخافون من طائر التشوكاو خوفًا قائمًا على الخرافات، بسبب صيحاته الغريبة والمتنوعة. وثمة ثلاث صيحاتٍ مميزة جدًّا؛ صيحة منها على غرار «تشيدكو» وهي فألٌ حسن، والأخرى على غرار «هيتريو» وهي صيحة غير مرغوب فيها بتاتًا، أما الأخيرة فنسيتها. وهاتان الكلمتان بمثابة محاكاة لصوت الصيحة، وبناء عليها يحدد السكان المحليون بعض الأمور. ولا شك أن سكان جزيرة تشيلوي قد اختاروا كائنًا صغيرًا فكاهيًّا عرافًا لهم. ثمة نوعٌ مشابه، ولكنه أكبر إلى حدٍّ ما، يطلق عليه السكان المحليون «جيد-جيد» (الويت ويت أسود الحلق) أو الطائر النبَّاح. والاسم الأخير مناسب جدًّا لأني أتحدى أي شخص ألا يظن يقينًا للوهلة الأولى أنه يسمع كلبًا صغيرًا ينبح في مكانٍ ما بالغابة. وكما هو الحال مع طائر التشوكاو، أحيانًا يسمع المرء صوت النباح من مكانٍ قريب، ولكن قد تفشل محاولته في رؤية الطائر عن طريق مراقبته، أو هزِّ الشجيرات، ولكن في أحيانٍ أخرى يقترب طائر الجيد-جيد بلا خوف. وتتشابه عاداته الغذائية وسلوكياته العامة كثيرًا مع طائر التشوكاو.

على الساحل،٤ ينتشر طائرٌ صغير داكن اللون (طائر الصُّقْلُود) كثيرًا. وهو طائرٌ استثنائي بسبب عاداته الهادئة؛ فهو يعيش على شاطئ البحر فقط مثل طائر الطيطوي. بالإضافة إلى هذه الطيور، يستوطن عددٌ قليل فقط من الطيور الأخرى هذه الأرض الوعرة. في ملاحظاتي الأوَّلية، أصف الصيحات الغريبة التي تُسمع مرارًا داخل الغابات المظلمة، رغم أنها نادرًا ما تقطع الصمت العام الذي يخيم على المكان. أحيانًا ما يأتي نباح طائر الجيد-جيد والصياح المفاجئ لطائر التشوكاو من مكانٍ بعيد، وأحيانًا من مقربة، ومن حين لآخر يضيف طائر النمنمة الأسود الصغير المنتشر في أرض النار صيحته؛ ويتبع متسلِّق الأشجار (الراياديتو الشوكي الذيل) بالصياح والتغريد الغريب؛ كما يمكن رؤية طائر الطنان من وقتٍ لآخر مندفعًا كالسهم من جهةٍ إلى أخرى مُصدِرًا تغريدته الحادة التي تشبه صوت حشرة؛ وأخيرًا ومن فوق شجرةٍ عالية، قد يُلاحظ تغريد عصفور الملك ذي العرف الأبيض الشجي. ونظرًا للانتشار الواسع لأنواعٍ معينة من الطيور في معظم البلدان، مثل طيور الشُّرشُوريَّات، يندهش المرء للوهلة الأولى من الأنواع الغريبة المذكورة آنفًا باعتبارها الأكثر انتشارًا في أي منطقة. ففي وسط تشيلي، يوجد نوعان من الطيور، تحديدًا الراياديتو الشوكي الذيل والتاباكولو، رغم ندرتهما. عندما يجد المرء، كما في هذه الحالة، حيوانات تبدو أنها لا تلعب دورًا يذكر في مخطَّط الطبيعة الكبير، يتساءل عن السبب الذي خُلقت من أجله هذه الحيوانات، ولكن ينبغي أن نتذكَّر دومًا أنها ربما تكون في بعض الدول الأخرى الأعضاء الأساسيين في المجتمع، أو ربما كانوا كذلك في فترةٍ سابقة. ولو أن دائرة عرض ٣٧ جنوب أمريكا تقع أسفل مياه المحيط، لربما ظل هذان النوعان من الطيور موجودَين في وسط تشيلي لفترةٍ طويلة، ولكن من المستبعد جدًّا أن تزداد أعدادها. وحينها كنا حتمًا سنشهد حالة حدثت لعددٍ كبير جدًّا من الحيوانات.

يتردد على هذه البحار الجنوبية عدة أنواع من طائر النوء، أكبرها هو طائر النوء العملاق أو (النسر أبو ذقن أو كاسر العظام الإسباني) وهو طائر يشيع وجوده في القنوات الداخلية وفي عرض البحر. ويشبه في عاداته وأسلوب طيرانه إلى حدٍّ كبير طائر القطرس تشابهًا وثيقًا، وكما هو الحال مع طائر القطرس، قد يراقبه المرء لساعات دون أن يعرف علام يتغذى؟ غير أن «كاسر العظام» طائر مفترس؛ إذ لاحظ بعض الضباط بميناء سان أنطونيو أنه يطارد أحد طيور الغطَّاس، وكان يحاول الفرار من خلال الغطس والطيران، ولكنه كان يسقط أرضًا باستمرار، وفي النهاية قُتل بضربة على رأسه. وفي ميناء سان جوليان، شوهدت طيور النوء الضخمة هذه تقتل صغار طيور النورس وتلتهمها. ثمة نوعٌ ثانٍ (جلم الماء ذو اللون الرمادي الداكن)، المنتشر في أوروبا ورأس هورن وساحل بيرو، أصغر حجمًا من طائر النوء العملاق ولكن يشبهه في لونه الأسود الباهت. وبوجهٍ عام، يتردد هذا الطائر على المضايق البحرية الداخلية في أسرابٍ كبيرة جدًّا، ولا أظن أنني رأيت في حياتي هذا العدد الكبير من أي نوع من الطيور معًا؛ إذ رأيت عددًا كبيرًا من هذه الطيور وراء جزيرة تشيلوي. كانت مئات الآلاف تطير في خطٍّ غير منتظم لعدة ساعات في اتجاهٍ واحد. وحين يستقر جزء من السرب على المياه، كان السطح يتحول إلى اللون الأسود وتصدر منها ضوضاء وكأن مجموعة من الأشخاص يتحدث بعضهم إلى بعض عن بعد.

figure
الجونيرة الصبغية، جزيرة تشيلوي.

يوجد عدة أنواعٍ أخرى من طيور النوء؛ إلا أنني سأكتفي بذكر نوعٍ واحدٍ آخر فقط، ألا وهو طائر النوء الغطاس الشائع، الذي يقدم مثالًا لتلك الحالات الاستثنائية، حين ينتمي طائر بكل وضوح إلى فصيلةٍ مميزة، رغم تشابهه من حيث العادات والبنية الجسدية مع قبيلةٍ مختلفة تمامًا. وهذا النوع من الطيور لا يغادر المضايق البحرية الداخلية الهادئة. وعند إزعاجه، يغطس لمسافةٍ بعيدة، وحين يعود إلى السطح بنفس الحركة يطير إلى أعلى. وبعد الطيران في خطٍّ مستقيم بحركةٍ سريعة من جناحَيه القصيرَين لمسافة، يسقط كما لو أنه أُصيب في مقتل ويغطس مرةً أخرى. يتضح من شكل منقاره ومنخارَيه وطول قدمه وحتى لون ريشه أن هذا الطائر ينتمي إلى طيور النوء من جهة؛ ولكن من جهةٍ أخرى فإن جناحَيه القصيرَين ومن ثم قدرته المحدودة على الطيران، وهيئة جسده وشكل ذيله وعدم وجود إصبعٍ خلفي في قدمه، وعاداته المعيشية واختياره للأماكن التي يوجد فيها، تجعلك تشكُّ للوهلة الأولى ما إذا كان على صلةٍ وطيدة بطائر الأوك. ولا شك أن ثمة خلطًا بينه وبين طائر الأوك، عند رؤيته من مسافةٍ بعيدة، سواء حين يطير أو حين يغطس ويسبح في هدوء عبر القنوات المنعزلة لأرض النار.

هوامش

(١) «تقارير جمعية البستنة الملكية»، المجلد الخامس، صفحة ٢٤٩. أرسل السيد كالدكلو إلى الديار درنتَين تم تسميدهما جيدًا، حتى إنهما في الموسم الأول أنتجتا عددًا وافرًا من البطاطس وكميةً وافرة من الأوراق. انظر طرح همبولت المثير عن هذا النبات الذي يبدو أنه لم يكن معروفًا في المكسيك، في كتابه بعنوان «مقالٌ سياسي عن المملكة الإسبانية الجديدة»، الكتاب الرابع، الفصل التاسع.
(٢) باستخدام شبكتي الخاصة بصيد الحشرات، أحضرت من هذه المواقع عددًا كبيرًا من الحشرات الدقيقة من فصيلة الخنافس الرواغة، وغيرها من الحشرات المشابهة لخنافس البسلاف وغمديات الأجنحة الدقيقة. غير أن أكثر الفصائل المميزة عددًا — من حيث الأفراد والأنواع على حدٍّ سواء — في الأجزاء المفتوحة من تشيلوي وتشونوس هي فصيلة الذراحيات (الخنافس الجندية).
(٣) يُقال إن بعض الطيور المفترسة تجلب فريستها إلى أعشاشها حية. إذا كان الأمر كذلك، ففي غضون قرون، قد تهرب إحدى هذه الفرائس، بين الفينة والأخرى، من الطيور الصغيرة. ومثل هذه الوسيلة ضرورية لتفسير توزيع القوارض الأصغر حجمًا على الجزر البعيدة بعضها عن بعض.
(٤) أود أن أذكر هنا، كدليل على مدى الاختلاف الموسمي الكبير بين الأجزاء المزروعة والمفتوحة من هذا الساحل، أنه في يوم ٢٠ سبتمبر، عند دائرة عرض ٣٤ درجة، كانت صغار هذه الطيور موجودة في العش، وبعد مرور ثلاثة أشهر، تحديدًا في فصل الصيف، على جزر تشونوس، تجد هذه الطيور تضع بيضها فقط، علمًا بأن الفارق في دوائر العرض بين هذين المكانَين يُقدر بحوالي ٧٠٠ ميل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠