الفصل الثالث

مونتفيديو – مالدونادو – رحلة إلى نهر بولانكو – الوهق (حبل بأنشوطة) والبولاس – طيور الحَجَل – انعدام الأشجار – الأيل – الكابيبارا أو خنزير الماء – قوارض التوكو توكو – طيور شحارير البقر، سلوكيات شبيهة بسلوكيات طائر الوقواق – عصافير الملك – طائر المُحاكي – الصقور الجيفية – أنابيب صنعها البرق – منزل ضربه البرق.

***

مالدونادو

figure
الكابيبارا أو خنزير الماء.
«٥ يوليو، ١٨٣٢»، في الصباح، بدأنا التحرك وغادرنا ميناء ريو دي جانيرو البديع. خلال رحلتنا إلى لابلاتا، لم نرَ أي شيء جديرًا بالملاحظة عدا قطيع كبير يضم المئات من خنازير البحر في أحد الأيام. كان البحر يزخر بها في أماكن عديدة على امتداده، وكان مشهدًا من أروع ما يكون حين تقفز المئات منها معًا حيث تشق المياه وتصبح أجسادها خارج المياه بالكامل. عندما كانت السفينة تشق المياه بسرعةِ تسعِ عقدٍ في الساعة، كانت تلك الحيوانات تستطيع العبور من أمام مقدمة السفينة بكل سهولة ثم تنطلق سريعًا إلى الأمام. بمجرد دخولنا إلى مصب لابلاتا، أصبح الجو غير مستقر إلى حد كبير. في إحدى الليالي المظلمة، أحاط بنا عدد كبير من الفقمات والبطاريق وكانت تصدر أصواتًا غريبة؛ حتى إن ضابط المراقبة ذكر أنه سمع خوار ماشية على الشاطئ. وفي ليلة أخرى، شاهدنا مشهدًا رائعًا لألعاب نارية طبيعية؛ حيث كانت قمة الصاري وأطراف عارضة الشراع مضيئة بشرر القديس إلمو، وكان يمكن بسهولة تمييز شكل دوارة الرياح كما لو كانت قد فُرِكَت بالفوسفور. كان البحر مضيئًا للغاية؛ حتى إن مسارات البطاريق كانت مميزة بأثر ناري وكانت ظُلمة السماء تضاء للحظات بومضات البرق الشديدة التوهج.

عندما وصلنا إلى منبع النهر، كنتُ مهتمًّا بملاحظة مياه البحر والنهر وهي تمتزج معًا ببطء. وكانت مياه النهر التي كانت عكرة ومتغيرة اللون، بسبب انخفاض كثافتها النوعية، تطفو فوق سطح مياه البحر المالحة. كان هذا واضحًا على نحو مثير للفضول في أثر السفينة في الماء، حيث شوهد خط من المياه الزرقاء يختلط في الدوامات الصغيرة بالمياه المجاورة.

•••

«٢٦ يوليو، ١٨٣٢»، رسونا في مونتفيديو. استُخدمت البيجل في مسح أقاصي سواحل أمريكا الجنوبية والشرقية وجنوب لابلاتا خلال السنتين اللاحقتين. وللحيلولة دون التكرار الذي لا طائل منه، سأحذف تلك الأجزاء في يومياتي التي تشير إلى المناطق نفسها دون الالتفات إلى ترتيب زيارتنا لها.

تقع مالدونادو على الضفة الشمالية لنهر لابلاتا ولا تبعد كثيرًا عن بداية المصب، وهي بلدة صغيرة هادئة وبائسة، وكما هو السائد في هذه البلاد، بُنِيَت طرقها ليلتقي بعضها بعضًا بزوايا قائمة ويوجد في قلب البلدة ميدان أو ساحة عامة كبيرة يتسبب حجمها في إظهار مدى قلة سكان البلدة أكثر. كان وجود أي تجارة في البلدة أمرًا نادرًا، مع اقتصار الصادرات على بعض جلود الحيوانات والماشية الحية. يتألف سكان البلدة من ملاك الأراضي في الأساس، بالإضافة إلى بعض أصحاب المتاجر وأصحاب الحرف الضرورية، مثل الحدَّادين والنجارين الذين ينحصر جل ما يقومون به من أعمال في نطاق دائرة محيطها خمسون ميلًا. يفصل البلدة عن النهر حزام من الروابي الرملية يصل عرضه إلى نحو ميل، ومحاطة من كل الجهات الأخرى بمنطقة ريفية مفتوحة ومتموجة قليلًا ومغطاة بطبقة متناسقة من الحشيش الأخضر الناعم ترعى فيه أعداد لا تحصى من الماشية والغنم والخيول. توجد أراضٍ مستصلحة محدودة للغاية بالقرب من البلدة. كما توجد بعض الأسيجة من الصبار والصَّبار الأمريكي (الأجاف) تحدد مكان زراعة بعض القمح أو الذرة الهندية. كانت معالم وملامح المنطقة الريفية متشابهة للغاية على طول الضفة الشمالية لنهر لابلاتا، الفرق الوحيد أن التلال الجرانيتية هنا أكثر تحدرًا قليلًا. كان المنظر يخلو من أي إثارة مطلقًا؛ إذ يوجد بالكاد بيت أو قطعة أرض مسوَّرة أو حتى شجرة لتكسب المشهد بعض المرح والبهجة، لكن بعد البقاء حبيسًا لفترة طويلة على متن سفينة، يجد المرء سحرًا في التجول بحُريَّةٍ عبر سهول مفتوحة بلا حدود من الكلأ. علاوة على ذلك، إذا كان مدى بصرك منحصرًا في مساحة محدودة، فستجد العديد من الأشياء التي تمتلك جمالًا. فثمة بعض الطيور الصغيرة ذات ألوان رائعة بالإضافة إلى مرج بلون أخضر زاهٍ قصير الحشائش من أثر رعي الماشية فيه، ومزين بأزهار صغيرة من بينها نبتة، تشبه زهرة الربيع، وقد احتلت مكان زهرة قديمة. ماذا سيكون انطباع بائع زهور إذا رأى حقولًا كاملة مغطاة بكثافة بزهور رعي الحمام؛ حتى إنها تبدو، من مسافة بعيدة، بلون قرمزي صارخ؟

مكثت عشرة أسابيع في مالدونادو جمعت خلالها مجموعة شبه متكاملة من الحيوانات والطيور والزواحف. قبل سرد أي ملاحظات بشأنها، سأصف رحلة قصيرة قمت بها في نهر بولانكو الذي يبعد حوالي ٧٠ ميلًا في اتجاه الشمال. وكدليل على مدى رخص كل شيء في هذا البلد، يمكنني أن أذكر أنني دفعت دولارين فقط في اليوم، أو ما يساوي ثمانية شلنات، لرجلين بالإضافة إلى مجموعة مكونة من نحو دزينة من خيول الركوب. كان رفيقاي مسلحَيْن جيدًا بالمسدسات والسيوف وهو احتراز رأيته غير ضروري إلى حد ما، لكن كان أول ما بلغنا من أخبار أن مسافرًا من مونتفيديو وُجِد قتيلًا في اليوم السابق على الطريق. وقد حدث هذا بالقرب من صليب وُضِع كعلامة على جريمة قتل سابقة.

بتنا ليلتنا الأولى في منزل ريفي صغير منعزل، ولم يمر وقت طويل قبل أن أكتشف أن بحوزتي شيئين أو ثلاثة، كان أبرزها بوصلة جيب كانت تثير دهشة لا حدود لها؛ ففي كل منزل زرته طُلِب مني إظهار البوصلة، واستخدامها، إلى جانب خريطة، لإيجاد اتجاه العديد من الأماكن. وكان مما يثير أشد درجات الإعجاب أنني، كغريب تمامًا عن المكان، أعرف الطريق (الاتجاهات والطرق مترادفين في هذه البلاد المفتوحة) لأماكن لم أكن قد زرتها من قبل. في أحد البيوت، كانت هناك امرأة شابة مريضة طريحة الفراش أرسلت تتوسل كي أزورها وأريها البوصلة. وإذا كانت دهشتهم كبيرة، فقد كانت دهشتي أكبر حين وجدت مثل هذا القدر من الجهل بين بشر يملكون آلافًا من رءوس الماشية ومراعيَ ممتدة على مساحات كبيرة. السبب الوحيد في هذا هو أن هذا الجزء المنعزل من البلاد نادرًا ما يزوره الأجانب. سئلت إذا ما كانت الأرض أو الشمس تدوران، وإذا ما كان الشمال باردًا أم حارًّا؛ وأين تقع إسبانيا وأسئلة أخرى عديدة. كان العدد الأكبر من السكان لديهم فكرة ملتبسة أن إنجلترا ولندن وأمريكا الشمالية هي أسماء مختلفة للمكان نفسه، لكن كان الأكثر علمًا ومعرفة منهم يعتقدون أن لندن وأمريكا الشمالية دولتان متجاورتان، وأن إنجلترا بلدة كبيرة في لندن! كنتُ أحمل معي بعضًا من الكبريت البروميثيوني الذي كنتُ أشعله بالعض؛ وكان من دواعي دهشتهم أن يتمكن رجل من إشعال النار بأسنانه؛ حتى إنهم اعتادوا جمع أفراد العائلة كلهم لمشاهدة الأمر؛ وقد عُرِض عليَّ ذات مرة الحصول على دولار مقابل عود كبريت. كان غسل وجهي في الصباح يثير الكثير من التساؤلات في قرية لاس ميناس؛ حتى إن واحدًا من كبار التجار جاء ليستجوبني عن قرب عن هذه العادة الشديدة الغرابة، كما سألني لماذا نطلق لحانا على متن السفينة؛ إذ سمع من دليلي أننا نفعل هذا. كان يراقبني بكثير من الشك؛ لعله قد سمع بممارسة الوضوء في الدين الإسلامي، ونظرًا لعلمه بأنني ملحد، فربما قاده هذا لاستنتاج أن كل المهرطقين من الأتراك. كان من العادات السائدة في هذه القرية طلب المبيت في أول بيت مناسب. كان الاندهاش من البوصلة وغيرها من أعمال الشعوذة التي كنت أمارسها، مفيدًا لي بدرجة ما؛ إذ كان ذلك، إلى جانب القصص الطويلة التي كان يرويها مرشداي عن تكسيري للصخور، وقدرتي على التمييز بين الثعابين السامة وغير السامة وجمع الحشرات وما إلى ذلك، وسيلتي لمكافأتهم على استضافتهم لي. أشعر وأنا أكتب الآن كما لو كنتُ جالسًا بين سكان وسط أفريقيا؛ لن تكون منطقة باندا الشرقية (الأوروجواي حاليًّا) أفضل بالمقارنة، لكن هذا ما كنتُ أشعر به آنذاك.

في اليوم التالي امتطينا الخيول إلى قرية لاس ميناس. كان الريف هناك ذا طبيعة جبلية أكثر نوعًا ما، لكن فيما عدا ذلك كان كل شيء يشبه ما رأيناه سابقًا؛ فكان من شأن أي شخص يقطن البامبا أن يعتبرها منطقة جبلية شاهقة الارتفاع بلا شك. كانت القرية مأهولة بالكاد؛ حتى إننا على مدى اليوم بأكمله نادرًا ما كنا نقابل ولو شخصًا واحدًا. كانت لاس ميناس أصغر من مالدونادو، وتقع فوق سهل صغير ومحاطة بجبال صخرية منخفضة. تتخذ البلدة الشكل المتساوق المعتاد، واكتسبت شكلًا جميلًا نوعًا ما بفضل كنيستها ذات اللون الأبيض الجيري الواقعة في قلبها. كانت المنازل الواقعة على الأطراف الخارجية للقرية تبرز من السهل ككيانات منعزلة بدون أي حدائق أو أفنية. وكان هذا هو المعتاد في الريف؛ ومِن ثَمَّ كان لكل المنازل منظر غير مريح. عندما حل الليل، ذهبنا إلى متجر للمشروبات. خلال الأمسية، جاء عدد كبير من فرسان الجاوتشو لشرب الكحول وتدخين السيجار. كان شكلهم لافتًا للغاية؛ إذ كانوا يتسمون عمومًا بطول القامة والوسامة، لكن كان سيماهم يعلوه تعبير من التكبر والانحلال الأخلاقي. كانوا كثيرًا ما يطلقون شواربهم ويتدلى على ظهورهم شعر طويل أسود مموج. كانت ملابسهم الزاهية الألوان والمهاميز الكبيرة التي تصلصل في كعوب أحذيتهم والسكاكين المعلقة كخناجر (وغالبًا ما تستخدم كذلك بالفعل) في خصورهم تجعلهم يبدون كجنس من البشر يختلف تمامًا عن الريفيين البسطاء أو الدلالة المتوقعة لاسم الجاوتشو. كان لطفهم وتهذيبهم زائدًا عن الحد؛ فكانوا لا يشربون أبدًا دون أن تتذوق الشراب معهم، لكن أثناء انحناءاتهم الشديدة الكياسة لتحيتك، يبدون كما لو كانوا متأهبين تمامًا لشق حلقك إذا استدعى الموقف هذا.

في اليوم الثالث، اتخذنا مسارًا غير منتظم إلى حد ما؛ إذ كنتُ منشغلًا في فحص بعض المِهَاد الرخامية. رأينا العديد من طيور النعام في سهول الحشائش الناعمة. كانت بعض أسرابها تحتوي عشرين أو ثلاثين طيرًا. كان المنظر مهيبًا للغاية عندما كانت تقف على أي ارتفاع طفيف قبالة السماء الصافية. لم أقابل أي نعام مستأنس بهذا الشكل في أي جزء من البلاد؛ فكان من السهل الاقتراب منها عدوًا بالخيول والبقاء على مسافة قصيرة منها، ولكن سرعان ما تتجاوز الخيول عندما تفرد أجنحتها وتنطلق في اتجاه الرياح.

وصلنا ليلًا إلى منزل دون خوان فوينتيس، وهو أحد ملاك الأراضي الأثرياء، لكنه لم يكن معروفًا على المستوى الشخصي لأي من رفيقيَّ. عند الاقتراب من بيت شخص غريب، من المعتاد اتباع العديد من النقاط البسيطة فيما يتعلق بالآداب العامة، كالاقتراب ببطء من الباب وإلقاء تحية «السلام عليكِ يا مريم.» وعدم الترجل من فوق ظهر الحصان إلا عندما يخرج شخص من المنزل ويطلب منك ذلك. وكان الرد المعتاد لمالك المنزل هو «حبلت بلا خطيئة.» بعد الدخول إلى المنزل، يدور حديث عام لبضع دقائق، حتى يطلب الإذن بقضاء الليلة في المنزل. وتكون الموافقة أمرًا مفروغًا منه. بعد ذلك يتناول الغريب وجباته بصحبة العائلة وتُخصَّص له غرفة؛ حيث يصنع لنفسه فراشًا باستخدام غطاء سرج حصانه أو الريكادو. من الغريب أن الظروف المتشابهة تؤدي لنتائج مشابهة على مستوى السلوك والآداب؛ ففي منطقة رأس الرجاء الصالح، يُلاحظ عمومًا اتباع نفس أسلوب الضيافة ونفس آداب التعامل تقريبًا. ومع ذلك، يتضح الفارق بين شخصية الإسباني وشخصية المزارع الهولندي؛ إذ لا يوجه الأول إلى ضيفه أبدًا أي سؤال يتجاوز أشد قواعد التهذيب والكياسة، بينما يظل الهولندي الصريح البسيط يسأله من أين أتى وإلى أين هو ذاهب وماذا يعمل، بل ربما أيضًا كم عدد أشقائه أو شقيقاته أو أطفاله إذا كان لديه.

بعد قليل من وصولنا إلى بيت دون خوان، كان قطيع من أكبر قطعان الماشية يُساق نحو المنزل واختير ثلاث منها لتُذبَح لتوفير الطعام للمنزل. كانت هذه الماشية نصف البرية نشطة للغاية، وأرهقت الخيول في مطاردة استمرت طويلًا بسبب درايتها التامة باللازو المميت (الحبل ذي الأنشوطة أو الوهق) الذي يستخدم في اقتيادها. بعد مشاهدة استعراض ثرائه الفاحش الممثل في أعداد الماشية والخيول والرجال التي يمتلكها، كان منزل دون خوان البائس غريبًا ومثيرًا للفضول للغاية. كانت الأرضية من الطين المقسَّى، وكانت النوافذ بلا زجاج، وكانت غرفة الجلوس لا تحوي إلا بضعة كراسٍ قاسية ومقاعد بلا ظهر وطاولتين. رغم وجود عدة غرباء، كان العشاء عبارة عن كومتين ضخمتين، الأولى من اللحم المشوي والأخرى من اللحم المسلوق، مع بعض قطع من اليقطين، دون إضافة أي خضراوات أو حتى كسرة خبز بجانب الأخيرة. أما بالنسبة إلى الشراب، فكان ثمة وعاء كبير للمياه مصنوع من الخزف يشرب منه كل الحاضرين. ورغم ذلك، كان ذلك الرجل يملك العديد من الأميال المربعة من الأراضي، من شأن كل فدان فيها إنتاج الذرة، وبقليل من المجهود، كل أنواع الخضراوات الشائعة. قضينا المساء في التدخين والغناء المرتجل المصحوب بعزف القيثارة، فيما انتبذت كل النسوة أحد أركان الغرفة وجلسن معًا ولم يتناولن العشاء مع الرجال.

figure
حزام سرج حصان الجاوتشو.

كُتِب العديد من الأعمال عن هذه البلاد، حتى إنه يكاد من النافلة وصف الوهق، أو البولاس. يتكون الوهق من حبل رفيع لكنه قوي للغاية ومجدول جيدًا مصنوع من جلد الحيوان الخام. يثبت أحد طرفي الحبل بالحزام العريض الخاص بسرج الحصان والذي يربط المعدات المعقدة الخاصة بالريكادو، بينما ينتهي الطرف الآخر بحلقة صغيرة من الحديد أو النحاس يمكن استخدامها في صنع أنشوطة. يحتفظ الجاوتشو، عندما يقدم على استخدام الوهق، بملف صغير في يده الممسكة باللجام، بينما يمسك في الأخرى الأنشوطة المتحركة التي تكون كبيرة جدًّا، وعادة ما يبلغ قطرها نحو ثماني أقدام. يدير الجاوتشو الأنشوطة فوق رأسه، وبحركة متقنة من رسغه يبقي الأنشوطة مفتوحة، ثم يرميها بحيث تسقط في أي مكان يحدده. وعندما لا يُستَخدَم الوهق، يُربط في لفة صغيرة في الجزء الخلفي من الريكادو. ثمة نوعان من البولاس، أو الكرات: الأول وهو الأبسط والذي يستخدم بالأساس في صيد النعام، يتكون من حجرين دائريين مغطيين بالجلد ومربوطين معًا بسير جلدي مجدول رفيع يبلغ طوله نحو ثماني أقدام. يختلف النوع الآخر عن الأول فقط في كونه مكونًا من ثلاث كرات تجتمع معًا في مركز مشترك بواسطة سيور جلدية. يمسك الجاوتشو بأصغر كرة من الثلاث في يده بينما يدير الكرتين الأخريين فوق رأسه عدة مرات؛ ثم يحدد الهدف ويرسلهما كطلقة مدفع مسلسلة تدور في الهواء. وما إن تضرب الكرتان أيَّ هدف حتى تلتفَّا حوله ويتقاطع مسارهما ليلتف بعضهما حول بعض بإحكام. يختلف حجم الكرات ووزنها وفقًا للغرض الذي تُصنَع من أجله: فعندما تُصنَع من الحجر، رغم أن كل حجر لا يزيد في حجمه عن التفاحة، تُرمَى بقوة يمكنها أحيانًا كسر أي ساق حتى ساق الحصان. رأيت كراتٍ أخرى صُنِعَت من الخشب ويصل حجم الواحدة إلى حجم ثمرة اللفت، من أجل الإيقاع بهذه الحيوانات دون إصابتها بأي أذًى. وأحيانًا ما تُصنَع الكرات من الحديد ويمكن في هذه الحالة إطلاقها إلى أبعد مسافة ممكنة. تكمن الصعوبة الأساسية في استخدام الوهق أو البولاس في التمكن التام من ركوب الخيل بحيث تتمكن أثناء الاندفاع بأقصى سرعة وعند تغيير الاتجاه فجأة، من تدويرها فوق الرأس ومِن ثَمَّ تصويبها. أي شخص يسير على الأرض سيتقن استخدامهما في وقت قصير. في أحد الأيام، كنت أسلي نفسي بالعدو بالفرس ولف الكرات فوق رأسي، وبدون قصد اصطدمت الكرة الحرة بأجمة من الشجيرات وتوقفت حركتها الدائرية وسرعان ما سقطت على الأرض، ومثل السحر، أمسكت بإحدى الساقين الخلفيتين لحصاني، ثم أفلتت الكرة الأخرى من يدي وأصبح الحصان مقيدًا إلى حد ما. من حسن الحظ أنه كان حيوانًا مخضرمًا مدربًا وكان يدرك ما يعنيه هذا، وإلا فربما ظل يركل حتى يسقط أرضًا. انفجر الجاوتشو في الضحك وصاحوا قائلين إنهم رأوا كل أنواع الحيوانات يوقع بها، لكنهم لم يروا من قبل رجلًا يوقع بنفسه.

خلال اليومين التاليين، وصلت لأقصى نقطة كنتُ متلهفًا لفحصها. كان للريف نفس الشكل، حتى أصبح المشي وسط الحشائش الخضراء الناعمة أكثر إرهاقًا من اتباع طريق رئيسي مترب. رأينا في كل مكان أعدادًا كبيرة من طيور الحَجَل (التنام الكبير). لم تكن هذه الطيور تسير في أسراب أو تختبئ مثل الحَجَل الإنجليزي. كانت تبدو ساذجة للغاية. فيمكن لأي شخص على ظهر حصان أن يدور حولها في دوائر، أو بالأحرى في شكل حلزوني، مقتربًا منها رويدًا رويدًا، أن يضرب رءوس أي عدد منها كيفما شاء. كانت الطريقة الأكثر شيوعًا هي الإمساك بها بأنشوطة متحركة أو وَهَق صغير مصنوع من سويقة ريش النعام ومربوط بإحكام بطرف عصًا طويلة؛ لذا كثيرًا ما يتسنى لصبي يعتلي صَهْوة حصان عجوز هادئ أن يمسك بثلاثين أو أربعين منها كل يوم. في المناطق القطبية من أمريكا الشمالية،١ يمسك الهنود بأرنب حذاء الثلوج البري بالدوران حوله في مسار حلزوني مرات ومرات عندما يكون فوق وِجَاره، ويعد منتصف النهار أفضل وقت لذلك حين ترتفع الشمس في منتصف السماء؛ ومِن ثَمَّ لا تكون ظلال الصيادين طويلة.

أثناء عودتنا إلى مالدونادو، سلكنا طريقًا مختلفًا نوعًا ما. بالقرب من بان دي أزوكار وهي معلم رئيسي معروف جيدًا لكل مَن أبحر عبر نهر لابلاتا، مكثت يومًا في بيت إسباني عجوز مضياف لأقصى حد. وفي وقت مبكر من الصباح، صعدنا سلسلة جبال لاس أنيماس. وبفضل الشمس المشرقة، كان المشهد ساحرًا للغاية. وامتد المشهد غربًا ليشمل سهلًا مستويًا شاسعًا ليصل إلى الجبل في مونتفيديو، وشرقًا ليشمل الريف في مالدونادو. على قمة الجبل كانت هناك عدة أكوام صغيرة من الحجارة كان من الواضح أنها هناك منذ سنين عدة. وقد أكد لي مرافقي أن هذا من فعل الهنود في الأزمنة الغابرة. كانت الأكوام مشابهة، وإن كان التشابه على نطاق أقل بكثير، لتلك التي يشيع وجودها على جبال ويلز. يبدو أن الحاجة لتمييز أو إبراز أي حدث، فوق أعلى نقطة في الأرض المجاورة، تمثل شغفًا عامًّا لدى جميع البشر. فاليوم، لا يوجد أي هندي، متحضرًا كان أو همجيًّا، في هذا الجزء من الإقليم؛ كما أني لا أعلم إن كان سكانه السابقون قد تركوا وراءهم أي سجلات دائمة أخرى بخلاف هذه الأكوام البسيطة من الحجارة فوق قمة جبال لاس أنيماس.

•••

كان الغياب شبه التام والعام للأشجار في باندا الشرقية ملحوظًا. كانت بعض التلال الصخرية مغطاة جزئيًّا بالأجمات، وعلى ضفاف الجداول الكبرى وخاصة شمال لاس ميناس، تنتشر أشجار الصفصاف. كنت قد سمعت بوجود غابة من أشجار النخيل بالقرب من أرويو تابيس، ورأيت إحدى تلك الأشجار، وكانت ذات حجم ضخم، بالقرب من بان دي أزوكار عند خط عرض ٣٥ درجة. وكان هذا النخيل، بالإضافة إلى الأشجار التي زرعها الإسبان، هي الاستثناء الوحيد للندرة العامة للأشجار. ولعل من بين الأشجار التي أُدخلت زراعتها أشجار الحور والزيتون والدُّرَّاق وأشجار فاكهة أخرى؛ وقد نجحت زراعة أشجار الدُّرَّاق كثيرًا؛ حتى إنه أصبح المصدر الأساسي للحطب لمدينة بيونس أيرس. نادرًا ما تعتبر الأراضي الريفية الشديدة الاستواء، مثل البامبا، مكانًا مناسبًا لنمو الأشجار. ربما يرجع هذا إما إلى قوة الريح أو طريقة تصريف المياه. على الرغم من ذلك، لا يبدو لمثل هذه الأسباب وجود في طبيعة الأراضي حول مالدونادو؛ فالجبال الصخرية توفر أماكن مؤمنة وتتمتع بأنواع متعددة من التربة إلى جانب انتشار النهيرات في قيعان كل وادٍ تقريبًا، والطبيعة الطينية للتربة تبدو مهيأة للاحتفاظ بالرطوبة. وقد استُنتج، بقدر كبير من الأرجحية، أن وجود غابة عادة ما يتحدد٢ بالكمية السنوية من الرطوبة، لكن في هذا الإقليم تسقط الأمطار بغزارة ووفرة خلال الشتاء، كما أن درجة الجفاف في الصيف لا تصل إلى حد مبالغ فيه.٣ فنرى جميع أراضي أستراليا تقريبًا مغطاة بأشجار فارعة، مع أن مناخ هذا البلد أكثر جفافًا وجَدْبًا إلى حد بعيد؛ لذا يجب أن نبحث عن سبب آخر مجهول.

بالتركيز على أمريكا الجنوبية، لا بد أننا سنجد بالتأكيد ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الأشجار تزدهر فقط في مناخ شديد الرطوبة؛ وهذا لأن الحد الجغرافي لأراضي الغابات يتبع على نحو استثنائي الحد الجغرافي للرياح الرطبة؛ ففي الجزء الجنوبي من القارة، حيث تسود نَوَّات الرياح الغربية المحملة برطوبة المحيط الهادي، تكتسي كل جزيرة على الساحل الغربي المتقطع بداية من دائرة عرض ٣٨ درجة إلى أقصى نقطة في أرخبيل أرض النار بغطاء كثيف من غابات غير قابلة للاختراق. وعلى الجانب الشرقي من سلسلة جبال كورديليرا، وعلى امتداد نفس دائرة العرض، حيث تدل السماء الزرقاء الصافية والمناخ المعتدل على انخفاض معدل الرطوبة في الجو بسبب المرور بالجبال، تحوي سهول باتاجونيا المقفرة أقل القليل من النباتات. أما في الأجزاء الأكثر اتجاهًا نحو الشمال من القارة، داخل الحدود الجغرافية للرياح التجارية الجنوبية الشرقية الدائمة، فيزدان الجانب الشرقي منها بغابات رائعة، بينما الساحل الغربي، الممتد من دائرة عرض ٤ درجات جنوبًا إلى دائرة عرض ٣٢ درجة جنوبًا، قد يوصف بأنه صحراء؛ فعلى هذا الساحل الشرقي، شمال دائرة عرض ٤ درجات جنوبًا، حيث تفقد الرياح التجارية انتظامها، وتتساقط سيول الأمطار على نحو دوري، نجد أن سواحل المحيط الهادي، المقفرة تمامًا في بيرو، تكتسب بالقرب من كيب بلانكو الوفرة في النماء التي تميز بنما وجواياكيول. وعلى ذلك، تحتل الغابات والصحاري في الأجزاء الشمالية والجنوبية من القارة، مواقع معكوسة فيما يتعلق بسلسلة جبال كورديليرا، وهذه المواقع تتحدد فيما يبدو باتجاه الرياح السائدة. ففي وسط القارة يوجد نطاق عريض متوسط يضم وسط تشيلي وأقاليم لابلاتا؛ حيث لا يفترض أن تمر الرياح المحمَّلة بالأمطار فوق قمم الجبال الشاهقة، وحيث الأرض ليست صحراء وليست مغطاة بالغابات كذلك، لكن حتى قاعدة ازدهار الأشجار فقط في مناخ صار رطبًا بفعل الرياح المحملة بالأمطار، إن كانت مقتصرة على أمريكا الجنوبية فقط، فإن لها استثناءً ملحوظًا بقوة في حالة جزر الفوكلاند. تقع هذه الجزر على نفس دائرة عرض أرخبيل أرض النار وتبعد عنها مسافة ٢٠٠ أو ٣٠٠ ميل فقط، وتتمتع بمناخ مشابه لها تقريبًا مع تكوين جيولوجي شبه متطابق، إلى جانب الموقع الملائم نفسه والتربة ذات الطبيعة الخُثَّة نفسها، إلا أنها تحوي بعض النباتات التي يمكن أن يُطلَق عليها اسم شجيرات، بينما من المستحيل أن تعثر في أرض النار على فدان من الأرض غير مغطًّى بالغابات. في هذه الحالة، فإن اتجاه نَوَّات الرياح الشديدة وتيارات مياه البحار يكونان مناسبين لنقل البذور من أرض النار، كما هو واضح من القوارب الخفيفة وجذوع الأشجار التي انجرفت منها وكثيرًا ما يُقذَف بها على شواطئ فوكلاند الغربية. وبناء عليه ربما يوجد بالفعل العديد من النباتات المشتركة بين الإقليمين؛ أما بالنسبة إلى الأشجار في أرض النار، فإن حتى محاولات زرعها باءت بالفشل.

خلال إقامتنا في مالدونادو جمعت عددًا من رباعيات الأقدام، وثمانين نوعًا من الطيور، والعديد من الزواحف، منها تسعة أنواع من الثعابين. من بين الثدييات الأصلية للبلاد، كان الحيوان الوحيد المتبقي من أي حجم وكان منتشرًا هو الأُيَّل الحقلي. كان هذا الأُيَّل متوفرًا بكثرة وغالبًا ما يكون في قطعان صغيرة على امتداد الأقاليم المتاخمة لنهر لابلاتا وفي باتاجونيا الشمالية. إذا ما زحف شخص ما بالقرب منه على الأرض واقترب ببطء من القطيع، فإن الأُيَّل كثيرًا ما يقترب من الشخص ليفحصه بدافع الفضول. وبذلك أمكنني قتل ثلاثة من القطيع نفسه في مكان واحد. وبالرغم من أنه مستأنس وفضولي إلى حد كبير، فإنه يصبح حذرًا للغاية عندما يقترب منه أحد على ظهر خيل. ففي هذه البلاد، لا يمشي شخص على قدميه، ويدرك الأُيَّل أن الإنسان عدوه فقط عندما يكون على صَهْوة حصان ومسلَّحًا بالبولاس. في باهيا بلانكا، وهي منشأة حديثة في باتاجونيا الشمالية، فوجئت من قلة الاهتمام التي أولاها الأيل للضوضاء الصادرة من سلاح ناري؛ فذات يوم أطلقت النار عشر مرات من مسافة ثمانين ياردة تجاه واحد منها لكن خوفه من كرة البولاس التي كانت تقطع الأرض قطعًا كان أكثر بكثير من خوفه من فرقعة البندقية. نفد البارود مني واضطررت للنهوض (وهذا مدعاة للخجل كرجل رياضي رغم قدرتي على إصابة الطيور أثناء طيرانها) والصياح بصوت عالٍ حتى فر الأيل.

كانت الحقيقة الأكثر غرابة بشأن هذا الحيوان هي الرائحة القوية والكريهة إلى حد لا يطاق التي تنبعث من الذكر (الظبي). إنها رائحة لا توصف؛ حتى كاد يغشى عليَّ من الغثيان عدة مرات عند سلخي للعينة المعلقة الآن في متحف علم الحيوان. كنت قد ربطت الجلد بمنديل جيب من الحرير وحملته عائدًا إلى الوطن؛ وقد استمررت في استخدام هذا المنديل بعد غسله جيدًا، كما أنه غُسِل مرارًا بالطبع، إلا أنني ظللت أشم الرائحة تفوح بوضوح كلما فتحته لأول مرة بعد غسله على مدى سنة وسبعة أشهر، ما يبدو أنه مثال مدهش لدوام مادة ما رغم أنها في طبيعتها لا بد أنها ذات كثافة منخفضة وسريعة التطاير إلى أقصى حد. وكثيرًا ما حدث، عند المرور على مسافة نصف ميل من أحد القطعان باتجاه الرياح، أن شعرت بالهواء وقد تلوث بتلك الرائحة الكريهة. في ظني أن رائحة الظبي تكون في أقوى درجة عندما تكتمل قرونه أو يخلو من الجلد المشعر. بالطبع عندما يكون في هذه الحالة، يكون لحمه غير مستساغ تمامًا بالطبع، لكن الجاوتشو يؤكدون أنه إذا دفن لفترة من الوقت في تربة نقية، فإن الرائحة السيئة تزول عنه. وقد قرأت في موضع ما أن سكان الجزر في شمال اسكتلندا يعالجون الجثث المتعفنة للطيور الآكلة للسمك بالطريقة نفسها.

تتعدد الأنواع المنتمية لرتبة القوارض هنا إلى حد كبير؛ فقد جمعت من الفئران وحدها ما لا يقل عن ثمانية أنواع.٤ كذلك ينتشر هنا أكبر الحيوانات القارضة في العالم وهو الكابيبارا (أو خنزير الماء). كان أحدها، وكنت قد صِدْتُه في مونتفيديو، يزن ثمانية وتسعين رطلًا، فيما بلغ طوله من نهاية الخطم وحتى الذيل الذي يشبه جذع الشجرة ثلاث أقدام وبوصتين، وكان عرضه ثلاث أقدام وثماني بوصات. تتردد هذه القوارض العملاقة بين الحين والآخر على الجزر في منبع نهر لابلاتا؛ حيث المياه الشديدة الملوحة، لكن أعدادها تكون أكثر بكثير على حواف البحيرات والأنهار العذبة. وهناك ثلاثة أو أربعة عادة ما تعيش معًا بالقرب من مالدونادو. في النهار، تقبع هذه الحيوانات بين النباتات المائية، أو تقتات علنًا على السهل العشبي.٥ عند رؤيتها من مسافة بعيدة، نجدها تشبه الخنازير في مشيتها، مشيها ولونها، لكن عندما تجلس على مؤخراتها وتراقب بانتباه أي شيء بعين واحدة، تستعيد شكل نظيرتها من القُبَيعَات والأرانب. كان شكل مقدمة وجوانب رءوسها مضحكًا للغاية نظرًا لعمق فكها. كانت تلك الحيوانات في مالدونادو مستأنسة إلى حد كبير؛ فقد اقتربت من أربعة منها مسنة في نطاق ثلاث ياردات بالسير بحذر. ربما يمكن عزو هذا الاستئناس لإبعاد النمر الأمريكي (اليجور) لسنوات، واعتقاد الجاوتشو أن صيدها شيء لا يستحق. مع اقترابي منها أكثر فأكثر، أكثرت من إصدار صوتها الغريب المميز الذي يشبه نخرًا خافتًا مفاجئًا، وهو ليس صوتًا حقيقيًّا بقدر ما هو ناتج عن الطرد المفاجئ للهواء. الصوت الوحيد الذي أعرفه يشبه هذا الصوت هو ذلك النباح الأجش الذي يصدره كلب ضخم عندما يبدأ في النباح. بعد مراقبة الأربعة من بعد ذراع تقريبًا (وكذلك هي) لعدة دقائق، هرعت بأقصى سرعة إلى المياه بأقصى اندفاع ممكن وهي تصدر ذلك الصوت الشبيه بالنباح في الوقت نفسه. وبعد الغوص لمسافة قصيرة، صعدت مرة أخرى إلى السطح، لكنها لم تظهر إلا الجزء العلوي من رءوسها. يقال إنه عندما تسبح الأنثى في المياه، ويكون لها صغار، فإنهم يجلسون على ظهرها. من السهل قتل أعداد كبيرة من هذه الحيوانات، لكن جلودها لا قيمة لها ولحومها لا طعم لها، وهي متوفرة بأعداد ضخمة على جزر ريو بارانا مما جعلها الفريسة التقليدية للنمر الأمريكي.
يعد حيوان التوكو توكو البرازيلي (Ctenomys Brasiliensis) من الحيوانات الصغيرة المثيرة للفضول، ويمكن وصفه إيجازًا بأنه من القوارض، لكن له عادات وسلوكيات حيوان الخُلْد، ويتوافر بأعداد مهولة في بعض الأجزاء من البلاد، لكن من الصعب القبض عليه ولا يخرج أبدًا، كما أعتقد، من تحت الأرض. ينفض التوكو توكو من فتحات جحوره أكوامًا من التراب كتلك التي ينفضها الخلد لكنها أصغر حجمًا. وثمة مساحات كبيرة من الريف مدمرة تمامًا بسبب هذه الحيوانات؛ حتى إن الخيول تغوص في الأرض أثناء مرورها عليها حتى يصل التراب إلى عراقيبها. يبدو التوكو توكو اجتماعيًّا إلى حد ما؛ فالرجل الذي حصل لي على عينات منه أمسك بستة معًا، وقال إن هذا أمرٌ شائع. والتوكو توكو حيوانات ليلية، وطعامها الأساسي جذور النباتات وهو السبب وراء حفر جحوره السطحية والممتدة على نطاق واسع. يُعرف هذا الحيوان عمومًا بصوت مميز للغاية يصدره عندما يكون تحت الأرض، يسبب دهشة جمة لمن يسمعه لأول مرة؛ لأنه ليس من السهل تحديد مصدره، كما أنه من غير الممكن تخمين أي نوع من المخلوقات يصدره. يتألف ذلك الصوت من نخر أنفي قصير لكنه ليس خشنًا أو حادًّا، يتكرر على وتيرة واحدة حوالي أربع مرات في تتابع سريع،٦ ويعد اسم التوكو توكو محاكاة لهذا الصوت. حيثما يوجد هذا الحيوان بأعداد وفيرة، قد يسمع هذا الصوت طيلة اليوم، وأحيانًا يأتي من تحت قدميك. عندما يُحبَس التوكو توكو في غرفة، يتحرك ببطء على نحو أخرق، وهو ما يعزى فيما يبدو إلى حركة أقدامها الخلفية التي تتجه إلى الخارج، كما أنها لا تقدر تمامًا على القفز لأقصر الارتفاعات الرأسية؛ نظرًا لعدم وجود رباط معين أساسي في تجويف عظام الفخذ. يتسم التوكو توكو بالغباء في محاولاته للهروب؛ فعندما يخاف أو يغضب يصدر الضوضاء المعتادة. ومن بين العينات التي أبقيتها حية، أصبح العديد منها، حتى في يومها الأول، مروضة تمامًا لا تحاول الهرب أو العض، بينما كان البعض الآخر منها أكثر جموحًا قليلًا.
أكد لي الرجل الذي اصطادها أنه دائمًا ما يجد الكثير جدًّا من هذه الحيوانات عمياء. وقد كانت إحدى العينات التي كنت أحفظها في الكحول على هذه الحال بالفعل. ويعتبر السيد ريد أن السبب في هذا هو التهاب الغشاء الرماش في عيونها. عندما كان الحيوان الأعمى حيًّا، وضعت إصبعي على بعد نصف بوصة من رأسه لكنه لم ينتبه له على الإطلاق؛ غير أنه كان يتجول عبر الغرفة مثل الحيوانات الأخرى تقريبًا. بالنظر لكون التوكو توكو من الحيوانات التي تعيش تحت الأرض على نحو بحت، فإن العمى، رغم انتشاره الكبير، لا يمكن اعتباره أمرًا خطيرًا للدرجة؛ ومع ذلك، يبدو من الغرابة أن يمتلك أي حيوان عضوًا عرضة للإصابة على نحو متكرر. كان لامارك سيسر بهذه الحقيقة، لو كان يعلمها عندما كان يعمل على اكتشاف العمى المكتسب تدريجيًّا (ربما بمزيد من الحقيقة أكثر من المعتاد بالنسبة إليه) الذي يصيب جُرَذ الخلد الأعمى، وهو نوع من القوارض يعيش تحت الأرض، وسمندل الكهوف الأوروبي، وهي نوع من الزواحف تعيش في مغارات مظلمة مملؤة بالمياه، حيث العين لدى كلا الكائنين في حالة شبه بدائية تقريبًا، ومغطاة بغشاء وتري وجلد.٧ عند الخلد الشائع، تكون العين صغيرة للغاية لكنها مكتملة النمو، رغم أن العديد من علماء التشريح يشككون فيما إذا كانت متصلة بالعصب البصري الحقيقي؛ ولا شك أن رؤيتها لا بد أنها غير مكتملة، لكن ذلك ربما يكون مفيدًا للحيوان عندما يترك جحره. أما لدى التوكو توكو، الذي أعتقد أنه لا يصعد إلى سطح الأرض أبدًا، فإن العين تكون أكبر نوعًا ما، لكنها غالبًا ما تصاب بفقدان البصر ولا فائدة منها، وإن كان ذلك لا يسبب للحيوان أي إزعاج؛ لا شك أن لامارك كان سيقول إن التوكو توكو يمر الآن بحالة جُرَذ الخلد الأعمى وسمندل الكهوف الأوروبي.

ثمة أنواع عديدة من الطيور تتوافر بغزارة في البامبا المتموجة حول مالدونادو. ويوجد العديد من العينات من عائلة من الطيور تماثل في التكوين والسلوك طائر الزرزور لدينا، يتميز أحدها (ويسمى بشحرور البقر) بعادات لافتة للانتباه. فغالبًا ما قد تُرى جماعات منها واقفة معًا على ظهر بقرة أو خيل؛ وأثناء جثومها فوق أي سياج لتهذيب ريشها والتباهي به في ضوء الشمس، أحيانًا ما تحاول الغناء، أو بالأصح الهسهسة؛ مصدرةً صوتًا مميزًا للغاية يشبه صوت فقاقيع الهواء التي تمر سريعًا من فتحة صغيرة تحت الماء لتصدر صوتًا حادًّا. ووفقًا لأزارا، فإن هذا الطائر يفعل مثلما يفعل طائر الوقواق؛ إذ يضع بيضه في أعشاش الطيور الأخرى. وقد أخبرني الريفيون عدة مرات أن هناك بالتأكيد نوعًا من الطيور لديه هذه العادة، كما وجد مساعدي في جمع العينات، وهو شخص دقيق للغاية، عشًّا لعصفور الدوري (العصفور الصباحي) في هذه المنطقة يحتوي على بيضة أكبر من بقية البيض ولها شكل ولون مختلف. ثمة نوع آخر من شحارير البقر وهو شحرور البقر البني الرأس في أمريكا الشمالية له سلوك مشابه للوقواق، ويتشابه إلى حد كبير في كل الجوانب أنواع الشحارير القاطنة في نهر لابلاتا حتى في تفاصيل تافهة، مثل الوقوف على ظهور الماشية، لكنه يختلف فقط في كونه أصغر قليلًا، كما أن ريشه وبيضه من درجة لونية مختلفة قليلًا. هذا التقارب الشديد في التكوين والسلوك في الأنواع النموذجية الآتية من ربوع متضادة لقارة كبيرة دائمًا ما يبدو مثيرًا للاهتمام رغم كونه ظاهرة شائعة.

لاحظ السيد سوينسون ملاحظة في محلها٨ حين قال إنه باستثناء شحارير البقر البنية الرأس، والتي يجب أن تضاف إلى فصيلة الشحرور الأسود، فإن طيور الوقواق هي الوحيدة التي يمكن أن تسمى بالمتطفلة عن جدارة؛ أي إنها «تلتصق بإحكام بحيوان آخر حي، يساهم بحرارة جسمه في خروج صغارها للحياة وتتغذى على طعامه ويؤدي نفوقه إلى نفوق صغارها خلال فترة طفولتها». ومن الملاحظ أن بعض أنواع الوقواق والشحارير، وليس جميعها، تتفق في هذه العادة الوحيدة الغريبة الخاصة بتكاثرها الطفيلي؛ بينما تتعارض في كل شيء آخر تقريبًا: فالشحارير، مثل الزرزور لدينا، كائنات اجتماعية على نحو لافت، وتعيش في السهول المفتوحة بدون تمويه أو تخفٍّ؛ بينما الوقواق، كما يعرف الجميع، طائر خجول يعيش وحيدًا؛ فيتردد على أكثر الأجمات انعزالًا ويقتات على الفاكهة والأساريع. كذلك يختلف كلا هذين النوعين من الطيور في التكوين إلى حد بعيد. قدمت العديد من النظريات، حتى النظريات الخاصة بالفراسة الدماغية، تفسيرًا لأصل مسألة وضع طير الوقواق بيضه في أعشاش الطيور الأخرى. وكان إم بريفوست وحده، كما أظن، هو من سلط الضوء بملاحظاته٩ على هذا اللغز؛ فهو يرى أن أنثى الوقواق، التي تضع على الأقل من أربع إلى ست بيضات وفقًا لمعظم المراقبين، يجب أن تتزاوج مع الذكر في كل مرة تضع فيها بيضة أو بيضتين فقط. الآن، إن كانت الأنثى ملزمة بالرقود فوق البيض، فسيكون لزامًا عليها إما أن ترقد فوق كل البيضات معًا؛ ومِن ثَمَّ ترك تلك التي وضعتها منذ فترة طويلة تحتها مما قد يؤدي لفسادها؛ وإما أن تفقس كل بيضة أو بيضتين على نحو منفصل بمجرد وضعها، لكن الوقواق يمكث مدة أقصر في هذا البلد أكثر من أي طير مهاجر آخر؛ ومِن ثَمَّ من المؤكد أن الأنثى لن يكون لديها الوقت الكافي للفقس المتتالي للبيض. من هنا يمكننا إدراك حقيقة أن تزاوج أنثى الوقواق عدة مرات ووضعها للبيض على فترات منفصلة، هو ما يتسبب في وضعها لبيضها في أعشاش الطيور الأخرى وترك مهمة رعايتها للآباء البدلاء. وأنا أميل بشدة إلى تصديق صحة وجهة النظر هذه؛ نظرًا لتوصلي لاستنتاج مماثل (كما سنرى لاحقًا) فيما يتعلق بالنعام في أمريكا الجنوبية، الذي تتسم إناثه بأنها تتطفل بعضها على بعض، إن جاز لي التعبير؛ إذ تضع كل أنثى عدة بيضات في أعشاش عدة إناث أخريات، بينما يتولى الذكر كل المهام المتعلقة بحضانة البيض مثلما يفعل الآباء البدلاء لصغار الوقواق.
سأذكر نوعين آخرين فقط من الطيور، وهما منتشران للغاية، ومعروفان بسبب سلوكهما؛ الأول هو طائر الحَوِيَّة المماثل لفصيلة عصافير الملك الأمريكية الكبيرة. يشبه هذا الطائر في تكوينه الجسماني طيور الدقنوش إلى حد كبير، لكن يمكن مقارنة عاداته بعادات طيور أخرى عديدة. وقد راقبت عاداته مرارًا أثناء تفتيشه الحقول بحثًا عن فريسة أو التحليق فوق بقعة ما كالصقر ثم الانتقال إلى أخرى. عند رؤيته وهو معلق في الهواء هكذا على مسافة قصيرة، يكون من السهولة بمكان الخلط بينه وبين أحد الطيور المنتمية إلى رتبة الطيور الجارحة؛ غير أن انقضاضه يقل كثيرًا عن انقضاض الصقر من حيث القوة والسرعة. في أوقات أخرى، يسكن الحوية الأراضي المجاورة للمسطحات المائية، وهناك يظل ساكنًا مثل طائر صياد السمك، ويصيد أي أسماك صغيرة تقترب من الحواف. من المعتاد أسر هذه الطيور ووضعها إما في أقفاص أو في أفنية بعد قص أجنحتها. ولا يمر وقت طويل قبل أن تصبح مستأنسة ومسلية جدًّا بسبب سلوكها الغريب والماكر والذي وُصِف لي بأنه يشبه سلوك غراب العقعق العادي. تطير هذه الطيور في مسار متموج؛ لأن وزن رأسها ومنقارها يبدو كبيرًا جدًّا بالنسبة إلى الجسم. في المساء، يتخذ الحوية موضعه وقوفًا فوق إحدى الأجمات التي غالبًا ما تكون بجانب الطريق، ويكرر بدون انقطاع أو تغير صيحة وصرخة مستساغتين نوعًا ما تشبه إلى حد ما كلمات منطوقة، يقول الإسبان إنها تشبه جملة Bien te veo وتعني «أراك بخير»؛ ومِن ثَمَّ أطقوا عليه هذا الاسم.
هناك نوع من طيور المحاكيات (محاكي المغراء) يسميه السكان الأصليون قُبرة كلاندرا، يشتهر بتغريد أقوى بكثير من أي طائر آخر في البلاد، وهو بالفعل الطائر الوحيد في أمريكا الجنوبية الذي لاحظته يتخذ وضع الاستعداد عند التغريد. ربما يُقارَن تغريده بطائر هازجة السعد، لكنه أقوى؛ إذ يتسم صوته ببعض النغمات الحادة والمرتفعة للغاية المختلطة بتغريد عذب. يُسمَع هذا الطائر في الربيع فقط. أما في الأوقات الأخرى، فتكون صيحته خشنة وأبعد ما تكون عن التناغم. كانت هذه الطيور بالقرب من مالدونادو مستأنسة وجريئة؛ إذ كانت تدخل البيوت دائمًا في جماعات لتلتقط اللحم المعلق على الجدران أو فوق الأعمدة، وكانت الكلاندرا سرعان ما تبعد أي طائر آخر صغير ينضم إلى المأدبة. في سهول باتاجونيا المترامية الأطراف وغير المأهولة، كان هناك نوع آخر مشابه للكلاندرا إلى حد كبير، وهو الطائر الباتاجوني الدوربيني O. Patagonica of d’Orbigny الذي يتردد على الوديان المغطاة بالشجيرات الشائكة، وهو طائر أقل استئناسًا وله نغمة صوت مختلفة قليلًا. يبدو غريبًا بالنسبة إليَّ، لما يبيِّنه ذلك من فروق طفيفة في السلوك والعادات، أنني ظننت بناء على هذا الجانب الأخير فقط، عندما رأيت النوع الثاني، أنه يختلف عن مثيله الذي يسكن مالدونادو، لكن بعد حصولي على عينة، ومقارنة الاثنين بدون اهتمام خاص، بدوا متشابهين إلى أقصى حد؛ حتى إنني غيرت رأيي، لكن السيد جولد قال إنهما مختلفان بلا شك، وهو استنتاج يتوافق مع الاختلاف الطفيف في السلوك والذي لم يكن يدركه بالطبع.

من شأن عدد الصقور الجيفية في أمريكا الجنوبية، وألفتها وعاداتها المقززة أن يجعلها لافتة للانتباه بلا نزاع لأي شخص لم يألف سوى طيور شمال أوروبا فقط. يمكن أن تضم هذه القائمة أربعة أنواع من آكلات الجيف؛ وهي صقر الكاراكارا أو الأشبور المتوج الشمالي، والصقر الحوام الرومي، والنسر الأسود الأمريكي، ونسر الكوندور. يعتبر الكاراكارا من النسور بسبب تكوينه الجسماني؛ وسنرى بعد قليل كيف أنه من الخطأ وضعه ضمن رتبة راقية مثل هذه. تشبه هذه الطيور في سلوكها إلى حد بعيد الغربان الآكلة للجيف وغربان العقعق وغربان الغداف، وهي فصيلة من الطيور موزعة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، لكن لا وجود لها تمامًا في أمريكا الجنوبية. لنبدأ بالأشبور البرازيلي؛ وهو طائر شائع الوجود ذو نطاق جغرافي واسع، يوجد بأعداد كبيرة في سهول السافانا العشبية في لابلاتا (حيث يُعرف باسم الكارانشا)، كما يشيع وجوده عبر سهول باتاجونيا المقفرة. في الصحراء بين نهري نيجرو وكولورادو، تأتي أعداد من الأشبور باستمرار على الطريق لالتهام جثث الحيوانات المرهقة التي تصادف أن نفقت من التعب والعطش. ورغم شيوع وجودها في هذه الأراضي الجافة والمفتوحة، وكذلك على سواحل المحيط الهادي المجدبة، فإنها تسكن الغابات الرطبة الكثيفة في غرب باتاجونيا وأرخبيل أرض النار. ودائمًا ما تتردد أفواج صقور الكارانشا والشيمانجو على مزارع الماشية والمذابح. فإذا نفق حيوان في السهول، يفتتح النسر الأسود الوليمة فيلتهم جثته، ثم يأتي الكاراكارا بنوعَيه لالتقاط العظام بعد تنظيفها من اللحم. ورغم أن هذه الطيور، بناء على ذلك، تتناول طعامها معًا، فإنها أبعد ما تكون عن الصداقة. فعندما يكون الكارانشا رابضًا في هدوء فوق فرع شجرة أو على الأرض، غالبًا ما يستمر صقر الشيمانجو في الطيران لوقت طويل ذهابًا ومجيئًا وصعودًا وهبوطًا في أشكال شبه دائرية، محاولًا في كل مرة ضرب قريبه الأكبر حجمًا عند بلوغ الطرف الأدنى من نطاق طيرانه شبه الدائري. لا يلقي الكارانشا بالًا إلى ما يحدث إلا بهز رأسه. وعلى الرغم من أن الكارانشا كثيرًا ما تتجمع معًا بأعداد كبيرة، فإنها لا تنزع إلى السلوك القطيعي الاجتماعي؛ إذ قد تُرى في المناطق الصحراوية فرادى أو، وهو الأكثر شيوعًا، في أزواج.

يقال إن صقور الكارانشا ذكية للغاية وتسرق أعدادًا كبيرة من البيض. كما أنها تسعى، بالاشتراك مع الشيمانجو، لالتقاط قشور الجروح من الظهور المتقرحة للخيول والبغال. ينكس الحيوان المسكين أذنيه ويقوس ظهره بينما يحوم الطائر فوقه، مستهدفًا من مسافة ياردة الجرح المقزز في مشهد وصفه الكابتن هيد بدقته وروحه المميزين. نادرًا ما تقتل هذه النسور المزيفة أي طائر أو حيوان حيٍّ، وعاداتها في أكل الجيف ظاهرة تمامًا لأي شخص غلبه النعاس في سهول باتاجونيا المجدبة؛ إذ إنه عندما يستيقظ سيجد فوق كل تل محيط به واحدًا من هذه الطيور يراقبه في صبر مضمرًا الشر؛ وهذه سمة من سمات الطبيعة في هذه البلاد، وسيدركها أي شخص سبق له أن تجول فيها. إذا خرج جمع من الرجال للصيد بصحبة الكلاب والخيول، سيصحبهم خلال النهار عدد من هذه الصقور. وبعد تناول الطعام، تبرز الحوصلة العارية، وفي مثل هذه الأوقات بشكل عام يتحول صقر الكارانشا إلى طائر خامل ومستأنس وجبان. يطير الكارانشا بثقل وبطء مثل الغداف الإنجليزي، ونادرًا ما يحلِّق عاليًا، لكني رأيت أحدها مرتين ينزلق على ارتفاع كبير في الهواء بسلاسة جمة. تجري هذه الطيور (خلافًا للحَجَل)، لكن ليس بسرعة كبيرة مثل بعض نظيرتها من الطيور. يكون الكارانشا مزعجًا في بعض الأحيان، لكنه ليس كذلك في العموم؛ إذ يتميز بصيحته المرتفعة الشديدة الخشونة والتميز، وربما يمكن تشبيهها بصوت حرف g الحلقي في اللغة الإسبانية متبوعًا بحرف r الخشن المزدوج، وعندما يصدر هذه الصيحة يرفع رأسه إلى أعلى شيئًا فشيئًا حتى يصبح منقاره في النهاية مفتوحًا على مصراعيه حتى يقارب تاجه على ملامسة الجزء السفلي من ظهره. وهذه الحقيقة، رغم التشكيك فيها، صحيحة تمامًا؛ فقد رأيت صقور الكارانشا في مرات عدة ورءوسها إلى الوراء في وضع مقلوب تمامًا. يمكنني أن أضيف إلى هذه الملاحظات، مصداقًا لما قاله أزارا الذي يعتبر حجة ثقة، أن الكارانشا تتغذى على الدود والقواقع والبزاقات والجنادب والضفادع، كما أنها تقضي على الحُمْلان الصغيرة بقطع الحبل السري، وأنها تطارد النسر الأسود حتى يضطر إلى تقيؤ الجيفة التي ربما أكلها مؤخرًا. أخيرًا، يقول أزارا إن العديد من صقور الكارانشا تجتمع في خمسة أو ستة أفراد ليطاردوا طيورًا كبيرة الحجم حتى لو كانت في حجم طيور البلشون. كل هذه الحقائق توضح أنه طائر ذو سلوكيات متنوعة ومتعددة وبراعة كبيرة.

يعتبر صقر الشيمانجو الأشبور أصغر حجمًا بكثير من النوع السابق. وفي الواقع فهو يأكل كل شيء حتى الخبز، كما تأكدتُ أنه يؤذي محاصيل البطاطس في جزيرة تشيلوي بنزع الجذور عند زراعتها في البداية. من بين جميع آكلات الجيف، فإنه آخر من يترك الهيكل العظمي لحيوان نافق، وقد يُشاهَد أحيانًا داخل ضلوع بقرة أو حصان، كطائر في قفص. ثمة نوع آخر وهو الأشبور النيوزلندي والذي يشيع وجوده لحد بعيد في جزر الفوكلاند. تشبه هذه الطيور صقور الكارانشا في عاداتها من جوانب عدة؛ فهي تعيش على لحم الحيوانات النافقة والكائنات البحرية، ومن يعيش منها على صخور راميريز يعتمد اعتمادًا كليًّا في غذائه على البحر. تعتبر هذه الصقور أليفة وجريئة إلى أقصى حد، وتلازم الأماكن المجاورة للبيوت من أجل فضلات الذبائح. وإذا قتلت مجموعة صيد حيوانًا، فسرعان ما يجتمع عددٌ من هذه الصقور على الأرض منتظرة على أحر من الجمر دورها في تناول الطعام، محيطة بالفريسة من جميع الأنحاء. بعد الانتهاء من تناول الطعام تبرز حوصلاتها العارية إلى حد كبير، مما يعطيها مظهرًا منفرًا. تهاجم هذه الصقور الطيور الجريحة بسهولة؛ فقد شاهدت طيرًا جريحًا من طيور الغاق وقد قبض عليه بواسطة العديد منها فور جنوحه إلى الشاطئ، وسرعان ما نفق بسبب ضرباتها له. كانت سفينة «البيجل» ترسو في جزر الفوكلاند فقط خلال الصيف، لكن ضباط سفينة «أدفينتشر» الذين كانوا هناك في الشتاء يذكرون أمثلة كثيرة غير اعتيادية لجرأة وضراوة هذه الطيور. ففي إحدى المرات، انقضت بالفعل على كلب كان نائمًا بالقرب من أحد أفراد المجموعة؛ كذلك وجد الرياضيون صعوبة في الحيلولة دون إمساكها بالإوز الجريح أمام أعينهم. يُقال إن العديد من هذه الطيور يجتمع معًا (وهم في هذا يشبهون الكارانشا) وينتظر عند فتحات جحور الأرانب لاصطيادها فور خروجها. كانت هذه الصقور تحوم على نحو مستمر فوق سطح السفينة أثناء رسوها في الميناء، وكان من الضروري مراقبتها جيدًا لمنعها من تمزيق الجلد على الأشرعة والصواري واللحم أو الطرائد من مؤخرة السفينة. تتسم هذه الطيور بأنها فضولية ومشاغبة للغاية؛ فهي تلتقط أي شيء تقريبًا على الأرض؛ فقد التقطت في إحدى المرات قبعة سوداء كبيرة لامعة وفي مرة أخرى زوجًا من الكرات الثقيلة التي تستخدم في صيد الماشية وحملتها لمسافة ميل تقريبًا. وعانى السيد أوسبورن من خسارة أكثر فداحة خلال إجراء عملية المسح؛ إذ سرقت الطيور بوصلة كيتر صغيرة كانت في حقيبة من الجلد المغربي الأحمر ولم يستعدها مرة أخرى. علاوة على ذلك، فإن هذه الطيور مشاكسة وسريعة الغضب للغاية؛ إذ تنتزع الحشائش بمناقيرها عندما تغضب. لا تعتبر هذه الطيور اجتماعية في الواقع، كما أنها لا تحلق عاليًا ويتسم طيرانها بعدم الإتقان والبطء؛ أما على الأرض فهي تجري بسرعة رهيبة تضاهي سرعة طيور التَّدْرُج إلى حد كبير. كما تتسم بأنها مزعجة؛ إذ تصدر العديد من الصيحات الخشنة كصيحات غراب الغداف الإنجليزي؛ لذا دائمًا ما يسميها البحارة بالغداف. من الغريب أنها عندما تصيح، ترمي رءوسها إلى أعلى وإلى الوراء كما تفعل صقور الكارانشا. تشيد هذه الطيور أعشاشها في المنحدرات الصخرية على شواطئ البحار، لكن هذا فقط على الجُزَيِّرات الصغيرة المجاورة وليس على الجزيرتين الرئيستين؛ وهو ما يعد إجراءً احترازيًّا غريبًا بالنسبة إلى طائر مستأنس وشجاع. يقول صائدو الفُقْمة إن لحم هذه الطيور عندما يُطهى، يكون شديد البياض ومستساغًا إلى حد كبير، لكن من يحاول اصطيادها للحصول على هذه الوجبة يجب أن يتسم بالجرأة والشجاعة.

بقي أن نذكر الصقر الرومي والنسر الأسود. يوجد الأول في أي مكان معتدل الرطوبة من رأس هورن وحتى أمريكا الشمالية. على عكس الأشبور البرازيلي والشيمانجو، وجد الصقر الرومي طريقه إلى جزر الفوكلاند. يعتبر الصقر الرومي طائرًا منعزلًا أو يعيش في أزواج على أقصى تقدير. ويمكن التعرف عليه فورًا من مسافة بعيدة من طيرانه الرائع وتحليقه على ارتفاعات شاهقة. من المعروف تمامًا أنه آكل للجيف. فعلى الساحل الغربي لباتاجونيا، بين الجُزَيِّرات المغطاة بالغابات الكثيفة واليابسة الوعرة المتعرجة، يعيش حصريًّا على ما يقذفه البحر وجيف الفقمات النافقة. وأينما تجمعت هذه الحيوانات على الصخور، قد يُشَاهد الصقر الرومي. أما النسر الأسود فيعيش في نطاق جغرافي مختلف عن الصقر الرومي؛ فهو لا يوجد مطلقًا جنوب دائرة عرض ٤١ درجة. يقول أزارا إن هذه الطيور يُعتقد أنها لم توجد قط خلال فترة الاحتلال بالقرب من مونتفيديو، لكنها بعد ذلك تتبعت أثر السكان من المناطق الأكثر تطرفًا إلى الشمال. أما في الوقت الحاضر، فتوجد بأعداد كبيرة في وادي كولورادو الذي يقع على مسافة ٣٠٠ ميل جنوب مونتفيديو. يبدو من المحتمل أن هذا النزوح الإضافي قد حدث منذ زمن أزارا. فالنسر الأسود يفضل عمومًا المناخ الرطب أو بالأصح المناطق المجاورة للمياه العذبة؛ ومِن ثَمَّ فإنه يوجد بوفرة بالغة في البرازيل ولابلاتا، بينما لا يوجد أبدًا في الصحراء والسهول المقفرة في باتاجونيا، إلا بالقرب من أحد المجاري المائية. تتردد هذه الطيور على البامبا بالكامل حتى سفح سلسلة كورديليرا الجبلية، لكني لم أرَ أو أسمع بوجود أحدها في تشيلي، كما أنها محفوظة في بيرو كحيوانات نابشة للقمامة. بالتأكيد قد يُنظَر لهذه الحيوانات باعتبارها قطيعية؛ إذ يبدو أنها تجد متعة في التجمعات ولا يقتصر تجمعها معًا على الأوقات التي توجد فيها فريسة مشتركة تجذبها. ففي يوم صحو، كثيرًا ما قد يشاهد سرب منها يحلق على ارتفاع كبير؛ حيث يدور كل طائر في دوائر متتالية بدون ضم الجناحين في مناورات رشيقة لأبعد حد. من الواضح أنها تقوم بهذا لمجرد متعة الممارسة، أو ربما يرتبط هذا بتحالفاتها التزاوجية.

لقد ذكرت حتى الآن كل أنواع آكلات الجيف فيما عدا نسر الكوندور، وهو تقرير سيكون من الأفضل ذكره عندما نزور منطقة أكثر ملاءمة لعاداته من سهول لابلاتا.

•••

في شريط واسع من الكثبان الرملية يفصل بحيرة بوتريرو عن سواحل لابلاتا على مسافة بضعة أميال من مالدونادو، وجدت مجموعة من تلك الأنابيب السليكونية المُزَجَّجة التي تشكلت بفعل اختراق البرق للرمال السائبة. تشبه هذه الأنابيب مثيلاتها في قرية دريج بمقاطعة كمبرلاند بإنجلترا في كل الخواص التي وصفت في دورية «جيولوجيكال ترانزاكشن».١٠ كانت الكثبان الرملية في مالدونادو، كونها غير محمية بأي نوع من النباتات، تغير موقعها بانتظام. وهذا سبب ظهور هذه الأنابيب على سطح الأرض، كما تبين من العديد من الشظايا القريبة منها أنها كانت مدفونة فيما مضى على عمق أكبر. كان ثمة أربع مجموعات منها مدفونة في الرمال بشكل رأسي: تتبعت إحدى هذه الأنابيب بيدي على عمق قدمين، وبعض الشظايا التي كان من الواضح أنها تنتمي للأنبوب نفسه وصل طولها إلى خمس أقدام وثلاث بوصات عندما أضيفت إلى الجزء الآخر. كان قطر كل أنبوب بالكامل متساويًا تقريبًا؛ ولذا يجب أن نفترض أنه كان يمتد في الأصل إلى عمق أكبر بكثير. غير أن هذه الأبعاد صغيرة مقارنة بأبعاد الأنابيب القادمة من دريج، والتي وصل أحدها، عند تتبعه، إلى عمق لا يقل عن ثلاثين قدمًا.
كان سطحها الداخلي مزججًا ولامعًا وأملس بالكامل. كانت إحدى الشظايا الصغيرة التي فُحِصَت تحت المجهر تبدو بسبب عدد الفقاعات الدقيقة للهواء المحتبس أو بالأحرى البخار مثل معدن يُراد اختباره صُهِر أمام أنبوب النفخ. تتكون الرمال بالكامل، أو في الجزء الأكبر منها، من السيليكا، لكن ثمة بعض النقاط بلون أسود ولها لمعة معدنية بسبب سطحها البرَّاق. يتراوح سُمك جدار الأنبوب بين عشرين وثلاثين جزءًا من البوصة، وأحيانًا يساوي عشرة أجزاء من البوصة. تبدو حبيبات الرمال من الخارج دائرية وذات مظهر لامع قليلًا، ولم أستطع العثور على أي علامة تدل على التبلور. على نحو مشابه لما ذكر في دورية «جيولوجيكال ترانزاكشن»، فإن الأنابيب عادة ما تكون مضغوطة وبها تغضنات طولية عميقة، ما يجعلها تشبه إلى حد كبير ساقًا نباتية ذابلة أو لحاء شجرة الدردار أو الفلين. يبلغ محيطها نحو بوصتين، لكن بعض الشظايا التي تتخذ الشكل الأسطواني وليس بها أي تغضنات يصل محيطها إلى أربع بوصات. يبدو واضحًا أن هذه التغضنات أو التجاعيد قد حدثت نتيجة للانضغاط الناتج عن الرمال السائبة المحيطة والذي تعرضت له الأنابيب وهي ما زالت طرية من أثر الحرارة الشديدة. من خلال فحص الشظايا التي لم تتعرض لضغط الرمال، فإن مقياس شعاع البرق (إن كان لي استخدام مثل هذا المصطلح) لا بد أنه كان يبلغ نحو بوصة وربع البوصة. في باريس، نجح السيد هاتشيت والسيد بودون١١ في صنع الأنابيب على نحو مشابه إلى حد كبير بعيدان أو أنابيب البرق من نواحٍ عدة، عن طريق إمرار صدمات قوية جدًّا من التيار الكهربائي الجلفاني عبر زجاج مسحوق ناعم؛ وعندما أضيف الملح، لزيادة معدل الانصهار، زادت مقاييس جميع أبعاد الأنابيب. وقد فشل تصنيعها عند استخدام كل من مسحوق الكوارتز والفلسبار. أحد هذه الأنابيب، والذي تكون باستخدام الزجاج المسحوق، وصل طوله تقريبًا إلى بوصة، أو تحديدًا ٠٫٩٨٢ من البوصة، وكان قطره الداخلي ٠٫٠١٩ من البوصة. عندما نسمع أن أقوى بطارية في باريس قد استخدمت، وأن قدرتها على التأثير في مادة يسهل صهرها مثل الزجاج لم يتجاوز سوى تكوين أنابيب بهذا القدر من الصغر والضآلة، يجب أن نشعر بالاندهاش الكبير من قوة صاعقة برق تمكنت عندما ضربت الرمال في مواقع عديدة، من تكوين أنابيب أسطوانية عدة وصل طول إحداها إلى ثلاثين قدمًا على الأقل ولها قطر داخلي يصل في الأماكن غير المنضغطة إلى بوصة ونصف، علمًا بأن هذا قد حدث في مادة مقاومة للصهر على نحو استثنائي كالكوارتز!

كما ذكرت، تدخل هذه الأنابيب الرمال في اتجاه رأسي تقريبًا. غير أن أحدها، وكان أقل انتظامًا من الأخرى، انحرف عن الخط المستقيم بانحناء ملحوظ إلى أقصى حد بلغ ٣٣ درجة. من نفس هذا الأنبوب، خرج فرعان صغيران يفصل بينهما قدم؛ أحدهما يتجه إلى الأسفل والآخر يتجه إلى الأعلى. كانت هذه حالة لافتة؛ إذ إن التيار الكهربائي لا بد أنه قد ارتد بزاوية حادة بلغت ٢٦ درجة إلى خط مساره الأساسي. بالإضافة إلى الأنابيب الأربعة التي وجدتها في وضع رأسي، وتتبعتها تحت سطح الرمال، كان ثمة عدة مجموعات أخرى من الشظايا كانت المواقع الرئيسية لها قريبة بلا شك. وقد ظهرت جميعًا في منطقة مستوية من الرمال المتحركة بلغت مساحتها ستين ياردة في عشرين ياردة، وتقع بين بعض الكثبان الرملية المرتفعة وعلى مسافة نحو نصف ميل من سلسلة من التلال يبلغ ارتفاعها ٤٠٠ أو ٥٠٠ قدم. أكثر ما يلفت الانتباه، كما يتراءى لي، في هذه الحالة وكذلك في نظيرتها في دريج، وفي حالة أخرى وصفها السيد ريبينتروب في ألمانيا، هو عدد الأنابيب التي توجد في مثل هذه المساحات المحدودة؛ ففي دريج، شوهد ثلاثة منها في منطقة مساحتها خمس عشرة ياردة، والعدد نفسه شوهد في ألمانيا. وفي الحالة التي وصفتها، كان هناك بالتأكيد أكثر من أربعة في مساحة ستين ياردة في عشرين ياردة. ونظرًا لأنه لا يبدو من المحتمل أن هذه الأنابيب ناتجة عن صدمات كهربائية واضحة متتالية، يجب أن نصدق أن البرق، قبيل ضربه للأرض مباشرة، يتشعب إلى فروع متفرقة.

figure
توقف في سوق في سهول البامبا.
كانت المنطقة المجاورة لنهر لابلاتا تبدو عرضة على نحو غريب لهذه الظاهرة الكهربائية. ففي عام ١٧٩٣١٢ ضربت بيونس أيرس واحدة من أشد العواصف الرعدية تدميرًا التي سجلت في التاريخ المدون؛ إذ ضرب البرق سبعة وثلاثين موضعًا في المدينة ولقي تسعة عشر شخصًا مصرعهم. من واقع الحقائق المذكورة في عدة كتب خاصة بالأسفار والرحلات، أميل للشك في أن العواصف الرعدية شائعة للغاية بالقرب من منابع الأنهار الكبرى. أليس من الممكن أن يؤدي اختلاط مسطحات مائية كبيرة من المياه المالحة والعذبة إلى اضطراب التوازن الكهربائي؟ حتى خلال زياراتنا العارضة إلى هذا الجزء من أمريكا الجنوبية، سمعنا أن البرق ضرب سفينة وكنيستين ومنزلًا. وقد رأيت المنزل والكنيسة بعد ذلك بفترة قصيرة؛ وكان المنزل ملكًا للسيد هوود القنصل العام في مونتفيديو. كان للبرق بضعة آثار مثيرة للاهتمام؛ فقد اسود ورق الحائط لمسافة قدم تقريبًا على كلا جانبي الأسلاك النحاسية على امتدادها. كما انصهرت المعادن، ورغم أن ارتفاع الغرفة كان يبلغ نحو خمس عشرة قدمًا، فإن الكريات الصغيرة المتساقطة فوق الكراسي والأثاث أحدثت فيها سلسلة من الثقوب الدقيقة. كان جزء من الحائط محطمًا، كما لو كان قد تعرض لانفجار بالبارود، وأطيح بالشظايا بقوة كافية جعلتها تحدث انبعاجًا في الحائط على الجانب المقابل من الغرفة. كذلك اسود إطار إحدى المرايا، ولا بد أن طلاءها قد تطاير؛ إذ كان ثمة زجاجة نشادر موضوعة على رف المدخنة مغطاة بطبقة من الرقاقات المعدنية اللامعة التي التصقت بها بقوة كما لو كانت طُلِيت بها.

هوامش

(١) كتاب «الرحلة» ﻟ هيرن، صفحة ٣٨٣.
(٢) ماكلارين، مقال «أمريكا»، الموسوعة البريطانية.
(٣) يقول أزارا: «أعتقد أن كمية الأمطار السنوية، في جميع هذه المقاطعات، أكبر منها في إسبانيا.» المجلد الأول، صفحة ٣٦.
(٤) في أمريكا الجنوبية، جمعت إجمالًا سبعة وعشرين نوعًا من الفئران بالإضافة إلى ثلاثة عشر نوعًا آخر معروفًا من خلال أعمال أزارا ومؤلفين آخرين. تولى السيد ووترهاوس تسمية ووصف الأنواع التي جمعتها بنفسي في اجتماعات جمعية علم الحيوان؛ لذا يجب أن أنتهز هذه الفرصة لأرد الجميل بتوجيه شكري الحار إلى السيد ووترهاوس والسادة الآخرين أعضاء الجمعية لمساعدتهم الكريمة والسخية في جميع الأوقات.
(٥) حين فتحتُ معدةَ أحد حيوانات الكابيبارا وأمعاءَه الاثني عشر، وجدت داخلهما كمية كبيرة جدًّا من سائل رقيق ضارب إلى الصفرة نادرًا ما يمكن رؤية أي ألياف فيه. يخبرني السيد أوين بأنه جزءٌ من المريء له بنية معينة بحيث لا يمكن لأي شيء يفوق في حجمه ريشة الغراب المرور عبره. لا شك أن الأسنان العريضة والفكين القويين لهذا الحيوان مناسبان تمامًا لسحق النباتات المائية التي يتغذى عليها حتى تتحوَّل إلى عجين.
(٦) في ريو نيجرو في شمال باتاجونيا، يوجد حيوان له العادات نفسها، وربما يكون نوعًا قريبًا إلى حد بعيد لكني لم أرَه من قبل قط. يصدر هذا الحيوان صوتًا مختلفًا عن النوع الموجود في مالدونادو؛ فهو يكرره مرتين فقط بدلًا من ثلاث أو أربع مرات، كما أنه مميز وجهوري على نحو أكبر؛ فعندما سمعناه من مسافة بعيدة، كان شديد الشبه بالصوت الصادر عن قطع شجرة صغيرة بفأس؛ حتى إنني كنت أظل في بعض الأحيان في شك بشأنه.
(٧) انظر كتاب «فلسفة علم الحيوان»، المجلد الأول، صفحة ٢٤٢.
(٨) مجلة «زولوجي آند بوتاني»، المجلد الأول، صفحة ٢١٧.
(٩) قرئ أمام أكاديمية العلوم بباريس. «لو انستيتو»، ١٨٣٤، صفحة ٤١٨.
(١٠) دورية «جيولوجيكال ترانزاكشن»، المجلد الثاني، صفحة ٥٢٨. في دورية «فيلوسوفيكال ترانزاكشن» (١٧٩٠، صفحة ٢٩٤)، وصف د. بريستلي بعض الأنابيب السليكونية المعيبة وحصاة منصهرة من الكوارتز وُجِدَت أثناء الحفر تحت شجرة، حيث لقي رجل مصرعه صعقًا بالبرق.
(١١) مجلة «أنال دي كيمي إيه فيزيك»، المجلد ٣٧، صفحة ٣١٩.
(١٢) «الرحلة» لأزارا، المجلد الأول، صفحة ٣٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠