الفصل الخامس عشر

فالبارايزو – ممر بورتيلو – حكمة البغال – تيارات جبلية – كيف اكتُشفت المناجم – أدلة على الارتفاع التدريجي لسلسلة الجبال – تأثير الجليد على الصخور – البنية الجيولوجية لسلسلتَي التلال الأساسيتَين، منشؤها المميز واختلالها – الانهيار الكبير – الجليد الأحمر – الرياح – القمم الجليدية – مناخ جافٌّ وصافٍ – الكهرباء – منطقة البامبا – الحياة الحيوانية في الجهات المقابلة من جبال الأنديز – الجراد – البق العملاق – ميندوزا – طريق أوسبالاتا – أشجار السيلكا التي تُدفن أثناء نموها – جسر الإنكا – تفاقم سوء أحوال الطرق – مدينة كومبر– الأكواخ – فالبارايزو.

***

عبور سلسلة الجبال

figure
جسر هايد، سانتياجو، تشيلي.
«٧ مارس ١٨٣٥»، مكثنا ثلاثة أيام في كونسبسيون، ثم أبحرنا إلى فالبارايزو. كانت الرياح شمالية، ولم نصل إلى مدخل ميناء كونسبسيون إلا بحلول الظلام. ونظرًا لأننا كنَّا على مقربةٍ كبيرة من اليابسة وخيَّم الضباب على الأجواء، سقطت مرساة السفينة. وسريعًا ما ظهرت بالقرب منَّا سفينة صيد حيتان أمريكية، وسمعنا رجلًا أمريكيًّا يسبُّ رجاله ليلزموا الصمت، بينما يستمع إلى موجات الارتطام. نادى الكابتن فيتزروي عليه، بصوتٍ واضح ومسموع، ليرسُوا بالسفينة حيث كان يقف حينئذٍ. لا بد أن المسكين ظن أن الصوت قادم من الشاطئ، على الفور جاء من السفينة صياح أشبه بصياح البلابل؛ الجميع يصيح بصوت عالٍ: «أنزلوا المرساة! أنزلوا حبل المرساة! اثنوا الأشرعة!» كان أكثر شيءٍ مضحك سمعته في حياتي كلها. لو أن طاقم السفينة جميعهم من الربابنة، دون بحارة، لما كان الصياح بالأوامر أعلى من ذلك. بعد ذلك وجدنا أن وكيل الربان يتلعثم؛ أظن أن كل الأيادي كانت ممتدة له لإصدار أوامره.

في الحادي عشر من مارس، رسونا في فالبارايزو، وبعد يومَين شرعتُ في عبور سلسلة الجبال. توجَّهت نحو سانتياجو، حيث تفضَّل السيد كولكلوه‎ بمساعدتي بكل الطرق الممكنة على اتخاذ الاستعدادات الصغيرة التي كانت ضرورية. في هذا الجزء من تشيلي، يوجد طريقان عبر جبال الأنديز إلى ميندوزا؛ أكثرهما استخدامًا، وهو طريق أكونكاجوا أو أوسبالاتا، يقع ناحية الشمال قليلًا؛ أما الطريق الآخر، ويُدعى بورتيو، فيقع ناحية الجنوب وهو الأقرب ولكنه أخطر وعلى ارتفاع أعلى.

•••

«١٨ مارس»، انطلقنا إلى طريق بورتيو. وما إن غادرنا سانتياجو حتى عبرنا السهل الشاسع الذي تقع عليه تلك المدينة، ووصلنا في فترة ما بعد الظهيرة إلى نهر مايبو، أحد الأنهار الرئيسة في تشيلي. يحيط بالوادي، عند موضع التقائه بسلسلة الجبال الأولى، من كل جانب جبالٌ شاهقة وقاحلة؛ وعلى الرغم من عدم اتساعه، فإنه شديد الخصوبة. كان الكثير من الأكواخ محاطًا بالكرمات وحدائق التفاح والنكتارين وأشجار الخوخ، وكانت أغصانها متكسِّرة من ثقل الثمار اليانعة والجميلة. في المساء، مررنا على مصلحة الجمارك، حيث خضعت أمتعتنا للتفتيش. تحظى حدود تشيلي بحماية أفضل من سلسلة الجبال مقارنة بمياه البحار؛ إذ يوجد عددٌ قليل جدًّا من الوديان التي تقود إلى السلاسل الجبلية الرئيسة، ولا يمكن عبور الجبال في أجزاءٍ أخرى على ظهور دواب النقل. كان ضباط الجمارك مهذَّبين للغاية، ولعل جزءًا من السبب في ذلك يعود إلى جواز السفر الذي منحني إياه رئيس الجمهورية؛ ولكن لا بد لي أن أُعبِّر عن إعجابي بالكياسة الفطرية التي يتمتع بها كل شخص تشيلي تقريبًا. وقد كان التناقض مع رجال من نفس الطبقة في معظم البلدان الأخرى ملحوظًا بقوة في هذا الصدد. ولَعَلِّي هنا أذكر حكاية أسعدتني كثيرًا حينئذٍ: التقينا بالقرب من مدينة ميندوزا قليلًا بامرأةٍ زنجيةٍ بدينة جدًّا تمتطي بغلًا. كانت تعاني من تضخمٍ شديد بالغدة الدرقية لدرجة تعذَّر معها تجنُّب التحديق فيها لبرهة؛ إلا أن رفيقيَّ قاما على الفور — بهدف الاعتذار — بالتحية المعتادة في البلاد بخلع قبعتَيهما. أين يجد المرء في أوروبا أبناء الطبقات الدنيا أو العليا يظهرون مثل هذه الكياسة والتهذيب لكائنٍ مسكين وبائس من جنس متدنٍّ؟

في المساء، بتنا في كوخ. كان نمط سفرنا مُتحرِّرًا على نحوٍ مبهج. ففي الأجزاء الآهلة بالسكان، كنا نشتري القليل من الحطب ونستأجر مرعًى للدواب، ونعسكر معهم في زاوية من الحقل نفسه. ونظرًا لأننا كنا نحمل وعاءً حديديًّا، فقد طبخنا عشاءنا وتناولناه تحت السماء الصافية ولم نواجه أي مشاكل. كان رفقائي هم ماريانو جونزاليس، الذي رافقني في تشيلي فيما سبق، و«سائق بغال»، معه عشرة بغال، و«أمٌّ قائدة». الأم القائدة هي أهم شخصية؛ وهي عبارة عن فرس عجوزٍ هادئة، ذات جرسٍ معلق حول رقبتها، وأينما تذهب يتبعها البغال كأطفالٍ مطيعين. وعاطفة هذه الحيوانات تجاه الأم القائدة توفِّر عناءً لا حدَّ له. فإذا سيقت عدة قطعانٍ كبيرة لترعى في أحد الحقول، لا يكون على صاحب البغال في الصباح إلا أن يقود الأمهات القائدات بعيدًا عنها بعض الشيء، ويرنَّ الأجراس المعلقة في رقابها، ورغم أنه ربما يوجد ٢٠٠ أو ٣٠٠ بغل معًا، فإن كل بغل يعرف على الفور الجرس الخاص بأمه القائدة، ويأتي إليها. ويكاد يكون من المستحيل فقدان أي بغل كبير؛ فإذا احتُجز بالقوة لعدة ساعات، سيتبع أثر رفاقه بحاسة الشم، مثل الكلاب، أو بالأحرى أثر الأم القائدة؛ إذ إنها، حسب كلمات صاحب البغال، المصدر الأساسي للعاطفة والحنان. غير أن المشاعر ليست ذات طبيعةٍ فردية؛ لأنني أعتقد أني محقٌّ في قول إن أي حيوان ذي جرس سيقوم مقام الأم القائدة. ففي داخل القطيع، يحمل كل حيوان حمولة تزن ٤١٦ رطلًا (ما يعادل أكثر من ٢٩ حجرًا) على طريقٍ مستوٍ، أما في البلدات الجبلية الوعرة، فيحمل ١٠٠ رطل أقل؛ ولكن مع الأطراف الضعيفة والهزيلة، ومع غياب أي كتلةٍ عضليةٍ متناسبة، يكون الحمل الذي تتحمَّله هذه الحيوانات ثقيلًا للغاية! تبدو البغال بالنسبة إليَّ أكثر الحيوانات المثيرة للدهشة. فتلك الفصيلة المهجَّنة، التي تتمتع حتمًا بقدر أكبر من العقل والذاكرة والصلابة والعاطفة الاجتماعية والقدرة العضلية وحياة أطول من أبويها، تبدو أنها تشير إلى أن المهارة هنا قد تفوَّقت على الطبيعة. من الدواب العشرة التي كانت معنا، كان هناك ستٌّ مخصصة للركوب وأربعٌ مخصصة لحمل المؤن، مع تناوب الأدوار فيما بينها. كنا نحمل قَدرًا كبيرًا من المؤن الغذائية خشية أن نعلق وسط الجليد؛ نظرًا لأن موسم تساقط الجليد كان متأخرًا بعض الشيء في بورتيو.

figure
أهل تشيلي.

•••

«١٩ مارس»، خرجنا أثناء النهار في رحلة إلى آخر بيتٍ موجود في الوادي؛ ومن ثم الأكثر علوًّا. صار عدد السكان في المنطقة شحيحًا؛ ولكن حيثما أمكن تواجد المياه في الأرض، صارت الأرض خصبة للغاية. وتتميز جميع الوديان الرئيسة في سلسلة الجبال بوجود مدرج أو حافة، على كلا الجانبَين، من الحصى والرمال، متراصة في طبقات غير منتظمة الشكل وذات سُمكٍ كبير بوجهٍ عام. كانت هذه الحواف ممتدة من قبلُ على نحوٍ جلي عبر الوديان وكانت متحدة؛ ومن ثمَّ كانت قيعان الوديان في شمال تشيلي، حيث لا يوجد مجارٍ مائية، مغلقةً بسلاسة. وعلى هذه الحوافِّ تُشقُّ الطرق عمومًا؛ إذ تكون أسطحها مستوية، وترتفع بميَلانٍ خفيفٍ جدًّا أعلى الوديان؛ ومن ثَم يسهل زراعتها بالري. ويمكن أن يصل ارتفاعها إلى ما بين سبعة آلاف وتسعة آلاف قدم، حيث تصير مختفية بأكوام غير مستوية من الركام. وعند الطرف الأدنى أو عند مدخل الوديان، تتحد الطرق دومًا مع تلك السهول غير الساحلية (التي تتكون أيضًا من الحصى) عند سفح سلسلة الجبال الرئيسة، التي وصفتها في فصلٍ سابق بأنها السمة المميزة للمشهد الطبيعي في تشيلي، والتي بلا شكٍّ ترسَّبت حين اخترق البحر تشيلي، كما هي الحال الآن في السواحل الواقعة نحو الجنوب أكثر. لم تُثر أيٌّ من حقائق جيولوجيا أمريكا الجنوبية اهتمامي مثل هذه المدرجات ذات الحصى المتراصِّ في طبقاتٍ غير منتظمة؛ فهي تشبه في تكوينها على وجه التحديد المادة التي تترسَّب في كل وادٍ بفعل التيارات إذا أُعيق مسارها لأي سببٍ كان، مثل دخول بحيرةٍ أو لسانٍ بحري، إلا أن التيارات الآن، بدلًا من ترسيب المادة، تعمل بانتظام على تآكُل الصخور الصُّلبة ورواسب الطمي على امتداد خط كل وادٍ رئيس أو وادٍ جانبي. ومن المستحيل هنا تبيُّن الأسباب، إلا أنني مقتنعٌ بأن المدرجات الحصوية كانت قد تراكمت، أثناء الارتفاع التدريجي لسلسلة الجبال؛ بفعل ترسيب التيارات، على مستوياتٍ متوالية، لحمولتها من فتات الصخور على الرءوس الساحلية لألسنة البحر الطويلة الضيقة، أعلى الوديان أولًا، ثم تنخفض لأسفل أكثر فأكثر مع ارتفاع الأرض ببطء. إذا كان الأمر كذلك، ولا يمكنني التشكيك فيه، فإن سلسلة الجبال الرئيسية الضخمة والمتقطعة، بدلًا من أن تظهر فجأة، كما كان الرأي الشائع حتى وقتٍ قريب، وهو الرأي الذي لا يزال سائدًا بين علماء الجيولوجيا، إنما ارتفعت تدريجيًّا في كتلةٍ واحدة، وعلى النحو التدريجي نفسه الذي نشأت به سواحل المحيطَين الهادي والأطلنطي خلال الفترة الأخيرة. وفي ضوء هذه النظرية تجد عدة حقائق بخصوص بنية سلسلة الجبال تفسيرًا مبسطًا.
figure
شكيمة من أمريكا الجنوبية.

كان بالأحرى أن يطلق على الأنهار التي تجري في هذه الوديان تياراتٌ جبلية؛ فدرجة ميَلانها كبيرة جدًّا ولون مياهها بلون الطمي. وقد كان الهدير الصادر عن نهر مايبو، أثناء جريانه فوق الشظايا الصخرية الدائرية الكبيرة، أشْبهَ بهدير البحر. ووسط ضجيج المياه المتدفِّقة، كان الصوت الصادر من الأحجار، أثناء تصادم بعضها ببعض، مسموعًا بوضوحٍ شديد حتى من على بُعد. ويمكن سماع هذا الصوت المجلجل، ليل نهار، على طول مسار التيار. والصوت مفهوم بوضوح لعالم الجيولوجيا: آلاف وآلاف من الأحجار تتسارع جميعها في اتجاهٍ واحد، وباصطدام بعضها ببعض، تصنع الصوت الموحَّد المكتوم. الأمر أشبه بالتفكير في الوقت المناسب، حيث الدقيقة التي تنقضي الآن لا يمكن استرجاعها. كان الأمر كذلك مع هذه الأحجار؛ فالمحيط هو وجهته التي سيخلد فيها، وكل نغمة من تلك الموسيقى البرية تكشف عن خطوةٍ أخرى نحو وجهتها.

ويتعذَّر على العقل أن يفهم، إلا بنهجٍ بطيء، أي تأثير يترتب على ظاهرةٍ كثيرة التكرار، لدرجة أن تكرار الظاهرة في حدِّ ذاتها يوصل فكرة ليست أوضح من الفكرة التي يوصلها الشخص الهمجي حين يُشير إلى شعر رأسه. وبقدر ما رأيت قيعانًا من الطمي والرمل والحصى تراكمت حتى بلغ سُمكها ألف قدم، شعرت برغبة في أن أُعلن أن الظواهر، مثل الأنهار والشواطئ الحالية، لا يمكن أبدًا أن تكون قد تفتَّتت لأسفل وكوَّنت مثل هذه الكتل، ولكن، من جهةٍ أخرى، عند الإنصات لقعقعة هذه التيارات، وتذكُّر أن أجناسًا كاملة من الحيوانات قد اختفت من على وجه الكرة الأرضية، وأنه أثناء هذه الفترة بأكملها، ليل نهار، كانت هذه الأحجار تتقدم بقَعْقَعتها في مسارها، كنت أفكِّر في نفسي: هل تستطيع أي جبال، أو أي قارة، أن تصمد أمام هذا الهدر؟

في هذا الجزء من الوادي، تراوح ارتفاع الجبال على كل جانب ما بين ثلاثة إلى ستة أو ثمانية آلاف قدم، وكانت ذات محيطٍ عريض مستدير وجوانبَ منحدرةٍ وعرة. كان اللون العام للصخور هو الأرجواني الباهت، وكان التدرُّج واضحًا جدًّا. إن لم يكن المشهد جميلًا، فهو لافت للنظر ومهيب. التقينا أثناء النهار بعدة قطعان من الماشية، كان يسوقها الرجال من الوديان العالية عند سلسلة الجبال. وقد دفعتنا هذه العلامة الدالة على اقتراب الشتاء إلى أن نسرع الخطى بما لم يُتِح لي إجراء معاينةٍ جيولوجية للمنطقة. كان المنزل الذي بتنا فيه ليلتنا يقع عند سفح أحد الجبال، والذي تقع عند قمته مناجم سان بيدرو دي نولاسكو. يتعجب السير إف هيد كيف اكتشفت مناجم في مثل هذه المواقع الاستثنائية، مثل القمة الجرداء لجبل سان بيدرو دي نولاسكو. بادئ ذي بدء، تعتبر العروق المعدنية في هذا البلد بوجهٍ عام أصلب من الطبقات المحيطة؛ ومن ثم أثناء التآكل التدريجي للتلال، فإنها تبرز فوق سطح الأرض. ثانيًا: كل عامل تقريبًا، وبخاصة في الأجزاء الشمالية من تشيلي، يفهم شيئًا عن شكل الخام. وفي مقاطعتي كوكيمبو وكوبيابو الشهيرتين باستخراج المعادن، يكون الحطب شحيحًا للغاية، ويبحث عنه الرجال فوق كل تلٍّ ووادٍ، وبهذه الوسيلة تم اكتشاف أغنى المناجم جميعها تقريبًا. فمنجم تشانونسيو‎، الذي استُخرجت منه الفضة بكميات تصل إلى مئات الآلاف من الأرطال في غضون بضع سنوات، اكتشفه رجلٌ أراد أن يقذفَ بحجرةٍ حمارَه المُحمَّل، وظنًّا منه أنها ثقيلة للغاية، التقطها من على الأرض ووجدها مليئةً بالفضة الخالصة؛ كان العرق ظاهرًا على مسافة ليست بعيدة، ويبدو كوتدٍ من معدن. كذلك كثيرًا ما يجوب عمال المناجم الجبال، بحوزتهم عَتَلَة، في أيام الآحاد. وفي هذا الجزء الجنوبي من تشيلي، عادة ما يكون الرجال، الذين يسوقون الماشية وسط سلسلة الجبال والذين يترددون على كل وادٍ حيث يوجد مرعًى صغير؛ هم المكتشفين.

•••

«٢٠ مارس»، بينما كنا نصعد الوادي، صارت النباتات شحيحة للغاية باستثناء بعض زهور الألب الجميلة؛ ونادرًا ما يمكن رؤية حيواناتٍ من رباعيات الأقدام أو طيورٍ أو حشراتٍ في هذا المكان. كانت الجبال الشاهقة — التي تتميز قممها ببضع رقع من الجليد — تقف منفصلًا بعضها عن بعض؛ نظرًا لأن الوديان زاخرة بطبقاتٍ سميكةٍ متراصَّة من الطمي. كانت أبرز السمات التي لفتت انتباهي في مشهد جبال الأنديز، بالمقارنة مع سلاسل الجبال الأخرى التي أعرفها — علمًا بأن الحواف المستوية أحيانًا تتمدد لتصبح سهولًا ضيقة على جانبَي الوديان — هي الألوان الزاهية؛ اللونين الأحمر والأرجواني بالأساس، للتلال الوعرة الشديدة الانحدار المكونة من الصخور السماقية، والخنادق المهيبة الشبيهة بالجدار المتصل — وكانت الطبقات المقسمة بوضوح، حيثما تكون شبه رأسية، تشكل القمم المركزية الخلابة للجبال، ولكن حيثما تكون أقل انحدارًا، كانت تشكل الجبال المهيبة العملاقة الموجودة عند أطراف سلسلة الجبال — وأخيرًا، يصل ارتفاع الأكوام المخروطية الانسيابية ذات الألوان الزاهية المكوَّنة من فتات الصخور، والتي تنحدر بزاويةٍ مرتفعة من سفح الجبال، إلى أكثر من ٢٠٠٠ قدم في بعض الأحيان.
لاحظت كثيرًا، في كلٍّ من أرخبيل أرض النار وداخل جبال الأنديز، أنه حيثما تُغطَّى الصخور بالجليد في معظم العام، كانت تتحطم بطريقةٍ استثنائية للغاية إلى شظايا صغيرةٍ حادة. ولاحظ سكورسبي١ الحقيقة نفسها في سبيتسبرجن. تبدو المسألة بالنسبة إليَّ غامضة نوعًا ما؛ لأن ذلك الجزء من الجبل المحمي بستار من الجليد لا بد أنه أقل عرضة للتغيرات الشديدة والمتكررة في درجات الحرارة مقارنة بأي جزءٍ آخر. وأحيانًا ما اعتقدت أن الأرض وشظايا الأحجار الموجودة على السطح ربما أزيحت بفعل مياه الجليد٢ المرشَّحة تدريجيًّا أكثر من الأمطار؛ ومن ثم كان مظهر تفتُّت الصخور الصلبة على نحوٍ أسرع تحت الجليد خادعًا. وأيًّا ما كان السبب، فإن كمية الأحجار المفتتة الموجودة على سلسلة الجبال كبيرة جدًّا. ومن وقت لآخر، في فصل الربيع، تنزلق كتلٌ كبيرة من فتات الصخور هذه أسفل الجبال، وتغطي الركام الثلجي الموجود في الوديان، لتصنع بذلك بيوتًا جليديةً طبيعية. وقد مررنا على واحد منها، وكان ارتفاعه أقل بكثير من حد الثلوج الدائمة.

مع اقتراب نهاية المساء، وصلنا إلى سهلٍ فريد أشبه بحوض، يُسمى وادي يسو. كان السهل مغطًّى بالقليل من الكلأ الجاف، واستمتعنا برؤية قطيع من الماشية وسط الصحاري الصخرية المحيطة. سُمي الوادي باسم يسو بسبب طبقةٍ عظيمة، أظن أن سمكها يصل على الأقل إلى ألفَي قدم، من الجبس الأبيض، الذي كان نقيًّا تمامًا في بعض أجزائه. بتنا ليلتنا مع مجموعة من الرجال، كانوا يعملون في تحميل البغال بهذه المادة المستخدمة في تصنيع الخمر. انطلقنا في الصباح الباكر (٢١ مارس) وواصلنا اتباع مسار النهر، الذي صار ضئيلًا للغاية، إلى أن وصلنا إلى سفح الجبل الذي يقسم المياه المتدفقة إلى المحيطَين الهادي والأطلنطي. تحوَّل الطريق، الذي كان يصعد لأعلى بثبات ولكن على نحوٍ متدرج للغاية، إلى طريقٍ متعرجٍ شديد الانحدار نحو سلسلة الجبال العظيمة التي تفصل بين جمهوريتي تشيلي وميندوزا.

سأعطي هنا صورةً مختصرة جدًّا عن الطبيعة الجيولوجية للمسارات المتوازية العديدة التي تُشكِّل سلسلة الجبال. من بين هذه المسارات، يوجد مساران أطول بكثير من المسارات الأخرى، وهما تحديدًا، جبل بيكيونيز، الواقع على الجانب التشيلي، والذي يبلغ ارتفاعه، حيث يقطعه الطريق، ١٣٢١٠ أقدام فوق سطح البحر؛ وجبل بورتيو، الواقع على جانب ميندوزا، ويبلغ طوله ١٤٣٠٥ أقدام. تتكون القيعان المنخفضة لجبل بيكيونيز، وقيعان المسارات العديدة المتجهة نحو الغرب منه، من ركامٍ ضخم، يبلغ سمكه آلاف الأقدام، من الصخور السماقية التي تدفَّقت في هيئة حممٍ بحرية، بالتناوب مع شظايا حادة ومستديرة من الصخور ذاتها، قذفت من فوهات البراكين البحرية. وهذه الكتل المتناوبة مغطاة عند الأجزاء المركزية منها بطبقةٍ سميكة للغاية من الأحجار الرملية الحمراء وصخور الرصيص الرسوبية والأردواز الجيري، المختلطة بطبقاتٍ هائلة من الجبس وتمرُّ خلالها. في هذه الطبقات العلوية، توجد القواقع بقدر لا بأس به، وتنتمي إلى حقبة العصر الطباشيري الأدنى في أوروبا. إنها قصة قديمة، ولكنها ليست أقل روعة، أن تسمع أن القواقع التي كانت يومًا ما تسبح في قاع البحر، صارت الآن على ارتفاع ١٤ ألف قدم فوق مستوى البحر. ولقد تخلخلت القيعان الدنيا في هذه الكومة العظيمة من الطبقات وتحمصت وتبلورت وامتزجت معًا، بفعل قوة الكتل الجبلية المكوَّنة من صخورٍ جرانيتيةٍ بيضاءَ مميزة تحتوي على الصودا.

أما المسار الرئيس الآخر، وهو مسار بورتيو، فله تكوينٌ مختلف تمامًا؛ فهو يتكون بالأساس من قممٍ كبيرةٍ جرداءَ من جرانيت البوتاس الأحمر، مغطاة بالأسفل على الجانب الغربي بأحجارٍ رملية، تحوَّلت بفعل حرارة الجرانيت إلى صخور كوارتز. على صخور الكوارتز، توجد طبقات من الرصيص الرسوبي ذي سمكٍ يبلغ آلاف الأقدام، رفعت بفعل الجرانيت الأحمر، وانحدرت بزاوية ٤٥ درجة نحو مسار بيكيونيز. وقد اندهشتُ حين وجدت أن هذه الطبقة الرسوبية تَكوَّن جزء منها من الحصى المشتق من صخور سلسلة بيكيونيز، ذات القواقع الأحفورية؛ فيما تكوَّن الجزء الآخر من جرانيت البوتاس الأحمر، كذاك الذي يوجد في جبال بورتيو. وبذلك، لا بد أن نخلص إلى أن كلًّا من سلسلتي بيكيونيز وبورتيو قد رُفع جزئيًّا وتعرَّض للبِلى عندما تكوَّن الصخر الرسوبي؛ ولكن نظرًا لأن قيعان الصخور الرسوبية تحرَّرت عند زاوية ٤٥ درجة بفعل جرانيت بورتيو الأحمر (مع الصخور الرملية الدفينة التي تحمَّصت بفعله)، فقد نشعر بالثقة أن الجزء الأكبر من عملية حقن وبروز الجزء المتكوِّن جزئيًّا بالفعل من سلسلة بورتيو قد حدث بعد تراكم صخرٍ رسوبي، وبعد نتوء سلسلة بيكيونيز بفترةٍ طويلة. وبذلك لا يكون البورتيو، المسار الأعلى في هذا الجزء من سلسلة الجبال، قديمًا للغاية كمسار البيكيونيز الأقل ارتفاعًا. وقد يستشهد بالأدلة المستمدة من مجرى الحمم المائل عند القاعدة الشرقية لجبال البورتيو لتوضيح أن جزءًا من ارتفاعها الكبير يعود إلى ارتفاعات حدثت في حقبةٍ لاحقة. وبالنظر إلى أصول الجرانيت الأحمر المبكرة، يبدو لنا أنه قد تم حقنه على مسارٍ قديم كان موجودًا من قبلُ من الجرانيت الأبيض والأردواز الميكائي. وفي معظم الأجزاء، بل ربما في جميع أجزاء سلسلة الجبال، ربما نخلص إلى أن كل مسارٍ قد تكوَّن من عمليات رفع وحقن متكررة، وأن المسارات المتوازية العديدة تكوَّنت في عصورٍ مختلفة. وبذلك فقط يمكننا أن نكسب وقتًا كافيًا لتفسير كم التعرية الهائل الذي تعرَّضت له هذه الجبال الشاهقة، رغم أنها حديثة نسبيًّا مقارنة بمعظم السلاسل الأخرى.

وأخيرًا، تبرهن القواقع الموجودة في بيكيونيز أو السلسلة الأقدم — كما أشرنا من قبلُ — على أنها ارتفعت بمقدار ١٤ ألف قدم منذ العصر الجيولوجي الثاني، الذي اعتدنا في أوروبا اعتباره أبعد ما يكون عن القدم؛ ولكن نظرًا لأن هذه القواقع قد عاشت في بحرٍ عميق إلى حدٍّ ما، يمكن إثبات أن المنطقة التي تشغلها سلسلة الجبال الآن لا بد أنها هبطت لآلاف الأقدام — وفي شمال تشيلي هبطت مسافة ٦ آلاف قدم — بحيث أتاحت لتلك الكمية من الطبقات البحرية أن تتكدَّس على القاع الذي عاشت فيه القواقع. والبرهان نفسه من شأنه أن يُبيِّن أنه في فترةٍ متأخرة كثيرًا منذ عاشت أصداف العصر الجيولوجي الثالث في باتاجونيا، هناك حتمًا هبوط حدث لمسافة عدة مئات من الأقدام، وكذلك ارتفاع أعقب هذا الهبوط. وهكذا، يترسخ في ذهن عالم الجيولوجيا يوميًّا أنه لا يوجد شيء غير مستقر كمستوى قشرة هذه الأرض، ولا حتى الرياح العاصفة.

سأُبدي ملاحظةً جيولوجيةً أخرى: على الرغم من أن سلسلة البورتيو هنا أعلى من سلسلة بيكيونيز، فإن المسطحات المائية، النازحة من الوديان الوسطى، قد تفجرت خلالها. ولقد لوحظت نفس الحقيقة، على نطاقٍ أكبر، في المسار الشرقي والأكثر ارتفاعًا لسلسلة جبال بوليفيا، التي يمر خلالها الأنهار؛ كما لوحظت حقائقُ مشابهة أيضًا في بقاعٍ أخرى من العالم. وفي ضوء افتراض حدوث الارتفاع التالي والتدريجي لسلسلة البورتيو، يمكننا فهم هذا؛ فلكي تظهر سلسلة من الجزر الصغيرة في البداية، ومع ارتفاع هذه الجزر، فإن موجات المد والجزر دائمًا ما تنحت قنواتٍ أعمق وأوسع فيما بينها. وفي الوقت الحاضر، وحتى في أكثر الخُلْجان المنعزلة على ساحل أرخبيل أرض النار، تكون التيارات الموجودة داخل الفواصل المستعرضة — التي تربط بين القنوات الطولية — قويةً جدًّا؛ ولذا حتى في داخل إحدى القنوات المستعرضة كانت السفن الصغيرة تدور وتدور في دوامات.

عند الظهيرة تقريبًا، بدأنا رحلة الصعود الشاقة لسلسلة بيكيونيز، حينئذٍ ولأول مرة واجهنا بعض الصعوبة في التنفُّس. كانت البغال تتوقف كل خمسين ياردة، وبعد الاستراحة لبضع ثوانٍ تستأنف الدواب المسكينة المطيعة الرحلة مرة أخرى من تلقاء نفسها. ويطلق التشيليون على ضيق التنفُّس في الغلاف الجوي العلوي «داء المرتفعات»؛ ولديهم أسخف الأفكار بخصوص أصل الكلمة. فالبعض يقول إن «جميع المسطحات المائية هنا تعاني من داء المرتفعات»، والبعض الآخر يقول إنه «أينما تتساقط الثلوج يوجد داء المرتفعات.» وهذا صحيح بلا شك. كان الشعور الوحيد الذي انتابني هو ضيقٌ بسيط في الصدر والرأس، مثل ذلك الشعور الذي ينتابك عند الخروج من غرفةٍ دافئة والركض بسرعة في طقسٍ متجمد. كان ثمة قدر من الوهم في ذلك الأمر؛ إذ إنني نسيتُ تمامًا أمر داء المرتفعات في غمرة سعادتي بالعثور على أصداف أحفورية فوق السلسلة العليا. بالتأكيد كان إجهاد المشي بالغًا للغاية، وصار التنفُّس شاقًّا وعميقًا؛ وقد قيل لي إنه في مدينة بوتوسي (التي تقع فوق مستوى سطح البحر بارتفاع ١٣ ألف قدم تقريبًا)، لا يعتاد الغرباء هذا الطقس لمدة عامٍ كامل. ويوصي جميع السكان هنا بالبصل كعلاج لداء المرتفعات. ولما كان هذا النبات يقدم أحيانًا في أوروبا كعلاج من شكاوى آلام الصدر؛ فقد يكون ذا فائدة حقيقية، أما بالنسبة إليَّ فلم أجد شيئًا في روعة القواقع الأحفورية!

في حوالي منتصف الطريق إلى أعلى، التقينا بقافلةٍ كبيرة معها سبعون بغلًا محمَّلًا. كان من الممتع الاستماع إلى الصيحات الجامحة لسائقي البغال ومشاهدة صفِّ الدواب الطويل الهابط، بدت الدواب شديدة الصغر، ولم يكن ثمة شيء يمكن مضاهاتها به سوى الجبال السمراء. عند الاقتراب من القمة، كانت الرياح عاتيةً وشديدة البرودة، كما يحدث بوجهٍ عام. وعلى كلا جانبَي السلسلة، اضطررنا إلى المرور فوق نطاقاتٍ عريضة من الثلوج الدائمة، التي سرعان ما غطَّتها طبقةٌ حديثة. وعندما وصلنا إلى القمة ونظرنا إلى الخلف، رأينا مشهدًا رائعًا. الأجواء الصافية على نحوٍ متألق، والسماء الشديدة الزرقة، والوديان العميقة، والأشكال البرية غير المستوية من أكوام الأطلال المتراكمة عبر العصور؛ والصخور ذات الألوان الزاهية، في مقابل الجبال الجليدية الهادئة، كل هذا معًا خلق مشهدًا لا يستطيع أحد أن يتخيله. ولم يصرف انتباهي عن الكتلة الجامدة أي نبات أو طائر، باستثناء بعض نسور الكوندور المحلِّقة فوق القمم العالية. سعدت بوجودي هناك بمفردي؛ فقد كان الأمر أشبه بمشاهدة عاصفةٍ رعدية، أو الاستماع لمعزوفة «المسيح» بأوركسترا كاملة.

فوق عدة رُقَع من الجليد، عثرت على الثلج الأحمر المعروف من حكايات مستكشفي القطب الشمالي. ولقد استرعى انتباهي ملاحظةُ أثر أقدام البغال الملطخة بلون أحمر باهت، كما لو أن حوافرها ملطخة بالدماء قليلًا. في البداية، ظننتُ أن السبب يعود إلى هبوب الغبار القادم من الجبال المحيطة ذات الصخور السماقية الحمراء؛ فبفضل قوة التكبير الخاصة ببلورات الجليد، بدت مجموعات النباتات المجهرية أشبه بجسيماتٍ دقيقةٍ خشنة. كانت الثلوج مخضَّبة فقط في المواضع التي ذابت فيها سريعًا جدًّا، أو سُحقت عن غير عمد. وعند فركها قليلًا على ورقة، نتجت مسحةٌ وردية اللون باهتةٌ مختلطة بقليل من اللون الأحمر الآجري. بعد ذلك، فركتُ بعضها من على الورقة، ووجدت أنها تتكوَّن من مجموعات من الكريات الصغيرة في أغلفة عديمة اللون، كلٌّ منها يبلغ قطرها جزءًا من الألف من البوصة.

بصفةٍ عامة، تتسم الرياح على قمة سلسلة بيكيونيز، كما أشير توًّا، بكونها شديدة وقارسة البرودة، ويُقال٣ إنها تهب باستمرار من ناحية الغرب أو من ناحية المحيط الهادي. ونظرًا لأن هذه الملاحظات رُصدت بالأساس في فصل الصيف، فهذه الرياح هي حتمًا عبارة عن تيارٍ فوقيٍّ مرتدٍّ. وعلى نحوٍ مشابه، تقع قمة تينيريفي، ذات الارتفاع الأقل، والواقعة عند دائرة عرض ٢٨ درجة، في نطاق تيارٍ فوقيٍّ مرتدٍّ. في البداية، يبدو من المثير للدهشة بعض الشيء أن الرياح التجارية على امتداد الأجزاء الشمالية من تشيلي وعلى ساحل بيرو تهبُّ من أقصى الجنوب كما هو معتاد؛ ولكن حين نفكر أن سلسلة الجبال، الممتدة في خط بين الشمال والجنوب، تعترض التيار الجوي المنخفض ذا العمق الشديد، كجدارٍ كبير، يمكننا أن ندرك بسهولة أن الرياح التجارية تهبُّ حتمًا من ناحية الشمال، متتبعة خط الجبال، نحو المناطق الاستوائية؛ ومن ثمَّ تفقد جزءًا من حركة الرياح الشرقية التي كانت لتكتسبها من دوران الأرض. وفي ميندوزا، عند السفح الشرقي لجبال الأنديز، يُقال إن المناخ مُعرض لفترات سكون طويلة، ومظاهر متكررة، وإن كانت كاذبة، لتجمع العواصف الممطرة، ولعلنا نتصور أن الرياح، الآتية من الشرق ومن ثَم تتركز بواسطة خط الجبال، ستصير خاملة وغير منتظمة في تحركاتها.

بعد أن اجتزنا سلسلة بيكيونيز، هبطنا إلى منطقةٍ وعرة، في منتصف الطريق بين سلسلتَي الجبال الرئيستَين، ثم بتنا الليلة هناك. كنا حينئذٍ في جمهورية ميندوزا. كان الارتفاع لا يقل عن ١١ ألف قدم على الأرجح؛ ومن ثمَّ كانت النباتات شحيحة للغاية. كان مصدر الوقود هو جذور أحد النباتات الصغيرة القصيرة، إلا أن النيران المنبعثة منها كانت ضعيفة، وكانت الرياح قارسة البرودة. ونظرًا لإرهاقي الشديد بسبب عملي لأيام، نصبت فراشي بأسرع ما استطعت، وخلدت إلى النوم. عند منتصف الليل تقريبًا، لاحظتُ أن السماء صارت ملبدة بالغيوم فجأة؛ ما دعاني لإيقاظ سائق البغال لأعرف ما إذا كان ثمة أي خطر من تدهور الأحوال الجوية؛ ولكنه قال إنه مع غياب الرعد والبرق فلا خطر من وقوع عاصفةٍ ثلجيةٍ شديدة. فالخطر وشيك ومن ثَم تزداد صعوبة الهروب بالنسبة إلى أي شخص يباغَت بطقسٍ سيئ وسط سلسلتَين من الجبال. ثمة كهف بعينه يمثل الملاذ الآمن الوحيد، لقد احتُجز السيد كولكلوه‎، الذي عبر في هذا اليوم نفسه من الشهر، هناك لبعض الوقت بسبب تساقط الجليد بكثافة. لم يتمَّ بناء الأكواخ، أو الملاذات الآمنة، في هذا الطريق كما هو الحال في طريق أوسبالاتا؛ لذا قليلًا ما يرتاد أحدٌ طريق بورتيو في فصل الخريف. ويجدر بي هنا الإشارة إلى أن الأمطار لا تتساقط مطلقًا داخل سلسلة الجبال الرئيسة؛ لأنه في فصل الصيف تكون السماء صافية، وفي فصل الشتاء لا يوجد سوى العواصف الثلجية فقط.

في المكان الذي بتنا فيه، كانت المياه، بسبب الضغط الجوي المنخفض، تغلي في درجات حرارة أقلَّ من تلك التي تغلي عندها في منطقة أقلَّ ارتفاعًا؛ وهو ما يعد نقيضًا لما يحدث في طَنْجَرة الضغط التي اخترعها بابان؛ ومن ثَمَّ ظلت البطاطس صلبة كما كانت تقريبًا بعد أن ظلت في المياه المغلية لبضع ساعات. تُركت القِدْر على النار طوال الليل، وفي صباح اليوم التالي، وضعت لتغلي مرةً أخرى، ورغم ذلك لم تنضج البطاطس. وقد اكتشفتُ ذلك حين استرقتُ السمع لرفيقيَّ وهما يناقشان السبب؛ إذ توصلا إلى استنتاجٍ بسيط مفاده أن «القِدْر اللعينة (التي كانت جديدة) عزفت عن سلق البطاطس.»

•••

«٢٢ مارس»، بعد أن تناولنا إفطارنا بدون بطاطس، عبرنا الأرض الوسطى متَّجهين إلى سفح سلسلة جبال بورتيو. في منتصف فصل الصيف، تُساق الماشية إلى هنا للرعي؛ إلا أنها أُجليَت جميعًا حينذاك؛ حتى إن عددًا كبيرًا من الجوانيق فرَّت من المكان، لمعرفتها جيدًا أنها إن بوغتت بعاصفةٍ ثلجية هنا، فستقع في فخ. رأينا مشهدًا رائعًا لكتلة من الجبال تُسمى توبونجاتو، مكسوة تمامًا بالجليد، وكان في منتصفها رقعةٌ زرقاء، لا شك أنها نهرٌ جليدي، وهي ظاهرةٌ نادرة الحدوث في هذه الجبال. بدأنا رحلة صعود مرهقة لمسافةٍ طويلة، شبيهة بصعود سلسلة بيكيونيز. برزت تلالٌ مخروطيةٌ حادَّة من الجرانيت الأحمر على كلا الجانبين؛ وفي الوديان كانت هناك عدة حقولٍ شاسعة من الثلوج الدائمة. وقد تحوَّلت هذه الكتل المتجمدة، أثناء عملية الذوبان، في بعض أجزائها إلى قبابٍ مستدقَّة أو أعمدة،٤ جعلت من الصعب على البغال المحملة أن تمر؛ نظرًا لارتفاعها وقربها بعضها من بعض. وفوق أحد هذه الأعمدة الجليدية، وقف حصانٌ متجمد كتمثال فوق منصة، إلا أن رجلَيه الخلفيتَين كانتا مفرودتَين في الهواء. أظن أن الحصان قد هوى برأسه داخل حفرة، بينما استمر تساقط الثلوج، ثم أُزيلت الأجزاء المحيطة بفعل الذوبان.

عندما أصبحنا تقريبًا على قمة سلسلة بورتيو، أحاطت بنا سحابةٌ منحدرة من شويكاتٍ دقيقةٍ متجمدة. كان هذا من سوء حظنا لأنها استمرت طوال اليوم وأعاقت رؤيتنا. جاءت تسمية الطريق ببورتيو من شقٍّ ضيق أو مدخل عند الحافة العليا التي يمر من خلالها الطريق. من عند هذه النقطة، وفي يوم صافٍ بلا غيوم، يمكن رؤية تلك السهول الشاسعة التي تمتد بلا انقطاع نحو المحيط الأطلسي. نزلنا إلى الحافة العليا لمنطقةٍ نباتية، ووجدنا مكانًا مناسبًا لقضاء الليلة أسفل بعض الشظايا الصخرية الكبيرة. التقينا هنا ببعض المسافرين الذين تساءلوا في قلق عن حالة الطريق. حالما حل الظلام، انقشعت الغيوم فجأة، وكان تأثير ذلك سحريًّا للغاية؛ فقد بدت الجبال المهيبة، التي أضاءها البدر الساطع، تُحلِّق فوقنا في دنوٍّ من كل جانب، كما لو كانت فوق صدعٍ عميق؛ وذات صباح، في وقتٍ مبكرٍ جدًّا، شهدت التأثير المذهل نفسه. وبمجرد أن تبدَّدت السحب، تجمَّدت بشدة؛ ولكن نظرًا لعدم وجود رياح، خلدنا إلى النوم بكل سهولة.

كان التألُّق المتزايد للقمر والنجوم على هذا الارتفاع ملحوظًا للغاية بفعل الشفافية التامة للغلاف الجوي. وبوجهٍ عام، أعزى المسافرون الذين لاحظوا صعوبة تقدير الارتفاعات والمسافات وسط الجبال الشاهقة، هذا الأمر إلى عدم وجود أجسامٍ أخرى يمكن استخدامها للمقارنة. أما بالنسبة إليَّ، فبدا أن هذا يعود إلى حدٍّ كبير إلى تسبب شفافية الهواء في تداخل الأجسام الموجودة على مسافاتٍ متفاوتة؛ كما يعود جزئيًّا إلى عدم الاعتياد على الإصابة بدرجةٍ استثنائية من الإعياء نتيجة بذل مجهودٍ قليل؛ وهي عادة تتعارض مع مدركات الحواس. وأنا واثق أن هذا النقاء الشديد للهواء يعطي المشهد الطبيعي طابعًا غريبًا؛ فجميع الأجسام تبدو وكأنها وضعت في مستوًى واحد تقريبًا، كما في الرسومات أو المناظر البانورامية. وأظن أن الشفافية تُعزى إلى الجفاف الثابت والمرتفع للغلاف الجوي. وقد تجلَّى هذا الجفاف من خلال الطريقة التي انكمشت بها المشغولات الخشبية (مثلما وجدت من خلال المشقة التي واجهتها في استخدام مِطْرَقة الصخور التي معي)، والتصلب الشديد للأطعمة، مثل الخبز والسكر، وحفظ الجلود وأجزاء من لحوم الدواب التي نفقت على الطريق. وللسبب ذاته لا بد أن نعزي السهولة الفريدة التي تولدت بها الكهرباء؛ إذ بدا معطفي الصوفي، حين فركته قليلًا، وكأنه مغسول بالفوسفور؛ كما كانت كل شعرة على ظهر الكلب تطقطق، وحتى الملاءات الكتَّانية والأحزمة الجلدية للسرج انبعثت منها شراراتٌ كهربية عند الإمساك بها.

•••

«٢٣ مارس»، كان النزول على الجانب الشرقي لسلسلة الجبال أقصر كثيرًا أو أكثر انحدارًا من الجانب المطلِّ على المحيط الهادي؛ بعبارةٍ أخرى، تبرز الجبال بانحدارٍ أكبر من السهول مقارنة ببروزها من المنطقة الجبلية في تشيلي. امتدَّ أسفل أقدامنا عددٌ كبير من السحب المستوية ذات اللون الأبيض البراق كأنها بحر، حاجبة بذلك مشهد منطقة البامبا المستوية أيضًا. وسرعان ما دخلنا نطاق السحب ولم نخرج منها مرةً أخرى طوال ذلك اليوم. وعند الظهيرة تقريبًا، وجدنا مرعًى للدواب وشجيرات لإشعال الحطب في لوس أريناليس، فتوقفنا هناك للمبيت. كان هذا بالقرب من الحافة العليا لمنطقة شجيرات، وأظن أن الارتفاع كان ما بين سبعة وثمانية آلاف قدم.
ذُهلت كثيرًا من الاختلاف الملحوظ بين النباتات الموجودة في هذه الوديان الشرقية وتلك الموجودة في الجانب التشيلي: ورغم ذلك، تكاد تكون طبيعة المناخ وكذلك نوعية التربة متشابهة، كما أن الفوارق بين خطوط الطول تكاد لا تذكر. والملحوظة نفسها تنطبق على الحيوانات الرباعية الأقدام، وبدرجة أقل على الطيور والحشرات. ويمكنني أن أضرب مثالًا لذلك بالفئران التي وجدت منها ثلاثة عشر نوعًا على شواطئ المحيط الأطلسي، وخمسة على المحيط الهادي، ولا يوجد أي نوع منها متطابق. ويجب أن نستثني جميع تلك الأنواع التي كانت تصعد الجبال عادةً أو من وقت لآخر؛ وطيورًا معينة يمتد نطاق تواجدها إلى أقصى الجنوب نحو مضيق ماجلان. وهذه الحقيقة تتوافق تمامًا مع التاريخ الجيولوجي لجبال الأنديز؛ فهذه الجبال كانت موجودة كحاجزٍ كبير منذ أن ظهرت السلالات الحالية من الحيوانات؛ ولذا ما لم نفترض أن الأنواع نفسها كانت موجودة في مكانَين مختلفَين، فلا ينبغي أن نتوقع أي تشابه أوثق بين الكائنات العضوية على الجهات المقابلة لجبال الأنديز مقارنة بالشواطئ المقابلة للمحيط. وفي كلتا الحالتَين، يجب أن نستبعد تلك الأنواع التي استطاعت اجتياز الحاجز، سواء أكانت صخورًا صلبة أم مياهًا مالحة.٥

كان ثمة عددٌ كبير من النباتات والحيوانات المشابهة تمامًا — أو قريبة الشبه كثيرًا — بتلك الموجودة في باتاجونيا. فقد رأينا هنا حيوان الأجوتي والبيزكاتشا وثلاثة أنواع من حيوان المدرَّع والنعام وبعض أنواع من طيور الحَجَل وغيرها من الطيور الأخرى، لا تُرى أيٌّ منها مطلقًا في تشيلي، لكنها الحيوانات المميزة لسهول باتاجونيا الصحراوية. رأينا أيضًا الكثير من الشجيرات الشائكة المتقزِّمة المتشابهة (في نظر شخص ليس بعالم نباتات)، والعشب الذابل، والنباتات القزمية. وحتى الخنافس السوداء الزاحفة ببطء شديدة التشابه فيما بينها، وأعتقد أن بعضها متطابق تمامًا، إذا أخضعناها للفحص الدقيق. لطالما ندمت على اضطرارنا، لا محالة، للتخلي عن فكرة صعود نهر سانت كروز قبل الوصول إلى الجبال؛ فقد كان لديَّ دومًا بارقة أمل مستترة في رؤية تغيرٍ كبير في خصائص المنطقة؛ ولكني الآن متأكد أنها كانت ستسير على نفس نهج سهول باتاجونيا صعودًا مع ارتفاع الأرض الجبلية.

•••

«٢٤ مارس»، في الصباح الباكر، تسلَّقتُ أحد الجبال من جانب الوادي، واستمتعتُ بمشهدٍ ممتدٍّ عبر منطقة البامبا. كان مشهدًا لطالما تطلعتُ إليه باهتمام، إلا أنني شعرتُ بالإحباط؛ فللوهلة الأولى، كان المشهد يشبه كثيرًا مشهدًا للمحيط من على مسافةٍ بعيدة، إلا أنني سرعان ما تمكنتُ من تمييز الكثير من الاختلافات في الأجزاء الشمالية. ظهرت أبرز السمات المميزة للمكان في الأنهار التي كانت تلمع، في مواجهة الشمس المشرقة، كخيوطٍ فضية حتى غابت وسط المسافة البعيدة المهيبة. وفي منتصف النهار، هبطنا إلى الوادي ووصلنا إلى كوخ، حيث كان ضابط وثلاثة جنود متمركزين لفحص جوازات السفر. كان أحد هؤلاء الرجال هنديًّا أصيلًا من هنود منطقة البامبا، وكان مُعينًا لنفس غرض الكلاب البوليسية؛ أي لتعقب أي شخص قد يتسلَّل سواء سيرًا على الأقدام أو على ظهر الخيل. قبل بضع سنوات مضت، حاول أحد المسافرين التحايل لعدم اكتشاف أمره من خلال الالتفاف لمسافةٍ طويلة حول جبلٍ مجاور، إلا أن هذا الهندي تتبَّعه، بعد أن اقتفى أثره بالصدفة، ليومٍ كامل عبر التلال الصخرية الشديدة الوعورة والقحل حتى وجد فريسته مختبئًا في أُخْدُود. وقد سمعنا هنا أن السحب الفضية، التي أخذنا ننظر إليها بإعجاب من المنطقة الكثيفة البراقة بالأعلى، تصبُّ السيول صبًّا. اتسع الوادي من عند هذه النقطة تدريجيًّا، وصارت التلال مجرد روابٍ صغيرة سُحِقت بفعل المياه مقارنة بالتلال العملاقة الموجودة في الخلف؛ ثم اتسعت إلى سهلٍ قليل الانحدار مليءٍ بالحصى، ومغطًّى بأشجار وشجيراتٍ قصيرة. وهذا المنحدر، رغم أنه يبدو ضيقًا، يبلغ عرضه عشرة أميال تقريبًا قبل أن يمتزج بمنطقة تبدو مستوية تمامًا من البامبا. مررنا على المنزل الوحيد الموجود في هذه المنطقة، مزرعة تشاجوايو؛ وعند غروب الشمس وقفنا بأول ركنٍ مريح وخيَّمنا هناك.

•••

«٢٥ مارس»، تذكرتُ منطقة البامبا الموجودة في بيونس أيرس حين رأيت قرص الشمس المشرقة يتقاطع مع خط الأفق كخط المحيط. وأثناء الليل، حلَّت طبقةٌ كثيفة من الندى، وهي حالة لم نشهدها أثناء تواجدنا وسط سلسلة الجبال. امتد الطريق لمسافةٍ نحو الشرق عبر مستنقعٍ منخفض؛ وبمجرد أن التقى بالسهل الجاف اتجه شمالًا نحو ميندوزا. تستغرق هذه المسافة مسيرةً طويلةً جدًّا تمتدُّ ليومين. قُدرت مسيرة اليوم الأول بأربعة عشر فرسخًا إلى إستاكادو، بينما بلغت مسيرة اليوم الثاني سبعة عشر فرسخًا إلى لوكسان، بالقرب من ميندوزا. تمتد المسافة بأكملها عبر سهلٍ صحراويٍّ مستوٍ، ولا يوجد على الطريق أكثر من بيتَين أو ثلاثة على الأكثر. كانت الشمس حامية للغاية، وخَلَت الرحلة من جميع عناصر التشويق. كانت كمية المياه قليلةً جدًّا في هذه «الرحلة العسيرة»، وفي مسيرة اليوم الثاني لم نجد إلا بِرْكةً صغيرة. إن كمية المياه التي تنساب من الجبال قليلة، وسرعان ما تمتصها التربة الجافة والمسامية؛ لذا على الرغم من أننا قطعنا مسافة عشرة أميال أو خمسة عشر ميلًا فقط من الحدود الخارجية لسلسلة الجبال، لم نمر على جدول مياه واحد. وفي أجزاءٍ كثيرة، كانت الأرض مغطاة بقشرة من البلورات الملحية؛ ولذلك رأينا هنا نفس النباتات المحبة للملوحة المنتشرة بالقرب من مدينة باهيا بلانكا. يتسم المشهد الطبيعي بطابعٍ مماثل لمضيق ماجلان، على امتداد الساحل الشرقي لباتاجونيا بالكامل، وصولًا إلى نهر كولورادو؛ ويبدو أن المنطقة بنفس طابعها ذاك تمتد من هذا النهر إلى الداخل، في خطٍّ انسيابي يصل إلى سان لويس، وربما إلى أقصى الشمال. وشرق هذا الخط المنحني، يقع حوض سهول بيونس أيرس الخضراء ذات الرطوبة النسبية. تتكون سهول ميندوزا وباتاجونيا الجدباء من طبقة من الحصى، ملساء ومكدسة بفعل أمواج البحر؛ بينما تتكون منطقة البامبا، المغطاة بالنباتات الشائكة والبرسيم والحشائش، من الطمي النهري القديم لنهر بلاتا.

بعد رحلتنا المرهقة التي استمرت يومَين، كان من المنعش أن نرى على بُعد صفوفًا من أشجار الحور وأشجار الصفصاف تنمو حول قرية ونهر لوكسان. وقبيل وصولنا إلى هذا المكان مباشرة، شاهدنا ناحية الجنوب غيمة غير منتظمة الشكل ذات لونٍ بنيٍّ محمرٍّ داكن. في البداية، ظننا أنه دخان يتصاعد من حريقٍ هائل في السهول؛ إلا أننا سرعان ما اكتشفنا أنها سرب من الجراد. كان هذا الحشد يطير ناحية الشمال، وبفضل النسيم الخفيف، اتجه نحونا بسرعة عشرة أميال أو خمسة عشر ميلًا في الساعة. ملأ الجراد في قلب السرب الجو بداية من ارتفاع عشرين قدمًا وحتى ارتفاع ألفين أو ثلاثة آلاف قدم — فيما يبدو — فوق سطح الأرض «بدا صوت أجنحتها كصوت المركبات الحربية يجرها عدة خيول تهرول في طريقها للمعركة.» أو بالأحرى كانت أشبه بنسمةٍ شديدة تمر خلال أشرعة إحدى السفن. بدت السماء، ونحن ننظر إليها عبر طليعة السرب المحارب، أشبه بنقوشٍ تظليليةٍ محفورة؛ إلا أن الجراد المتمركز في قلب السرب كان معيقًا للرؤية؛ ورغم ذلك لم يكن الجراد مجتمعًا على نحوٍ كثيف للغاية؛ إذ كان بإمكانه أن يتفادى عصًا تلوِّح ذهابًا وإيابًا. وعندما هبط على الأرض، كان عدده أكثر من عدد أوراق الشجر في الحقل، واستحال لون الأرض من الحمرة إلى اللون أخضر، وبمجرد أن يهبط السرب على الأرض، تطير كل حشرة من جانب إلى آخر في جميع الاتجاهات. والجراد حشرةٌ مألوفة في هذه البلاد؛ إذ جاءت خلال هذا الموسم عدة أسرابٍ أصغر حجمًا من ناحية الجنوب، حيث تنشأ في الصحاري كما يبدو في جميع أنحاء العالم. وحاول سكان الأكواخ المساكين عبثًا أن يتفادوا الهجوم بإشعال النيران وإطلاق الصيحات، والتلويح بفروع الأشجار. وهذا النوع من الجراد قريب الشبه، بل ربما مطابق، لحشرة الجُدْجُد القادمة من الشرق.

عبرنا لوكسان، وهو نهرٌ كبير الحجم، رغم أن مجراه نحو الساحل البحري معروف على نحوٍ غير دقيق؛ حتى إن ثمة شكًّا إن كان لا يتبخر ويختفي حين يمر عبر السهول. بتنا في قرية لوكسان، وهي مكانٌ صغيرٌ محاطٌ بالحدائق، وتُشكِّل معظم المنطقة الجنوبية المزروعة في مقاطعة ميندوزا، وتبعد خمسة فراسخ جنوبي العاصمة. وفي المساء، تعرضتُ إلى هجوم (لا يجدر بي استخدام تعبيرٍ أخفَّ هنا) من حشرة الفسافس (البق مصاص الدماء)، التي تنتمي إلى فصيلة الرضوفيات؛ وهي الحشرة السوداء الكبيرة المنتشرة في منطقة البامبا. إن الشعورَ بحشراتٍ ملساء عديمة الأجنحة، يبلغ طولها حوالي بوصة، تزحف على جسدك؛ شعورٌ مقزِّز للغاية. قبل امتصاص الدماء، تكون الحشرة نحيفة للغاية، لكن بعد ذلك يصير جسدها دائريًّا ومنتفخًا بالدماء، ومن السهل سحقها في هذه الحالة. كانت إحداها، والتي أمسكت بها في مدينة إيكيكي (حيث توجد هذه الحشرة في تشيلي وبيرو)، فارغةَ الأحشاء تمامًا. وعند وضعها على طاولة، ورغم كونها محاطة بالناس، كان إذا مُدَّ إصبع نحوها، تسارع الحشرة الوقحة على الفور إلى إبراز ماصَّاتها، وتشنُّ هجومًا، وإذا أُتيحت لها الفرصة، تمتص الدماء. لم يتسبب الجرح في أي ألم. كان من المثير للفضول مشاهدة جسدها أثناء عملية مصِّ الدماء؛ إذ تحول جسدها المسطح كرقاقة إلى شكل دائري في أقل من عشر دقائق. وهذه الوليمة التي تدين بها حشرة الفسافس لأحد الربابنة، جعلتها سمينة لمدة أربعة شهورٍ كاملة، إلا أنها بعد أول أسبوعَين كانت على أهبة الاستعداد لعملية امتصاص أخرى.

•••

«٢٧ مارس»، واصلنا المسيرة إلى ميندوزا. كانت المنطقة مزروعة بطريقةٍ جميلة وكانت تشبه تشيلي. وتشتهر هذه المنطقة بفاكهتها؛ وقطعًا لا يمكن لشيء أن يضاهي نضرة حقول الكروم وبساتين التين والخوخ والزيتون المنتشرة في المكان. اشترينا ثمار بطيخ كان حجم كلٍّ منها ضعف حجم رأس إنسان تقريبًا، وكانت لذيذة الطعم وطيبة المذاق، مقابل نصف بنس للثمرة؛ واشترينا بقيمة ثلاثة بنسات نصف عربة يد من الخوخ. والأجزاء المزروعة والمسيَّجة في هذا الإقليم صغيرة جدًّا؛ إلا أنه يوجد أماكن أكثر قليلًا مما اجتزناها بين قرية لوكسان والعاصمة. وتعزى خصوبة الأرض، كما في تشيلي، بالكامل إلى الري الصناعي، ومن الرائع حقًّا أن تلاحظ كيف تصير أرضٌ بورٌ مثمرة على نحوٍ استثنائي هكذا.

مكثنا اليوم التالي في ميندوزا. لقد تراجع مستوى رخاء المنطقة كثيرًا في السنوات الأخيرة. ويقول الأهالي: «من الجيد أن تعيش هنا، ولكن ما من شيءٍ أسوأ من أن تكوِّن ثروةً فيها.» تتسم الطبقات الدنيا من المجتمع بالتكاسل والاستهتار شأنهم شأن الجاوتشو وسكان منطقة البامبا، ويكادون يشبهونهم في ملبسهم ومعدات ركوب الخيل والعادات المعيشية. في رأيي، كان للبلدة طابعٌ بائس ومملٌّ. فالمتنزهات المنحوتة والمشاهد الطبيعية لا تضاهي نظيرتها في سانتياجو على الإطلاق؛ إلا أنه بالنسبة إلى القادم من بيونس أيرس، ومرَّ توًّا على منطقة البامبا العديمة التنوع، تبدو الحدائق والبساتين مبهجة حتمًا. ويقول السير إف هيد، في معرض حديثه عن السكان: «إنهم يتناولون عشاءهم وهو ساخن جدًّا، ويخلدون إلى النوم؛ وهل بوسعهم أن يقوموا بشيء أفضل؟» وأتفق تمامًا مع السير إف هيد؛ فالقدر السعيد لسكان ميندوزا يكمن في الأكل والنوم والتبطُّل.

•••

«٢٩ مارس»، انطلقنا عائدين إلى تشيلي عبر طريق أوسبالاتا الواقع شمالي ميندوزا. اضطررنا إلى اجتياز قطعة أرضٍ جدباءَ تمامًا طويلة تمتد خمسة عشر فرسخًا. كانت التربة جرداء تمامًا في بعض الأجزاء، وفي أجزاءٍ أخرى كانت مغطاة بعددٍ كبير من نباتات الصبار المتقزِّمة، مسلَّحة بعددٍ هائل من الأشواك، يُطلق عليها الأهالي «الأسود الصغيرة». وكان يوجد أيضًا بضع شجيراتٍ قصيرة. وعلى الرغم من أن السهل يرتفع عن سطح البحر بمقدار ثلاثة آلاف قدم تقريبًا، كانت أشعة الشمس حامية للغاية، كما جعلت السخونة، وكذلك سحب الغبار الدقيق، رحلة السفر مرهقةً للغاية. كان مسار رحلتنا أثناء النهار موازيًا لسلسلة الجبال تقريبًا، إلا أنه يدنو تدريجيًّا منها. وقبل غروب الشمس، كنا قد دخلنا أحد الوديان الشاسعة، أو بالأحرى الخُلْجان، والذي ينفتح على سهل، وسرعان ما ضاق هذا الوادي المنبسط ليصير واديًا ضيقًا، حيث يوجد كوخ فيلا فيسينسيو على ارتفاعٍ أعلى قليلًا. ونظرًا لأننا كنا على سفر طوال اليوم بلا قطرة مياه واحدة، كنا في حالة ظمأ شديد نحن والبغال، وأخذنا نبحث بتلهُّف عن جدول المياه الذي ينساب عبر هذا الوادي. كان من الغريب والمثير ما لاحظناه من ظهورٍ تدريجيٍّ للمياه؛ فقد كان المجرى جافًّا عند السهل، ثم صار أكثر رطوبة قليلًا بالتدريج، ثم ظهرت برك مياهٍ صغيرةٌ سرعان ما تشابكت معًا؛ وعند فيلا فيسينسيو تجمَّع نهرٌ صغيرٌ رائع.

•••

«٣٠ مارس»، لطالما أورد كل مسافر اجتاز جبال الأنديز ذكرًا للكوخ المعزول الذي يحمل الاسم المثير للإعجاب فيلا فيسينسيو. خلال اليومين التاليَين، مكثت هنا وفي بعض المواقع المجاورة. كانت جيولوجيا المنطقة المحيطة لافتةً للنظر جدًّا. كانت سلسلة جبال أوسبالاتا يفصلها عن سلسلة الجبال الرئيسية سهل أو حوضٌ طويل وضيِّق، كتلك المذكورة كثيرًا في تشيلي، ولكنها أعلى؛ إذ يبلغ ارتفاعها ستة آلاف قدم فوق سطح البحر. وهذه السلسلة في موقعٍ جغرافيٍّ قريب الشبه بسلسلة الجبال الرئيسية التي يحظى بها طريق بورتيو العملاق، إلا أن منشأها مختلف تمامًا؛ إذ تتكون من أنواعٍ مختلفة من الحمم البركانية البحرية، تتداخل مع أحجارٍ رمليةٍ بركانية وغيرها من التكوينات الرسوبية الرائعة؛ والسلسلة بأكملها شديدة الشبه ببعض الطبقات التي تعود إلى العصر الجيولوجي الثالث والموجودة على شواطئ المحيط الهادي. ومن منطلق هذا التشابه، توقعت أن أعثر على الخشب المسلكت (أو المتحجِّر بالسيليكا) والذي يميز هذه التكوينات بوجهٍ عام. وقد سررتُ على نحوٍ استثنائي للغاية. في الجزء الرئيس من سلسلة الجبال، وعلى ارتفاع حوالي سبعة آلاف قدم، لاحظتُ على سفحٍ وعرٍ أجردَ بعض أعمدة الجليد الأبيض البارزة. كانت هذه عبارة عن أشجارٍ متحجرة، تضم إحدى عشرة شجرةً متحجرة بالسيليكا، وحوالي من ثلاثين إلى أربعين شجرةً تحوَّلت إلى كربونات الكالسيوم البلورية الخشنة. انكسرت الأشجار على نحوٍ مفاجئ فبرزت أروم الأشجار العمودية فوق سطح الأرض ببضع أقدام. وتراوح محيط كل جذع من جذوع هذه الأشجار بين ثلاث وخمس أقدام. وكانت تبتعد بعضها عن البعض قليلًا، إلا أنها ككلٍّ كانت تكوِّن مجموعةً واحدة. وقد تفضل السيد روبرت براون بفحص الغابة، وصرح أنها تنتمي إلى فصيلة أشجار الشوح، وتتشارك في خصائصها مع عائلة الأروكاريا، إلا أنها تتشابه بعض الشيء مع شجر الطقسوس في بعض الأشياء الغريبة. تراكم الحجر الرملي البركاني، الذي كان ينغرس فيه الأشجار ولا بد أنها انبثقت من الجزء السفلي منه، في طبقاتٍ رقيقةٍ متتابعة حول جذوعها، ولكن الحجر احتفظ بشكله الذي يعطي انطباعًا بأنه لحاء.

تطلَّب الأمر القليل من التطبيق الجيولوجي العملي لتفسير القصة الرائعة التي كشف عنها هذا المشهد في الحال؛ رغم أنني أعترف أنني في البداية كنت مندهشًا كثيرًا لدرجة منعتني عن تصديق أبسط الأدلة. رأيت المكان الذي كانت تقف فيه يومًا مجموعة من الأشجار الرائعة تهزُّ فروعها على شواطئ المحيط الأطلنطي، حين وصل ذلك المحيط (الذي تراجع ٧٠٠ ميل) إلى سفح جبال الأنديز. ورأيت أنها قد نبتت من تربةٍ بركانية كانت مرتفعة عن مستوى سطح البحر، وأدى هذا بالتبعية إلى هبوط هذه الأرض الجافة، بأشجارها المنتصبة، في أعماق المحيط. وعند هذه الأعماق، غطت هذه الأرضَ الجافة سابقًا طبقاتٌ رسوبية، وغطت هذه الطبقاتِ مرةً أخرى تياراتٌ هائلة من الحمم البحرية، يصل سمك كتلةٍ واحدة منها إلى ألف قدم؛ وتنتشر هذه الأعداد الهائلة من الصخور المنصهرة والرواسب المائية بالتناوب في خمس طبقات. ولا بد أن المحيط الذي استقبل مثل هذه الكتل السميكة كان شديد العمق، إلا أن القوى الباطنية تحت الأرضية أعلنت عن نفسها مجددًا، ورأيت حينها قاع ذلك المحيط، مكوِّنًا سلسلةً من الجبال يصل ارتفاعها لأكثر من سبعة آلاف قدم. ولم تكن تلك القوى العدوانية خاملة، بل إنها دومًا في حالة نشاط محدثة تآكلًا في سطح الأرض؛ لقد انشطرت الأكوام الهائلة من الطبقات بسبب الكثير من الوديان الشاسعة، وبرزت الأشجار، التي تحوَّلت في الوقت الحالي إلى حجر صوَّان، من التربة البركانية، المتحوِّلة الآن إلى صخرة، والتي كانت تلك الأشجار تنبثق منها رافعة رءوسها الشامخة خضراء مثمرة. أما الآن، فقد تحول كل شيء إلى صحراء غير قابلة للاستصلاح مطلقًا؛ حتى الأُشْنات لا يمكنها أن تلتصق بالقوالب الحجرية التي كانت أشجارًا فيما سبق. ولا بد أن مثل هذه التغيرات الهائلة التي يتعذر فهمها تحدث؛ إلا أنها جميعًا حدثت خلال فترةٍ حديثة عند مقارنتها بتاريخ سلسلة الجبال؛ وسلسلة الجبال نفسها حديثة قطعًا مقارنة بطبقاتٍ أحفورية أخرى في أوروبا وأمريكا.

•••

«١ أبريل»، اجتزنا سلسلة جبال أوسبالاتا، وفي المساء بتنا في مصلحة الجمارك، التي كانت الجزء الوحيد الآهل على هذا السهل. وقبيل مغادرتنا الجبال، رأينا مشهدًا استثنائيًّا للغاية؛ حيث تحطمت صخورٌ رسوبيةٌ حمراء وقرمزية وخضراء وأخرى شديدة البياض بالتناوب مع الحمم السوداء، وتناثرت في فوضى بفعل كتل من الصخر السماقي من كل لون، من البني الغامق إلى أزهى درجات الليلك. كان أول مشهد أراه في حياتي يشبه حقًّا تلك المقاطع الجميلة التي يصنعها الجيولوجيون لأعماق الأرض.

في اليوم التالي، اجتزنا السهل وسلكنا نفس المسار الذي يتبعه الجدول المائي الجبلي العظيم في لوكسان. هنا كان يوجد سيلٌ جارف، يتعذَّر اجتيازه تمامًا، وبدا أكبر مما هو عليه في الجزء السفلي من المنطقة، كما كان الحال مع النُّهَيْر الصغير في فيلا فيسينسيو. وفي مساء اليوم التالي، وصلنا إلى نهر الفاكاس، والذي يعتبر أسوأ مجرًى مائي يمكن عبوره داخل سلسلة الجبال. ونظرًا لأن هذه الأنهار جميعها ذات مجرًى قصيرٍ وسريع، وتتكون بالأساس بفعل ذوبان الجليد، فإن ساعة من النهار تُحدث فارقًا كبيرًا في حجم هذه الأنهار. أما في المساء، فيصير المجرى المائي موحلًا وفائضًا، ولكن مع حلول الفجر يصير أكثر صفاءً وأقل اندفاعًا. ووجدنا الحال نفسه مع نهر فاكاس، وفي الصباح اجتزناه دون صعوبة تذكر.

كان المشهد حتى الآن بعيدًا تمامًا عن أن يكون جذابًا، مقارنة بالمشهد عند طريق بورتيو. فلا يكاد المرء يرى شيئًا وراء الأسوار الجرداء للوادي الكبير المسطح القاع، الذي يحاذيه الطريق صعودًا إلى أعلى قمة. كان الوادي والجبال الصخرية الضخمة جرداء تمامًا؛ فأثناء الليلتَين السابقتَين لم تجد البغال المسكينة أي شيء مطلقًا لتأكله، فباستثناء بعض الشجيرات الراتنجية القصيرة، قلَّما شوهد أي نبات في هذا المكان. في هذا اليوم، اجتزنا بعضًا من أسوأ الطرق داخل سلسلة الجبال، إلا أن خطورتها كانت مبالغًا فيها بشدة. فقد قيل لي إنني إذا حاولتُ اجتياز هذه الطرق سيرًا على الأقدام، فإن رأسي سيصاب بدوار، وإنه لا مجال للنزول من فوق ظهر المطايا؛ ولكنني لم أرَ موضعًا لم يتسنَّ للمرء فيه السير بالاتجاه العكسي أو الترجُّل من فوق بغله على أحد الجانبَين. اجتزتُ أحد الطرق السيئة، وكان يدعى «لاس أنيماس» (الأرواح)، ولم أكتشف، حتى اليوم التالي، أنه محفوف بمخاطرَ هائلة. لا شك أن ثمة الكثير من المواضع التي إذا تعثر عندها البغل، فإن الراكب سينجرف نحو حافة جرف؛ إلا أن احتمالية حدوث هذا ضعيفة. ويمكنني القول إنه في فصل الربيع — تكون الطرق التي تتكوَّن كل عام من جديد عبر أكوام فتات الصخور المتساقطة — في حالةٍ مزرية للغاية، لكن من واقع ما رأيت، أشك في وجود خطرٍ حقيقي. والوضع مختلف نوعًا ما بالنسبة إلى البغال المحمَّلة؛ إذ تكون الحمولات بارزة حتى مسافةٍ بعيدة؛ ما يدفع الدواب إلى الركض بعضها نحو بعض من وقت لآخر أو في اتجاه حافة إحدى الصخور، لتفقد توازنها وتهوي إلى الأجراف. أما فيما يتعلق بعبور الأنهار، فبإمكاني أن أصدق أن الصعوبة ربما تكون بالغةً جدًّا؛ ففي هذا الموسم، كان ثمة القليل من الصعوبات، ولكن في فصل الصيف، لا بد أنها تكون في غاية الخطورة. وكما يصف السير إف هيد، يمكنني أن أتخيل تمامًا الفارق بين تعبيرَي: أولئك الذين «عبروا» الخليج، وأولئك الذين «يعبرون». لم أسمع قط عن غرق أي شخص، إلا أن هذا الأمر كثيرًا ما يحدث مع البغال المحمَّلة؛ لذا يطلب منك سائق البغال أن تُبين لبغلتك أفضل طريق ثم تدعها تعبره كما تشاء؛ إذ تتخذ البغال المحمَّلة طريقًا سيئًا، وكثيرًا ما يتم فقدانها.

figure
جسر الإنكا، طريق أوسبالاتا.

•••

«٤ أبريل»، استغرقت الرحلة من نهر فاكاس إلى جسر الإنكا نصف يوم. ونظرًا لوجود مرعًى من أجل البغال، والجيولوجيا من أجلي، عسكرنا هنا لقضاء الليلة. عندما يسمع المرء عن جسرٍ طبيعي، يصوِّر لنفسه في خياله واديًا عميقًا وضيقًا، هوت عبره كتلةٌ صخريةٌ غليظة؛ أو قوسًا كبيرًا تقعَّر كقبة كهف. بدلًا من ذلك، يتكون جسر الإنكا من قشرة من الحصى المتراكم في طبقاتٍ تماسكت معًا بفعل رواسب ينابيع المياه الساخنة المجاورة. يبدو الأمر كما لو أن المجرى المائي قد حفر قناة على أحد جانبَيه، تاركًا حافةً ناتئةً معلقة التقت بالتراب والأحجار المتساقطة من الجُرف المقابل. بالتأكيد، كان ثمة تقاطعٌ مائل، كما يحدث في مثل هذه الحالات، واضحًا للغاية على أحد الجانبَين. لا شك أن جسر الإنكا لا يستحق اسم العائلة الملكية العظيمة الذي يحمله.

•••

«٥ أبريل»، استغرقنا يومًا كاملًا في رحلتنا عبر سلسلة الجبال الرئيسية، من جسر الإنكا إلى أوهوس ديل أجوا، الواقعة بالقرب من «الأكواخ الفقيرة» الموجودة على الجانب التشيلي. وهذه الأكواخ عبارة عن أبراجٍ مستديرةٍ صغيرة، ذات درجاتٍ بارزة إلى الخارج لتصل إلى الأرضية التي ترتفع بضع أقدام فوق مستوى الأرض بسبب الانجرافات الجليدية. ويبلغ عددها ثمانية، وفي عهد الحكومة الإسبانية كانت تزود بمخزونٍ جيد من الطعام والفحم أثناء فصل الشتاء، وكان بحوزة كل مبعوث مفتاحٌ أصلي لها. وهي الآن تقوم فقط مقام الكهوف أو بالأحرى الزنزانات تحت الأرضية. غير أنه نظرًا لوجودها على ربوةٍ صغيرة بعض الشيء، فإنها لا تتناسب مع مشهد العزلة المحيط. كان الصعود المتعرِّج إلى القمة، أو إلى فاصل المسطحات المائية، منحدرًا وشاقًّا للغاية؛ فوفقًا للسيد بنتلاند، يبلغ ارتفاعها ١٢٤٥٤ قدمًا. ولم يمر الطريق عبر أي ثلوجٍ دائمة، رغم وجود رقعةٍ ثلجية على كلا الجانبين. كانت الرياح على القمة شديدة البرودة، ولكن كان من المستحيل مقاومة التوقف لبضع دقائق لإبداء الإعجاب، مرارًا وتكرارًا، بلون السماء وشفافية الغلاف الجوي الرائعة. كان المشهد رائعًا؛ فإلى الغرب، وقفت الجبال في فوضى جميلة تفصلها أودية عميقة. وبوجهٍ عام، يتساقط بعض الجليد قبل هذه الفترة من الموسم، حتى إنه تصادف أن أُغلقت سلسلة الجبال نهائيًّا بفعل الجليد بحلول ذلك الوقت. إلا أننا كنا محظوظين إلى أقصى حد؛ فقد كانت السماء صافية، ليلًا ونهارًا، باستثناء بعض كتل البخار الصغيرة المستديرة، التي تطفو فوق أعلى قمم الجبال. وكثيرًا ما كنت أشاهد هذه الجُزَيِّرَات في السماء، محددة موضع سلسلة الجبال، حينما كانت الجبال البعيدة تختفي تحت خط الأفق.

•••

«٦ أبريل»، في الصباح، وجدنا أن أحد اللصوص سرق أحد بغالنا وجرس الأم القائدة؛ لذا قطعنا ميلَين أو ثلاثة أميال فقط عبر الوادي، ومكثنا هناك اليوم التالي على أمل استعادة البغل الذي ظن سائق البغال أنه يختبئ في أحد الأودية. كان المشهد في هذا الجزء ذا طابع تشيلي؛ لا شك أن الأطراف السفلية من الجبال — التي يتناثر عليها أشجار القِلاجَة الصابونية الباهتة والدائمة الخضرة وكذلك الصبار الأشبه بثريا كبيرة — تثير الإعجاب أكثر من الوديان الشرقية الجرداء؛ رغم أنني لا أستطيع أن أتفق تمامًا مع بعض المسافرين الذين أبدوا إعجابهم بها. وأظن أن سبب السعادة الغامرة يرجع بالأساس إلى مشهد النيران الدافئة والعشاء الطيب، بعد الفرار من المناطق الباردة الموجودة في الجزء العلوي، وقطعًا أشاركهم هذه المشاعر من أعماق قلبي.

•••

«٨ أبريل»، غادرنا وادي أكونكاجوا، الذي نزلنا من الجبال عَبره، ووصلنا في المساء إلى كوخ بالقرب من فيلا دي سانت روزا. كانت خصوبة السهل شيئًا مبهجًا؛ فمع تقدم فصل الخريف، تساقطت أوراق عددٍ كبير من الأشجار المثمرة، وكان العمال منشغلين، بعضهم بتجفيف التين والخوخ على أسطح أكواخهم، والبعض الآخر بجمع ثمار العنب من مزارع العنب. كان مشهدًا رائعًا؛ إلا أنني افتقدت الهدوء الحالم الذي يميز فصل الخريف بإنجلترا. وصلنا إلى سانتياجو في العاشر من أبريل، واستقبلني السيد كالدكلوه بحفاوةٍ بالغة وكرمٍ شديد. لقد استغرقت رحلتي ٢٤ يومًا فقط، ولم أستمتع قط في حياتي بشيء مثلما استمتعت بهذه الفترة. وبعد مرور بضعة أيام، عدت إلى منزل السيد كورفيلد بمدينة فالبارايزو.

هوامش

(١) كتاب سكورسبي «المناطق القطبية الشمالية»، المجلد الأول، صفحة ١٢٢.
(٢) سمعت أنه لوحظ في مقاطعة شروبشير أن عكارة المياه الناتجة عن فيضان نهر سيفرن بسبب هطول الأمطار المستمر، تكون أكبر بكثير من تلك الناتجة عن ذوبان الجليد على جبال ويلز. ويشير عالم الطبيعة دوربيني (الكتاب الأول، صفحة ١٨٤)، في معرض تفسيره لسبب الألوان المتنوعة للأنهار الموجودة في أمريكا الجنوبية، إلى أن الأنهار ذات المياه الزرقاء أو المياه الصافية يأتي مصدرها من سلاسل الجبال حيث يذوب الجليد.
(٣) د. جيليس من دورية «الطبيعة والجغرافيا والعلوم»، عدد أغسطس ١٨٣٠. يذكر هذا المؤلف ارتفاعات الطرق.
(٤) هذه البنية الموجودة وسط الثلوج المجمدة لاحظها سكورسبي قبل وقتٍ طويل في الجبال الجليدية بالقرب من سبيتسبرجن، ولاحظها مؤخرًا الكولونيل جاكسون بمزيد من الدقة (دورية الجغرافيا والعلوم الاجتماعية، مجلد ٥، صفحة ١٢) على نهر نيفا. وقد قارن السيد لايل (كتاب «مبادئ الجيولوجيا»، مجلد ٤، صفحة ٣٦٠) الصدوع، التي يتحدد على أساسها البنية العمودية فيما يبدو، بالفواصل التي تمر عبر جميع الصخور تقريبًا، إلا أنها تكون ملحوظة على النحو الأمثل في الكتل غير الطبقية. ولَعلِّي ألاحظ أنه في حالة الثلوج المتجمدة، ترجع البنية العمودية حتمًا إلى حركة «تحول بتأثير الحرارة أو الضغط»؛ لا إلى عملية حدثت خلال «الترسيب».
(٥) هذا مجرد توضيح للقوانين الرائعة، التي وضعها لأول مرة سيد لايل، للتوزيع الجغرافي للحيوانات، الذي يتأثر بالتغيرات الجيولوجية. بالطبع، يرتكز المنطق في ذلك بأكمله على افتراض ثبات الأنواع؛ وإلا يمكن اعتبار اختلاف الأنواع بين المنطقتَين حدث خلال فترةٍ زمنيةٍ طويلة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠