الفصل السابع عشر

أرخبيل جالاباجوس

المجموعة كاملة تتكون من صخورٍ بركانية – عدد فوهات البراكين – شجيرات بلا أوراق – مستعمرة في جزيرة تشارلز – جزيرة جيمس – بحيرةٌ مالحة عند فوهة البركان – التاريخ الطبيعي للسلسلة – عالم الطيور، عصافيرُ غريبة – الزواحف – السلاحف العملاقة وعاداتها – السحالي المائية التي تتغذى على العشب البحري – السحلية البرية، عادات الاختباء، حيوان عاشب – أهمية وجود الزواحف في الأرخبيل – الأسماك، القواقع، الحشرات – الحياة النباتية – نمط التكوين الأمريكي – الاختلافات بين الأنواع أو الأجناس على الجزر المختلفة – وداعة الطيور – الشعور الإنساني بالخوف غريزة مكتسبة.

***

figure
سُلَحْفاة جالاباجوس، جزر جالاباجوس.
«١٥ سبتمبر»، يتكون هذا الأرخبيل من عشر جزرٍ أساسية، خمس منها تتفوق على الأخريات في الحجم. تقع الجزر تحت خط الاستواء وبين ٥٠٠ و٦٠٠ ميل غرب ساحل أمريكا. وجميعها تتكون من صخورٍ بركانية؛ ولا يمكن اعتبار بضع شظايا جرانيتية مصقولة ومتغيرة على نحوٍ غريب بفعل الحرارة استثناءً.

تتسم بعض فوهات البراكين التي تعلو الجزر الأكبر حجمًا بحجمها الضخم، وترتفع إلى مسافة تتراوح بين ثلاثة وأربعة آلاف قدم. وعلى جانبيها تنتشر فوهاتٌ أصغر لا تُعدُّ ولا تُحصى. ولا أتردد في التأكيد على وجود ما لا يقل عن ٢٠٠٠ فوهة بركان في الأرخبيل بأكمله؛ وهذه إما تتكون من الحمم البركانية والسكوريا أو خبث البراكين، أو من حجر الطَّفل البركاني الشبيه بالحجر الرملي، مقسمًا إلى طبقاتٍ رقيقة. وأغلب أحجار النوع الأخير تتسم بتناسقها الجميل؛ ويعود أصلها إلى ثَوَران الطمي البركاني دون أن يصاحبها أي حممٍ بركانية. وثمة ظاهرةٌ ملحوظة تتمثل في أن الجانب الجنوبي لكل فوهةٍ طفلية من الفوهات الثماني والعشرين، التي أُخضِعت للفحص، أكثر انخفاضًا بكثير من بقية الجوانب الأخرى، أو كان متكسرًا تمامًا ومكشوطًا. ونظرًا لأن جميع هذه الفوهات تكوَّنت فيما يبدو عندما كانت قائمة في البحر، ونظرًا لأن الأمواج القادمة من الرياح التجارية والأمواج الآتية من المحيط الهادي المفتوح توحِّد قواها على السواحل الجنوبية لجميع الجزر، فإن هذا التجانس الفريد بين الفوهات في تحطمها، المكونة من حجر الطفل الناعم والطيِّع، يسهل تفسيره.

figure
أرخبيل جالاباجوس.

وبالوضع في الاعتبار أن هذه الجزر موجودة تحت خط الاستواء مباشرة، فإن المناخ أبعد ما يكون عن الحر الشديد؛ ويبدو أن هذا يعود بالأساس إلى الانخفاض الاستثنائي في درجة حرارة المياه المحيطة، التي جيء بها إلى هنا بفعل التيار القطبي الجنوبي الشديد. وباستثناء موسمٍ واحدٍ قصير تتساقط فيه كميةٌ ضئيلة جدًّا من الأمطار، وحتى حينها تكون الأمطار غير منتظمة؛ إلا أن السحب تكون منخفضة عمومًا؛ لذا بينما تُعد الأجزاء المنخفضة من الجزر جدباء للغاية، فإن الأجزاء العليا — على ارتفاع ألف قدم فيما فوق — تتسم بمناخٍ رطب وغطاءٍ نباتيٍّ وفير إلى حدٍّ ما. وينطبق ذلك بصفةٍ خاصة على جوانب الجزر المواجهة للرياح، والتي تكون أول ما يستقبل الرطوبة من الجو ويكثفها.

في الصباح (يوم السابع عشر)، هبطنا على جزيرة تشاتام، التي ترتفع — كغيرها من الجزر — بخطٍّ ملتفٍّ وغير حاد، يقطعه في مواقعَ متفرقة تلالٌ صغيرةٌ متناثرة، وبقايا فوهات براكينَ سابقة. لا يوجد شيء أكثر جاذبية من شكلها حين مشاهدتها للمرة الأولى؛ إذ تُغطَّى رقعة من الحمم البازلتية السوداء، المقذوفة وسط أعتى الأمواج والمتقاطعة مع شقوقٍ كبيرة، بأغصان شجيراتٍ مبتسرة ومسفوعة بالشمس، لا يبدو عليها من علامات الحياة إلا النَّزْر اليسير. أضفى السطح الجاف والمتيبِّس، بفعل سخونته جراء شمس الظهيرة، على الهواء الكثير من الحرارة والرطوبة وكأنه منبعث من فرن، حتى إننا توهَّمنا أن الشجيرات تفوح برائحة غير مستحبة. وعلى الرغم من أنني حاولت جاهدًا أن أجمع أكبر قدرٍ ممكن من النباتات، فلم أوفَّق إلا إلى جمع كميةٍ ضئيلةٍ جدًّا؛ ومثل هذه الحشائش الصغيرة البائسة المنظر كان من الأفضل أن تصير نباتًا قطبيًّا أكثر منها استوائيًّا. تبدو الأغصان، من على مسافةٍ قصيرة، عارية من الأوراق مثل أشجارنا في فصل الشتاء؛ وقد مرَّ بعض الوقت قبل أن أكتشف أن جميع النباتات تقريبًا لم تكن مكتملة الأوراق تمامًا في ذلك الوقت وحسب، بل كان العدد الأكبر منها مزهرًا أيضًا. والشجيرة الأكثر انتشارًا هي واحدة من فصيلة الفَرْبَيُونِيَّة؛ فيما كانت الأشجار الوحيدة التي توفر أي ظلال هي شجرة سنط وصبارٍ غريب الشكل وكبير الحجم. ويقال إنه بعد موسم الأمطار الغزيرة تبدو الجزر خضراء جزئيًّا لوقتٍ قصير. وتعد جزيرة فرناندو نورونيا البركانية، التي تواجه ظروفًا مشابهة من نواحٍ كثيرة، هي البلدة الوحيدة الأخرى التي رأيت فيها نباتات كتلك الموجودة في جزر جالاباجوس.

أبحرت البيجل حول جزيرة تشاتام، ورَسَتْ في عدة خُلْجان. وذات ليلة نمتُ على الشاطئ بمكان من الجزيرة حيث كانت القمم البركانية السوداء المبتورة كثيرة على نحوٍ استثنائي؛ إذ أحصيت من فوق ربوةٍ صغيرة ستين قمةً، جميعها يعلوها فوهاتٌ مكتملة بدرجةٍ ما. كان العدد الأكبر منها يتكون فقط من حلقة من السكوريا الحمراء أو الخبث المتلاصق معًا، ولا يزيد ارتفاعها فوق سهل الحمم البركانية عن خمسين إلى مائة قدم، ولم يكن أيٌّ منها في حالةٍ نشطة مؤخرًا. كان سطح هذا الجزء من الجزيرة بأكمله يبدو مثل المنخل، تخترقه الأبخرة الجوفية؛ ففي أماكنَ مختلفةٍ كانت الحمم البركانية، وهي لينة، تنتفخ في شكل فقاقيعَ كبيرة؛ وفي أجزاءٍ أخرى تساقطت قمم الكهوف التي تشكَّلت بطريقة مشابهة، تاركة تجاويفَ دائرية ذات جوانبَ منحدرة. ومن الشكل المنتظم لفوهاتٍ عديدة، بدت المنطقة ذات مظهرٍ صناعي، ذكَّرني كثيرًا بتلك الأجزاء من ستافوردشير حيث توجد مسابك الحديد بعددٍ كبير للغاية. كان النهار شديد الحرارة، وكان ارتقاء السطح الوعر والزحف عبر الأدغال المتشابكة أمرًا مجهدًا للغاية؛ إلا أن مشهد السيكلوبي الغريب كان خير تعويض لي. أثناء سيري، التقيتُ بسلحفاتَيْن كبيرتَيْن، لا بد أن كل واحدة منهما تزن على الأقل مائتي رطل؛ إحداهما كانت تأكل قطعة صبار، وبينما كنتُ أقترب، حدقتْ بي وسارت ببطء مبتعدة؛ والأخرى أصدرت هسهسةً عميقة، ثم أدخلت رأسها. بدت هذه الزواحف الضخمة، وهي محاطة بالحمم السوداء والشجيرات العارية من الأوراق والصبار الكبير، في مخيلتي وكأنها حيوانات من حقبة ما قبل طوفان نوح. ولم تعرني الطيور القليلة، ذات الألوان الباهتة، أهمية أكثر من تلك التي أعارتها للسلحفاتَيْن العملاقتَيْن.

•••

«٢٣ سبتمبر»، واصلت البيجل إبحارها إلى جزيرة تشارلز. لطالما كان هذا الأرخبيل مكانًا كثير الارتياد؛ أولًا من قبل القراصنة، ثم مؤخرًا من صائدي الحيتان؛ إلا أنه خلال السنوات الست الأخيرة فقط تأسَّسَت مستعمرةٌ صغيرة هنا. يتراوح تعداد السكان بين ٢٠٠ و٣٠٠ نسمة، وجميعهم تقريبًا من الملونين الذين تم ترحيلهم بسبب جرائمَ سياسيةٍ من جمهورية الإكوادور، وعاصمتها كيتو. تقع المستوطنة إلى الداخل بمسافة أربعة أميال ونصف تقريبًا، وعلى ارتفاع ألف قدم على الأرجح. في الجزء الأول من الطريق، مررنا عبر أدغالٍ عديمة الأوراق، كما في جزيرة تشاتام. وبالتوغل أكثر إلى الغابات بالأعلى صار المشهد أكثر خضرة تدريجيًّا، وبمجرد أن عبرنا حافة الجزيرة، أنعشَنا نسيمٌ عليل من جهة الجنوب، ومتعنا أبصارنا بغطاءٍ نباتيٍّ أخضر ومزهر. في هذه المنطقة العليا، تكثر الحشائش الخشنة ونباتات السرخس، إلا أنه لا وجود لأشجار السرخس. ولم أرَ في أي مكان أي شجرة من الفصيلة النخلية الأكثر تفردًا، مثلما رأيت عند التوغل ٣٦٠ ميلًا نحو الشمال، حيث تكتسب جزيرة كوكوس اسمها من عدد أشجار جوز الهند الموجودة بها. تتناثر البيوت على نحوٍ غير منتظم عبر أرضٍ مستويةٍ مزروعة بثمار البطاطا الحلوة والموز. لن يكون من السهل تخيُّل إلى أي مدًى كان منظر الطمي الأسود ممتعًا ومبهجًا لنا، بعد اعتيادٍ دام طويلًا على منظر التربة الجافة في بيرو وشمال تشيلي. يعيش السكان هنا على حد الكفاف، دون الكثير من الصعوبة، رغم شكواهم من الفقر. وداخل الغابات، يوجد الكثير من الخنازير والماعز البرية؛ إلا أن المصدر الرئيسي للغذاء الحيواني هو السلاحف. بالطبع تراجعت أعدادها كثيرًا على هذه الجزيرة، إلا أن الأهالي يعتمدون على الصيد ليومين لتوفير الطعام لبقية الأسبوع. ويُقال إنه فيما سبق أخذت السفن الفردية ما يصل إلى ٧٠٠ سُلَحْفاة، وإن بارجةً تابعةً لشركة سفن قبل بضع سنوات أنزلت مائتي سُلَحْفاة إلى الشاطئ في يومٍ واحد.

•••

«٢٩ سبتمبر»، التففنا حول الطرف الجنوبي الغربي لجزيرة ألبيمارل، وفي اليوم التالي توقفنا تقريبًا بين هذه الجزيرة وجزيرة ناربورو لهدوء الرياح. وكلتا الجزيرتين مغمورتان بسيول من الحمم السوداء الصرفة، التي تدفَّقت إما من فوق حوافِّ البراكين العملاقة، كأنها قارٌ يغلى في قدر حتى وصل إلى حافته، أو تفجرت من شقوقٍ أصغر على الجوانب؛ وأثناء سقوطها انتشرت على امتداد أميال من ساحل البحر. من المعروف أن ثمة انفجاراتٍ بركانية قد حدثت على كلتا الجزيرتَيْن؛ وفي جزيرة ألبيمارل رأينا فيضًا صغيرًا من الأدخنة المتصاعدة من قمة إحدى الفوهات الكبيرة. وفي المساء، رست السفينة على خليج بانكس بجزيرة ألبيمارل. وفي صباح اليوم التالي، خرجتُ للتمشية صوب جنوب الفوهة الطفلية المتكسرة، التي رست عندها البيجل، كان هناك فوهةٌ أخرى متناسقة بصورةٍ جمالية على شكلٍ بيضاوي، امتد أطول محاورها لمسافةٍ أقلَّ من ميل بقليل، ووصل عمقها لحوالي ٥٠٠ قدم. وعند قاعها كانت توجد بحيرةٌ ضحلة، في منتصفها فوهةٌ صغيرة شكلت جُزَيِّرَة. كان اليوم حارًّا جدًّا على نحو لا يُقاوم، وبدت البحيرة زرقاء وصافية؛ أسرعتُ بالنزول على المنحدر الصخري المتكوِّن من الخبث البركاني، وكدت أختنق من الغبار حين تذوقتُ الماء في لهفة، لكن للأسف وجدته كالملح الأجاج.

كانت الصخور الموجودة على الساحل تزخر بسحالٍ سوداءَ كبيرة، يتراوح طولها بين ثلاث وأربع أقدام؛ وعلى التلال انتشرت بالمثل أنواعٌ قبيحةٌ بنيةٌ مصفرة. رأينا الكثير من هذا النوع الأخير، بعضها يركض على نحوٍ أخرقَ بعيدًا عن الطريق؛ والبعض الآخر ينزلق إلى أوجارها تحت الأرض. وسأصف بمزيد من التفصيل عادات كلا النوعين من الزواحف بعد قليل. والجزء الشمالي من جزيرة ألبيمارل بأكمله قاحل على نحوٍ بائس.

•••

«٨ أكتوبر»، وصلنا إلى جزيرة جيمس، كانت هذه الجزيرة، وكذلك جزيرة تشارلز، قد سُميت قبل زمنٍ طويل تيمنًا بأسماء ملوكنا من سلالة آل ستيوارت. تُركتُ أنا والسيد باينو وخدمنا هنا لمدة أسبوع، وكان معنا مؤنٌ وخَيْمة، بينما اتجهت البيجل إلى المياه. وجدنا هنا مجموعة من الإسبان القادمين من جزيرة تشارلز لتجفيف السمك أو تقديد لحم السلاحف. وبالتوغل حوالي ستة أميال داخل الجزيرة وعلى ارتفاع ٢٠٠٠ قدم تقريبًا، بُني كوخ يعيش فيه رجلان يعملان في صيد السلاحف؛ بينما يصطاد الآخرون الأسماك على الساحل. قمت بزيارة هذين الرجلَيْن مرتَيْن وبتُّ ليلة هناك. وكما هو الحال في الجزر الأخرى، كانت المنطقة السفلية مغطاة بشجيراتٍ عديمة الأوراق تقريبًا، إلا أن الأشجار هنا كانت تنمو بحجم أكبر من أي مكانٍ آخر؛ إذ بلغ قطر العديد منها قدمَيْن، والبعض وصل إلى قدمَيْن وتسع بوصات. أما المنطقة العليا، التي تحتفظ برطوبتها بسبب السحب، فتضم غطاءً نباتيًّا أخضر ومزهرًا. كانت الأرض رطبةً جدًّا لدرجة أنه كان يوجد أحواضٌ كبيرة من نبات السعد الخشن، التي يعيش وينشأ عليها أعدادٌ كبيرة من نوعٍ صغير للغاية من طيور دجاج الماء. وأثناء إقامتنا في هذه المنطقة العليا، كان غذاؤنا بالكامل يعتمد على لحم السلاحف. من الجيد جدًّا أن يُشوى درع (ويقوم رعاة البقر جاوتشو بشوي اللحم والجلد بهذه الطريقة) ويوضع عليه لحم السلاحف؛ ويُصنع من السلاحف الصغيرة حساءٌ ممتاز؛ وفيما عدا ذلك كان مذاق اللحم بالنسبة إليَّ محايدًا.

ذات يوم، رافقنا مجموعة من الإسبان على متن قارب بمجاديف إلى إحدى الملاحات، أو بحيرة يتم الحصول منها على الملح. وبعد الهبوط على اليابسة، خرجنا في نزهةٍ شاقة للغاية على حقلٍ وعر من الحمم الحديثة تحيط بفوهةٍ طفلية عند سفحها تقع البحيرة المالحة. يصل عمق المياه في هذه البحيرة إلى ثلاث أو أربع بوصات فقط وتستقر على طبقة من ملحٍ أبيضَ متبلورٍ جميل المنظر. والبحيرة دائرية الشكل تمامًا، ومحاطة بحد من النباتات العصارية ذات اللون الأخضر الفاتح؛ وجدران الفوهة شبه المنحدرة مكسوَّة بالحطب؛ ومن ثَم كان المشهد رائعًا وغريبًا تمامًا على حدٍّ سواء. قبل بضع سنوات مضت، قتل بحارةٌ ينتمون إلى سفينة لصيد الفقمات ربانَهم في هذه المنطقة الهادئة، ورأينا جمجمته ملقاة وسط الشجيرات.

خلال الجزء الأكبر من إقامتنا التي امتدت لأسبوع، كانت السماء صافية، وإذا سكنت الرياح التجارية لمدة ساعة، يصير الحر خانقًا للغاية. وعلى مدار يومَيْن، كان مؤشر الترمومتر داخل الخيمة يقف عند ٩٣ درجة لبضع ساعات؛ ولكن في الهواء الطلق، وفي مهب الريح وتحت أشعة الشمس، يقف عند ٨٥ درجة فقط. كانت الرمال ساخنةً جدًّا؛ لدرجة أنه عند وضع الترمومتر في بعض الرمال بنية اللون، كان مؤشره يرتفع فورًا إلى ١٣٧ درجة، ولا أعرف إلى أي مدًى كان سيواصل الارتفاع لأنه لم يكن متدرجًا لدرجات أعلى من ذلك. وكان ملمس الرمال السوداء أشد حرارة، حتى وإن كنت ترتدي حذاءً سميكًا، لم يكن مستحبًّا تمامًا أن تسير فوقها.

والتاريخ الطبيعي لهذه الجزر مثير للفضول على نحوٍ ملحوظ، وجدير جدًّا بالاهتمام. فمعظم الكائنات الأساسية هي مخلوقاتٌ مستوطنة في هذا المكان لا توجد في أي مكانٍ آخر؛ بل إن ثمة اختلافًا بين سكان الجزر المختلفة، إلا أن جميعهم يربطهم علاقةٌ ملحوظة بسكان أمريكا، رغم أن ما يفصلهم عن تلك القارة محيطٌ مفتوح يتراوح عرضه بين ٥٠٠ و٦٠٠ ميل. يُعدُّ الأرخبيل عالمًا صغيرًا في حدِّ ذاته، أو بالأحرى عالمًا تابعًا متصلًا بأمريكا، حيث جلب منها بعضًا من المستعمرين الشاردين، واكتسب السمة العامة لكائناتها المحلية. وبالوضع في الاعتبار المساحة الصغيرة لهذه الجزر، نندهش أكثر من عدد الكائنات الأصلية في هذا المكان، ومن نطاق تواجدها المحدود. وبملاحظة أن كل قمة مكلَّلة بفوهتها، وأن حدود أغلب مسارات الحمم البركانية لا تزال واضحة، قادنا هذا إلى الاعتقاد بأنه في غضون فترةٍ حديثة جيولوجيًّا كان المحيط المتصل ممتدًّا داخل هذا المكان؛ ومن ثم يبدو أننا اقتربنا إلى حدٍّ ما، من حيث الزمان والمكان، من تلك الحقيقة العظيمة — لغز الألغاز — الخاصة بالظهور الأول للكائنات الجديدة على هذه الأرض.

من بين الثدييات البرية، يوجد حيوانٌ ثدييٌّ واحد فقط ينبغي اعتباره من الحيوانات الأصلية المستوطنة للمكان، وهو نوع من الفئران (فأر جالاباجوس) يقتصر وجوده، حسبما أستطيع أن أؤكد، على جزيرة تشاتام، أكثر جزر المجموعة اتجاهًا نحو الشرق. وكما أخبرني السيد ووترهاوس، ينتمي هذا الفأر إلى شعبة من فصيلة الفئران المميزة لأمريكا. وفي جزيرة جيمس، يوجد فأرٌ متميز بدرجةٍ كافية عن النوع الشائع الذي ذكره ووصفه السيد ووترهاوس، لكن نظرًا لانتمائه إلى شعبة العالم القديم من فصيلة الفئران، ونظرًا لأن هذه الجزيرة ترددت عليها السفن على مدار المائة والخمسين عامًا الماضية، ليس لديَّ أدنى شك في أن هذا الفأر هو مجرد نوعٍ ناتج من خليط التربة والمناخ والغذاء الجديد والغريب الذي تعرَّض لها. وعلى الرغم من أنه لا يحق لأحد أن يخمن دون توافر حقائقَ واضحة، فلا بد أن نضع في الحسبان، حتى فيما يتعلق بفأر جزيرة تشاتام، أنه ربما يكون نوعًا أمريكيًّا جُلب من هناك على الأرجح؛ إذ إنني رأيت في جزء من أكثر الأجزاء المهجورة في منطقة البامبا، فأرًا محليًّا يعيش على سقف أحد الأكواخ المبنية حديثًا؛ ومن ثَم فإن نقله على متن سفينة ليس بأمرٍ مستبعد، وثمة حقائقُ مماثلةٌ لاحظها د. ريتشاردسون في أمريكا الشمالية.

أما بخصوص الطيور البرية، فقد حصلتُ على ستة وعشرين نوعًا منها، جميعها مميز لمجموعة الجزر ولا توجد في أي مكانٍ آخر، باستثناء عصفورٍ شبيه بالقُبَّرة من أمريكا الشمالية (طير المِمْراح) ينتشر في تلك القارة حتى ٥٤ درجة أقصى الشمال، ويتردد عادة على المستنقعات. ويتألَّف الخمسة والعشرون نوعًا الأخرى من: أولًا، صقر الباز، وهو ذو بنيةٍ متوسطة، على نحوٍ مثير للفضول، بين الصقر الحوَّام الشائع والفصيلة الأمريكية من طائر الأشبور الجارح الذي يتغذى على الجيفة — ويتوافق مع هذين الطائرين الأخيرين على نحوٍ وثيق للغاية في جميع العادات وحتى في نبرة الصوت. ثانيًا، توجد بومتان، تمثلان بومة الهامة أو البومة المصاصة الأوروبية البيضاء القصيرة الأذن. ثالثًا، طائر نمنمة، وثلاث من عصافير الملك (اثنان منها يمثلان نوعين من طائر المناكين، يصنف بعض علماء الطيور إحداهما أو كلتاهما كمجرد تنويعات)، وحمامة، وجميعها يتشابه مع الأنواع الأمريكية رغم اختلافها عنها. رابعًا، طائر سنونو، يختلف عن طائر البروجن الأرجواني بالأمريكتين فقط من حيث كونه ذا لونٍ أبهت وحجمٍ أصغر وبنيةٍ أنحف، إلا أن السيد جولد يعتبره مميزًا على نحوٍ خاص. خامسًا، يوجد ثلاثة أنواع من طائر الدُّجِّ (السمنة) المحاكي، وهو نوعٌ مميزٌ جدًّا لأمريكا. تشكل بقية الطيور البرية مجموعةً رائعة من فصيلة الشُّرشُوريَّات أو الحسونيات، يرتبط بعضها ببعض من حيث بنية مناقيرها، وقصر أذيالها وشكل أجسادها وريشها؛ ويوجد منها ثلاثة عشر نوعًا قسمها السيد جولد إلى أربع مجموعات فرعية (عشائر). وجميع هذه الأنواع مميزة لهذا الأرخبيل؛ وكذلك مجموعة الجزر بأكملها، باستثناء نوعٍ واحد من عشيرة الحسون الأرضي، التي جُلبت مؤخرًا من جزيرة بو، في أرخبيل لوو (المعروف الآن باسم أرخبيل تواموتس). ومن عشيرة حسون الصبار الأرضي الشائع، غالبًا ما قد يُشاهَد نوعان يحومان حول زهور أشجار الصبار الكبيرة؛ إلا أن جميع الأنواع الأخرى في هذه المجموعة من الشُّرشُوريَّات، المختلطة معًا في أسراب، تتغذى على الأراضي الجافة والجدباء بالمناطق السفلية. وجميع الذكور، أو بالتأكيد العدد الأكبر منها، لها لونٌ أسودُ قاتم، بينما تكون الإناث (ربما باستثناء نوع أو نوعَيْن) ذات لونٍ بُنِّي.

figure
شُرشُوريَّات من أرخبيل جالاباجوس.

وتتمثل الحقيقة الأغرب في التدرُّج المثالي في حجم المناقير في الأنواع المختلفة للحسون الأرضي، بحجمٍ كبير كمنقار البلبل الزيتوني وصولًا إلى منقار الحسون الظالم (هذا لو كان السيد جولد محقًّا في إدراج مجموعته الفرعية، الحسون المغرد، في المجموعة الرئيسية) بل ومنقار طائر الهازجة. وأكبر منقار في نوع الحسون الأرضي مبيَّن في الصورة رقم (١)، وأصغرها في الصورة رقم (٣)، ولكن بدلًا من أن يكون هناك نوعٌ واحدٌ متوسط فقط بمنقار من الحجم المبين في الصورة رقم (٢)، يوجد ما لا يقل عن ستة أنواع بمناقيرَ متدرجة على نحوٍ غير محسوس، وتُبين الصورة رقم (٤) منقار عشيرة الحسون المغرد. ويشبه منقار عشيرة حسون الصبار الأرضي الشائع نوعًا ما منقار طائر الزرزور ومنقار العشيرة الرابعة، عصفور الشجر، الشبيه بعض الشيء بمنقار الببغاء. وعند ملاحظة هذا التدرج والتنوُّع في بنية مجموعةٍ صغيرة من العصافير ذات الصلة الوثيقة بعضها ببعض، ربما يتخيل المرء — بسبب ندرة الطيور أصلًا في هذا الأرخبيل — أن نوعًا واحدًا قد تم انتقاؤه وتعديله لأغراضٍ مختلفة. بالمثل، قد يظن المرء أن طائرًا، كان بالأساس صقرًا حوَّامًا، قد جُلب إلى هنا ليقوم مقام طائر الأشبور الجارح المميز للقارة الأمريكية.

فيما يتعلق بالخوَّاضات والطيور المائية، استطعت أن أحصي أحد عشر نوعًا فقط، منها ثلاثة أنواع جديدة (من بينها طائر التفلقية أو دجاج الماء المقتصر وجوده على القمم الرطبة للجزر). وبالنظر إلى عادات التجول الخاصة بطيور النورس، فوجئت عندما وجدت أن الأنواع التي تسكن هذه الجزر هي أنواعٌ مميزة؛ إلا أنها مشابهة لنوعٍ موجود في الأجزاء الجنوبية من أمريكا الجنوبية. ويتماشى التميز الأكبر للطيور البرية، أي خمسة وعشرين من إجمالي ستة وعشرين نوعًا جديدًا — أو على الأقل سلالاتٌ جديدة — مقارنة بالخوَّاضات والطيور المكفَّفة الأقدام، مع النطاق الأكبر لتواجد هذه الرتب الأخيرة في مختلف أنحاء العالم. وسنلاحظ فيما يلي هذا القانون الخاص بالأنواع المائية، سواء أكانت في مياهٍ مالحة أم مياهٍ عذبة، باعتبارها أقل تميزًا من الأنواع البرية المنتمية إلى الفئات نفسها في أي بقعة من بقاع الأرض، كما يتبين على نحوٍ مدهش في القواقع، وبدرجة أقل في حشرات هذا الأرخبيل.

ثمة اثنان من طيور الخوَّاضات أصغر حجمًا نوعًا ما من نفس الأنواع القادمة من أماكنَ أخرى؛ فطائر السنونو أصغر حجمًا أيضًا، رغم وجود شك فيما إذا كان يختلف عن نظيره أم لا. والبومتان وعصفورا الملك (طائر المناكين) والحمامة، أصغر حجمًا أيضًا من الأنواع المشابهة والمختلفة في الوقت نفسه التي تربطها بها علاقة شبه وطيدة؛ ومن ناحيةٍ أخرى، يعتبر النورس أكبر حجمًا إلى حدٍّ ما. والبومتان وطائر السنونو وجميع الأنواع الثلاثة من طائر الدج المحاكي، والحمامة — فيما يخص ألوانها، لا ريشها بأكمله — والجهلول، وطائر النورس جميعها أيضًا ذات لونٍ أغمق من نظائرها، وبالأخص في حالة طائر الدج المحاكي وطائر الجهلول أكثر من أي نوعٍ آخر من الجنسين. تتسم هذه الطيور، باستثناء طائر نمنمةٍ ذي صدرٍ أصفرَ ناعم، وأحد طيور عصفور الملك ذي عُرف وصدرٍ قرمزي، بأن ألوانها غير زاهية كما هو متوقع في منطقة استوائية؛ ومن ثَم، يبدو من المحتمل أن الأسباب نفسها، التي جعلت بعض الأنواع المهاجرة أصغر حجمًا، جعلت أغلب الأنواع المميزة الموجودة في أرخبيل جالاباجوس أصغر حجمًا أيضًا وأغمق لونًا بوجهٍ عام أيضًا. وجميع النباتات ذات مظهرٍ ضعيف وهزيل، ولم أرَ زهرةً واحدةً جميلة. أما الحشرات، فهي أيضًا ذات حجمٍ صغير ولونٍ باهت، وكما أخبرني السيد ووترهاوس، لا يوجد في مظهرها الخارجي العام ما يمكن أن يجعله يتخيل أنها جاءت من منطقة تحت خط الاستواء.١ والطيور والنباتات والحشرات ذات طبيعةٍ صحراوية، وليست أزهى لونًا من تلك القادمة من جنوب باتاجونيا؛ وبناء على ذلك قد نخلص إلى أن الألوان الصارخة المعتادة للكائنات المدارية ليست ذات صلة بدرجة الحرارة أو الضوء في هذه المناطق؛ وإنما ترجع إلى سببٍ آخر، ربما إلى ظروف المعيشة المواتية للحياة بوجهٍ عام.

•••

الآن، سنعود مرةً أخرى إلى رتبة الزواحف، التي تعطي الحياة الحيوانية على هذه الجزر طابعًا جذابًا إلى أقصى حد. الأنواع ليست كثيرة؛ ولكن عدد أفراد كل نوعٍ كبيرٌ على نحوٍ استثنائي. توجد سحليةٌ صغيرة تنتمي إلى جنس من أمريكا الجنوبية، ونوعان (أو ربما أكثر) من الإجوانا البحرية؛ وهو جنس مقتصر وجوده على جزر جالاباجوس. يوجد ثعبان من نوعٍ واحد بعددٍ كبير، يتطابق — كما أخبرني السيد بيبرون — مع ثعبان الرمال الطويل الذيل التشيلي.٢ ومن السلحفاة البحرية، أعتقد أنه يوجد أكثر من نوع، ومن السلاحف البرية، يوجد — كما سنوضح عما قريب — نوعان/سلالتان أو ثلاثة. وبالنسبة إلى العلاجم والضفادع، لا يوجد أيٌّ منها؛ وهو ما أثار دهشتي، بالنظر إلى مدى ملاءمة الغابات المعتدلة والرطبة لوجودها كما بدا. وقد ذكَّرني هذا بالملاحظة التي أبداها العالم بوري دي سانت فينسنت،٣ بشأن عدم وجود أيٍّ من هذه الفصيلة على أيٍّ من الجزر البركانية الموجودة في المحيطات الكبرى. وبقدر ما تسنَّى لي التأكد من أعمالٍ عديدة، يبدو أن هذا ينطبق في سائر أنحاء المحيط الهادي، وحتى في الجزر الكبرى بأرخبيل ساندويتش. وتعتبر موريشيوس استثناءً واضحًا لذلك، حيث رأيت هناك ضفدع الجزاع المخطط، ويُقال إن هذا الضفدع يعيش الآن في سيشيل ومدغشقر وجزيرة بوربون؛ ولكن على الجانب الآخر، يقول دو بوا في رحلته البحرية عام ١٦٦٩ إنه لم يكن يوجد زواحف في بوربون باستثناء السلاحف. ويؤكد الربان دو روا أنه قبل عام ١٧٦٨، جرت محاولة، ولكنها باءت بالفشل، لإدخال الضفادع إلى موريشيوس — أظن بغرض أكلها — ومن ثَم ربما يجدر الشك فيما إذا كان هذا الضفدع هو حيوانٌ أصيل بهذه الجزر. وغياب فصيلة الضفادع في الجزر المحيطية هو الأمر الأكثر غرابة ولفتًا للانتباه، عند مقارنتها بالسحالي التي تحتشد بأعدادٍ كبيرة على أغلب الجزر الصغيرة. ألا يمكن أن يكون سبب هذا الاختلاف هو السهولة الأكبر التي قد يُنقل بها بيض السحالي، المحمي بأصدافٍ جيرية، عبر المياه المالحة، مقارنة ببيض الضفادع اللزج؟

سأصف أولًا عادات السلاحف (سُلَحْفاة جالاباجوس العملاقة السوداء التي كان يُطلَق عليها في الماضي إنديكا) التي كثيرًا ما أشير إليها. أعتقد أن هذه السلاحف موجودة على جميع جزر الأرخبيل؛ ولكن الأكيد أنها توجد في العدد الأكبر منها. تفضل هذه السلاحف التردد على الأجزاء العليا الرطبة؛ ولكنها تعيش كذلك في المناطق السفلية والقاحلة. ولقد تبيَّن لي بالفعل، من الأعداد الهائلة التي اصطيدت في يومٍ واحد، كم هي متواجدة بأعدادٍ كبيرة حتمًا. والبعض منها ينمو حتى يصل إلى حجمٍ هائل؛ فقد أخبرنا السيد لوسون، وهو رجلٌ إنجليزي ونائب حاكم المستعمرة، أنه رأى عدة سلاحفَ كبيرةٍ للغاية حتى إنها كانت تحتاج إلى ستة أو ثمانية رجال لرفعها من على الأرض؛ وبعضها وفر كميةً كبيرة من اللحم تصل إلى ٢٠٠ رطل. والذكور البالغة هي الأكبر حجمًا؛ ونادرًا ما تنمو الإناث لتصل إلى هذا الحجم الكبير، ويمكن تمييز الذكور بسهولة عن الإناث من ذيلها الطويل. وتتغذى السلاحف التي تعيش على هذه الجزر حيث لا يوجد ماء، أو في الأجزاء السفلية والقاحلة من الجزر الأخرى، بالأساس على الصبار العصاري. أما تلك التي تتردد على المناطق العليا والرطبة فتأكل أوراق الأشجار المتنوعة، ونوعًا من التوت (يُسمى جوايافيتا أو توت العليق الشمعي) الذي يتسم بكونه حامضيًّا وقاسيًا، إلى جانب أُشْنة خيطية ذات لونٍ أخضرَ باهت (أوسنيرا بليكاتا) تتدلَّى من أغصان الأشجار.

والسلاحف مغرمة جدًّا بالماء؛ إذ تشرب كمياتٍ كبيرةً منه وتخوض في الوحل. والجزر الأكبر حجمًا هي الجزر الوحيدة التي يوجد بها ينابيع، وهذه الينابيع موجودة دومًا في اتجاه الأجزاء المركزية، وعلى ارتفاعٍ شاهق؛ لذا تضطر السلاحف التي تتردد على المناطق السفلية إلى قطع مسافةٍ طويلة حين تشعر بالظمأ؛ ومن ثَم تتفرع المسارات العريضة والممهدة في كل اتجاه من الآبار إلى ساحل البحر، ومن خلال تتبُّع هذه المسارات إلى أعلى اكتشف الإسبان لأول مرة أماكن الحصول على المياه. وحين وصلتُ إلى جزيرة تشاتام، لم أستطع أن أتخيل أي نوع من الحيوانات ذاك الذي قطع مساراتٍ مختارةً بعناية بطريقةٍ منهجية هكذا. بالقرب من الينابيع، كان يوجد مشهدٌ رائع يسرُّ الأعين لعددٍ كبير من هذه الكائنات الضخمة؛ مجموعة منها تمضي بحماس إلى الأمام بأعناقٍ مُشرئبَّة، وأخرى تعود أدراجها بعد أن شربت حتى ارتوت. فعندما تصل السلاحف إلى الينبوع، بغض النظر تمامًا عن وجود أي متفرج، تُغطس رأسها حتى فوق عينيها في المياه، وتبدأ في عبِّ جرعاتٍ كبيرة بشراهة، بمعدل عشر جرعات تقريبًا في الدقيقة. يقول السكان إن كل سُلَحْفاة تبقى لمدة ثلاثة أو أربعة أيام بجوار المياه، ثم تعود إلى المنطقة السفلية؛ إلا أنهم اختلفوا بشأن معدل تكرار هذه الزيارات. وتنظم السلاحف على الأرجح هذه الزيارات حسب طبيعة الطعام الذي تقتاته. غير أنه من المؤكد أن السلاحف تستطيع أن تعيش حتى على تلك الجزر التي لا يوجد بها أي مياه سوى ما يتساقط أثناء الأيام القليلة الممطرة خلال العام.

أعتقد أن ثمة تأكيدًا قاطعًا على أن مثانة الضفدع تعمل كخزان للرطوبة الضرورية لوجوده؛ ويبدو أن الأمر نفسه ينطبق على السلاحف. فلبعض الوقت بعد زيارة الينابيع، تنتفخ مثانتها البولية بالسائل، الذي يُقال إن حجمه يتراجع تدريجيًّا ويصير أقل نقاءً. وعندما يسير السكان في المنطقة السفلية، ويغلبهم العطش، عادة ما يستفيدون من هذا الأمر، ويشربون محتويات المثانة إذا كانت ممتلئة؛ وقد كان السائل الموجود داخل إحدى السلاحف التي رأيتها مقتولة، رائقًا للغاية، ولم يكن به سوى قَدرٍ ضئيل للغاية من المرارة. غير أن السكان دائمًا ما يشربون المياه الموجودة في التامور (غلاف القلب) أولًا، والتي توصف بأنها الأفضل.

تواصل السلاحف السير ليل نهار، حين تتحرك عمدًا نحو نقطةٍ محددة، وتصل إلى وجهة رحلتها في وقتٍ أقربَ كثيرًا مما هو متوقَّع. ويقدر السكان، من واقع مراقبتهم للأفراد المميزة منها، أنها تقطع مسافة ثمانية أميال تقريبًا في يومين أو ثلاثة. إحدى السلاحف، التي كنتُ أراقبها، كانت تسير بسرعة ستين ياردة في عشر دقائق، أي ٣٦٠ ياردة في الساعة، أو أربعة أميال في اليوم؛ مما يتيح لها وقتًا قليلًا لتأكل على الطريق. وأثناء موسم التزاوج، عندما يجتمع الذكر بالأنثى، يصدر الذكر زئيرًا أجش أو خوارًا، يُقال إنه يمكن سماعه من على مسافة تزيد على مائة ياردة. ولا تستخدم الأنثى صوتها إطلاقًا، ويقتصر استخدام الذكر لصوته على هذه الفترات فقط؛ ومن ثَم حين يسمع الناس هذه الأصوات، يعرفون أن الذكر والأنثى مجتمعان معًا. وفي هذا التوقيت (شهر أكتوبر) كانت الإناث تضع بيضها. تضع الأنثى البيض كله معًا حيثما تكون التربة رملية وتغطيه بالرمال؛ ولكن حين تكون الأرض صخرية تضعه بلا تمييز في أي فتحة؛ وقد وجد السيد باينو سبع بيضات في أحد الشقوق. والبيضة ذات لونٍ أبيض وكروية الشكل، وبلغ محيط إحدى البيضات التي أخذت قياسها سبع بوصات وثلاثة أثمان البوصة؛ ومن ثَم فهي أكبر من بيضة الدجاجة. بمجرد أن يفقس البيض، تقع صغار السلاحف، بأعداد كبيرة، فريسة للصقور الجارحة التي تتغذى على الجيف. وبوجهٍ عام، يبدو أن السلاحف الكبيرة تموت جراء الحوادث المفاجئة، مثل السقوط من فوق المنحدرات؛ على الأقل أخبرني عدد من السكان بأنهم لم يجدوا مطلقًا سُلَحْفاةً نافقة بدون سببٍ واضح.

يعتقد السكان أن هذه الحيوانات صمَّاء تمامًا؛ إذ إنها بالتأكيد لا تسمع وقع خطوات شخص يسير خلفها على مقربة منها. لطالما كنت أستمتع عند مباغتة إحدى هذه الحيوانات العملاقة، أثناء سيرها بهدوء، لأرى كيف ستسحب رأسها وأرجلها بغتة إلى الداخل — في اللحظة التي أمر فيها بجوارها — وتطلق هسهسةً عميقة لتقع على الأرض محدثة صوتًا مرتفعًا، كما لو كان الموت قد صعقها. وكثيرًا ما كنت أعتلي ظهرها، ثم أُربِّت بضع مرات على الجزء الخلفي من صدفتها، فتستفيق وتسير مبتعدة؛ إلا أنني كنت أجد صعوبة بالغة في الحفاظ على توازني. يُستخدم لحم هذا الحيوان على نطاقٍ واسع، طازجًا ومملَّحًا على حدٍّ سواء، ويُحضر من شحم هذا الحيوان زيتٌ شديد النقاء. وعند اصطياد سُلَحْفاة، يصنع المرء شقًّا في الجلد بالقرب من ذيلها، لينظر داخل جسدها، ويرى ما إذا كان الشحم أسفل شريحة الظهر ثخينًا أم لا. فإن لم يكن كذلك، يُطلَق سراح السلحفاة؛ ويُقال إنها تتعافى سريعًا من هذه العملية الغريبة. ومن أجل تأمين السلاحف البرية، لا يكفي قلبها مثل السلحفاة البحرية؛ لأنها غالبًا ما يكون في وسعها العودة مجددًا على أرجلها.

ما من شك في أن هذه السلحفاة مستوطِنٌ أصيل لأرخبيل جالاباجوس؛ إذ إنها موجودة على جميع الجزر، أو بالأحرى أغلبها، وحتى على بعض الجزر الأصغر حجمًا حيث لا يوجد ماء؛ ولو أنها نوعٌ دخيل على البلاد، لما كان الحال هكذا في مجموعة جزر نادرًا جدًّا ما يتردد عليها أحد. علاوة على ذلك، وجد قدماء القراصنة هذه السلاحف بأعداد أكبر من الموجودة حاليًّا؛ كما يقول كل من وود وروجرز، في عام ١٧٠٨، إن الإسبان يرون أنها لا توجد في أي مكانٍ آخر في هذه البقعة من بقاع العالم. وهي الآن منتشرة على نطاقٍ واسع؛ ولكن ربما يكون ثمة تساؤلات عما إذا كانت هذه السلاحف متوطنةً في أي مكانٍ آخر. وبوجهٍ عام، اعتُبِرت عظام إحدى السلاحف الموجودة في موريشيوس، والمرتبطة بتلك العظام الخاصة بطائر الدودو المنقرض، تعود إلى هذا النوع من السلاحف؛ ولو كان الأمر كذلك، فلا شك أنها كانت مستوطنة هناك؛ إلا أن السيد بيبرون أخبرني بأنه يعتقد أنها كانت مختلفة، كما هو الحال قطعًا مع الأنواع التي تعيش هناك حاليًّا.

figure
صورة بالحجم الطبيعي، وأخرى مكبرة لسن الإجوانا البحرية.

يقتصر وجود الإجوانا، وهو نوعٌ مميز من السحالي، على هذا الأرخبيل؛ حيث يوجد نوعان، يشبه أحدهما الآخر في الشكل العام، أحدهما بري والآخر بحري. وصف النوعَ الأخير — الإجوانا البحرية — لأول مرةٍ السيدُ بيل، الذي تنبأ من رأسها القصير العريض ومخالبها القوية المتساوية الطول، أن عاداتها المعيشية سيتضح في النهاية أنها غريبة للغاية، ومختلفة عن تلك العادات الخاصة بأقرب أشباهها؛ وهو نوع بالغ الانتشار على جميع الجزر عبر المجموعة، وتنحصر معيشته على الشواطئ البحرية الصخرية، ولا يوجد مطلقًا، على الأقل لم أرَ واحدًا منها مطلقًا، حتى في محيط عشر ياردات داخل الساحل. وهو كائنٌ ذو شكلٍ قبيح، ولونٍ أسودَ داكن، وحركاتٍ خرقاءَ وبطيئة. ويبلغ الطول المعتاد للإجوانا البحرية المكتملة النمو حوالي ياردةً، إلا أن بعضها يصل طوله إلى أربع ياردات، ويصل وزن الكبيرة منها إلى عشرين رطلًا، وعلى جزيرة ألبيمارل يبدو أنها تنمو بحجمٍ أكبر من تلك الموجودة في أي مكانٍ آخر. وذيلها مفلطح من على الجانبين، وأرجلها الأربعة وتراء جزئيًّا. ومن وقت لآخر تُشاهَد على بعد بضع مئات من الياردات من الشاطئ، تسبح في الجوار. ويقول كابتن كولنت في مذكراته عن رحلته: «تخرج إلى البحر في أسراب للصيد، وتتشمَّس على الصخور، وربما يُطلق عليها قاطورًا مصغرًا.» غير أنه لا يُفترض بالضرورة أنها تعيش على الأسماك. وعندما توجد في الماء، تسبح هذه السحلية بسهولةٍ وسرعةٍ مثاليتَيْن، وبحركةٍ أفعوانية من جسدها وذيلها المفلطح؛ إذ تكون أرجلها ساكنة وتستلقي بإحكام على جانبَي جسدها. أغرق أحد البحارين واحدةً منها، من خلال ربط وزنٍ ثقيل بها، ظنًّا منه أنها بذلك ستموت مباشرة؛ ولكن عندما جذب الصنارة، بعد مرور ساعة، كانت نشطةً جدًّا. وأطرافها ومخالبها القوية مُهيَّأة على نحوٍ رائع للزحف فوق كتل الحمم البركانية المحزَّزة والمشقَّقة التي تشكل الساحل في كل مكان. وفي مثل هذه المواضع، قد تُشاهَد أحيانًا مجموعة من ستة أو سبعة من هذه الزواحف البغيضة على الصخور السوداء، فوق الصخور التي تتكسر عليها الأمواج ببضع أقدام، تنعم بالشمس ممدِّدة أرجلها عن آخرها.

قمت بشق بطون عدة إجواناتٍ بحرية، ووجدتها ممتلئة إلى حدٍّ كبير بعشبٍ بحريٍّ مفروم (الأولفا أو خس البحر)، ينمو على مساحاتٍ مديدةٍ مورقةٍ هزيلة ذات لونٍ أخضرَ زاهٍ أو أحمرَ باهتٍ. لا أتذكر أنني لاحظت هذا العشب البحري بأي كمية على الصخور المدِّية، ولديَّ ما يبرر اعتقادي بأنه ينمو في قاع البحر، على مسافةٍ قصيرة بعض الشيء من الساحل. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الغرض من تردُّد هذه الحيوانات على البحر من وقت لآخر صار مبرَّرًا. ولا تحتوي المعدة على أي شيء سوى العشب البحري. غير أن السيد باينو عثر على قطعة سلطعون في واحدة منها، لكنها ربما دخلت بالقوقعة، بنفس الطريقة التي رأيت بها يسروعًا وسط بعض الأُشْنات، في بطن سُلَحْفاة. كانت الأمعاء غليظة، كما في الحيوانات العاشبة الأخرى. وطبيعة غذاء هذه السحلية، وكذلك بنية ذيلها وأقدامها، وحقيقة أنها شوهدت تسبح طواعية في البحر، تثبت قطعًا عاداتها البحرية، ورغم ذلك يوجد في هذا الصدد مفارقة واحدة غريبة؛ فعند شعورها بالخوف، لا تنزل الماء؛ ومن ثَم يسهل استدراج هذه السحالي إلى أي نقطةٍ صغيرة تشرف على البحر، حيث ما تلبث أن تتيح لأي شخص الإمساك بأذيالها بإحكام بدلًا من القفز في المياه. ولا يبدو أن لديها أي فكرة عن العضِّ، ولكن عند شعورها بالخوف الشديد، فإنها تبخُّ قطرةً من سائل من فتحتي أنفها. وقد قذفتُ واحدةً منها عدة مرات بأقصى ما يمكنني في بركةٍ عميقة خلَّفتها أمواج المد والجزر المنحسرة؛ إلا أنها كانت تعود دائمًا في خطٍّ مستقيم إلى الموضع الذي كنت أقف عنده. كانت هذه السحلية تسبح بالقرب من القاع بحركةٍ رشيقة وسريعة جدًّا، ومن حين لآخر كانت تدعم نفسها فوق الأرض غير المستوية باستخدام قدمَيْها. وما إن وصلت بالقرب من الحافة، وإن كانت ما زالت أسفل الماء، حتى حاولت إخفاء نفسها داخل باقات الأعشاب البحرية أو الدخول في أحد الشقوق. وحالما ظنت أن الخطر قد زال، زحفت إلى الخارج على الصخور الجافة، وجرَّت قدمَيْها بأسرع ما يمكنها. لقد أمسكت بهذه السحلية نفسها عدة مرات، من خلال استدراجها لموضع بالأسفل، وبالرغم من امتلاكها مثل هذه القدرات الرائعة في الغطس والسباحة، فلا يوجد شيء من شأنه أن يغريها للنزول إلى الماء؛ وكلما ألقيتُ بها في الماء، عادت على النحو ذاته المذكور آنفًا. ولعل هذا التصرف الفريد بما يحمله من حمقٍ واضح يرجع إلى عدم وجود أي أعداء لهذه السحلية على الشاطئ، بينما في البحر غالبًا ما تقع فريسة لأسماك القرش العديدة؛ ومن ثَمَّ، وبدافع من غريزةٍ متأصلة ومتوارثة على الأرجح تجعلها تعتبر الشاطئ مكانها الآمن، ومهما كانت الطوارئ، فإنها تتخذ من الشاطئ ملاذًا آمنًا لها.

أثناء زيارتنا (في شهر أكتوبر) رأيت أعدادًا قليلة للغاية من الأفراد الصغيرة لهذا النوع، ولا أظن أن أيًّا منها كان عمره أقل من عام. وبناءً على هذا الوضع، يبدو على الأرجح أن موسم التزاوج لم يكن قد بدأ بعدُ. سألت العديد من السكان إن كانوا يعرفون أين تضع بيضها؛ فقالوا إنهم لا يعرفون شيئًا عن عملية تكاثرها، رغم أنهم على درايةٍ تامة بشكل البيض الخاص بنوع السحالي البرية؛ وهي حقيقة لافتة للانتباه، بالنظر إلى مدى انتشار هذه السحالي هنا.

الآن، سننتقل إلى الإجوانا البرية ذات الذيل المستدير والأصابع غير الوتراء. وهذه السحالي — على عكس النوع الآخر الموجود في جميع جزر الأرخبيل — مقتصرة على الجزء الأوسط من الأرخبيل، أي جزر ألبيمارل وجيمس وبارينجتون وإندفاتيجبول. وإلى الجنوب، على جزر تشارلز وهوود وتشاتام، وشمالًا، على جزر تاورز وبندلوس وأبينجدون، لم أسمع أو أرَ أيًّا منها. يبدو الأمر كما لو أنها خُلقت في منطقة وسط الأرخبيل وانتشرت من هناك لمسافةٍ محدودة وحسب. تسكن بعض هذه السحالي الأجزاء المرتفعة والرطبة من الجزر، إلا أنها موجودة بأعداد أكبر بكثير في المناطق المنخفضة والجدباء بالقرب من الساحل. ولا أستطيع أن أقدِّم دليلًا قاطعًا على أعدادها سوى قولي إننا حين وصلنا إلى جزيرة جيمس، لم نستطع العثور — لبعض الوقت — على مكانٍ خالٍ من جحور هذه السحالي لنصب خيمتنا الوحيدة. ومثل نظيرتها من السحالي البحرية، تتسم هذه السحالي بشكلها القبيح، والجزء السفلي منها ذو لونٍ برتقاليٍّ مائل إلى الصفرة، والجزء العلوي ذو لونٍ أحمرَ مائلٍ إلى البُنِّي، ومن زاوية وجهها السفلية، تبدو ذات مظهرٍ أحمق على نحوٍ استثنائي. ربما تبدو أقل حجمًا إلى حدٍّ ما من النوع البحري، إلا أن العديد منها تراوح وزنها بين عشرة أرطال وخمسة عشر رطلًا. أما بخصوص حركتها، فهي بطيئة وشبه ساكنة. وحين لا تكون خائفة، تزحف ببطء مُجرجِرة ذيلها وبطنها على الأرض. وكثيرًا ما تتوقف، وتغفو لدقيقة أو دقيقتَيْن، بعينَيْن مغلقتَيْن ورجلَيْن خلفيتَيْن ممددتَيْن على التربة الجافة.

تعيش هذه السحالي في جحور تصنعها أحيانًا بين شظايا الحمم البركانية؛ ولكنها بوجهٍ عام تميل أكثر إلى صنعها على قطعٍ مستوية من الحجر الطفلي الناعم الشبيه بالحجر الرملي. ولا تبدو الجحور عميقة للغاية، وتخترق الأرض بزاويةٍ صغيرة؛ حتى إنه عندما يسير أحدهم فوق أوجار السحالي هذه، تنهار التربة أسفله باستمرار؛ مما يسبب الكثير من الضيق للسائرين المتعَبين. وعندما تصنع هذه السحلية جحرها، فإنها تعمل بالتبادل باستخدام جانبَي جسدها المتقابلَين. فتجد رِجلًا أمامية تنبش التربة لوقتٍ قصير، وتقذف بالتراب نحو الرِّجل الخلفية، التي تتخذ وضعيةً جيدة بحيث تقذفها بعيدًا عن فتحة الجحر. وحين يصاب هذا الجانب من الجسد بالإجهاد، يتولى الجانب الآخر المهمة، وهكذا بالتناوب. أخذتُ أراقب إحدى السحالي لفترةٍ طويلة، حتى دُفن نصف جسدها؛ حينئذٍ اتجهتُ نحوها وجذبتُها من الذيل، واندهشتْ كثيرًا لهذا واستدارت سريعًا لتستطلع الأمر، ثم حدَّقت في وجهي، كما لو أنها تقول: «ما الذي جعلك تشد ذيلي؟»

تتناول هذه السحالي طعامها بالنهار، ولا تتجوَّل كثيرًا بعيدًا عن جحورها؛ وإذا شعرت بالخوف، فإنها تهرع إليها بمشيةٍ خرقاءَ إلى أقصى الحدود. ولا تستطيع التحرك بسرعةٍ بالغة إلا عند النزول من على التل، ويرجع ذلك فيما يبدو إلى الوضع الجانبي لأرجلها. كما أنها ليست جبانة على الإطلاق؛ فعند رؤيتها أي أحد عن كثب، تطوي ذيلها وترفع نفسها على أرجلها الأمامية وتهزُّ رأسها في وضعٍ رأسي بحركةٍ سريعة وتحاول أن تبدو في غاية الشراسة، إلا أنها في الحقيقة غير شرسة على الإطلاق؛ فإذا ضرب أحد الأرض بقدمَيه فقط، تفرد ذيلها وتجرجر قدميها بأقصى سرعةٍ ممكنة لديها. ولقد راقبتُ كثيرًا سحاليَ صغيرةً آكلة للحشرات ولاحظت أنها تهزُّ رأسها بالطريقة نفسها عند مشاهدة أي شيء، بيد أنني لا أعرف الغرض من ذلك مطلقًا. وإذا أُمسك بهذه الإجوانا البحرية وهوجمت بعصًا، تعضُّها بحدةٍ بالغة؛ ولكنني أمسكت الكثير منها من ذيولها ولم تحاول مطلقًا أن تعضَّني. وإذا وُضعت اثنتان معًا على الأرض واشتبكتا معًا، فسوف تتصارعان وتعضُّ إحداهما الأخرى حتى تُراق الدماء.

نادرًا ما تستطيع أفراد السحالي التي توجد بأعدادٍ كبيرة وتعيش في المنطقة السفلية تذوق قطرة ماء واحدة طوال العام؛ إلا أنها تستهلك الكثير من أشجار الصبار الغنية بالعصارة، وأغصانها التي تنكسر بفعل الرياح من آنٍ لآخر. وقد قمتُ عدة مرات بإلقاء قطعة أو قطعتَين أو ثلاثٍ منها وهي مجتمعة معًا، وكان من الممتع جدًّا رؤيتها وهي تحاول الإمساك بها ووضعها في أفواهها، كأنها كلابٌ جائعة اجتمعت بأعدادٍ كبيرة على عظمة. وهي تتناول الطعام بتأنٍّ شديدٍ، ولكنها لا تمضغه. والطيور الصغيرة تعرف أن هذه المخلوقات مسالمة وغير مؤذية إلى أقصى حد؛ فقد رأيت أحد طيور السنونو السميكة المناقير تنقر طرف قطعة من الصبار (التي تتلذذ بها جميع حيوانات المنطقة السفلية كثيرًا)، بينما وقفت سحلية تأكل على الطرف الآخر، ثم قفز السنونو الصغير فوق ظهر السحلية بأقصى درجات اللامبالاة.

شققتُ بطون الكثير من هذه الزواحف، ووجدتها ممتلئة بالألياف النباتية وأوراق الأشجار المختلفة، لا سيما أشجار السنط. وفي المنطقة العليا، تعيش بالأساس على ثمار العليق الشمعية الحامضة والقابضة، التي رأيت تحت أشجارها هذه السحالي والسلاحف العملاقة تأكل معًا. ومن أجل الحصول على أوراق السنط، تتسلق الأشجار القزمة زاحفة، ومن المألوف أن تشاهد زوجين يأكلان بهدوء معًا، بينما يجلسان على غصنٍ يرتفع عدة أقدام فوق مستوى الأرض. وينتج عن طهي هذه السحالي لحمٌ أبيضُ يروق لكل من يسمو بمعدته فوق جميع التحيُّزات والأهواء. ولقد لاحظ همبولت أن في الجزء المداري من أمريكا الجنوبية تُعتبر جميع السحالي، التي تعيش في المناطق الجافة، طعامًا شهيًّا على المائدة. يقول السكان إن تلك السحالي التي تسكن الأجزاء الرطبة العليا تشرب الماء، ولكن السحالي الأخرى، مثل السلاحف، لا تشد الرحال من أجل الماء من المناطق السفلية الجدباء. وأثناء فترة زيارتنا، كانت الإناث تحمل داخل أجسادها بيضًا كثير العدد وكبير الحجم ومستطيل الشكل تضعه في جحورها: ويبحث السكان عنه بغرض التغذية.

يتشابه هذان النوعان من الإجوانا، كما ذكرتُ من قبلُ، في بنيتهما العامة، وفي الكثير من عاداتهما أيضًا. فلا يتمتع أيٌّ منهما بالحركة السريعة التي تميز السحالي الحقيقية والإجوانا الاستوائية، وكلاهما من الزواحف العاشبة، على الرغم من أن نوعية النباتات التي يتغذيان عليها مختلفة للغاية. وقد سمى السيد بيل هذا الجنس باسمه اللاتيني Amblyrhynchus نسبةً إلى قصر خطمها. والواقع أن شكل فمها يمكن مقارنته بشكل فم السلاحف البرية؛ مما يدفع المرء لافتراض أن هذا تعديلٌ موائم لتغذيتها على النباتات؛ لذا، من المثير جدًّا العثور على جنسٍ مميز، بنوعَيه البري والبحري، ينتمي لجزءٍ محدود هكذا من العالم. والنوع البحري هو الأبرز على الإطلاق؛ لأنها السحلية الوحيدة الباقية على قيد الحياة التي تعيش على النباتات البحرية. وكما لاحظتُ للوهلة الأولى، فهذه الجزر لا تتميز كثيرًا بكثرة أنواع الزواحف، بقدر ما تتميز بكثرة عدد أفراد النوع الواحد؛ فحين نتذكر المسارات الممهدة التي صنعتها الآلاف من السلاحف البرية العملاقة — والكثير من السلاحف البحرية — والجحور الكبيرة للإجوانا البرية، وأسراب الإجوانا البحرية التي تنعم بأشعة الشمس على الصخور الساحلية لجميع الجزر. يجب أن نعترف أنه لا يوجد على سطح الأرض مكان تحلُّ فيه هذه الرتبة محل الثدييات العاشبة على مثل هذا النحو الاستثنائي. عندما يسمع عالم الجيولوجيا هذا الأمر سيعود بذاكرته على الأرجح إلى حقب العصر الجيولوجي الثاني، حين كانت السحالي — التي كان بعضها آكلًا للعشب وبعضها آكلًا للحم، وكانت ذات حجم لا يمكن مقارنته الآن إلا بحجم الحيتان الحالية — تملأ البر والبحر؛ لذا، وبناءً على ملاحظته، لا يمكن اعتبار هذا الأرخبيل سوى مكانٍ قاحل للغاية وذي مناخٍ معتدل بالنسبة إلى كونه منطقةً استوائية، بدلًا من أن يكون مكانًا ذا مناخٍ رطب وغطاءٍ نباتيٍّ وافر.
وفي ختام حديثنا عن الحياة الحيوانية، نأتي إلى الخمسة عشر نوعًا من الأسماك البحرية التي وجدتها هنا وهي جميعها أنواعٌ جديدة، وتنتمي إلى اثني عشر جنسًا، منتشرة على نطاقٍ واسع، باستثناء جنس البيروبينات أو الطرخيات، التي تعيش أنواعه الأربعة المعروفة قبلًا في الجانب الشرقي من أمريكا. ومن القواقع البرية، جمعتُ ستة عشر نوعًا (ونوعَين مميزَين)، وجميعها يميز هذا الأرخبيل، باستثناء حلزونٍ واحدٍ موجود في جزيرة تاهيتي؛ وهو عبارة عن قوقعةٍ وحيدة من قواقع المياه العذبة (قوقع بالودينا) منتشرة في جزيرة تاهيتي وجزيرة فان ديمنزلاند. وجد السيد كَمينج، قبل القيام برحلتنا، هنا تسعين نوعًا من القواقع البحرية، ولا يشمل هذا عدة أنواع — لم تُفحَص بعدُ — من صدفة النُّهَيد (Trochus) وتوربو (Turbo) ومونودونتا (Monodonta) وناسَّا (Nassa). ولقد كان كريمًا بما يكفي لمشاركتي النتائج المثيرة التالية: من بين التسعين قوقعةً، يوجد ما لا يقل عن سبع وأربعين قوقعةً مجهولة في أماكنَ أخرى؛ ويا لها من حقيقةٍ رائعة، بالنظر إلى مدى انتشار القواقع البحرية على نطاقٍ واسع عمومًا! ومن الثلاث والأربعين قوقعةً الموجودة في أجزاءٍ أخرى من العالم، يوجد خمس وعشرون تقطن الساحل الغربي لأمريكا، ومن هذا العدد يوجد ثمانٍ يمكن تمييزها كتنويعات؛ أما الثماني عشرة الباقية (بما فيها نوعٌ واحد) فاكتشفها السيد كَمينج في أرخبيل لوو، وبعضها موجود أيضًا في الفلبين. وحقيقة وجود قواقع من جزرٍ موجودة في الأجزاء الوسطى بالمحيط الهادي هنا هي حقيقةٌ جديرة بالملاحظة؛ إذ لا يوجد في الساحل الغربي من أمريكا أي أصدافٍ بَحْرية تُعرَف بانتشارها في جزر ذلك المحيط والساحل الأوسط لأمريكا. والمساحة الخاصة بالبحر المفتوح الممتدة شمالًا وجنوبًا على الساحل الغربي تفصل منطقتَي قواقع مختلفتَين تمامًا، أما في أرخبيل جالاباجوس فلدينا محطة توقف حيث خُلق الكثير من الأشكال الجديدة، وإلى حيث أُرسل عدة مستعمرين من كلتا هاتين المنطقتَين الكبيرتَين. وقد أرسلت القارة الأمريكية أنواعًا ممثلة لها إلى هنا أيضًا؛ حيث يوجد نوع مونوسويرس المنتمي إلى جزر جالاباجوس؛ وهو نوعٌ يقتصر وجوده على الساحل الغربي لأمريكا؛ كما يوجد نوعا فشيريلا (Fissurella) وكانسيلاريا (Cancellaria) المنتميان إلى جزر جالاباجوس، وهما نوعان منتشران على الساحل الغربي، ولكن لا وجود لهما (كما أخبرني السيد كَمينج) في جزر المحيط الهادي الوسطى. من ناحيةٍ أخرى، يوجد نوعان من قواقع أونيسسيا (Oniscia) وستايليفر (Stylifer)، وهما جنسان منتشران في الهند الغربية وبحار الصين والهند، ولكن غير متواجدَين سواء على الساحل الغربي الأمريكي أو الأجزاء الوسطى من المحيط الهادي. وهنا أضيف أنه بعد مقارنة السيد كَمينج والسيد هيندز لحوالي ٢٠٠٠ قوقعة من الساحلَين الشرقي والغربي لأمريكا، لم يُكتشَف سوى قوقعةٍ واحدة فقط مشتركة بين الساحلين، وهو حلزون فُرْفورة (Purpura patula)، الموجود في جزر الهند الغربية وساحل بنما وأرخبيل جالاباجوس. إذن فلدينا في هذه البقعة من العالم ثلاث مناطقَ بَحْريةٍ كبيرة للقواقع، متمايزة تمامًا، بالرغم من قرب بعضها من بعض، وهو الأمر المثير للدهشة، يفصلها مساحاتٌ طويلة شمالًا وجنوبًا سواء على البر أو في البحر المفتوح.
عانيتُ الأمرَّين في جمع الحشرات؛ فلم أرَ في حياتي مطلقًا بلدًا فقيرًا للغاية في هذا الصدد، باستثناء أرض النار. حتى في المنطقة العليا والرطبة وجدت عددًا قليلًا للغاية، باستثناء بعض الحشرات ذوات الجناحين وغمديات الأجنحة، أغلبها من الأشكال العادية والمألوفة. وكما ذكرت من قبلُ، الحشرات هنا صغيرة الحجم جدًّا وباهتة اللون بالنسبة إلى كونها منطقةً استوائية. من الخنافس، جمعتُ خمسةً وعشرين نوعًا (مستبعدًا من ذلك خنافس الجلد وخُنْفَساء لحم الخنزير التي تجلبها كل سفينةٍ آتية)؛ اثنان منها ينتميان إلى جنس الهاربالايدا (Harpalidæ)، واثنان ينتميان إلى جنس الهايدروفيليدا (Hydrophilidæ)، وتسعة تنتمي إلى ثلاث فصائل من الهيتروميرا (Heteromera)، والاثنتا عشرة الباقية تنتمي إلى الكثير من الفصائل المختلفة. وأظن أن هذا الوضع الخاص بالحشرات (ولَعلِّي أضيف النباتات أيضًا)، حيث القلة في العدد والانتماء للكثير من الفصائل المختلفة، هو أمرٌ شائعٌ جدًّا. ولقد أخبرني السيد ووترهاوس — الذي نشر٤ تقريرًا عن الحشرات الموجودة في هذا الأرخبيل والذي أدين له بالتفاصيل المذكورة آنفًا — أنه يوجد عدة أنواعٍ جديدة؛ وأنه من بين تلك الأنواع غير الجديدة، يوجد واحد أو اثنان أمريكيان، والبقية موزعة توزيعًا طبيعيًّا. وباستثناء الخنافس الآكلة للخشب، وواحدة أو اثنتين على الأرجح من الخنافس المائية من القارة الأمريكية، تبدو جميع الأنواع جديدة.

ونباتات هذه الجزر مثيرة للاهتمام تمامًا مثل حيواناتها. وسينشر د. جيه هووكر قريبًا في دورية «لينيان ترانزاكشنز» تقريرًا كاملًا عن نباتات المنطقة، وأنا مَدين له بالكثير من التفاصيل التالية. فيما يخص النباتات المزهرة، يوجد — بقدر ما هو معروف في الوقت الحالي — ١٨٥ نوعًا و٤٠ نوعًا لا زهريًّا؛ مما يجعل الرقم الإجمالي ٢٢٥؛ وقد حالفني الحظ أن أُحضِر معي ١٩٣ من هذا الرقم. ومن النباتات المزهرة، يوجد ١٠٠ نوعٍ جديد ومقتصر على هذا الأرخبيل على الأرجح. ويرى د. هووكر أن ما لا يقل عن عشرة أنواع من النباتات غير المقتصرة على هذا الأرخبيل، والموجودة بالقرب من الأراضي المزروعة في جزيرة تشارلز؛ واردةٌ من مكانٍ آخر. من المذهل — في رأيي — أن الكثير من الأنواع الأمريكية لم تُدخَل بطريقةٍ طبيعية، بالنظر إلى أن المسافة التي تفصلها عن القارة تتراوح بين ٥٠٠ و٦٠٠ ميل فقط، وأن (وفقًا لكولنت، صفحة ٥٨) الأخشاب الطافية والبامبو والخيزران وثمار النخيل عادةً ما تنجرف على الشواطئ الجنوبية الشرقية. وأعتقد أن نسبة ١٠٠ نباتٍ مزهر من ١٨٥ نباتًا يعتبر جديدًا (أو ١٧٥ مع استبعاد الأعشاب الواردة من الخارج) هي كميةٌ كافية لجعل أرخبيل جالاباجوس إقليمًا نباتيًّا مميزًا، إلا أن هذه النباتات ليست مميزة للغاية كنباتات سانت هيلينا أو نباتات جزر خوان فرنانديز، كما أخبرني د. هووكر. يتجلَّى تميز نباتات أرخبيل جالاباجوس بأفضل صورة في فصائلَ معينة؛ وهكذا يوجد ٢١ نوعًا من الفصيلة النجمية، منها ٢٠ نوعًا مميزًا لهذا الأرخبيل؛ وهذه الأنواع تنتمي لاثني عشر جنسًا، ومن بين هذه الأجناس يوجد ما لا يقل عن عشرة أجناس مقتصرة على هذا الأرخبيل! ويخبرني د. هووكر أن نباتات المنطقة لها بلا شك الطابع الأمريكي الغربي؛ كما أنه عجز عن استبيان أي صلة تَشابُه بينها وبين نباتات المحيط الهادي؛ ومن ثمَّ إذا استثنينا القواقع البحرية وقوقعة المياه العذبة والقوقعة البرية، التي جاءت إلى هنا، فيما يبدو، ككائناتٍ دخيلة من الجزر الوسطى بالمحيط الهادي، وكذلك النوع المميز للمحيط الهادي لشُرشُوريَّات جزر جالاباجوس، نرى أنه رغم وقوع هذا الأرخبيل في المحيط الهادي، فإنه يمثل جزءًا من أمريكا فيما يتصل بالحياة الحيوانية.

ولو أن هذه السمة تُعزى ببساطةٍ إلى المهاجرين من أمريكا، لَما صار فيها ما يلفت الأنظار إلا قليلًا؛ غير أننا نرى الغالبية العظمى من جميع الحيوانات البرية، وأكثر من نصف النباتات المزهرة، هي كائناتٌ أصيلة في المكان. وكان أكثر ما أدهشني أنني كنت محاطًا بطيورٍ جديدة وزواحفَ جديدة وأصدافٍ جديدة وحشراتٍ جديدة ونباتاتٍ جديدة، وكذلك تفاصيلُ صغيرةٌ لا حصر لها تتعلَّق ببنية الكائنات، وكذلك بنبرات أصوات الطيور وريشها، لتصبح سهول باتاجونيا المعتدلة أو الصحاري الحارة القاحلة في شمال تشيلي متجسدةً بوضوح أمام عيني. لماذا على هذه النقاط الصغيرة من الأرض، التي لا بد أن المحيط كان يغطيها خلال حقبةٍ جيولوجيةٍ قريبة والتي تتكون من حممٍ بركانيةٍ بازلتية؛ ومن ثَم تختلف في خصائصها الجيولوجية عن القارة الأمريكية، والموجودة في مناخٍ مميَّز؛ لماذا خُلِق سكانها الأصليون متشابهين، بنسبٍ مختلفة في النوع والعدد مع سكان القارة؛ ومن ثمَّ يؤثر بعضهم على بعض بأسلوبٍ مختلف؛ لماذا خُلقوا على نمط التكوين الأمريكي؟ من المرجح أن مجموعة جزر الرأس الأخضر تحمل، في جميع ظروفها الطبيعية، تشابهًا أوثق مع مجموعة جزر جالاباجوس، مما تحمله الأخيرة مع الساحل الأمريكي، ورغم ذلك يختلف السكان الأصليون للمجموعتَين اختلافًا تامًّا؛ فسكان جزر الرأس الأخضر يحملون الطابع الأفريقي، بينما سكان أرخبيل جالاباجوس ممهورون بالطابع الأمريكي.

•••

لم أكن قد لاحظت بعدُ أبرز سمة في التاريخ الطبيعي لهذا الأرخبيل؛ ألا وهي أن الجزر المختلفة إلى حدٍّ كبير يسكنها مجموعةٌ مختلفة من الكائنات. كان أول من لفت نظري إلى هذه الحقيقة هو السيد لوسون، نائب الحاكم، حين صرح بأن السلاحف تختلف باختلاف الجزر، وأن باستطاعته أن يُحدِّد على نحوٍ مؤكد الجزيرة التي جُلبت منها أي سُلَحْفاة. لم أُوَلِّ اهتمامًا كافيًا لهذا التصريح لبعض الوقت، وكنت بالفعل قد خلطت معًا العينات الآتية من جزيرتَين من جزر الأرخبيل خلطًا جزئيًّا. لم أتخيل مطلقًا أن الجزر — التي تفصلها مسافة ٥٠ أو ٦٠ ميلًا بعضها عن بعض، وأغلبها على مرمى البصر بعضها من بعض، وتتكون من الصخور نفسها بالضبط، وتقع في أجواءٍ مناخيةٍ مماثلة تمامًا وعلى ارتفاعٍ شبه متساوٍ — يختلف سكانها، إلا أننا سرعان ما نلاحظ أن هذا هو الحال. إنه قدر معظم الرحالة؛ بمجرد أن يكتشفوا أكثر الأشياء إثارةً للاهتمام في أي مكان، يتعيَّن عليهم مغادرته؛ إلا أنه حريٌّ بي أن أكون ممتنًّا لأنني حصلت على المواد الكافية للتثبُّت من هذه الحقيقة الجديرة بالملاحظة بخصوص توزيع الكائنات الحية.

وكما ذكرتُ، يقول السكان إنهم يستطيعون التمييز بين السلاحف المنتمية لجزر مختلفة، وإنها تختلف ليس فقط من حيث الحجم، بل من حيث السمات الأخرى. ولقد وصف٥ كابتن بورتر سلاحف جزيرة تشارلز وأقرب جزيرة لها، ألا وهي جزيرة هوود، بأن الجزء الأمامي من قواقعها سميكٌ ومثنيٌّ لأعلى مثل سرج إسباني، في حين أن سلاحف جزر جيمس تكون أكثر سوادًا في اللون وأكثر استدارة في الشكل وألذَّ مذاقًا عند طَهْيها. علاوة على ذلك، أخبرني السيد بيبرون أنه رأى ما يعتبره نوعَين مختلفَين من سلاحف أرخبيل جالاباجوس، ولكنه لا يعرف إلى أي جزيرة ينتميان. كانت العينات التي جلبتُها من ثلاث جزرٍ صغيرةً في السن، وربما لهذا السبب لم أستطع أنا أو السيد جراي تحديد أي اختلافاتٍ معينة فيها. لقد لاحظتُ أن الإجوانا البحرية كانت أكبر في جزيرة ألبيمارل من أي مكانٍ آخر، وأخبرني السيد بيبرون أنه رأى نوعَين بحريَّين مميزَين من هذا الجنس؛ لذا فإن الجزر المختلفة ربما كان بها أنواع أو أجناس ممثلة لها من الإجوانا البحرية، وكذلك السلاحف البرية. لقد أُثير انتباهي تمامًا لأول مرة لهذا الأمر من خلال مقارنة العينات الكثيرة، التي اصطدتها بنفسي واصطادها عدة أفرادٍ آخرين على متن السفينة، من طائر الدج المحاكي، حين اكتشفت، وهو ما أدهشني، أن جميع الطيور القادمة من جزيرة تشارلز تنتمي إلى نوعٍ واحد (طائر فلوريانا المحاكي Mimus trifasciatus)، وجميع الطيور من جزيرة ألبيمارل تنتمي إلى نوع جالاباجوس المحاكي (M. parvulus)، وجميع الطيور من جزيرتي جيمس وتشاتام (اللتين تقع بينهما جزيرتان أخريان، كحلقة وصل) تنتمي إلى نوع سان كريستوبال المحاكي (M. melanotis). وهذان النوعان الأخيران وثيقا الصلة للغاية، وسوف يعتبرهم بعض علماء الطيور مجرد جنسَين أو نوعَين واضحَين للغاية؛ أما طائر فلوريانا المحاكي، فهو مختلف ومميزٌ جدًّا. وللأسف، كانت أغلب عينات قبيلة الشُّرشُوريَّات مختلطة معًا؛ ولكن لديَّ أسبابٌ قوية تدفعني للشك في أن بعض أنواع عشيرة الحسون الأرضي مقتصرة فقط على جزرٍ منفصلة. وإذا كان للجزر المختلفة ممثلوها من الحسون الأرضي، فربما يساعد ذلك في تفسير وجود هذا العدد الكبير جدًّا من أنواع هذه العشيرة في مثل هذا الأرخبيل الصغير، والسلسلة المتدرجة تدرجًا مثاليًّا في حجم مناقيرها كنتيجةٍ محتملة لأعدادها. كان النوعان المنتميان لعشيرة حسون الصبار الشائع، واثنان من حسون الأشجار، متوفرَين في الأرخبيل، ووُجِد أن العينات العديدة لهاتين العشيرتَين التي اصطادها أربعة من هواة جمع الطيور في جزيرة جيمس تنتمي جميعًا إلى نوعٍ واحد منهما؛ بينما العينات العديدة التي تم اصطيادها سواء من جزيرة تشاتام أو تشارلز (حيث إن المجموعتَين اختلطتا معًا) تنتمي جميعًا إلى نوعَين آخرَين؛ ومن ثمَّ ربما يكون لدينا شبه يقين بأن هذه الجزر بها أنواع تمثلها من العشيرتين. ولا يبدو أن هذا القانون الخاص بالتوزيع ينطبق على القواقع البرية. ففي مجموعتي الصغيرة جدًّا من الحشرات، يلاحظ السيد ووترهاوس أنه لا يوجد عينة واحدة، من تلك الملصق عليها مكانها، منتشرة في أيٍّ من الجزيرتين.

والآن إذا انتقلنا إلى الحياة النباتية للمنطقة، فسنجد أن النباتات الأصلية بالجزر المختلفة تختلف اختلافًا عجيبًا. وأُصرِّح بالنتائج التالية جميعًا بتفويضٍ سامٍ من صديقي د. جيه هووكر. ويجوز لي افتراض أنني جمعتُ كل النباتات المزهرة بدون تمييز من الجزر المختلفة، ولحسن الحظ أنني تركت مجموعاتي منفصلة. ورغم ذلك، يجب ألا نثق كثيرًا في النتائج النسبية؛ إذ إن المجموعات الصغيرة التي جلبها إلى الوطن علماءُ طبيعةٍ آخرون رغم أنها تؤكد النتائج في بعض النواحي، إلا أنها تبين بوضوح أنه لا يزال هناك الكثير مما يجب عمله فيما يتعلق بالعالم النباتي لهذه المجموعة؛ علاوة على ذلك، لم تلقَ البقوليات سوى بعض الاهتمام النسبي حتى الآن:

اسم الجزيرة إجمالي عدد الأنواع عدد الأنواع الموجودة في بقاعٍ أخرى بالعالم عدد الأنواع المقتصرة على أرخبيل جالاباجوس العدد المقتصر على جزيرةٍ واحدة عدد الأنواع المقتصرة على أرخبيل جالاباجوس، ولكنها موجودة في أكثر من جزيرة
جزيرة جيمس ٧١ ٣٣ ٣٨ ٣٠ ٨
جزيرة ألبيمارل ٤٦ ١٨ ٢٦ ٢٢ ٤
جزيرة تشاتام ٣٢ ١٦ ١٦ ١٢ ٤
جزيرة تشارلز ٦٨ ٣٩ ٢٩ ٢١ ٨
(أو ٢٩، إذا ما استُبعِدت النباتات المرجح أنها واردة من الخارج)

إذن لدينا حقيقة مدهشة حقًّا، ألا وهي أنه في جزيرة جيمس، يوجد ثلاثون نباتًا، من إجمالي ثمانية وثلاثين نباتًا تنتمي إلى أرخبيل جالاباجوس، أو تلك التي لا توجد في أي مكانٍ آخرَ بالعالم، يقتصر تواجدها على هذه الجزيرة؛ وفي جزيرة ألبيمارل، يوجد اثنان وعشرون نباتًا يقتصر وجودها على هذه الجزيرة من إجمالي ستة وعشرين نباتًا أصيلًا ينتمي إلى هذا الأرخبيل، بمعنى أن أربعة نباتات فقط في الوقت الحالي يُعرف أنها تنمو في الجزر الأخرى للأرخبيل؛ وهكذا دواليك، كما هو مبيَّن في الجدول السابق بخصوص النباتات التي تنمو في جزيرتَي تشاتام وتشارلز. وربما ستصير هذه الحقيقة مدهشة أكثر من خلال تقديم بضعة الأمثلة التوضيحية: نبات السكالسيا، وهو جنسٌ شجريٌّ رائع من فصيلة النجميات، يقتصر وجوده على هذا الأرخبيل، وله ستة أنواع؛ واحدٌ من جزيرة تشاتام، وواحدٌ من جزيرة ألبيمارل، وواحدٌ من جزيرة تشارلز، واثنان من جزيرة جيمس، والسادس من واحدةٍ من الجزر الثلاث الأخيرة، ولكن ليس معروفًا أيٌّ منها بالضبط، ولا يوجد نوع من هذه الأنواع الستة ينمو على أي جزيرتَين معًا. وللفربيون — وهو جنسٌ مألوف أو موزَّع على نطاقٍ واسع — ثمانية أنواع، سبعة منها مقتصرة على الأرخبيل، ولا يوجد نوعٌ واحدٌ موجود في أي جزيرتَين معًا؛ ومن نبات البرطم ونبات البوريريا، وكلاهما جنسٌ مألوف، يوجد ستة وسبعة أنواع على التوالي، ولا يوجد من أيٍّ منها النوع نفسه على أي جزيرتَين معًا، باستثناء نوعٍ واحد لنبات البوريريا الموجود على جزيرتَين. وفصيلة النجميات هي فصيلةٌ محلية على نحوٍ خاص؛ ولقد زوَّدني د. هووكر بعدة أمثلةٍ توضيحيةٍ مذهلة للغاية بخصوص الاختلاف بين الأنواع على الجزر المختلفة. ويشير إلى أن قانون التوزيع هذا ينطبق على كلٍّ من الأجناس المقتصر وجودها على هذا الأرخبيل، وتلك الموزعة في أنحاءٍ أخرى من العالم، وعلى نحوٍ مماثل رأينا أن الجزر المختلفة تحظى بأنواعها الخاصة من الأجناس المألوفة من السلاحف ومن جنسٍ أمريكيٍّ واسع الانتشار من طائر الدج المحاكي، وكذلك عشيرتان من الحسون المنتمية إلى أرخبيل جالاباجوس، وبالتأكيد من جنس الإجوانا البحرية المنتمي إلى الأرخبيل.

لم يكن توزيع كائنات هذا الأرخبيل ليصبح رائعًا للدرجة لو أن جزيرةً واحدة توافر بها طائر الدج المحاكي مثلًا، وتوافر بجزيرةٍ ثانية جنسٌ آخرُ مختلف تمامًا — بمعنى لو أن بالجزيرة جنسًا من السحالي، وحظيت جزيرةٌ أخرى بجنسٍ مختلفٍ آخر أو لم تحظَ بأي جنسٍ على الإطلاق — أو لو كانت الجزر المختلفة غير آهلة بأنواعٍ ممثلة لنفس أجناس النباتات، وإنما بأجناسٍ مختلفة تمامًا، وهو الوضع القائم إلى حدٍّ ما؛ فمثلًا شجرةٌ كبيرةٌ مثمرة بالتوت تنمو في جزيرة جيمس ليس لها نوعٌ ممثل بجزيرة تشارلز، ولكن الأمر الذي يدهشني هو أن عدة جزر تحظى بأنواعها الخاصة من السلحفاة البرية وطائر الدج المحاكي وطيور الحسون والعديد من النباتات، وهذه الأنواع لها العادات العامة نفسها، وتشغل مواضعَ مماثلة، وتحتل بالطبع المكان نفسه في الاقتصاد الطبيعي لهذا الأرخبيل. ربما يكون ثمة شك في أن بعض هذه الأنواع الممثلة للمكان، على الأقل في حالة السلاحف البرية وبعض الطيور، ربما يثبت فيما بعدُ أنها مجرد أجناسٍ واضحة وشائعة، إلا أن ذلك سيكون على القدر نفسه من الأهمية الكبيرة بالنسبة إلى عالم الطبيعة الفلسفية. لقد قلت إن معظم الجزر على مرمى البصر بعضها من بعض، ولَعلِّي هنا أُوضِّح أن جزيرة تشارلز تبتعد مسافة خمسين ميلًا عن أقرب جزء من جزيرة تشاتام، ومسافة ثلاثة وثلاثين ميلًا عن أقرب جزء من جزيرة ألبيمارل. تبعد جزيرة تشاتام مسافة ستين ميلًا عن أقرب جزء من جزيرة جيمس، إلا أنه توجد جزيرتان في منتصف المسافة بينهما لم أزرهما. وتبتعد جزيرة جيمس مسافة عشرة أميال فقط عن أقرب جزء من جزيرة ألبيمارل، إلا أن النقطتَين التي جُمعت منهما مجموعات العينات تبعد إحداهما عن الأخرى مسافة اثنين وثلاثين ميلًا. ويجب أن أكرر أنه لا يمكن أن يكون ثمة الكثير من الاختلاف في طبيعة التربة، أو مستوى ارتفاع الأرض، أو المناخ، أو السمة العامة للكائنات المنتسبة لهذه الجزر باختلاف الجزر. فإن كان هناك أي اختلافٍ محسوس في مناخ هذه الجزر، فلا بد أن يكون بين الجزر الواقعة في الجانب المواجه للرياح (أي جزيرتَي تشارلز وتشاتام) وتلك الموجودة في الجانب المعاكس لاتجاه الريح، لكن يبدو أنه لا يوجد اختلافٌ مكافئ في كائنات نصفَي هذا الأرخبيل.

الضوء الوحيد الذي يمكنني أن أُلقيه على هذا الاختلاف الملحوظ في كائنات الجزر المختلفة هو أن التيارات البحرية القوية للغاية السائرة في اتجاهٍ غربي واتجاهٍ غربي وشماليٍّ غربي لا بد أنها تفصل — فيما يتعلق بالنقل عبر البحر — الجزر الجنوبية عن الجزر الشمالية؛ وبين هذه الجزر الشمالية لوحظ تيارٌ شماليٌّ غربيٌّ قوي، لا بد أنه يفصل تمامًا بين جزيرتَي جيمس وألبيمارل. ونظرًا لأن الأرخبيل خالٍ من الرياح العاتية إلى درجةٍ ملحوظة للغاية، ما كان للطيور أو الحشرات أو البذور الأخفِّ وزنًا أن تنتقل من جزيرة إلى أخرى. وأخيرًا، فإن العمق السحيق للمحيط الموجود بين الجزر، ومَنْشئِها البركاني الحديث ظاهريًّا (من الناحية الجيولوجية) يجعل اتحاد هذه الجزر أمرًا مستبعَدًا تمامًا؛ وربما يكون هذا اعتبارًا أهم بكثير من أي اعتبارٍ آخر فيما يتعلق بالتوزيع الجغرافي لكائناتها. وبمراجعة الحقائق المذكورة هنا، يندهش المرء من كم القوى الإبداعية، إن جاز استخدام هذا التعبير، التي تتكشف على هذه الجزر الصخرية الصغيرة الجرداء؛ وسيندهش أكثر من تأثيرها المتنوع والمتماثل في الوقت نفسه على مناطقَ قريبة جدًّا بعضها من بعض. وقد ذكرتُ من قبلُ أن أرخبيل جالاباجوس ربما يوصف بكونه تابعًا متصلًا بأمريكا، بل يجب بالأحرى أن يوصف بكونه مجموعة من التوابع، المتشابهة من الناحية المادية، والمتباينة من الناحية العضوية، غير أنها مرتبطة بعضها ببعض، وجميعها مرتبطة، بدرجةٍ واضحة رغم أنها أقلُّ بكثير، بالقارة الأمريكية العظمى.

سأختتم وصفي للتاريخ الطبيعي لهذه الجزر بتقرير عن الطبيعة الأليفة تمامًا لطيور هذا الأرخبيل.

إن هذه الطبيعة الأليفة شائعة في جميع الأنواع البرية؛ بداية من طيور الدج المحاكية والحسون وطيور النمنمة وعصافير الملك والحمام والصقور الجارحة الجيفية. فجميعها غالبًا ما يمكن الاقتراب منها بما يكفي لصيدها بواسطة سوط، وأحيانًا باستخدام قلنسوة أو قبعة كما حاولتُ أنا بنفسي. والبنادق هنا تكاد تكون رفاهية؛ فاستخدمت كمامة لدفع صقر من على فرع إحدى الأشجار. وذات يوم، بينما كنتُ مستلقيًا، وجدت دجًّا محاكيًا حطَّ على حافة إبريق ماء مصنوعٍ من صدفة سلحفاة كنتُ أُمسِكه بيدي، وبدأ بهدوءٍ شديد يرتشف الماء، وسمح لي بأن أرفعه من على الأرض بينما كان يجلس على الإناء، وكثيرًا ما حاولتُ — وكنت قاب قوسَين أو أدنى من النجاح — صيد هذه الطيور من سيقانها. يبدو أن هذه الطيور كانت فيما سبق أكثر ترويضًا من الوقت الحالي. فيقول كاولي (في عام ١٦٨٤): «كانت طيور القُمْريِّ أليفةً للغاية، لدرجة أنها كانت تحطُّ كثيرًا على قبعاتنا وأذرعنا؛ مما كان يتيح لنا اصطيادها حية؛ فهي لا تخاف من البشر، حتى يحدث شيء كالذي فعلناه حين أطلق عليها أحد مرافقينا النار فصارت أكثر جبنًا.» ويقول دامبير، في العام نفسه، إن المرء قد يصطاد ستَّ أو سبع دزينات من هذه الحمامات أثناء التمشية الصباحية. أما في الوقت الحالي، وبالرغم من أنها أليفة للغاية بالتأكيد، فإنها لا تحطُّ على أذرع البشر، ولا تُعرِّض نفسها إلى التَّهْلُكة بمثل هذه الأعداد الكبيرة. ومن المثير للدهشة أنها لم تصبح أكثر وحشية؛ فقد تردَّد على هذه الجزر خلال المائة والخمسين عامًا الماضية سفن قراصنة وسفنٌ لصيد الحيتان؛ وكان البحارة يجدون لذةً وحشية في اصطياد هذه الطيور الصغيرة أثناء التجوُّل عبر الغابة بحثًا عن السلاحف.

ورغم أن هذه الطيور لا تزال حتى الآن أكثر تعرضًا للتعذيب والإجحاف، فإنها لا تستثار بسهولة؛ ففي جزيرة جيمس، التي كانت آنذاك مُستعمرة زهاء ست سنوات، رأيت صبيًّا يجلس بالقرب من بئر وفي يده سوط يقتل به الحمامات وطيور الحسون عند مجيئها لتشرب من البئر. وكان قد حصل على كومةٍ صغيرة منها بالفعل من أجل غدائه، وقال إنه معتاد بصفةٍ مستمرة على المكوث بجوار البئر لهذا الغرض عينه. يبدو أن طيور هذا الأرخبيل لم تعرف حتى الآن أن الإنسان أخطر من السلحفاة أو الإجوانا البحرية، وتستخفُّ به كما تستخفُّ الطيور الإنجليزية الجبانة، مثل غراب العقعق، بالأبقار والخيول التي ترعى في حقولنا.

تقدِّم جزر فوكلاند مثالًا ثانيًا لطيورٍ ذات طبيعةٍ مماثلة. فقد لاحظ بيرنتي وليسون ورحالةٌ آخرون الطبيعة الأليفة الاستثنائية لطائر الصُّقْلُود الصغير. غير أنها صفة ليست مقتصرة على هذا الطائر؛ فطائر الأشبور المتوَّج وطائر القناص وإوز الأراضي المرتفعة والأراضي المنخفضة، وطائر السمنة وطيور الدُّرسات وحتى بعض صقور الباز الحقيقية، جميعها أليفة بشكل أو آخر. ونظرًا لأن الطيور أليفة للغاية هناك، حيث توجد الثعالب وصقور الباز والبوم، قد نستنتج أن غياب جميع الحيوانات المفترسة من الأرخبيل ليس السبب وراء طبيعتها الأليفة هنا. فإوز الأراضي المرتفعة بجزر فوكلاند، يظهر من خلال الحذر الذي يأخذه في بناء أعشاشه على الجُزَيِّرَات، أنه يدرك خطورة الثعالب؛ إلا أن ذلك لا يجعله يُبدي أي شراسة نحو الإنسان. وهذه الطبيعة الأليفة للطيور، بخاصة الطيور المائية، تتناقض بشدة مع العادات الخاصة بالأنواع نفسها الموجودة في أرخبيل أرض النار، حيث عُذبت لأزمانٍ طويلة على أيدي السكان المتوحشين. وفي جزر فوكلاند، قد يقتل الصياد في اليوم الواحد عددًا من إوز الأراضي المرتفعة يفوق قدرته على حمله إلى المنزل؛ بينما في أرض النار من الصعب أن تصطاد واحدة مثلما يصعب اصطياد الإوز البري الشائع في إنجلترا.

في زمن رحلة بيرنتي (عام ١٧٦٣)، يبدو أن جميع الطيور هناك كانت أليفة أكثر بكثير من الوقت الحالي؛ إذ يقول إن طائر الصُّقْلُود الصغير كان يقف على إصبعه وإنه اصطاد عشرة طيور في نصف ساعة باستخدام عصًا. في تلك الفترة، لا بد أن الطيور كانت أليفة مثلما هي الآن في أرخبيل جالاباجوس. ويبدو أنها قد تعلمت الحذر على هذه الجزر الأخيرة على نحوٍ أبطأ من جزر فوكلاند، حيث حظيت بأدوات خبرة مناسبة؛ فإلى جانب الزيارات المتكرِّرة من السفن، تعرضت تلك الجزر للاستعمار على فتراتٍ متقطعة طوال الحقبة بأكملها. وحتى في الماضي، حين كانت جميع الطيور أليفة للغاية، كان يستحيل، حسب رواية بيرنتي، صيد الإوز الأسود العنق؛ وهو طائرٌ مهاجر جلب معه على الأرجح الحكمة المكتسبة في الدول الأجنبية.

figure
نبات الصبير من أرخبيل جالاباجوس.
ولعلِّي أضيف أن جميع الطيور، وفقًا لدو بوا، في بوربون في عامي ١٥٧١-١٥٧٢، باستثناء طيور الفلامنجو والإوز، كانت أليفة للغاية حتى إنه كان يمكن الإمساك بها باليد، أو صيدها بأي عدد باستخدام عصًا. مرةً أخرى، في جزر تريستان دا كونا بالمحيط الأطلسي، يقول كارمايكل٦ إن نوعَين فقط من الطيور الأرضية، ألا وهما طائر السمنة وطائر الدُّرسات، كانا «أليفَين للغاية لدرجة أنها كانت تهلك نفسها بالوقوع فريسة في شبكة يدوية.» أظن أننا قد نستنتج من هذه الحقائق العديدة، أولًا: أن شراسة الطيور تجاه الإنسان هي غريزةٌ خاصةٌ موجهة «ضده»، وليست مرهونة بأي درجة من الحذر العام الناشئ من مصادر الخطر الأخرى. ثانيًا: أن هذه الشراسة لا تكتسبها أفراد الطيور في وقتٍ قصير، حتى عندما تتعرض للكثير من العنف، ولكن على مدار أجيالٍ متعاقبة تصير الشراسة متوارثة. اعتدنا مع الحيوانات المستأنسة رؤية عاداتٍ ذهنيةٍ جديدة أو غرائز تُكتَسب وتتحوَّل بعد ذلك لتكون متوارثة، أما فيما يخص الحيوانات في بيئتها الطبيعية، فدائمًا ما يكون من الصعوبة بمكان حتمًا اكتشاف أمثلة للمعرفة المكتسبة بالوراثة. وفيما يتعلق بوحشية الطيور تجاه الإنسان، لا سبيل إلى معرفة السبب وراءها، باستثناء كونها عادةً متوارثة؛ ففي العام الواحد، كان عددٌ قليل نسبيًّا من الطيور الصغيرة في إنجلترا يتعرض للأذى من جانب الإنسان، ولكنك تجدها جميعًا تقريبًا، حتى الأفراخ الصغيرة، تخاف منه، على الجانب الآخر نجد الكثير من أفراد الطيور في كلٍّ من جزر جالاباجوس وفوكلاند، قد تعرضت للمطاردة والإيذاء من جانب الإنسان، ولكنها لم تتعلم بعدُ الخوف الصحي منه. قد نستنتج من هذه الحقائق مدى الفوضى التي سيحدثها إدخال أي حيوانٍ مفترسٍ جديد حتمًا في أي منطقة، قبل أن تتكيَّف غرائز الكائنات الأصلية للمكان على قدرات الغرباء أو مهاراتهم.

هوامش

(١) أظهرت الأبحاث أن بعض هذه الطيور، التي كان يُعتقد آنذاك أن وجودها مقتصر على هذه الجزر، موجودة في القارة الأمريكية. أخبرني السيد سكلاتر، عالم الطيور البارز، أن هذا هو الحال مع بومة الهامة الموجودة في أرخبيل جالاباجوس وعصفور صائد الذباب القرمزي الصغير، وربما أيضًا بومة جالاباجوس القصيرة الأذن وحمامة جالاباجوس؛ ومن ثَمَّ تراجع عدد الطيور المستوطنة إلى ثلاثة وعشرين أو ربما واحد وعشرين نوعًا. ويعتقد السيد سكلاتر أن نوعًا أو نوعَيْن من هذه الطيور المستوطنة لا بد أن تُصنَّف كتنويعات، لا كنوعٍ مستقلٍّ بذاته، الأمر الذي طالما بدا محتملًا بالنسبة لي.
(٢) يذكر د. جونتر (دورية «جمعية علم الحيوان»، ٢٤ يناير ١٨٥٩) أن هذا نوعٌ غريب، لا يُعرَف عنه أنه يسكن أي منطقةٍ أخرى.
(٣) «رحلة إلى جزر أفريقيا الأربعة». فيما يخصُّ جزر ساندويتش، انظر «اليوميات» لتايرمان وبينيت المجلد الأول، صفحة ٤٣٤. وبخصوص موريشيوس، انظر «رحلة ضابطٍ ملكي إلى جزيرة فرنسا»، الجزء الأول، صفحة ١٧٠. لا توجد ضفادع في جزر الكناري (ويب وبرتيلو، كتاب «التاريخ الطبيعي لجزر الكناري»). ولم أرَ أيًّا منها في سانت ياجو بالرأس الأخضر. ولا يوجد أيٌّ منها في سانت هيلينا.
(٤) «أنال آند ماجازين أوف ناتشورال هيستوري»، العدد السادس عشر، صفحة ١٩.
(٥) «رحلة في سفينة إسكس الأمريكية»، المجلد الأول، صفحة ٢١٥.
(٦) «لينيان ترانزاكشنز»، المجلد السابع، صفحة ٤٩٦. لعل أغرب حقيقة صادفتُها بخصوص هذا الموضوع هي شراسة الطيور الصغيرة في الأجزاء القطبية من أمريكا الشمالية (كما وصفها ريتشاردسون في كتابه «حيوانات أمريكا الشمالية» المجلد الثاني، صفحة ٣٣٢)، حيث يُقال إنها لا تُعذَّب مطلقًا. وهذه الحالة هي الأغرب؛ نظرًا لوجود تأكيد بأن بعض أفراد النوع نفسه في الأماكن الباردة من الولايات المتحدة أليفة. ووفقًا لملاحظات د. ريتشاردسون، ثمة الكثير من الحقائق التي يتعذَّر تفسيرها تمامًا بخصوص درجات الحرص والجبن المختلفة التي تخبئ بها الطيور أعشاشها. فكم هو غريب أن حمامة الغابة الإنجليزية، التي تعتبر طائرًا بريًّا تمامًا، كثيرًا ما تربي صغارها على الشجيرات القريبة من المنازل!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠