الفصل التاسع

سانتا كروز – رحلة عبر النهر – الهنود – جداول ضخمة من الحمم البازلتية – بقايا لم ينقلها النهر – التنقيب في الوادي – سلوك نسر الكوندور – سلسلة جبال – جلاميد ضخمة غير منتظمة – آثار هندية قديمة – العودة إلى السفينة – جزر الفوكلاند – خيول وأرانب وماشية برية – الثعلب الشبيه بالذئب – نار موقدة من العظام – طريقة صيد الماشية البرية – جيولوجيا – جداول من الأحجار – مشاهد عنف – البطريق – الإوز – بيض دوريس – حيوانات مركبة.

***

سانتا كروز وباتاجونيا وجزر الفوكلاند

figure
نسر الكوندور.
«١٣ أبريل ١٨٣٤»، رست البيجل داخل مصب نهر سانتا كروز. يقع هذا النهر جنوب سان جوليان على بعد حوالي ستين ميلًا. خلال الرحلة الأخيرة، أبحر الكابتن ستوكس لمسافة ثلاثين ميلًا أعلى النهر، لكنه اضطر بعدها للعودة بسبب الحاجة للمؤن. باستثناء ما اكتُشِف في ذلك الوقت، نادرًا ما كان هناك أي شيء معروف عن هذا النهر الضخم. كان الكابتن فيتزروي عازمًا الآن على تتبع مساره بقدر ما يسمح الوقت. في يوم الثامن عشر، تحركت ثلاثة قوارب بمجاديف تحمل مؤنًا تكفي لثلاثة أسابيع، وكانت المجموعة تتكون من خمسة وعشرين فردًا، وهي قوة تكفي لهزيمة حشد من الهنود. في ظل وجود فيضان قوي للمد والجزر ويوم صحو، قطعنا مسافة لا بأس بها، ولم يمر وقت طويل حتى احتسينا بعض المياه العذبة، وعندما حلَّ الليل كنا تقريبًا قد تخطينا منطقة تأثير المد والجزر.

اتخذ النهر هنا حجمًا وشكلًا كان نادرًا ما يتقلص حتى في أعلى نقطة وصلنا إليها. كان عرضه يتراوح في العموم بين ٣٠٠ و٤٠٠ ياردة وكان عمقه في المنتصف يبلغ نحو ١٧ قدمًا. ربما كانت سرعة التيار على مدى مساره بالكامل، والتي تتراوح بين أربع وست عقد في الساعة هي أكثر سماته الجديرة بالملاحظة. تتميز المياه بلون أزرق رائع تشوبه مسحة لبنية خفيفة وليست شفافة تمامًا كما يُتوقَّع أن تكون من النظرة الأولى. يتدفق النهر عبر قاع من الحصى تشبه ذلك الذي يكون الشاطئ والسهول المحيطة، ويسير في مسار متعرج عبر وادٍ يمتد في خط مستقيم غربًا. يتراوح عرض هذا الوادي بين ٥ و١٠ أميال ويحده مصاطب على هيئة درجات سلم ترتفع في معظم الأجزاء الواحدة فوق الأخرى إلى ٥٠٠ قدم وتتسم بتناظر لافت للنظر على كلا الجانبين.

•••

«١٩ أبريل»، بالطبع كان الإبحار أو التجديف مستحيلًا تمامًا في ظل تيار بهذه القوة؛ لذا رُبِطَت القوارب الثلاثة معًا من المقدمة والمؤخرة وتُرِك شخصان في كل قارب بينما توجه البقية إلى الشاطئ لتعقبها. بما أن الترتيبات العامة التي وضعها الكابتن فيتزروي كانت ملائمة جدًّا لتسهيل عمل الجميع، وبما أن الجميع كان له نصيب فيها، سأصف النظام الذي طُبِّق. كانت المجموعة مقسمة إلى نوبتين كل نوبة تتجمع عند خط التتبع على نحو تبادلي لساعة ونصف. كان ضباط كل قارب يعيشون ويأكلون الطعام نفسه وينامون في الخيمة نفسها مع طاقم البحارة بحيث كان كل قارب مستقلًّا تمامًا عن القوارب الأخرى. بعد غروب الشمس، اخترنا أول رقعة ممهدة ينمو فيها بالكاد أي أجمات لنصب مخيم المبيت. تناوب كل فرد من أفراد الطاقم على الطهي. وعلى الفور سُحِب القارب وأشعل الطباخ النار بينما نصب اثنان آخران الخيمة وأخرج موجِّه الدفة الأشياء من القارب وحملها بقية الطاقم إلى الخيام ثم جمعوا الحطب. بهذا النظام، كان كل شيء جاهزًا لقضاء الليلة خلال نصف ساعة. كان هناك دائمًا مناوبة حراسة من رجلين وضابط وكانت مهمتهم حراسة القوارب وإبقاء النار مشتعلة وحماية المكان من الهنود. وكان كل فرد من المجموعة يقوم بهذا ساعة كل ليلة.

خلال هذا اليوم لم نقطع إلا مسافة بسيطة بسبب وجود الكثير من الجُزَيِّرات مغطاة بالشجيرات الشائكة وكانت القنوات بينها ضحلة.

•••

«٢٠ أبريل»، عبرنا الجزر وبدأنا العمل. كان متوسط مسيرة اليوم العادي، رغم صعوبتها، عشرة أميال فقط في خط مستقيم، وربما خمسة عشر أو عشرين ميلًا في الإجمال. كانت المنطقة وراء المكان الذي بتنا فيه الليلة الماضية تعتبر أرضًا مجهولة تمامًا؛ لأن الكابتن ستوكس استدار عائدًا عندما وصلنا إليها. رأينا دخانًا هائلًا على مسافة بعيدة ووجدنا هيكلًا عظميًّا لحصان؛ لذا أدركنا وجود هنود في الجوار. في صباح اليوم التالي (الحادي والعشرين) لوحظ وجود آثار لمجموعة من الخيول على الأرض إلى جانب علامات نشأت جراء جر التشوزو، أو الرماح الطويلة. كان يُعتَقد في العموم أن الهنود قد خرجوا لاستطلاع أمرنا ليلًا. بعد ذلك بفترة قصيرة أتينا على مكان اتضح من الآثار الحديثة للرجال والأطفال والخيول الموجودة به أن المجموعة قد عبرت النهر.

•••

«٢٢ أبريل»، كانت المنطقة كما هي وخلت تمامًا من أي إثارة؛ فقد كان التشابه التام بين المعالم الحيوية عبر أنحاء باتاجونيا أحد أكثر سماتها المذهلة؛ فقد كانت السهول المستوية الجرداء المكونة من الحصى تضم نفس النباتات القصيرة والشحيحة، وفي الوديان تنمو نفس الأجمات الشائكة. وفي كل مكان نرى نفس الطيور والحشرات. حتى ضفتي النهر والنُّهيرات الصافية التي تخترقها كانت نادرًا ما تنتعش بمسحة أزهى من اللون الأخضر. كانت الأرض تحمل لعنة الجَدْب وكانت المياه تتدفق عبر قاع من الحصى يحمل نفس اللعنة؛ لذا نجد عدد الطيور المائية قليلًا للغاية؛ لعدم وجود ما يدعم الحياة في هذا النهر المجدب.
رغم أن باتاجونيا كانت فقيرة في بعض الجوانب، فإنها تباهي بامتلاكها سلالة أكبر من القوارض الصغيرة١ ربما يفوق أي بلد في العالم. يتميز العديد من أنواع الفئران بامتلاكها آذانًا كبيرة نحيلة وفراء رقيقًا جدًّا. تحتشد هذه الحيوانات الصغيرة بين الأجمات في الأودية؛ حيث لا تستطيع معًا تذوُّق قطرة ماء لشهور باستثناء قطرات الندى. ويبدو أن تلك الفئران مفترسة وتتغذى على أبناء جنسها؛ إذ ما لبث فأر أن وقع في إحدى المصائد التي نصبتها حتى التهمه الآخرون. يوجد ثعلب صغير وذو شكل لطيف، ومتوفر بكثرة كذلك، ربما يستمد غذاءه بالكامل من هذه الحيوانات الصغيرة. كذلك يعتبر الجوناق في موطنه المناسب حيث يشيع وجود قطعان من خمسين أو مائة حيوان، وكما ذكرت، فقد رأينا قطيعًا لا بد أنه كان يحوي ٥٠٠ رأس على الأقل. كما كان الأسد الجبلي، يتبعه نسر الكوندور وصقور أخرى من آكلات الجيف، يتتبع هذه الحيوانات ويفترسها. فقد كانت آثار أقدام الأسد الجبلي ظاهرة وملحوظة في كل مكان تقريبًا على ضفتي النهر وأظهرت بقايا العديد من حيوانات الجوناق؛ إذ كانت رقابها مفصولة وعظامها مكسورة، كيف لاقت حتفها.

•••

«٢٤ أبريل»، مثل الملاحين القدامى عندما كانوا يقتربون من أرض مجهولة، جعلنا نتنبه لأقل إشارة تدل على التغيير ونفحصها. كانت رؤية جذع شجرة جرفته المياه، أو جلمود صخري قديم مدعاة للفرح، كمن رأى غابة تنمو على جوانب الجبال. مع ذلك، تمثلت أكثر العلامات المبشرة في قمة مجموعة كثيفة من السحب، والتي ظلت في وضع واحد على نحو شبه دائم، والتي تبين في النهاية أنها نذير حقيقي؛ فقد ظننا السحب في البداية هي الجبال نفسها، بدلًا من كتل بخار تكثفت عند قممها المغطاة بالثلوج.

•••

«٢٦ أبريل»، في هذا اليوم رأينا تغيرًا واضحًا في البنية الجيولوجية للسهول. منذ الوهلة الأولى، فحصت بدقة حصى النهر وعلى مدى اليومين الفائتين، لاحظت وجود حصوات صغيرة من بازلت مسامي إلى حد كبير. تدريجيًّا زاد حجم وعدد هذه الحصوات، لكن لم يصل أيٌّ منها لحجم الرأس البشري، ولكن في صباح هذا اليوم، أصبحت الحصوات من الصخرة نفسها، وإن صارت أكثر اكتنازًا، وافرة العدد فجأة، وفي غضون نصف ساعة، وعلى بعد مسافة خمسة أميال أو ستة، رأينا الحافة الزاوية لمنصة بازلتية ضخمة. عندما وصلنا إلى قاعدتها، وجدنا مجرى المياه يتدفق وسط الكتل المتساقطة. على مدى الثمانية والعشرين ميلًا التالية كان مسار النهر مليئًا بهذه الكتل البازلتية. وفوق ذلك الحد كان هناك شظايا ضخمة من صخور بدائية، مشتقة من التكوين الجلمودي المحيط، وكانت كثيرة العدد أيضًا. لم يكن النهر قد حمل أيًّا من هذه الشظايا ذات الحجم الكبير بعيدًا عن مصدرها الرئيسي بأكثر من ثلاثة أميال أو أربعة؛ فرغم السرعة الاستثنائية للكم الهائل من الماء في نهر سانتا كروز، لم تصل هذه الشظايا إلى أي مكان، ما يعد مثالًا مذهلًا للغاية لعدم فاعلية الأنهار حتى في نقل شظايا متوسطة الحجم.

البازلت ما هو إلا حمم تدفقت تحت سطح البحر، لكن الثورات البركانية لا بد أنها كانت على نطاق من أضخم ما يكون. فعند النقطة التي رأينا فيه هذا التكوين البازلتي لأول مرة كان سمكه ١٢٠ قدمًا، وبتتبع مسار النهر ارتفع السطح على نحو غير ملحوظ وأصبحت الكتلة أكثر سمكًا، حتى وصلت إلى ٣٢٠ قدمًا فوق أول مستقر للأقدام بمسافة ٤٠ ميلًا. لا أملك وسيلة لمعرفة قدر السُّمك بالقرب من سلسلة الجبال، لكن المنصة هناك يصل ارتفاعها إلى حوالي ٣٠٠٠ قدم فوق سطح البحر؛ ولذا يجب أن نلتفت إلى جبال تلك السلسلة العظيمة لمعرفة أصلها، ومن تلك المصادر المجاري المائية التي تدفقت فوق قاع البحر المائل على نحو طفيف لمسافة مائة ميل. من النظرة الأولى للأجراف البازلتية على جانبي الوادي المتقابلين، كان من الواضح أن طبقات الأرض كانت متحدة يومًا ما. أي قوة تلك التي أزالت كتلة متماسكة من الصخور الشديدة الصلابة ممتدة عبر منطقة بأكملها، كان متوسط سمكها تقريبا ٣٠٠ قدم، وكان عرضها يتراوح بين أقل من ميلين وأربعة أميال؟ رغم أن قوة النهر كانت ضعيفة حتى لنقل شظايا بلا حجم يذكر، فإنه مع تعاقب الأزمنة ربما ينتج عن التآكل التدريجي للنهر أثر يصعب الحكم على قدره، لكن في هذه الحالة، وبعيدًا عن مدى عدم أهمية مثل هذه القوة، يمكن سرد أسباب جيدة تدعو لتصديق أن هذا الوادي كان يشغله فيما مضى لسان بحري. لا حاجة لنا في هذا العمل لتناول الحجج التي أدت لهذا الاستنتاج بالتفصيل والمستمدة من شكل وطبيعة المصاطب التي تكونت على شكل درجات على كلا جانبي الوادي، ومن الطريقة التي يتسع بها قاع الوادي بالقرب من الأنديز ليصبح سهلًا عظيمًا يشبه المصب تعلوه تلال رملية، ومن خلال وجود بعض القواقع البحرية القابعة في قاع النهر. لو كان لديَّ مساحة لاستطعت أن أثبت أن أمريكا الجنوبية كانت فيما مضى يقطعها مضيق يصل بين المحيطين الأطلنطي والهادي مثل مضيق ماجلان، لكن ربما يمكن أن نتساءل: كيف نُقِل البازلت الصلب؟ فيما مضى كان الجيولوجيون سيعزون ذلك إلى الأثر العنيف لانهيار جليدي ضخم، لكن في هذه الحالة لم يكن هذا الافتراض ليصبح مقبولًا تمامًا؛ نظرًا لأن نفس السهول المدرجة التي يرقد فوق سطحها القواقع البحرية الحالية، والتي تواجه الشريط الساحلي الطويل لباتاجونيا، تنتشر على كل جانب من جوانب وادي سانتا كروز؛ ومِن ثَمَّ فلا يوجد أثر ممكن لأي فيضان كان يمكنه تشكيل الأرض سواء داخل الوادي أو على طول الساحل المفتوح، ومن خلال تكوُّن مثل هذه السهول أو المصاطب المدرجة، أصبح الوادي نفسه أجوف. ورغم أننا نعرف أن هناك تيارات مدية تجري داخل الممرات الضيقة لمضيق ماجلان بمعدل ثماني عقد في الساعة، يجب أن نعترف أن التفكير في عدد السنوات، قرنًا تلو القرن، التي احتاجتها تيارات المد والجزر، بدون مساعدة أي موجات قوية، حتمًا لإحداث تآكل في منطقة شاسعة هكذا وحمم بازلتية صلبة بهذا السمك قد يصيبك بالدوار. ومع ذلك، يجب أن نصدق أن طبقات الأرض التي قوضتها المسطحات المائية لهذه القارة قد تحطمت إلى شظايا ضخمة، تحول ما رقد منها متناثرًا على الشاطئ أولًا إلى كتل أصغر ثم إلى حصوات ثم في النهاية إلى طين دقيق لأقصى حد ممكن جرفته التيارات المدية بعيدًا داخل المحيط الشرقي أو الغربي.

ومع التغير الذي طرأ على التكوين الجيولوجي للسهول تغيرت طبيعة المشهد الطبيعي أيضًا. أثناء تسلقي لبعض الممرات الصخرية الضيقة، استطعت بالكاد أن أتخيل نفسي وقد عدت مجددًا إلى الوديان المجدبة في جزيرة سانت ياجو. وجدت بين الأجراف البازلتية بعض النباتات التي لم أرَها في أي مكان آخر، لكني رأيت أخرى أدركت أنها قد أتَتْ شاردة من أرض النار. كانت هذه الصخور المسامية تعمل بمثابة خزان لمياه الأمطار الشحيحة؛ ومِن ثَمَّ يوجد بعض الينابيع الصغيرة (وهي ظاهرة من أندر الظواهر في باتاجونيا) تنبثق على طول خط التقاء التكوينات الصخرية الرسوبية والنارية، ويمكن تمييزها من بُعد من خلال رقع الكلأ الأخضر الزاهي المحددة بوضوح.

figure
وادي بازلتي، نهر نيجرو.

•••

«٢٧ أبريل»، أصبح قاع النهر أكثر ضيقًا نوعًا ما؛ ومِن ثَمَّ أصبح مجرى المياه أكثر سرعة. فكان يجري هنا بسرعة ست عقد في الساعة. ولهذا، وبسبب الكثير من الشظايا الضخمة الزاوية، أصبح تتبُّع القوارب خطيرًا وشاقًّا.

•••

في هذا اليوم أسقطت نسرًا من نسور الكوندور وكانت المسافة بين طرفي جناحيه تصل إلى ثماني أقدام ونصف، بينما من المنقار إلى الذيل وصلت إلى أربع أقدام. من المعروف أن هذا الطائر له نطاق جغرافي واسع؛ إذ عُثِر عليه في الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية من مضيق ماجلان بمحاذاة سلسلة الجبال حتى ثمانية درجات شمال خط الاستواء. كان الجُرْف الصخري المنحدر بالقرب من مصب نهر نيجرو هو حده الشمالي على ساحل باتاجونيا، وهناك كانت هذه النسور تحوم على بعد حوالي ٤٠٠ ميل عن الخط المركزي الكبير لموطنها في جبال الأنديز. إذا اتجهنا إلى مسافة أبعد جنوبًا، نجد نسر الكوندور الشائع الوجود وسط الأجراف الشديدة التحدُّر عند رأس ميناء بورت ديزاير؛ مع ذلك يوجد القليل فقط من النسور الشاردة ترتاد ساحل البحر بين الفينة والأخرى. تتردد نسور الكوندور على سلسلة من الجروف بالقرب من مصب نهر سانتا كروز، وتعاود الظهور عند أعالي النهر بحوالي ٨٠ ميلًا حيث يتكوَّن جانبي الوادي من أجراف بازلتية شديدة التحدُّر. من خلال هذه الحقائق يبدو أن نسور الكوندور تحتاج إلى منحدرات عمودية. في تشيلي، تسكن خلال الجزء الأكبر من العام، الأراضي المنخفضة بالقرب من شواطئ المحيط الهادي، وفي الليل يجثم عدد منها معًا في شجرة واحدة، لكن في الجزء الأول من الصيف، تنزوي إلى أكثر الأجزاء التي يتعذر الوصول إليها في الجبال الداخلية لتتكاثر هناك في سلام.

فيما يتعلق بتناسلها، أخبرني الريفيون في تشيلي، أن الكوندور لا يقيم أي أعشاش من أي نوع، لكن في شهري نوفمبر وديسمبر تضع الأنثى بيضتين كبيرتين بيضاوين على رف صخرة عارية. ويُقال إن صغار الكوندور لا تستطيع الطيران لمدة عام كامل، وحتى بعدما تصبح قادرة على هذا بفترة طويلة، تستمر في الجثوم والبيات ليلًا والصيد صباحًا بصحبة آبائها. عادة ما تعيش النسور العجوزة في أزواج، لكن بين الأجراف البازلتية الداخلية لسانتا كروز، وجدت بقعة لا بد أن جماعات تسكنها في المعتاد. عند الاقتراب فجأة من حافة الجُرْف، ظهر مشهد مهيب لعشرين أو ثلاثين من هذه الطيور الضخمة تنطلق بثقل من مأواها وتطير بعيدًا في دوائر مهيبة الشكل. يتبين من كمية الروث على الصخور أنها لا بد كانت تتردد على هذا الجُرْف منذ وقت طويل من أجل الإقامة والتكاثر. بعد أن تملأ بطونها بالجيف في السهول بالأسفل، تنزوي إلى هذه الحواف الناتئة المفضلة لها لهضم الطعام. من خلال هذه الحقائق، يتضح أن الكوندور يجب أن يُعدَّ إلى حد ما طائرًا اجتماعيًّا شأنه شأن النسر الأسود. في هذا الجزء من البلاد، يتغذى الكوندور بالكامل على حيوانات الجوناق التي نفقت نفوقًا طبيعيًّا، أو، كما يحدث على نحو أكثر شيوعًا، قتلتها الأسود الجبلية. أعتقد، من خلال ما رأيته في باتاجونيا، أنها في الأحوال العادية لا توسع من نطاق رحلاتها اليومية لتمتد إلى مسافات بعيدة عن أماكن مبيتها المعتادة.

يمكن رؤية نسور الكوندور في أغلب الأوقات على ارتفاعات عالية تحلق فوق مكان معين في دوائر من أجمل ما يكون. في بعض المناسبات، يكون لديَّ يقين أنها تقوم بهذا للمتعة فقط، لكن في مرات أخرى، يخبرك التشيليون أنها تحوم وتراقب حيوانًا يُحتَضَر أو أن الأسد الجبلي يلتهم ضحيته. إذا شوهد الكوندور وهو يهبط ثم يرتفع مرة أخرى فجأة، يعرف التشيلي أن الأسد الجبلي الذي يراقب الجثة اندفع لإبعاد لصوص الجثث. بجانب التهام الجيف، كثيرًا ما تنقض نسور الكوندور على الحملان والجديان الصغيرة، حتى إن كلاب الراعي مدربة على أن تركض وتنظر لأعلى وهي تنبح بعنف كلما مرت هذه النسور من فوقها. يقوم التشيليون باصطياد وقتل أعداد كبيرة من النسور. وثمة طريقتان تستخدمان في ذلك؛ الأولى: هي وضع جثة على قطعة مستوية من الأرض داخل حيز مغلق بالعصي له فتحة، وعندما تمتلئ بطون النسور لدرجة لا تجعلها قادرة على الارتفاع لمستوى ظهر حصان لكي تصل إلى المدخل؛ ومِن ثَمَّ تصبح محاصرة؛ لأن هذا الطائر عندما لا يجد مساحة للركض، لا يقدر على منح جسده القوة الدافعة الكافية للارتفاع عن الأرض. أما الطريقة الثانية: فهي وضع علامات على الأشجار التي تقيم فيها النسور، وغالبًا ما يوجد خمسة أو ستة معًا في شجرة واحدة، ثم التسلق ليلًا واصطيادها بلف أنشوطة حبل حولها. فهذه النسور تنام بعمق، كما لاحظت، على نحو لا يجعل هذا مهمة صعبة. في فالبارايزو، رأيت كوندور حيًّا يُباع مقابل نصف شلن، لكن السعر الشائع هو ثمانية شلنات أو عشرة. في إحدى المرات رأيت نسرًا وقد جُلِب مربوطًا بحبل وكان مصابًا بشدة، إلا أنه بمجرد أن قُطِع الحبل الذي يربط منقاره، بدأ في تمزيق قطعة من جيف بشراهة رغم أنه كان محاطًا بالناس. في نفس المكان كان ثمة حديقة بها ما بين عشرين وثلاثين نسرًا حيًّا، وكانت تُطعم مرة واحدة في الأسبوع، لكنها بدت بصحة جيدة للغاية.٢ يؤكد سكان الريف التشيليون أن نسر الكوندور يعيش ويحتفظ بقوته بدون طعام لفترة تتراوح بين خمسة وستة أسابيع؛ لا يمكنني التأكيد على صحة هذا، لكنها تجربة قاسية من الوارد للغاية أنها قد جُرِّبَت.
عندما يُقتَل حيوان في الريف، من المعروف جيدًا أن نسور الكوندور، شأنها شأن الجوارح الأخرى من آكلات الجيف، سرعان ما تعلم بهذا وتتجمع على نحو لا يمكن تفسيره. في معظم الحالات، يجب عدم غض الطرف عن أن الطيور قد اكتشفت فريستها ونظفت العظام تمامًا من اللحم قبل أن ينال اللحم أقل درجة من التعفن. بتذكر تجارب السيد أودوبون على قوة الشم الضعيفة لدى الصقور الآكلة الجيف، قمت بتجربة في الحديقة المذكورة آنفًا حيث رُبِطَت النسور، كل نسر بحبل، في صف طويل أسفل سور، وطويت قطعة لحم في ورقة بيضاء وأخذت أسير ذهابًا وعودة حاملًا إياها في يدي على مسافة ثلاث ياردات من النسور، لكنها لم تلاحظ أي شيء. بعد ذلك رميت قطعة اللحم على الأرض على مسافة ياردة واحدة من نسر ذكر عجوز، والذي بدوره نظر إليها للحظات بانتباه ثم لم يعرها أي اهتمام. أحضرت عصًا ودفعت بها قطعة اللحم نحوه أقرب فأقرب حتى لمسها في النهاية بمنقاره ثم مزق الورقة فورا بغضب وفي نفس اللحظة بدأ كل نسر في الصف الطويل في المقاومة وخفق جناحيه. في الظروف نفسها، كان من المستحيل تمامًا أن يخدع هذا كلبًا. ثمة توازن مثير للاهتمام بين الأدلة الداعمة والداحضة لقوى الشم الحادة لدى آكلات الجيف من النسور. فقد أوضح البروفيسور أوين أن أعصاب الشم لدى النسر الرومي متطورة بدرجة عالية، وفي الأمسية التي قرئ فيها بحث السيد أوين في جمعية علم الحيوان، ذكر أحد السادة أنه رأى الصقور آكلات الجيف مرتين في جزر الهند الغربية تتجمع فوق سطح أحد المنازل عندما فاحت رائحة جثة بسبب عدم دفنها؛ في هذه الحالة، من الصعب أن يكون إدراكها لوجود الجثة قد حدث بواسطة حاسة البصر. على الجانب الآخر، وبخلاف تجارب أودوبون وبخلاف تجربتي، جرب السيد باكمان في الولايات المتحدة خططًا مختلفة توضِّح أن كلًّا من النسر الرومي (وهو النوع الذي فحصه البروفيسور أوين) والنسر الأسود لا يجدان طعامهما عن طريق الرائحة. فقد قام بتغطية قطع من أحشاء ذبيحة تفوح منها رائحة كريهة للغاية بقطعة رقيقة من قماش الكنفا ونثر فوقها قطعًا من اللحم، وكانت النتيجة أن أكلت النسور الرومية قطع اللحم ثم ظلت واقفة في سكون رغم أن مناقيرها كانت تبعد عن الأحشاء المتعفنة بمقدار ثمن بوصة فقط لكنها لم تكتشفها. صُنِع شق صغير في القماش لتكتشف النسور الأحشاء فورًا؛ ثم وضعت قطعة جديدة من القماش محل الأولى ونُثِرَت فوقها قطع اللحم لتلتهمها النسور مجددًا بدون اكتشاف الكتلة المخبأة التي تدهسها تحت أقدامها. وقد صُدِّق على صحة هذه المعلومات من خلال توقيعات ستة سادة بجانب توقيع السيد باكمان.٣

عندما كنت أرقد للراحة في السهول المفتوحة، موجهًا ناظري للسماء، كثيرًا ما كنت أرى صقورًا جيفية تحوم جوًّا على ارتفاع كبير. حيثما تكون الأراضي الريفية مستوية، لا أصدق أن مساحة من السماء ترتفع فوق الأفق بأكثر من ١٥ درجة يمكن أن تحظى بأي انتباه من أي شخص سواء كان ماشيًا أو على ظهر حصان. إذا كانت هذه هي الحال وكان النسر يطير على ارتفاع يتراوح بين ٣٠٠٠ و٤٠٠٠ قدم، فإن المسافة بينه وبين عين الرائي في خط مستقيم ستزيد في الواقع عن ميلين إنجليزيين قبل أن يتمكن حتى من دخول مجال الإبصار. ألا يمكن لهذا السبب أن يتم تجاهله بسهولة؟ عندما يقتل حيوان في وادٍ مهجور بواسطة الصيادين، أليس من المحتمل أن يكون طوال الوقت تحت أعين طائر حاد البصر من الأعلى؟ ألن تُشيع طريقةُ هبوطه عبر المنطقة بأسرها لعائلة آكلات الجيف بالكامل أن هناك فريسةً في المتناول؟

عندما تحوم نسور الكوندور في سرب حول أي بقعة مرارًا، تطير بشكل جميل. وباستثناء مرحلة ارتفاعها عن الأرض، لا أذكر أني رأيت أحدها أبدًا وهو يخفق بجناحيه. ظللت بالقرب من ليما، أراقب عددًا منها لمدة نصف ساعة تقريبًا، بدون أن أخفض عيني ولو لوهلة؛ كانت تتحرك في منحنيات كبيرة وتندفع في دوائر وتصعد وتهبط دون أن تخفق بجناحيها ولو لمرة. وبينما كانت تهبط في الهواء فوق رأسي، كنت أشاهد الحدود الخارجية للريش الضخم والمتفرق في نهاية كل جناح من وضع مائل متعمدًا، وعند حدوث أقل حركة اهتزازية كانت هذه الريشات المتفرقة تبدو كما لو كانت مدمجة معًا، لكنها كانت تُرَى واضحة قبالة السماء الزرقاء. كان الرأس والعنق يتحركان مرارًا وبقدر من القوة كما يبدو، وكان الجناحان الممتدان يبدوان كما لو كانا يشكلان نقطة ارتكاز لحركات العنق والجسم والذيل. إذا أراد النسر الهبوط، كان جناحاه يطويان لبرهة، وعندما ينبسطان مجددًا بميل متغير، كان عزم القوة المكتسب من الهبوط السريع يدفع الطائر لأعلى فيما يبدو بحركة ثابتة ومستوية مثل الطائرة الورقية. ففي حالة تحليق أي طائر، لا بد أن تكون حركته سريعة بما يكفي حتى تولِّد حركة سطح جسده المائل في الهواء قوة موازنة لجاذبيته. لا يمكن أن تكون القوةُ اللازمةُ للحفاظ على عزم القوة لجسد ما يتحرك في مستوى أفقي (حيث يقل الاحتكاك بشدة) كبيرةً، وهذه القوة هي كل ما هو مطلوب. ويجب أن نفترض أن حركات عنق وجسد الكوندور كافية من أجل هذا. وبغض النظر عن ذلك، فمن الرائع والجميل حقًّا رؤية طائر ضخم مثل هذا يدور في الهواء وينزلق فوق الجبال والأنهار ساعة تلو الأخرى بدون أي إجهاد ظاهر.

•••

«٢٩ أبريل»، غمرتنا السعادة برؤية القمم البيضاء المغطاة بالثلج للجبال من فوق أرض مرتفعة، تلك القمم التي كانت تبزغ بين الحين والآخر من بين السحب المكفهرة التي تغلفها. خلال الأيام القليلة التالية استمررنا في المضي ببطء؛ إذ اكتشفنا أن مسار النهر متعرج للغاية ويتناثر فيه شظايا ضخمة من العديد من صخور الأردواز الطينية القديمة والجرانيت. بلغ ارتفاع السهل المجاور للوادي هنا حوالي ١١٠٠ قدم فوق النهر وكانت سماته متغيرة كثيرًا. كانت الحصوات الدائرية من الصخر السماقي مختلطة بالعديد من شظايا زاوية كبيرة من البازلت والصخور الأولية. كان أول ما لاحظته من هذه الجلاميد الصخرية الجانحة يقع على مسافة ٦٧ ميلًا من أقرب جبل، وكان هناك آخر قسته وكانت مساحته خمس ياردات مربعة ويرتفع لمسافة خمس أقدام فوق الحصى. كانت أطرافه حادة الزوايا وكان حجمه ضخمًا جدًّا؛ حتى إنني في البداية ظننته صخرة في موقعها الطبيعي، وأخرجت بوصلتي لفحص اتجاه انشقاقه. كان السهل هنا غير مستوٍ إلى حد كبير مثل السهل الأقرب إلى البحر، لكن مع ذلك فإنه لم يظهر علامات تدل على أي انحراف شديد. في ظل هذه الظروف أعتقد أنه من المستحيل تمامًا تفسير انتقال هذه الكتل العملاقة من الصخور للعديد من الأميال بعيدًا عن مصدرها الأساسي بأي نظرية إلا بنظرية جبال الجليد العائمة.

خلال اليومين الفائتين، رأينا آثارًا لخيول والعديد من الأدوات التي تخص الهنود — مثل أجزاء من رداء ومجموعة من ريش النعام — لكن كان من الواضح أنها قابعة على الأرض منذ زمن طويل. ورغم أن الكثير من الأميال تفصل بين المكان الذي عبر منه الهنود النهر مؤخرًا جدًّا وبين هذه البقعة المجاورة، فإن المنطقة تبدو غير مأهولة تمامًا. تعجبت لهذا في البداية، بالنظر إلى غزارة أعداد الجوناق؛ لكن كان التفسير لذلك هو الطبيعة الصخرية للسهول التي سرعان ما تعوق الحصان الذي لا يرتدي حدوة عن المشاركة في أي مطاردة. غير أنه في مكانين في نفس هذه المنطقة المركزية، وجدت أكوامًا صغيرة من الأحجار لا أظن أنها تجمعت معًا بالصدفة. فقد وُضِعَت فوق نتوءات بارزة فوق حافة أعلى جُرْف حممي، وكانت تشبه تلك الموجودة بالقرب من بورت ديزاير لكن على نحو محدود.

•••

«٤ مايو»، عزم الكابتن فيتزروي على عدم اصطحاب القوارب لأبعد من هذا؛ فقد كان مسار النهر متعرجًا وكان التيار سريعًا جدًّا ولم يكن شكل الأرض يحمل أي إغراء للتقدم أكثر من ذلك. في كل مكان كنا نرى نفس النباتات ونفس المشهد الطبيعي الكئيب. كنا الآن على مسافة ١٤٠ ميلًا من الأطلنطي وحوالي ٦٠ ميلًا من أقرب لسان للمحيط الهادي. كان الوادي في هذا الجزء العلوي يتسع ليصبح حوضًا واسعًا محاطًا من الشمال والجنوب بمنصات بازلتية ويقابلها سلسلة طويلة من الجبال المغطاة بالثلوج، لكننا نظرنا لهذه الجبال الضخمة بأسًى؛ لأنه بدلًا من الوقوف على قممها، كما كنا نأمل، كان علينا تخيل طبيعتها ونباتاتها. فإلى جانب ضياع الوقت بلا طائل الذي كان سيكبدنا إياه محاولة صعود النهر لأي ارتفاع أعلى، كان قد مر علينا بالفعل بضعة أيام بنصف حصة من الخبز. ورغم أن هذا كان كافيًا حقًّا لرجال راشدين عاديين، فإن هذا في الواقع، وبعد مسيرة يوم شاق، كان يعتبر قدرًا زهيدًا للغاية من الطعام؛ فالمعدة غير الممتلئة والهضم السهل هما شيئان جيدان نظريًّا، لكنهما مزعجان جدًّا عند تطبيقهما على أرض الواقع.

•••

«٥ مايو»، بدأنا الهبوط قبل شروق الشمس. وهبطنا مجرى المياه بسرعة كبيرة، بلغت في العموم عشر عقد في الساعة. في ذلك اليوم الواحد هبطنا المسافة التي قطعناها بمعاناة في خمسة أيام ونصف اليوم في الصعود. وفي الثامن من مايو، وصلنا إلى البيجل بعد رحلة استكشافية استمرت ٢١ يومًا. كان الجميع، باستثنائي، يشعرون بالاستياء، لكن الصعود بالنسبة إليَّ منحني فرصة لمشاهدة جزء مثير لأبعد حد من تكوين باتاجونيا العظيم الذي يعود إلى العصر الثالث.

في الأول من مارس عام ١٨٣٣، ومرة أخرى في السادس عشر من مارس عام ١٨٣٤، رست البيجل في مضيق بيركلي في جزر فوكلاند الشرقية. يقع هذا الأرخبيل تقريبًا في نفس دائرة العرض التي يقع فيها فم مضيق ماجلان ويغطي مساحة ١٢٠ × ٦٠ ميلًا جغرافيًّا، وتزيد مساحته عن مساحة نصف أيرلندا قليلًا. تركت هذه الجزر البائسة مهجورة بعد تنافس على الاستحواذ عليها بين كل من فرنسا وإسبانيا وإنجلترا. بعد ذلك، باعتها حكومة بيونس أيرس إلى فرد مستقل، لكنه استخدمها، مثلما فعلت حكومة إسبانيا من قبل، كمستعمرة عقابية. طالبت إنجلترا بحقها في الجزر واستحوذت عليها. بعد ذلك قُتِل الرجل الإنجليزي الذي كان مسئولًا عن العلم، ثم أُرسِل ضابط بريطاني دون أي دعم بأي قوة، وعندما وصلنا وجدناه مسئولًا عن سكان الجزر الذين كان أكثر من نصفهم في الواقع قتلة ومتمردين هاربين.

كان مسرح الأحداث مناسبًا للمشاهد التي تُجسد فوقه: أرضٌ غير مستوية ذات مظهر مقفر ومهجور حيث كل شيء مغطًّى بتربة خُثية وحشائش شائكة ذات لون بني رتيب. وتوجد قمة أو نتوء من صخور الكوارتز الرمادية تشق السطح الناعم هنا وهناك. سمع الجميع عن مناخ تلك المناطق والذي يمكن مقارنته بالمناخ السائد على ارتفاع ١٠٠٠ أو ٢٠٠٠ قدم على جبال شمال ويلز، لكنها تتسم بضوء شمس وصقيع أقل وإن كانت تتميز بمزيد من الرياح والأمطار.٤

•••

«١٦ مايو»، سأصف الآن رحلة قصيرة قمت بها حول جزء من هذه الجزيرة. انطلقت صباحًا بصحبة ست خيول وراعيين من الجاوتشو كانا مناسبين تمامًا لهذا الغرض ومعتادين تمامًا على العيش بمواردهما الذاتية. كان الجو عاصفًا وباردًا جدًّا، صاحبه عواصف ثلجية ثقيلة. مع ذلك، مضينا على نحو جيد، لكن لم يكن هناك أي شيء يمكن أن يكون أقل إثارة — إذا استثنينا الجيولوجيا — من مسيرة يومنا. كانت المنطقة عبارة عن نفس الأراضي السَّبخة المتعرجة وكان سطحها مغطًّى بحشائش زاوية ذات لون بني فاتح وبعض الشجيرات الصغيرة للغاية تنبثق جميعها من تربة خُثِّية طرية. في الوديان، قد يشاهد سرب صغير من الإوز البري هنا وهناك، وكانت الأرض طرية للغاية في كل مكان لدرجة أن طائر الشنقب كان قادرًا على الحصول على الغذاء. بجانب هذين الطائرين، كان هناك القليل من الطيور الأخرى. توجد سلسلة واحدة رئيسة من الروابي يبلغ ارتفاعها تقريبًا ٢٠٠٠ قدم وتتكون من صخور الكوارتز وواجهنا صعوبة في اجتياز قممها الوعرة المجدبة. على الجانب الجنوبي مررنا بأفضل الأراضي الريفية للماشية البرية، غير أننا لم نصادف أعدادًا كبيرة منها؛ نظرًا لكثرة ما مرت به مؤخرًا من مضايقات ومطاردات.

في المساء مررنا بقطيع صغير منها. بعد فترة قصيرة نجح أحد مرافقي، واسمه سانت ياجو، في إبعاد بقرة سمينة عن القطيع حيث رمى البولاس الذي ضرب سيقانها لكن كراته فشلت في التشابك معًا. بعدها ألقى قبعته في المكان الذي تركت فيه كرات البولاس، وحلَّ حبل اللازو وهو يطارد البقرة بأقصى سرعة، وبعد مطاردة عسيرة للغاية اقترب من البقرة مرة أخرى وأمسك بها من القرون. كان الجاوتشو الآخر قد مضى قدمًا بالخيول الاحتياطية؛ لذا وجد سانت ياجو صعوبة في قتل البقرة الغاضبة. نجح في إيقافها على أرض مستوية باستغلال اندفاعها نحوه في أغلب الأوقات، وعندما كانت ترفض التحرك، كان حصاني، المدرَّب على هذا، يلحق بها ويدفعها بصدره دفعة عنيفة، لكن على أرض مستوية لا يبدو من السهل على رجل واحد قتل حيوان جنَّ جنونه من الذعر. ولن تكون كذلك أيضًا، إذا لم يتعلم الحصان، عندما يُطاردها بمفرده دون راكبه، الحفاظ على حبل اللازو محكمًا من أجل سلامته، حتى إذا تحرك الثور أو البقرة للأمام، يتحرك الحصان بنفس سرعته للأمام، وإلا فسيظل واقفًا بلا حراك مائلًا إلى أحد الجوانب. غير أن هذا الحصان كان صغيرًا في السن ولم يكن ليقف ساكنًا، لكنه استسلم للبقرة بينما كانت تصارع وتكافح من أجل الخلاص. كان من المثير للإعجاب رؤية براعة سانت ياجو في مراوغة الحيوان إلى أن نجح في النهاية في توجيه الضربة القاتلة للوتر الرئيسي في الساق الخلفية للبقرة ليتمكن بكل سهولة بعد ذلك من غرز سكينه في قمة النخاع الشوكي للعمود الفقري لتنهار البقرة كما لو كانت قد صُعِقَت بالبرق. قطع قطعًا من اللحم مغطاة بالجلد لكنها كانت خالية من العظام وتكفي رحلتنا. بعد ذلك ذهبنا إلى مكان النوم وتناولنا لحمًا مشويًّا بالجلد على العشاء. كان هذا اللحم يتفوق على اللحم البقري المعتاد مثلما يتفوق لحم الغزال على لحم الضأن. تُقطَع قطعة لحم دائرية من الظهر وتُشوَى فوق الجمرات بحيث يكون الجلد للأسفل وعلى شكل صحن فنجان حتى لا يضيع أي قدر من العصارة. لو أن عضو بلدية ذا شأن تناول العشاء معنا ذلك اليوم، لذاع صيت اللحم ذي الجلد بلا شك في لندن عما قريب.

أمطرت السماء خلال الليل، وكان اليوم التالي (السابع عشر) يومًا عاصفًا للغاية صاحبه الكثير من الثلج والبَرَد. ركبنا الخيول عبر الجزيرة حتى وصلنا إلى لسان بري يربط بين رينكون ديل تورو (شبه الجزيرة الكبيرة الواقعة في أقصى الطرف الجنوبي الغربي) وبقية الجزيرة. استنتجنا من العدد الضخم من الأبقار المقتولة، أن هناك عددًا كبيرًا من الثيران. كانت هذه الثيران تتجول فرادى أو في أزواج أو جماعات من ثلاث وكانت متوحشة جدًّا. لم أرَ من قبل مثل هذه البهائم المهيبة المنظر؛ فقد كانت تساوي في ضخامة رءوسها ورقابها التماثيل الرخامية الإغريقية. يخبرني الكابتن سوليفان أن جلد الثور المتوسط الحجم يزن ٤٧ رطلًا، في حين أن جلدًا في مثل هذا الوزن، غير مجفف بالكامل، دائمًا ما يعتبر ثقيلًا جدًّا في مونتفيديو. عادة ما تجري الثيران الصغيرة السن لمسافات قصيرة، لكن الثيران الأكبر سنًّا لا تتحرك خطوة، إلا لتهرول تجاه البشر والخيول، ونتيجة لهذا قُتل العديد من الخيول. عبَر ثورٌ عجوز مجرى مستنقع ووقف على الجانب الآخر منا؛ عبثًا حاولنا إبعاده، وبسبب فشلنا اضطررنا إلى تكوين دائرة كبيرة. كان الجاوتشو عازمين على الانتقام منه بإخصائه ليصبح بلا ضرر في المستقبل. كان من المثير للغاية أن نرى كيف تفوقت المهارة تمامًا على القوة. فقد أُلقي لازو على قرنيه بينما كان يندفع ناحية الحصان وآخر حول ساقيه الخلفيتين وفي غضون دقيقة كان الثور ممددًا على الأرض بلا حول ولا قوة. بعد ربط اللازو بإحكام حول قرنَيْ حيوان ثائر، يبدو في البداية أن حلَّه مرة أخرى دون قتل الحيوان أمرًا ليس بالسهل؛ ولن يكون سهلًا، كما فهمت، لو حاول الرجل القيام بها بمفرده، لكن بمساعدة شخص آخر يقوم برمي اللازو للإمساك بكلتا الساقين الخلفيتين، فإنه سرعان ما يتم؛ فطالما ظلت ساقا الحيوان الخلفيتان ممددتين، فإنه يبقى عاجزًا تمامًا، وبهذا يمكن للرجل الأول إرخاء اللازو من حول القرون بيديه ثم يمتطي الحصان بهدوء، لكن في اللحظة التي يرخي فيها الرجل الآخر القيد، بالتراجع لمسافة قليلة للغاية، ينزلق اللازو من حول ساقي الحيوان الذي ما زال يقاوم والذي ينهض حرًّا ويهز نفسه ثم يندفع عبثًا تجاه خصمه.

خلال جولتنا بالكامل لم نرَ إلَّا قطيعًا واحدًا فقط من الخيول البرية. كان الفرنسيون هم من أدخلوا هذه الحيوانات، وكذلك الماشية، إلى البلاد عام ١٧٦٤ ومنذ ذلك الحين زاد عددها بشكل كبير. من الحقائق اللافتة للنظر أن الخيول لم تترك الجانب الشرقي من الجزيرة رغم عدم وجود حد طبيعي يمنعها من التجول بالإضافة إلى أن الجزء الذي تسكنه من الجزيرة ليس أفضل من بقية الجزيرة. لم يستطع الجاوتشو الذين سألتهم تقديم تفسير لذلك، رغم تأكيدهم على صحته، سوى الارتباط القوي لدى الخيل بأي مكان اعتادت العيش فيه. وبالنظر إلى أن الجزيرة لا تبدو مليئة تمامًا بالحيوانات، ولا يوجد حيوانات مفترسة، انتابني فضول خاص لمعرفة ما الذي حد من زيادتها السريعة من الأساس. إن حدوث بعض الكبح في جزيرة محدودة المساحة عاجلًا أو آجلًا أمر حتمي، لكن لماذا حدث كبح في زيادة الخيول قبل الماشية؟ بذل الكابتن سوليفان جهدًا كبيرًا من أجلي فيما يخص هذا السؤال. يعزو الجاوتشو هنا ذلك بشكل أساسي إلى أن ذكور الخيول دائمًا ما تتجول من مكان إلى آخر، وتجبر الإناث على مرافقتها سواء كان المهور الصغار قادرين على مرافقتها أم لا. أخبر أحد رعاة الجاوتشو الكابتن سوليفان أنه راقب أحد الفحول لساعة كاملة وهو يركل بعنف إحدى الأفراس ويعضها حتى أجبرها على ترك صغيرها لمصيره. يؤكد الكابتن سوليفان هذه القصة الغريبة حتى الآن بأنه في مرات عديدة وجد أمهارًا صغيرة نافقة لكنه لم يجد أي عجل نافق. علاوة على ذلك، يُعثَر على جثث خيول مكتملة النمو على نحو أكثر تكرارًا من جثث الماشية، كما لو كانت أكثر عرضة للأمراض أو الحوادث. غالبًا ما تنمو حوافر الخيل غير منتظمة إلى حد كبير بسبب طراوة الأرض مما يسبب عرجًا في مشيتها. كانت الألوان المهيمنة هي الكستنائي والرمادي الداكن. كانت كل الخيول المولودة هنا، سواء مروضة أو برية، صغيرة الحجم نسبيًّا لكن عادة ما تكون في حالة جيدة، كما أنها فقدت الكثير من قوتها حتى إنها لم تعد قادرة على السيطرة على الماشية البرية باللازو، ونتيجة لذلك، من الضروري اللجوء إلى استيراد خيولٍ نشيطةٍ وسريعة من لابلاتا وتكبد تكلفتها الباهظة. في فترة ما في المستقبل ربما سيملك نصف الكرة الأرضية الجنوبية سلالته الخاصة من خيول الفوكلاند القزمة كما يملك نصفها الشمالي سلالته من الشيتلاند.

كما أشرنا من قبل زاد حجم الماشية بدلًا من أن يتدهور حالها مثل الخيول، وأصبحت أعدادها تفوق الخيول بكثير. يخبرني الكابتن سوليفان أنها تتنوع في الشكل العام لأجسامها وقرونها على نحو أقل بكثير من الماشية الإنجليزية. فيما يتعلق بالألوان، فتتنوع بشكل كبير، ومن اللافت للانتباه أن ألوان الخيل تختلف في مختلف أجزاء هذه الجزيرة الصغيرة. فحول جبل أوزبورن وعلى ارتفاع يتراوح بين ١٠٠٠ و١٥٠٠ قدم فوق سطح البحر، كان نصف بعض القطعان تقريبًا باللون الرمادي الداكن، وهي درجة ليست شائعة في الأجزاء الأخرى من الجزيرة. أما اللون البني الداكن فيشيع بالقرب من بورت بليزنت، بينما الأكثر شيوعًا في جنوب خليج شواسول — والذي يقسم الجزيرة تقريبًا إلى جزأين — هو الخيول البيضاء ذات الرءوس والأقدام السوداء، وربما يلاحظ وجود خيول سوداء بالكامل وأخرى رقطاء. يشير الكابتن سوليفان إلى أن الفارق في الألوان الشائعة كان واضحًا للغاية لدرجة أنه في أثناء البحث عن القطعان بالقرب من بورت بليزانت، كانت تبدو من مسافة بعيدة كنقاط سوداء، بينما في جنوب مضيق شواسول كانت تبدو كنقاط بيضاء على جوانب التلال. يرى الكابتن سوليفان أن القطعان لا تختلط، ومن الغريب أن الماشية ذات اللون الرمادي الداكن، رغم أنها تعيش في أراضٍ مرتفعة، تلد قبل نظيراتها في الأرض المنخفضة بشهر خلال الموسم؛ لذا فمن المثير للاهتمام أن تنقسم الماشية التي كانت مستأنسة في وقت ما إلى ثلاثة ألوان، وأغلب الظن أن واحدًا منها فقط هو ما سيسود على الأخرى في النهاية، لو تُرِكَت القطعان لحالها على مدى القرون الكثيرة القادمة.

كان الأرنب من الحيوانات التي أُدِخَلت ونجح هذا نجاحًا هائلًا؛ لذا كانت أجزاء كبيرة من الجزيرة تزخر بها. غير أنها، شأنها شأن الخيول، محصورة داخل حدود بعينها؛ لأنها لم تعبر سلسلة التلال الرئيسة ولم يكن نطاقها ليمتد حتى إلى قاعدتها لو لم يكن هناك مستعمرات صغيرة حملتها إلى هناك كما أخبرني أحد رعاة الجاوتشو. لم يكن يجب أن أفترض أن هذه الحيوانات، والتي ترجع أصولها إلى شمال أفريقيا، كان يمكن أن توجد في مناخ رطب للغاية كهذا والذي يتسم بقلة ضوء الشمس حتى إن القمح ينضج على نحو عارض فقط. ومن المؤكد أنه في السويد، التي يظن الجميع أن مناخها أكثر ملاءمة، لا يمكن للأرنب أن يعيش في العراء. علاوة على ذلك، كان على الأزواج الأولى القليلة الموجودة هنا مواجهة أعداء موجودين بالفعل مثل الثعلب وبعض الصقور الضخمة. وقد اعتبر علماء الطبيعة الفرنسيون النوع الأسود نوعًا بذاته وأطلقوا عليه الأرنب الماجلاني.٥ فقد كانوا يعتقدون أن ماجلان قد أشار لوجود هذا النوع، في معرض حديثه عن حيوان يسمى «كونيكوس» في مضيق ماجلان، لكنه كان يشير لنوع صغير من القوارض يسمى القُبَيعَة والذي يسميه الإسبان بهذا الاسم حتى اليوم. سخر الجاوتشو من فكرة اختلاف النوع الأسود عن الرمادي وقالوا إنه في جميع الأحوال نطاقه لم يبتعد قط عن النوع ذي اللون الرمادي، وإن الاثنين لم يُعثَر على أحدهما بمعزل عن الآخر منفصلين قط، وإنهما تزاوجا بسهولة وأنتجا سلالة مرقطة. أملك عينة من النوع الأخير ورأسه موسوم على نحو مختلف عن الوصف الفرنسي المحدد. وهذا يبين كم يجب أن يكون علماء الطبيعة حذرين في تصنيف الأنواع؛ لأنه حتى كوفييه، عند النظر لجمجمة أحد هذه الأرانب، ظن أنه ربما يكون مختلفًا!
كان الحيوان الرباعي الأقدام الوحيد الذي يرجع أصله إلى الجزيرة٦ ثعلبًا ضخمًا يشبه الذئب (يسمى ثعلب القطب الجنوبي أو ثعلب جزر الفوكلاند) ويشيع وجوده في شرق وغرب الفوكلاند على حد سواء. لا شك لديَّ في أنها سلالة مميزة ومحصورة في هذا الأرخبيل؛ لأن العديد من صائدي الفُقْمة والجاوتشو والهنود ممن زاروا هذه الجزر يؤكدون أن هذا الحيوان لا يوجد في أي جزء آخر من أمريكا الجنوبية. بسبب تشابه في السلوك، خلط مولينا بينه وبين ثعلب آخر وهو ثعلب باتاجونيا؛٧ لكني رأيت الاثنين وهما يختلفان عن بعضهما تمامًا. تشتهر هذه الذئاب من وصف بيرون لوداعتها وفضولها الذي ظنه البحارة الذين خاضوا في المياه لتجنبها، شراسة. حتى هذا اليوم لا تزال صفاتها كما هي. وقد شوهدت تدخل إحدى الخيام وتسحب بعض اللحم من تحت رأس بحَّار نائم. كذلك كان الجاوتشو كثيرًا ما يقتلونها مساءً بالإمساك بقطعة لحم في يد وفي الأخرى سكين لطعنها بها. على حد علمي، لا يوجد في أي مكان حول العالم، كتلة بهذا الصغر من أرض محطمة بعيدة عن قارة ما تملك مثل هذا العدد الضخم من رباعيات الأقدام الأصلية المتميزة. وقد تناقصت أعدادها بسرعة؛ وقد أُبعِدت بالفعل من نصف الجزيرة الذي يقع إلى الشرق من لسان بري بين خليج سان سلفادور ومضيق بيركلي.

في غضون سنوات قليلة للغاية، بعد أن تصبح هذه الجزر مستوطنة على نحو دائم، من المحتمل للغاية أن يصنف هذا الثعلب مع الدودو كحيوان انقرض وتلاشى من على سطح الأرض.

ليلًا (يوم السابع عشر) بتنا في اللسان البري في رأس خليج شواسول الذي يكوِّن شبه الجزيرة الجنوبية الغربية. كان الوادي معزولًا على نحو جيد جدًّا عن الرياح الباردة، لكن كان ثمة القليل جدًّا من الأغصان كوقود للنار. غير أنني سرعان ما اكتشفت أن الجاوتشو قد صنعوا نارًا بجمر ساخن كالفحم من هيكل عظمي لثور قُتِل مؤخرًا وجردته الصقور آكلة الجيف من اللحم، ما أثار دهشتي كثيرًا. وقد أخبروني أنهم غالبًا ما يقتلون حيوانًا في الشتاء وينزعون اللحم عن العظام بالسكين ويستخدمون نفس العظام في شواء اللحم للعشاء.

•••

«١٨ مايو»، أمطرت السماء على مدى اليوم بالكامل تقريبًا، لكننا نجحنا ليلًا في وقاية أنفسنا من البلل والحصول على الدفء باستخدام قماش أسراج الخيول، لكن الأرض التي كنا نائمين فوقها كانت في كل مرة مثل المستنقع تقريبًا، ولم يكن هناك أي بقعة جافة للجلوس فيها بعد مسيرتنا اليومية. ذكرت في موضع آخر كيف أنه من الغريب ألا يكون هناك أي أشجار على هذه الجزر رغم أن أرخبيل أرض النار مغطًّى بغابة كبيرة. فأكبر أجمة في الجزيرة (تنتمي إلى نباتات الفصيلة النجمية أو المركبة) تصل بالكاد لطول نبات الجولق لدينا. ويتم الحصول على أفضل وقود من شجيرات خضراء صغيرة في حجم نبتة الخلنج الشائع والذي يملك خاصية مفيدة وهي الاحتراق وهو لا يزال أخضر وطازجًا. كان من المدهش للغاية رؤية الجاوتشو وسط الأمطار وكل شيء مغمور بالمياه، يصنعون نيرانًا فورًا بلا شيء سوى قطعة من القماش وعلبة قَدْح. كانوا يبحثون تحت رقع الحشائش الصغيرة والأجمات من أجل العثور على بضعة أغصان جافة ويحولونها بالفرك إلى ألياف ثم يحيطونها بأغصان أكثر خشونة لتُكوِّن ما يشبه عش طائر، ثم يضعون قطعة القماش المشتعلة في وسطه ثم يغطونه. بعد ذلك يُرفَع العش في الرياح فيزيد الدخان الصادر منه تدريجيًّا ثم تندلع منه ألسنة اللهب في النهاية. لا أظن أن أي طريقة أخرى كانت لتنجح في إشعال النيران بمثل هذه الخامات الرطبة.

•••

«١٩ مايو»، في كل صباح، كان جسدي يصاب بتيبس شديد بسبب عدم ركوبي الحصان لبعض من الوقت في اليوم الذي يسبقه. ودُهشت عندما سمعت الجاوتشو، الذين عاشوا منذ الطفولة تقريبًا فوق ظهور الخيول، يقولون إنهم دائمًا ما يعانون في مثل هذه الظروف؛ فقد أخبرني سانت ياجو، أنه خرج لصيد الماشية البرية بعد أن أقعده المرض ثلاثة شهور؛ ونتيجة لهذا تيبَّست فخذاه بشدة في اليومين التاليين حتى إنه اضطر لملازمة الفراش. يوضِّح هذا أن الجاوتشو لا بد أنهم يبذلون مجهودًا كبيرًا حقًّا في ركوب الخيل رغم أنه لا يبدو أنهم يفعلون ذلك. لا بد أن صيد الماشية البرية في منطقة كهذه من الصعب للغاية عبور أرضها السَّبخية كان عملًا شاقًّا للغاية. يقول الجاوتشو إنهم غالبًا ما يعبرون هذه الأراضي بأقصى سرعة؛ لأنه من المستحيل عبورها بخطًى أبطأ؛ وهي الطريقة نفسها التي يمكن بها لشخص التزلُّج فوق الجليد الرقيق. أثناء الصيد، يحاول أفراد المجموعة الاقتراب من القطيع بقدر الإمكان بدون أن تكتشفهم الحيوانات. فيحمل كل رجل أربعة أو خمسة أزواج من البولاس حيث يرمي واحدًا تلو الآخر تجاه أكبر عدد ممكن من الماشية التي بمجرد أن تلتف البولاس حول سيقانها تُترَك لعدة أيام حتى تصاب بالإرهاق بعض الشيء من الجوع والمقاومة، ثم يُطلَق سراحها وتُساق تجاه قطيعٍ صغير من الحيوانات المُروَّضة جُلِبَت إلى المكان خصِّيصَى لهذا الغرض. وبسبب المعاملة السابقة لها، ولهلعها الشديد من ترك القطيع، تُسَاق بسهولة، إذا تبقى بأجسامها أي قوة، إلى المستوطنة.

استمر الطقس الشديد السوء حتى إننا قررنا أن نبذل محاولة للوصول إلى السفينة قبل حلول الليل. كان سطح المنطقة بالكامل سبخةً بسبب كمية الأمطار التي هطلت. أظن أن حصاني تعثَّر أكثر من عشر مرات على الأقل، وأحيانًا كانت الخيول الست تتعثر جميعًا في الطين معًا. كانت كل الجداول الصغيرة يحدها خُث طري يجعل من الصعب جدًّا على الخيول القفز دون أن تسقط. ولتكتمل معاناتنا، كان لزامًا علينا عبور رأس خليج صغير من مياه البحر وصل ارتفاع المياه فيه إلى ظهور الخيول، وبسبب الرياح العنيفة، كانت الموجات الصغيرة تتكسَّر عند الاصطدام بنا وأصابَتْنا بالبرد والبلل الشديدين. حتى أشد أفراد الجاوتشو بأسًا اعترف بسعادته عند الوصول إلى المستوطنة بعد رحلتنا القصيرة.

•••

يتميَّز التكوين الجيولوجي لهذه الجزر بالبساطة في معظم المناحي؛ فالأراضي الأكثر انخفاضًا تتكوَّن من صخر الأردواز الطيني والحجر الرملي وتحوي أحفورياتٍ مرتبطة على نحوٍ وثيق للغاية بتلك التي عُثِر عليها في التكوينات الصخرية من العصر السيلوري في أوروبا وإن كانت لا تطابقها، بينما التلال تتكوَّن من صخور كوارتز حبيبية بيضاء. كثيرًا ما تكون طبقات هذه التلال مقوسةً بتناسق تام ومِن ثَمَّ يكون شكل بعض هذه الكتل من أغرب ما يكون. خصَّص بيرنيتي٨ عديدًا من الصفحات لوصف «تل الأطلال» وهي طبقات متعاقبة قارنها على نحوٍ ملائم بمقاعد مسرح مدرج. لا بد أن صخور الكوارتز كانت ذات قوام معجوني للغاية عندما تعرضت لمثل هذه الانثناءات غير العادية بدون أن تتفتت لشظايا. ومع تسرُّب الكوارتز إلى الصخر الرملي على نحوٍ غير ملحوظ، يبدو من المحتمل أن مصدر الأول يرجع إلى ارتفاع حرارة الصخر الرملي إلى درجةٍ أصبح معها دِبْقًا ثم تبلور عند تبريده. ولا بد أنه دفع لأعلى، عندما كان طريًّا، عبر الطبقات المتراكبة.

في العديد من أجزاء الجزيرة تُغطَّى قيعان الأودية على نحوٍ غير عادي بأعدادٍ لا تُحصى من شظايا ضخمة مفككة حادة الزوايا من صخور الكوارتز مكونة «جداول من الأحجار». وكان كل رحَّالة يذكر هذه الشظايا منذ زمن بيرنيتي وكله دهشة. لم تكن كتل الصخور متآكلةً بسبب المياه، كون زواياها ثلمةً بقدر محدود، وتتباين أقطارها ما بين قدم أو قدمين إلى عشر أقدام أو ما يزيد على عشرين ضعفًا في كثيرٍ من الأحيان. لا تتجمَّع هذه الشظايا في أكوام غير منتظمة، بل تمتد على شكل ألواح مستوية أو جداول كبيرة. ليس بالإمكان التأكُّد من سمكها لكن مياه النهيرات الصغيرة يمكن سماعها وهي تتدفَّق ببطءٍ عبر الأحجار تحت السطح بعدة أقدام. من المحتمل أن يكون العمق الفعلي كبيرًا؛ لأن الصدوع بين الشظايا السفلية لا بد أنها امتلأت بالرمال منذ زمن طويل. يتراوح عرض هذه الألواح الحجرية بين بضع مئات من الأقدام وميل، لكن التربة الخثية تجتاح الحدود يوميًّا بل تُكوِّن جُزَيِّرَات صغيرة أينما تصادف وجود بضع شظايا قريبة بعضها من بعض. في أحد الوديان جنوب مضيق بيركلي، والذي سماه بعض أفراد مجموعتنا «وادي الشظايا العظيم»، كان من الحتمي عبور رقعة متصلة من الأرض لا يقسمها شيء يصل عرضها لنصف ميل بالقفز من صخرة مدببة إلى أخرى. كانت الشظايا ضخمةً لدرجة أنه عندما هطل المطر بشدة، استطعت بسهولة أن أجد ملاذًا تحت إحداها.

كان ميلها البسيط هو أكثر السمات الملحوظة في هذه «الجداول الحجرية»؛ فقد رأيتها على جوانب التلال تميل بزاوية عشر درجات مع الأفق، لكن في بعض الأودية المستوية العريضة القيعان، كان الميل كافيًا فقط لتمييزها بوضوح. لم يكن هناك وسيلةٌ لقياس الزاوية فوق سطح وعرٍ للغاية كهذا، لكن كمثال توضيحي شائع، يمكن القول إن الميل لا يمكنه كبح سرعة عربة بريد إنجليزية. في بعض الأماكن يوجد جدول مستمر من هذه الشظايا يتبع مسار أحد الأودية، بل يمتد إلى قمة التل نفسها. كان هناك كتلٌ ضخمة فوق قمم هذه التلال تتجاوز في أبعادها أي مبنًى صغير، وكان يبدو أنها تقف ثابتةً في مسارها الشديد التحدُّر؛ كما أن الطبقاتِ المقوسة للممرات المقنطرة هناك تتكدَّس بعضها فوق بعضٍ كأطلال كاتدرائية قديمة وضخمة. أثناء محاولة وصف مشاهد الاضطراب الشديد هذه، لا أجد مفرًّا من الانتقال من تشبيه إلى آخر. يمكننا تخيل مجارٍ من الحمم البيضاء تتدفَّق من العديد من أجزاء الجبال داخل الأراضي المنخفضة والتي عندما تجمدت تحوَّلت بفعل اضطراب هائل إلى عددٍ لا يحصى من الشظايا. وينقل تعبير «جداول من الأحجار»، الذي سرعان ما خطر للجميع، الفكرة نفسها. أصبحت هذه المشاهد أكثر لفتًا للنظر بسبب التباين بينها وبين الأشكال المنخفضة الدائرية للتلال المجاورة.

أثار اهتمامي العثور على شظية عملاقة مقوسة فوق أعلى قمة لإحدى سلاسل الجبال (يبلغ ارتفاعها ٧٠٠ قدم فوق سطح البحر) ترقد على جانبها البارز للخارج أو خلفيتها للأسفل. هل يمكن أن تكون قد ارتفعت في الهواء بعض الشيء ثم استدارت؟ أو، وهو احتمال أكبر، أنه كان هناك فيما مضى جزء من نفس السلسلة أكثر ارتفاعًا من النقطة التي يرقد فوقها الآن هذا الأثر الباقي الدال على اضطراب هائل ألمَّ بالطبيعة. وبما أن الشظايا في الوديان ليست دائرية، بالإضافة إلى أن الفجوات ليست مليئة بالرمال، يجب أن نستنتج أن فترة الاضطراب الشديد هذه قد تلت ارتفاع الأرض فوق مستوى سطح البحر. في قطاع مستعرض داخل هذه الوديان، كان القاع مستويًا تقريبًا أو يرتفع قليلًا جدًّا تجاه أحد الجانبين؛ ومِن ثَمَّ تبدو الشظايا كما لو أنها انتقلت من رأس الوادي، لكن في الواقع يبدو الأكثر احتمالًا أنها سقطت من المنحدرات الأقرب؛ ومنذ ذلك الحين، وبفعل حركة اهتزازية ذات قوة ساحقة،٩ تحولت الشظايا إلى لوح متصل مستوٍ. إذا كان الاعتقاد الذي ساد أثناء الزلزال١٠ الذي دمر كونسبسيون في تشيلي عام ١٨٣٥ أنه من المدهش أن أجسامًا صغيرة قد ارتفعت بضع بوصات عن الأرض، ما الذي يجب أن نصف به حركة تسببت في تحريك شظايا يصل وزنها إلى عدة أطنان للأمام كأنها رمال فوق لوح يهتز حتى استقرت ووجدت موقعًا ملائمًا؟ رأيت في سلسلة جبال الأنديز العلامات الواضحة التي تكسرت عندها جبال هائلة إلى قطع رقيقة جدًّا كالقشور والطبقات المجمعة على حوافها الرأسية، لكنها لم تشكل أي شيء، مثل هذه «الجداول الحجرية»، يمكن أن ينقل بقوة إلى ذهني فكرة الاضطراب التي ربما نحاول البحث عن أي نظير لها في سجلات التاريخ بلا جدوى؛ مع ذلك، فإن تطور المعرفة ربما سيتيح لنا يومًا ما تفسيرًا بسيطًا لهذه الظاهرة، مثلما فسرت لنا انتقال الجلاميد الصخرية الجانحة المتناثرة عبر سهول أوروبا، والذي كان أمرًا غامضًا لزمن طويل.

•••

لديَّ القليل مما يمكنني التعليق عليه فيما يتعلق بالحياة الحيوانية في هذه الجزر. لقد وصفتُ من قبل نسر الأشبور الجيفي. يوجد أنواع أخرى من الصقور والبوم وبعض الطيور الأرضية الصغيرة. وتكثر الطيور المائية على نحو خاص، ولا بد أنها كانت فيما مضى، من واقع روايات الملاحين القدامى، أكثر من هذا بكثير. في أحد الأيام شاهدت أحد طيور الغاق يلهو بسمكة اصطادها. أطلق الطائر سراح فريسته ثماني مرات متتالية لتسقط في المياه وكان يغوص وراءها في كل مرة رغم عمق المياه ويحضرها في كل مرة إلى السطح. في الحدائق الحيوانية رأيت قضاعة بحرية تعامل سمكة بالطريقة نفسها، مثلما يفعل القط مع الفأر؛ ولا أعرف أي أمثلة أخرى بدت فيها الطبيعة قاسية بهذا الشكل المتعمد. في يوم آخر، بعدما اتخذت موقعي بين بطريق (من نوع الطرسوح القاعي) وبين المياه واستمتعت كثيرًا بمراقبة سلوكه. كان طائرًا شجاعًا؛ فحتى وصل للبحر، ظل يناوشني ويدفعني للوراء. لم يكن هناك ما يوقفه سوى ضربات قوية؛ فكل بوصة كان يسيطر عليها كان يحتفظ بها بقوة؛ إذ كان يقف منتصبًا قُبَالتي على مسافة قريبة وكله عزم وإصرار؛ لذا عندما كان يعترضه أحد، كان يدير رأسه باستمرار من جانبٍ إلى جانب على نحو غريب جدًّا كما لو كانت قوى الإبصار التي يتميز بها تقع فقط في الجزأين الأمامي والقاعدي من كل عين. يطلق على هذا الطائر عادة البِطْريق الحمار بسبب سلوكه على الشاطئ حيث يلقي رأسه للوراء ويصدر ضوضاء غريبة عالية تشبه إلى حد كبير نهيق الحمار، لكنه عندما يكون في البحر ولا يتعرض لأي إزعاج، تكون نغمة صوته عميقة للغاية وغليظة وغالبًا ما يُسمَع ليلًا. أثناء الغوص يستخدم أجنحته الصغيرة كزعانف، لكن على البر يستخدمها كسيقان أمامية. أما عند الزحف، فقد يبدو أنه يستخدم أربع سيقان، وحين يكون بين كتل الأعشاب النامية أو على جانب جُرْف معشوشب، يتحرك بسرعة تجعل الناظر يظن بسهولة أنه حيوان رباعي الأقدام. عندما يصطاد في البحر، يصعد إلى السطح بغرض التنفُّس بقفزة سريعة ثم يغطس مرة أخرى فورًا حتى إنني أتحدى أي شخصٍ يراه لأول مرة ألا يظن أنه رأى سمكة تقفز من أجل اللهو.

ثمة نوعان من الإوز يكثر وجودهما في جزر الفوكلاند. الأول يسكن أراضي مرتفعة (ويسمى البط الماجلاني) ويشيع وجوده في أزواج وأسراب صغيرة في جميع أنحاء الجزيرة. لا تنزح هذه الطيور بل تتجمع على الجُزَيِّرَات الصغيرة المتطرفة. من المفترض أن هذا يحدث بسبب الخوف من الثعالب وربما يكون كذلك بسبب أن هذه الطيور، رغم كونها وديعة جدًّا في النهار، خجولة وعدوانية في المساء. يعيش هذا النوع بالكامل على النباتات. يشيع وجود إوز الصخر (بط القطب الجنوبي)، والذي سمي بهذا الاسم نظرًا لانحسار معيشته على شاطئ البحر، هنا وعلى الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية ويمتد شمالًا حتى تشيلي. في الأخاديد العميقة والمنعزلة لأرض النار، كان مشهد الذكر ذي اللون الأبيض الثلجي، وبصحبته أنثاه الأكثر دكنة وهما يقفان أحدهما بالقرب من الآخر على نقطة صخرية بعيدة، سمة عامة للمشهد الطبيعي.

يوجد نوع من البط أو الإوز ضخم ذو رأس كبير (يُدعى البط القصير الأجنحة)، والذي يزن في بعض الأحوال ٢٢ رطلًا، يشيع وجوده بكثرة في هذه الجزر. كانت هذه الطيور فيما مضى تسمى بخيل السباق لأسلوبها المدهش في التجديف والخوض في المياه، لكنها الآن تسمى الباخر، وهو اسم أكثر ملاءمة بكثير. تتميز هذه الطيور بأجنحتها الصغيرة للغاية والضعيفة التي لا تسمح لها بالطيران، لكنها تستخدمها تارة في السباحة وتارة في ضرب سطح المياه ما يساعدها على التحرك بسرعة. يشبه هذا الأسلوب أسلوب البط المنزلي في الهروب من الكلاب عندما تطاردها، لكني شبه متأكد أن البط الباخر يحرك أجنحته بالتناوب بدلًا من تحريكها معًا بالتزامن كما تفعل الطيور الأخرى. يصدر هذا البط الأبله ذو الرأس الكبير ضوضاء عالية وينثر الماء بشكل مثير للفضول إلى أقصى حد.

وهكذا نجد في أمريكا الجنوبية ثلاثة طيور تستخدم أجنحتها لأغراض أخرى غير الطيران؛ فتستخدمها البطاريق كزعانف، والبط الباخر كمجاديف، والنعام كأشرعة، أما الكيوي في نيوزلندا وسلفه العملاق المنقرض، الموا العملاق، فيملكان بدائل بدائية للأجنحة فقط. يستطيع البط الباخر الغوص فقط لمسافة قصيرة جدًّا ويتغذى بالكامل على المحاريات التي يحصل عليها من طحالب البحر وصخور المد والجزر؛ لذا فإن الرأس والمنقار ثقيلان وقويان على نحو لا يُصدَّق من أجل كسر القواقع؛ وقد كان الرأس قويًّا لدرجة أنني بالكاد استطعت أن أصنع شرخًا فيه بمطرقتي وسرعان ما اكتشف كلُّ صيادينا كم كانت حياة هذه الطيور تتسم بالعناد والصلابة. عندما تتجمع في المساء في سرب، تصدر نفس المزيج الغريب من الأصوات الذي يصدر من ضفادع الثور الأمريكية الكبيرة في المدارات الاستوائية.

•••

في أرض النار، وكذلك في جزر الفوكلاند، سجلت العديد من الملاحظات عن الحيوانات البحرية التي تسكن الأراضي المنخفضة١١ لكنها ليست ذات أهمية كبيرة في العموم. سأذكر فقط مجموعة واحدة فقط من الحقائق تتعلَّق ببعض الحيوانات النباتية (حيوانات تشبه النباتات) في الشعبة الأكثر تنظيمًا من هذا التصنيف. تتشابه أجناس عديدة (مثل فلوسترا، واسكارا، وسيلاريا، وكريسيا، وغيرها) في امتلاكها أعضاء فريدة متحركة (كأعضاء الفلوسترا أفيكولاريا التي توجد في بحار أوروبا) متصلة بخلاياها. يشبه العضو في العدد الأكبر من الحالات، إلى حد كبير رأس النسر، لكن الفك السفلي يمكن أن ينفتح ليصبح أعرض بكثير من منقار طائر. يمتلك الرأس نفسه قدرات حركية كبيرة عن طريق رقبة قصيرة. وفي أحد الحيوانات النباتية كان الرأس نفسه ثابتًا لكن الفك السفلي كان حرًّا، وفي آخر كان يوجد مكان الرأس غطاء مثلثي الشكل به ما يشبه بابًا مسحورًا يتناسب معه تمامًا يؤدي بوضوح للفك السفلي. وفي العدد الأكبر من الأنواع، كانت كل خلية تملك رأسًا واحدًا، لكن في أنواع أخرى كان لكل خلية رأسان.

تحتوي الخلايا الشابة في نهاية فروع هذه الحيوانات المرجانية على سلائل غير ناضجة تمامًا، ومع ذلك كانت رءوس النسور المتصلة بها، رغم صغرها، مكتملة تمامًا. فعندما كانت تُزال السلائل بواسطة إبرة من أي خلية، لم يبدُ ذرة تأثير على هذه الأعضاء. وعندما قُطِع رأس من الرءوس التي تشبه رءوس النسور من الخلية، حافظ الفك السفلي على قدرته على الانفتاح والانغلاق. ولعل أكثر الأجزاء غرابة من تكوينها هو أنه عندما كان هناك أكثر من صفين من الخلايا على فرع واحد، كان حجم الخلايا المركزية المزودة بهذه الزوائد يصل إلى ربع حجم الخلايا الخارجية فقط. كانت حركاتها تتنوع طبقًا للنوع، لكن في بعض الأنواع لم ألاحظ أقل قدر من الحركة؛ بينما البعض الآخر، حيث كان الفك السفلي عادة ما يكون مفتوحًا على مصراعيه، كان يتأرجح للخلف والأمام بمعدل خمس ثوانٍ لكل حركة؛ وأخرى كانت تتحرك بسرعة وعن طريق الوثب. عند لمسها بواسطة إبرة، كان المنقار عادة ما يمسك بطرفها بقوة حتى إن الفرع كله قد يهتز.

لا توجد أيما صلة لهذه الأجسام بإنتاج البيض أو الدريرات؛ إذ إنها تتكون قبل ظهور السلائل الشابة في الخلايا في أطراف الأغصان النامية؛ إذ تتحرك مستقلة عن السلائل ولا تبدو متصلة بها بأي حال من الأحوال. ولما كانت تختلف في الحجم على صفوف الخلايا الخارجية والداخلية، فإن لديَّ القليل من الشك في أنها ترتبط في وظائفها نوعًا ما بالمحور القرني للأغصان أكثر من السلائل في الخلايا. كذلك تشكل الزائدة اللحمية في الطرف السفلي لقلم البحر (الموصوف في باهيا بلانكا) جزءًا من الحيوان البحري ككل مثلما تشكل جذور أي شجرة جزءًا من الشجرة الكاملة وليس الورقة الفردية أو براعم الأزهار.

في كائن مرجاني صغير آخر جميل الشكل (الكريسيا)، كانت كل خلية مزودة بما يشبه فرشاة خشنة طويلة الأسنان لها القدرة على التحرك بسرعة. كل واحدة من هذه الفراشي وكل رأس من الرءوس الشبيهة برأس النسر كانت تتحرك بمعزل عن الأخرى، لكن في بعض الأحيان كانت كل الرءوس والفراشي على الجانبين، وأحيانًا تلك الموجودة على جانب واحد فقط، تتحرك معًا في الوقت نفسه، وأحيانًا كانت كل واحدة تتحرك بترتيب منتظم الواحدة تلو الأخرى. وهذه الحركات تبين لنا بوضوح أن ثمة انتقالًا إراديًّا في الحيوان النباتي، رغم أنه مكوَّن من آلاف السلائل المختلفة كما في أي حيوان فردي. لا يختلف الحال في الواقع عن حال أقلام البحر، التي عندما تُلمَس تنكمش داخل الرمال على ساحل باهيا بلانكا. سأذكر مثالًا آخر للحركة الموحدة، وإن كان من طبيعة مختلفة تمامًا، لدى حيوان نباتي ذي قرابة وثيقة بطحالب كليتيا ولذا فهو ذو تكوين بسيط جدًّا. بعد أن احتفظت بحزمة كبيرة منها في حوض كبير من المياه المالحة، وجدت أنه عند فرك أي جزء من فرع ما في الظلام، تضيء الحزمة بالكامل بضوء أخضر قوي؛ لا أظن أني رأيت شيئًا أكثر جمالًا من ذلك من قبل، لكن المثير أن ومضات الضوء دائمًا ما كانت تسري في الأفرع لأعلى بدءًا من القاعدة حتى الأطراف.

figure
مضيق بيركلي، جزر الفوكلاند.

طالما كان فحص هذه الحيوانات المركبة مثيرًا جدًّا بالنسبة إليَّ. ما الذي يمكن أن يكون أكثر جدارة بالملاحظة من كائن يشبه النباتات ينتج بيضة قادرة على السباحة واختيار مكان ملائم للالتصاق به، ثم ينمو إلى فروع كل منها متخم بعدد لا يُحصى من الحيوانات المختلفة، التي غالبًا ما تكون ذات تكوينات معقدة. علاوة على ذلك، تمتلك الفروع أحيانًا، كما رأينا، أعضاء قادرة على الحركة ومستقلة عن السلائل. وبالرغم من أننا نندهش من اتحاد هؤلاء الأفراد المستقلين في كيان مشترك، فإن كل شجرة نراها تفعل الشيء نفسه؛ إذ يجب النظر للبراعم على أنها نباتات منفردة. ومع ذلك، من الطبيعي اعتبار سليلة، مزودة بفم وأمعاء وأعضاء أخرى، كائنًا منفردًا بحد ذاته بينما لا تُدرَك فردية برعم ورقي بسهولة؛ لذا فإن اتحاد كائنات فردية متفرقة في جسم واحد مشترك أكثر إثارة للدهشة في كائن مرجاني منه في شجرة. ربما يساعد في فهمنا للحيوان المركب، حيث تكون فرديته في بعض الجوانب غير تامة، التأمل في إنتاج مخلوقَيْن مختلفَيْن بشطر كائنٍ مفرد بسكين إلى نصفين أو عندما تتولى الطبيعة نفسها مهمة الشطر. يمكننا اعتبار السلائل في حيوان نباتي، أو البراعم في شجرة، حالات لم يفعَّل فيها تقسيم الفرد على نحو تام. بالتأكيد في حالة الأشجار، ومن خلال المقارنة بالكائنات المرجانية، فإن الأجسام الفردية التي تتكاثر عن طريق البراعم تبدو أشد ارتباطًا ببعضها من ارتباط البويضات أو الحبوب بمصادرها الأصلية. الآن يبدو من المؤكد إلى حد كبير أن النباتات التي تتكاثر عن طريق البراعم تشترك جميعها في دورة حياة مشتركة؛ ومن المعروف للجميع أن أي ميزات خاصة متفردة ومتعددة تنتقل بالتأكيد بواسطة البراعم والطبقات والطعوم التي لا تعود للظهور بالتكاثر البذري مطلقًا أو تظهر فقط على فترات.

هوامش

(١) طبقًا لفولني (المجلد الأول، صفحة ٣٥١)، تتسم صحاري سوريا باحتوائها على الأجمات الشجرية والعديد من الجِرْذان والغزلان والأرانب البرية. أما في باتاجونيا، فيحل الجوناق محل الغزال ويحل الأجوتي محل الأرنب البري.
(٢) لاحظت أنه قبل عدة ساعات من نفوق أي نسر من نسور الكوندور، تنتقل كل حشرات القمل التي تعيث في جسده إلى الريش الخارجي. وقد تأكد لي أن هذا يحدث دائمًا.
(٣) مجلة «ناتشورال هيستوري» اللندنية، المجلد السابع.
(٤) من واقع الروايات التي ذاعت منذ بدء رحلتنا، بالأخص من الرسائل المثيرة العديدة الواردة من الكابتن سوليفان من البحرية الملكية التي استخدمت في المسح، يبدو أننا كان لدينا رؤية مبالغ فيها عن سوء المناخ في تلك الجزر، لكن عندما أفكر في الغطاء شبه الشامل المكون من الخُث، وكذلك في حقيقة ندرة نضوج القمح هنا، لا أكاد أصدق أن المناخ في الصيف لطيف جدًّا وجافٌّ كما صُوِّر لي مؤخرًا.
(٥) كتاب «علم الحيوان في رحلة الكوكي»، المجلد الأول، صفحة ١٦٨. يذكر جميع الرحالة الأوائل، وخاصة بوجينفيل، بوضوح أن الثعلب الذي يشبه الذئب كان هو الحيوان الأصلي الوحيد على تلك الجزيرة. وقد استمد تمييز الأرنب كنوع مستقل من سمات خاصة في الفراء وشكل الرأس وقصر الأذنين. يمكنني هنا الإشارة إلى أن الفرق بين الأرنب البري الأيرلندي والإنجليزي يعتمد على سمات مشابهة تقريبًا لكنها ملحوظة على نحو أقوى.
(٦) غير أن لديَّ سببًا للشك في وجود فأر حقول. كان الجُرَذ والفأر الأوروبي الشائعان يتجولان بعيدًا عن مستعمرات المستوطنين. كما أن الخنازير الشائعة كانت تتجول بحرية في جُزَيِّرة من الجُزَيِّرات وكلها باللون الأسود؛ أما الخنازير البرية فتتميز بالشراسة الشديدة ولها ناب كبير.
(٧) ثعلب باتاجونيا هو الثعلب الماجلاني الذي عاد به الكابتن كينج من مضيق ماجلان، ويشيع وجوده في تشيلي.
(٨) بيرنيتي، «رحلة إلى جزر الفوكلاند»، صفحة ٥٢٦.
(٩) «لم ننبهر من قبل بمنظر الكميات التي لا حصر لها من الحجارة من كل الأحجام المكدسة بعضها فوق البعض ورُصَّت كيفما اتفق كما لو كانت كُوِّمَت بإهمال لتملأ الوهاد. لا نمل أبدًا من الإعجاب بالآثار المدهشة للطبيعة.» بيرنيتي، صفحة ٥٢٦.
(١٠) أكد لي أحد سكان ميندوزا، وبالتالي لديه القدرة على الحكم على نحو صحيح، أنه خلال السنين الطويلة التي أقام فيها على هذه الجزر لم يشعر قط بأقل هزة أرضية.
(١١) فوجئت أثناء عد بيض بزاق بحري ضخم أبيض اللون (كان طوله ثلاث بوصات ونصفًا) لغزارة أعدادها على نحو مدهش. كان البيض يوضع في أكياس بيضاوية صغيرة يحوي الواحد منها من بيضتين إلى خمس (قطر الواحدة يبلغ واحدًا على ٣٠٠٠ جزء من البوصة). كانت البيضات مرتبة بشكل ثنائي في صفوف مستعرضة تشكِّل شريطًا. كان الشريط ملتصقًا بطرفه إلى صخرة في تكوين حلزوني بيضاوي. أحد الشرائط التي وجدتها كان طوله ٢٠ بوصة تقريبًا وعرضه بوصة واحدة. بحساب عدد الكرات التي يحتويها عُشر بوصة في الصف الواحد وعدد الصفوف في جزء مماثل من الشريط، فإن أبسط الحسابات تبين وجود ٦٠٠٠ بيضة. مع ذلك لم يكن هذا البزاق شائعًا إلى حد كبير بالتأكيد، فرغم أني كثيرًا ما كنتُ أبحث تحت الأحجار، فقد رأيت سبعة منها فقط. «ما من مغالطة أكثر شيوعًا بين علماء الطبيعة من فكرة أن أعداد أفراد أي نوع تعتمد على قدراته في التناسل.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠