الفصل الثالث

السحب

والآن تبدأ الهجرة، فيسوع الحليمُ والسراجُ المنيرُ الذي جال صيفًا بأكمله في بلاده مُوَاسِيًا شافيًا، فلم يدْعُ أحدًا إلى مقاتلة الأقوياء، ولم يهاجم شعبَ الربِّ وزعماءَه بأُورشلِيم يُضْطَرُّ إلى الاختفاء في الغَابِ، وفي قُعُور الصخور، وإلى مجاوزة شاطئ البحيرة والحدود؛ ليقضيَ الخريف والشتاء خارجها فِرارًا من مضطهديه.

انقضى دورُ التنقُّل بين المُدُن والقرى كما بين الأعراس، انقضى دورُ لَذَّةِ تنفيذ المقاصد وسعادةِ الهداية إلى الدين الجديد، فانقلب يَنْبُوعُ المَحَبَّة الصافي، الذي كان يُفَجِّرُه كلامه في قلوب الجمهور إلى نهرٍ كبيرٍ ذي مياه صُفْرٍ عَكِرَة، انقضى دور النصر الجميل بغير قتال، فيخشع الإنسان به أمام رحمة الربِّ وكرمه، انقضى دور العِصْمَة الأول البعيد من الغَيْرَة، فعلى الرسول أن يواجه الآن خيانةً وغدرًا وافتراءً وجحودًا وسُخْرِيةً، فيثقل ذلك على نفسه، فيؤدي إلى إظهار ثقته بذاته من مخبئها الخفيِّ، فتتحول هذه الثقة إلى اعتزازٍ، فتقوم الأوضاع المَلَكِيَّة مقامَ الخُشُوع، وينتحل ابن الإنسان مظهرَ ابنِ الله.

ويظهر أن يسوع رَكِبَ سفينةً فهاجر في بدء الأمر إلى جولان، فإلى بيت صيدا الواقعة في منطقة بحر الجليل الشمالية الشَّرْقِيَّة الهادئة الخصيبة؛ حيث يصبُّ نهر الأُرْدُن فَيُؤَلِّف طبقةً غِرْيَنِيَّة،١ وبالأمس كان السُّلْطَان في تلك المنطقة لفيليبس، الذي هو أحسنُ أبناء هِيرُودُس، واليوم آلت السلطة فيها إلى أمراء تابعين لرومة، فَضُمَّتْ إلى سورية، وتبعد هذه المنطقة من العاصمة الجديدة دمشق، وأبعد من ذلك رومة التي تصدر منها الأوامر، فلا يستطيع هِيرُودُس أنتيباس أن يتدخل في شئون بلادٍ مجاورة مثلها عاطلةٍ من سيد. ومن الملحوظ أن يجد مهاجرٌ كيسوع أَمْنًا في بلدٍ يرتبك في دور انتقال كذلك البلد، ولا نعرف عدد الأسابيع التي قضاها يسوع مطمئنًّا هنالك؛ وإنما نعلم أنه وُجِدَ بعد زمنٍ من تلك السنة في مدينة جدرة الصغيرة السورية الواقعة في جنوب البحيرة الشرقي، فيقطن بها أُناسٌ من الإغريق، ففيها يرى يسوع أنه في مَأْمَنٍ من أعدائه، فَمَن ذا الذي يَظُنُّ وجودَ معلم يهوديٍّ في مثل تلك القلعة الوثنية؟

لم تلبث قدرة يسوع على الشفاء أن أخرجته من مهجره، وبيانُ الأمر أن قطيع خنازيرَ كثيرةٍ كانت تَرْعَى الكلأَ في الوادي الملاصق لتلك المدينة، فيركض من بينها مجنونٌ إلى يسوع؛ لِمَا سمعه عنه بعد أن كان يسكن القبورَ والمغاورَ، فَكَسَرَ قيوده، فلم يَسْطِعْ أحدٌ أن يزجره لرميه الحجارة على كلِّ مَن يدنو منه، فينادي يسوع قائلًا كما قال المجنونُ الأول الذي شفاه في كَفْرِ نَاحوم: «ما لي وَلَكَ يا يسوع ابنُ الله العليِّ، أستحلفُك بالله ألا تُعَذِّبني!» فيسأله يسوع: «ما اسمك؟» فيجيبه بصوت راعدٍ: «اسمي لَجِئُون؛ لأننا كثيرون.» فَيُحَدِّقُ إليه يسوع، فَيَهُزُّه، فيقرأ عليه العَزَائِم، فيهدأ جنونه فَيُشْفَى، ويراقبُ الرُّعاة ما حدث، فيسقط في تلك الأثناء بعضُ الخنازير الضالَّة من فوق الجُرُف إلى البَحْر.

ذُعِرَ أولئك الرُّعَاةُ فاعتقدوا أن الشيطان ترك ذلك المجنون ودخل في الخنازير، فَفَرُّوا إلى المدينة، فَقَصُّوا ما حدث على ساكنيها مع مبالغة، فَيُهْرَعُ هؤلاء فَيَجِدون الممسوسَ مُبَرَّأً، ويجدون الخنازير غارقةً، ويجدون الغرباء الذين هم سبب ذلك هنالك، فيستحوذ عليهم فَزَعٌ، فيطلبون من هؤلاء السَّحَرة أن ينصرفوا عن تخُومِهم.

غشاءٌ كثيف يغشى أعمال المحسنِ فَيُطْرَد، ولماذا؟ أمن أجل بضعة خنازير لم تلبث القصة أن جعلت منها ألوفًا كما اعتقد ذلك المجنونُ وجودَ جَوْقَةٍ من الشياطين فيه؟ يظهر أن يسوع خَسِر بعض فَتْنِه؛ لِمَا أصابه من الاضطهاد، فأضحى يُجْتَنَبُ وَيُطْرَد، بعد أن كانت تُفَتَّحُ له الأبواب؛ لِمَا بدا عليه من علائم التَّشَرُّد، وحبِّ الاطلاع، وتنافر الصوت، فلم يَبْق لديه سوى العودة إلى الجليل؛ حيث ينتظره أعداؤه، وحيث تَحِيقُ به الأخطار.

figure
مرثا ومريم.

إليك الفَرِّيسِيين في الجليل يَجِدُّون في طلب يسوع، فأين يلاقونه إذن؟ يعلم جميع مَن في البلاد، منذ زمن، ماذا حدث في الناصرة، وفي هذا سببُ عدم ظهوره حتى في المعبد، حتى على رأس الجبل، حتى على شاطئ البحيرة، حتى في الميدان العام، فهل خاف فغاب عن الأنظار؟ فأما وقد عاد أخيرًا إلى البلاد، فإنه لا يستطيع الاختفاء يومًا واحدًا ما ذاع خبر رجوعه، وأخذ يطوف في المُدُن والقرى الواقعة حول البحيرة منذ اليوم الثالث، والنَّاس ليسوا من الحَمْقَى كأهل الناصرة؛ فهم لا يريدون مهاجمته بغير حَذَرٍ، وهم في ذلك كالعدوِّ الذي يفاوض عدوَّه ليكتشف محل الضعف فيه قبل أن يهاجمه.

ويعرفهم يسوع بمَشْيهِم في السوق، وتَناسُب خُطَاهم، واتِّزَانُ حركاتهم، وحدَّة نظراتهم، وانقباضَ شفاههم، وفتورَ سلامهم المؤدب، ويبصر يسوع من خلال هَلَعِه دُنُوَّ العدوِّ، فَيَنْضُبُ حُبُّه الفياضُ للناس في أعماق قلبه، ويسأله فَرِّيسِيَّان واقفان على حافة الطريق باهتمام: «متى يأتي ملكوت الله؟» فينتحل طوريهما، فيجيب عن سؤالهما كَمَن يريد أن يُعَلِّمَ لا أن يلوم: «لا يأتي ملكوت الله بمراقبة، ولا يقولون هُوَ ذَا ها هنا، أو هو ذا هنالك؛ لأن ها ملكوت الله داخلكم.» ثم ينصرف فيتعقبانه بعيونهما هازَّيْن أكتافهما غيرَ شاعرين بالنفحة النبوية التي صدرت عنه، وإن شئتَ فَقُلْ بالمبدأ الجديد الذي هو من القوة؛ بحيث يكفي لرجِّ العالم القَدِيم. أجل، إن يسوع النَّجَّار قال لهما: «ها ملكوت الله داخلكم.» وسار في طريقه؛ غير أن ذينك الفَرِّيسِيَّيْن كانا من الغرور ما لم يسمعا معه حفيف الأجنحة الخفيَّة، فيشعرا بحضور الربِّ الذي يريان أنه «لا يُدْرَك».

ويرى آخرون ذاتَ يومٍ امتحان النبيِّ الجديد فيسألونه أن يُرِيَهم آيةً من السماء، فتعتريه سَوْرَة غضبٍ، فيضبط نفسه بدلًا من إبدائها، فيجيب عابسًا: «إذا كان المساء قلتم صَحْوٌ؛ لأن السماء مُحْمَرَّةٌ، وفي الصباح اليومَ شتاءٌ؛ لأن السماء مُحْمَرَّةٌ بعُبُوسة. يا مُرَاءون! تعرفون أن تُمَيِّزُوا وجه السماء، وأما علاماتُ الأزمنة فلا تستطيعون! جيلٌ شِرِّيرٌ فاسقٌ يلتمس آيةً، ولا تُعْطَى له آيةٌ!»

والحقُّ أن السماء مُكْفَهِرَّةٌ، وفيها الآيات، وليس زمن نزول صاعقةٍ منها ببعيد، وَتَصِلُ أنباء يسوع الناصريِّ إلى أولياء الأمور بأُورشليم تِبَاعًا، فَيُرْسِلون إلى الجليل كَتَبَةً؛ لِيَرَوْا مَن يتبعه، وَلِيَرَوْا هل يُجَدِّف على الله، وليبحثوا عن وسائلَ للقبض عليه، ولا يصعُب العثور عليه ما التفَّ الجمهور حوله من جديدٍ، وَجَمْعُ الشهود ضدَّه هو ما يرغبُ فيه أعداؤه.

لم يسمع الكتبة إلحادًا؛ وإنما عَلِموا أن تلاميذَ يسوع لا يَغْسِلُون أيديَهم قبل الطعام، وَغَسْلٌ كهذا لم يكن واجبًا إلا قبل الأكل من الموائد القُرْبانيَّة، ثم وُسِّعَ تفسير الشريعة فقيل بضرورة غسل الأيدي قبل الطعام من الموائد العادية، فأضحى ذلك عادةً في العاصمة، لا بين فلاحي المناطق القاصية المساكين الذين لم يسمعوا شيئًا عن ذلك على ما يحتمل، وليس في ذلك كبيرُ أمرٍ؛ وإنما يُعَدُّ بَدَاءَةً يُسْتَدْرَجُ منها يسوع الثائر، ومن المحتمل أن يكون ذلك قد وقع مساءً في مكانٍ عامٍّ؛ حيث يجلس النَّاس على عَتَبِ بيوتهم، أو يتكئون على عَمَدِها، أو يسيرون ذهابًا وإيابًا طلبًا للطراوة، ويقترب أولئك الكَتَبَةُ من يسوع ويسألونه جهرًا: «لماذا يَتَعَدَّى تلاميذُك تقليدَ الشيوخ، فإنهم لا يَغْسِلُون أيديهم حينما يأكلون خبزًا؟»

ويعلم يسوع حضور الكتبة، وهو لو لم يرهم لشعر بقربهم منه، وهو يُعْتَرضُ عليه للمرة الأولى في حياته بالنظام العام وبالشريعة وبأُورشليم، ومثل هذا ما رآه حينما تَصَدَّى رسل مجلس السنهدريم ليُوحَنَّا مُؤَنِّبِين مجادلين، فكانوا رُسُلَ النَّاس أمام رسول الله، فلم يختلفوا عن هؤلاء عبوسًا ورفعَ أصابعَ، فيتمثل يسوع شخصَ المَعْمَدَان وصوتَه، ويتذكر قوله: «يأتي مَن هو أقوى مني!» وسؤاله عمَّا إذا كان هو الذي أقوى منه، فَيَنْتَبِه فيه شعورُه بقدر نفسه بغتةً، بعد أن رَقَدَ فيه بِفِرَاره، فَيُبْعَثُ فيه حبُّ مهاجمة العدوِّ علنًا، وإلى هذا يُضَاف ما يساور يسوع من القلق التقليديِّ عند نظره إلى تلك الوجوه، كما يُضاف إليه تَوَتُّر الوضع الحاضر. وليس في سؤال الكَتَبَة المضحك ما يستحقُّ أن يجيب عنه؛ وإنما يلوح أن سلاحًا خفيًّا أصبح في يديه المعصومتين، فَتَحَدَّى أعداءه في الميدان العام بصوتِ المَعْمَدَان الرخيم: «وأنتم أيضًا لماذا تَتَعَدَّوْنَ وصيةَ الله بسبب تقليدكم؟ فإن الله أوصى قائلًا: أكرم أباك وَأُمَّك، وَمَن يشتُم أبًا أو أمًّا فَلْيَمُتْ موتًا، وأما أنتم فتقولون: مَن قال لأبيه أو أمه قُرْبَانٌ هو الذي تنتفعُ به منى، فلا يُكْرِم أباه أو أُمَّه؛ فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم. يا مراءون! حسنًا تَنَبَّأَ عنكم إشَعْياء قائلًا: يقترب إليَّ هذا الشَّعْب بفمه، وَيُكْرِمُني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعدٌ عني بعيدًا، وباطلًا يعبدونني وهم يُعَلِّمون تعاليم هي وصايا النَّاس.»

وهكذا يناهضهم يسوع بتقاليدهم، وهكذا يخاصمهم بكلام أنبيائهم، وهكذا يَصْفَعُهم بما يألم به من أَثَرَتهم الأثيمة. ويظهر أن سَهْمَه مَسَّ القلبَ فلم يقولوا كلمةً، بل انقلبوا راجعين؛ وإنما أصاب سهمُهم الذي صَوَّبوه إليه مقتلًا منه حينما حَلَّ وقت انتقامهم.

ويشعرُ يسوع بأن كلامه ناريٌّ، ولم يكلم يسوع الشَّعْب منذ وقت غير قصيرٍ، ولم يَحْدُث أن خاطب يسوع الشَّعْب بمثل تلك الشِّدَّة، وَيُحَدِّث يسوع الجمهورَ بحماسةِ يُوحَنَّا، وعلى ما تراه من وجود يسوع في بلدٍ صغير كثير الغُبَار، فإنه يستأنف بذلك القول حُكْمَ أُورشليم لدى بلاد الجليل بأسْرها، ويهزأ يسوع بِحَظْر بعض أنواع الطعام على أنه غيرُ نظيفٍ خلافًا لأحبار أُورشليم، فيقول على مسمعٍ من أولئك الكتبة: «ليس ما يدخلُ الفمَ يُنَجِّسُ الإنسان، بل ما يخرج من الفم هذا يُنَجِّسَ الإنسان.»

وَذُعِرَ تلاميذُ يسوع، فهم لم يَرَوْه هائجًا مثلَ ذلك فيما مضى، وساورهم القلق من حدوثِ صراعٍ جديدٍ، فَدَنَوْا منه قائلين له بصوت خافت: «أتعلم أن الفَرِّيسِيِّين لَمَّا سمعوا القولَ نَفَرُوا؟» ولكنه، وهو الذي كان حليمًا حَذِرًا، لم يضبط نفسه في هذه المرة بعد أن تعاقبت الصور في ذهنه، فَتَحْفِزُه إلى الاستهزاء بِالفَرِّيسِيِّين، فيقول بصوته الداوي: «كلُّ غَرْسٍ لم يَغْرسه أبي السماويُّ يُقْلَع، اتركوهم، هم عُمْيَانٌ قادةُ عُمْيَانٍ، وإن كان أَعْمَى يقود أَعْمَى يسقُطان كلاهما في حفرةٍ.»

ألم يسمع وراءه صدًى لضحكٍ إِلْحَادِيٍّ؟ ويزيدُ تلاميذه غَمًّا، ويودُّ بطرسُ رَدْعَه فيقول له: «فَسِّرْ لنا هذا المثل!» فيألم يسوع من قطع كلامه، فيجيب مُؤَنِّبًا: «هل أنتم أيضًا حتى الآن غير فاهمين! أَلَا تَفْهَمون بَعْدُ أن كلَّ ما يدخل الفمَ يمضي إلى الجوفِ ويندفعُ إلى المخرج، وأما ما يخرج من الفمِ فمن القلب يَصْدُر، وذاك يُنَجِّسُ الإنسان؟» ويتطاير الشرر من عَيْنَيْ يسوع خلف الفَرِّيسِيِّين الذاهبين فيقول: «من القلب تخرج أفكارٌ شِرِّيرةٌ: قتلٌ، زنَى، فسقٌ، سَرِقةٌ، شهادةُ زُورٍ، تجديفٌ، هذه هي التي تُنَجِّس الإنسان. وأما الأكل بأيدٍ غير مغسولة؛ فلا يُنَجِّس الإنسان.»

وبهذا يكون يسوع قد أجاب عن سؤال الفَرِّيسِيِّين المثير، وَلْيَعُودوا إلى الكهنة إذن! وليُحَدِّثوهم عن جُرْأَةِ يسوع النَّجَّار المتعصبِ إذن! ولتَعْلَم أُورشليم ذلك إذن! وهكذا يُصَرِّح يسوع لأعدائه أمام النَّاس بما يجول في خاطره نحوَهم، فيفكُّ قيودَه فيصبحُ طليقًا.

•••

يزيدُ عدد مستمعي يسوع مرةً أخرى فيتبعونه برًّا وبحرًا في رحلاته، ويستقرُّ يسوع أقلَّ من قبل، وتقلُّ خططه الصريحة أكثر من قبل، ويلتفت يسوع إلى خلفه في الغالب باحثًا عن مَكْمَنِ الخصم، ويضاعف إعلانُه العَداءَ عددَ أتباعه لا ريب، ما انحاز إليه الفلاحون بغرائزهم ضدَّ الكهنة، فهل قاسمهم الكهنة همومَهم؟ وهل طالبوهم بغير مراعاة الشريعة؟ أفلا يمشي الكهنة في الأسواق مفتخرين بتقواهم مجتنبين غيرهم؟ وعكسُ هذا أمرُ يسوع الذي لم يفاخر بشيءٍ، فكان يعاشر الفلاحين وَيَنْفُخ فيهم روحَ الشجاعة ما دام واحدًا منهم.

ولم يمنع ذلك من أن يكون إيلِيَّا أو غيرَه من الأنبياء الذين يظهرون قبل بدء العصر السعيد، ولكن أولئك لم يفكروا في أنه هو ابن داود أو المسيح، فكانوا يدعونه بابن الإنسان الذي سَمَّى به نفسَه مؤمنين بأنه صالحُ الأعمال في هذه الدنيا، أفلا يجيء إليه الفَرِّيسِيُّون أنفسهم طالبين منه العون عند اشتداد الحاجة؟ ليس قليلًا أن يلجأ إليه كهنة المعابد راكعين. ومن هذا أن جاءه رئيس المجمع فقال له متوسلًا: «إن ابنتي الآن ماتت، ولكن تعالَ وضع يَدَكَ عليها فَتَحْيَا.» فيوافق يسوع على ذلك فيتبعه الجمهور فيسمع صُرَاخَ الخَدَم وهم يقولون: «ماتت البنت!» ويعرِف يسوع تَسَرُّعَ الخدم في نَعْيِ المُحْتَضَر، فَيُسْرع ماشيًا ومعه بعضُ تلاميذه، فيدنو من البنت المُغْمَى عليها فيقول: «لماذا تَضجُّون وتبكون؟ لم تَمُت الصَّبِيَّة؛ لكنها نائمة!» فيضحكون عليه، فَيُخْرِج الجميع خلا أبوي البنت فيقول لأبيها: «لا تَخَفْ، آمن!» ثم يُمْسِكُ بيدها ويقول لها: «يا صبيَّة، قومي!» فَيُخْضِعها لإرادته على حسب عادته فتقوم.

ويستولي الدَّهَشُ والخوف على الجميع، فإذا كان يسوع قادرًا على إحياء المَوْتَى؛ فإنه يكون ساحرًا من النوع الهائل لا ريب، وإن قدرة الشفاء التي كانت تُمَهِّدُ له السبيل في البَدَاءَة فتبدو عاملةً في انضواء النَّاس إليه؛ تَقِفُ حائلًا بينه وبين الجمهور كما حدث في أمر خنازير جدرة، ثم تَفُضُّ النَّاس من حوله كما هو واقع اليوم.

خاب أملُ يسوع في ذلك الشَّعْب بعد أن أسرف في حُبِّه والصبر عليه، وكيف لا يفكر في تلك المرأة الوثنية التي هي على خلاف أهل ذلك البلد؛ حَطَّمَتْ قيودَ العِنَادِ بإيمانها المتين؟ والآن يبدأ يسوع بتعزير الجمهور الذي أكثر من إلقاء السكينة إلى قلبه، فيقول مُغَاضِبًا: «ويلٌ لك يا كُورَزِين، ويلٌ لك يا بيتَ صَيْدَا؛ لأنه لو صُنِعَتْ في صُورَ وَصَيْدَاءَ القُوَّاتُ المصنوعةُ فيكما لتابتا قَدِيما في المُسُوح والرَّمَاد؛ ولكن أقولُ لكم: إن صوَر وصيداءَ تكون لهما حالةٌ أكثرُ احتمالًا يوم الدِّين مما لكما، وأنتِ يا كَفْرَ نَاحوم المرتفعةَ إلى السماء ستهبطين إلى الهاوية؛ لأنه لو صُنعَتْ في سَدُومَ القُوَّاتُ المصنوعة فيكِ لَبَقِيَتْ إلى اليوم.»

ويستمع اليهود إلى كلام يسوع مُنْغِضِين٢ رءوسَهم، ويقولون: كان يسوع يخاطبنا كراعٍ، فأخذ الآن يخاطبنا كيُوحَنَّا، فهل هو المَعْمَدَانُ نفسه؟ ولماذا يستشهد لنا بالوثنيين؟ ولماذا يفتخر بالآيات التي أتى بها مع أنه لم ينكرها أحد؟ ألم يطالب مَن أبرأهم بكتمان السِّرِّ؟

وإن قنوطَ يسوع من ذلك الشَّعْب الضالِّ ومقتَه حَمَلَةَ الشريعة يُبْعِدَانه من هذين الفريقين، فيزيد مَيله إلى ترك بلاد الجليل والطواف في بلاد الإشراك، وسواءٌ أتوجَّه يسوع إلى السامرية في الجنوب، أم إلى صور في الغرب، فإنه يُعِينُ أهلَ الإلحاد فيهما، ويشفي مَرْضَاهُما من غير أن يحاول بينهم وعظًا، أو دعوةً إلى إيمان، ومما لا ريب فيه أن جوابه عن سؤال ناموسيٍّ: «مَن هو القريب الذي يجب أن أُحِبَّه أكثر من أيِّ شخص آخر؟» أمرٌ واقعيٌّ عَرَفَهُ في بلاد الإشراك، فهذا الجواب الذي هو: «إنسانٌ كان نازلًا من أُورشلِيم إلى أريحا، فوقع بين لصوص فَعَرَّوْه وَجَرَّحُوه وَمَضَوْا وتركوه بين حي وميت، فَعَرَضَ أن كاهنًا نزل في تلك الطريق فرآه وجاز مُقَابِلَه، وكذلك لاوِيٌّ أيضًا؛ إذ صار عند المكان جاء ونظر وَجَازَ مقابِلَه، ولكنَّ سامريًّا مسافرًا جاء إليه، ولما رآه تَحَنَّنَ فتقدَّم وضمد جراحاته، وصبَّ عليها زيتًا وخمرًا، وأركبه على دابَّته، وأتى به إلى فندقٍ واعتنى به، وفي الغد لَمَّا مضى أخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق وقال له: اعْتَنِ به، ومهما أنفقتَ أكثر فعند رجوعي أوفيك، فأيُّ هؤلاء الثلاثة ترى صار قريبًا للذي وقع بين اللصوص؟ … اذهب أنت أيضًا واصنعْ هكذا.» قد عَلِمَه ملايينُ البشر منذ قرونٍ فَخَلَّدَ السامريُّ المجهولُ به اسمَ شعبه المُشْرِك.

ويشعر يسوع بأنه مطارَدٌ ومشتبَهٌ فيه، فلا يخالط الشَّعْب مقتصرًا على تلاميذه، وليَعلم تلاميذُه أفكارَه، ولينشروا من الأقوال ما يجادَل فيه، فلا يُوثَق به في كلِّ مكان، وكلما حُمِلَ يسوع على العزلة تَصَوَّر مذهبه في باطنه، لا على صِيَغٍ مُقَرَّرَةٍ، وعاد يسوع لا يُكَلِّم بلهجةٍ عاطفية كما يكلِّم الأبُ أبناءَه، بل أخذ يبدو سيدًا آمرًا، ويلوح من خلال تعاليمه لتلاميذه الذين يدعوهم بالحواريين أيضًا، مقدار المرارة فيه بعد أن مَدَّ ذراعيه لكسب القلوب فقوبل بالمقاومة تارةً، وبعدم الاكتراث تارةً أخرى.

قال يسوع: «ها أنا أرسلكم كغنمٍ في وَسْطِ ذئابٍ، فكونوا حكماءَ كَالحَيَّات وبسطاء كالحمام.» ولم تفارق السذاجةُ يسوع في أيِّ وقت، ولم يَبْدُ حكيمًا كالحية في أي حين. ويسوع إذ أصبح أبًا لتلاميذه وجب على هؤلاء الأبناء أن يعتبروا بتجاربه، فَيَغْدُوا أشدَّ حكمةً منه.

وَيَتَجَنَّبُ يسوع كلَّ ما يُشْعِرُ بأنه صاحبُ طريقةٍ خاصةٍ كالآزيين، ويحظر يسوع كلَّ شعارٍ، ويطالب يسوع تلاميذَه بأن يكونوا ذوي عَوَزٍ لم يأمر بمثله سيدٌ قبله، فلا فَلْسَ ولا خبزَ ولا كِيسَ، ولا عصا عند السفر، فهم يجدون بيوتًا مِقْرَاةً٣ كما يجد، فعلى مَن يأتي الفقراءَ وَالعُزْلَ بالبشرى أن يكون فقيرًا أعزل، «فأي بيتٍ دخلتموه فهناك أقيموا، ومن هناك اخرجوا، وكل مَن لا يقبلكم فاخرجوا من تلك المدينة وانفضوا الغبار أيضًا عن أرجلكم شهادةً عليهم.» فيا لقسوة المعلم بعد حلمٍ! وإلى أين ذهبت نبرات المَحَبَّة؟ لقد أضحى شبيهًا بِنَبِيٍّ غضوبٍ.

وقد بدا تلاميذه خُرْقًا ذات مرة فَعَنَّفَهُم بقوله: «لماذا تَدْعُونني بالمعلم ما دمتم لا تعملون بما أقول؟ … تقولون: إِنَّا أكلنا وشربنا أمامَك، وقد عَلَّمْتَ في شوارعنا … أقول لكم: إني لا أعرفكم. من أين أنتم؟ أبْعِدوا عني يا جميعَ فاعلي الإثم.» وَيُحِسُّ بُعْدَه من جلسائه، وَيُؤَنِّبُ متجبرًا تلاميذَ جُدُدًا أتَوه بقوله: «ليس من تلاميذي مَن يأتيني غير مُزْدَرٍ لأبيه وأمه وزوجته وأولاده وإخوته وأخواته وحياته أيضًا.»

وراقه رجلٌ يومًا فقال له باختصارٍ: «اتبعني!» فقال له هذا الغريب: «يا سيد، ائذن لي أن أمضي أَوَّلًا وأدفنَ أبي!» فقال له يسوع: «دَعِ الموتى يدفنوا مَوْتاهم، وأما أنت فاذهب ونادِ بملكوت الله.»

وأراد أحدهم أن يُوَدِّعَ أبويه قبل أن يتبعه فتركه حيث هو قائلًا بازدراءٍ: «ليس أحدٌ يضع يده على المِحْرَاث وينظرُ إلى الوراء يَصْلُحُ لملكوت الله.» وعاد يسوع لا يكون ذلك الرجلَ الذي يلوم الفَريسِيِّين على منعهم الابن من العناية بأبيه وَفْقَ تعاليمهم.

ولم يتورع يسوع عن تهديد أمه في مكانٍ عام؛ فقد أرادت أمُّه وإخوته ذات مرةٍ ردعه عن سلوكه سبيلَ الخطر، فأرسلت إليه أمه مَن يخبره بأنها راغبةٌ في محادثته، فخاطب تلاميذه قائلًا لهم بحدَّةٍ: «مَن هي أمي؟ وَمَن هم إخوتي؟» ثم مَدَّ يده إلى تلاميذه وقال: «ها هي أمي وإخوتي؛ لأن مَن يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي.»

ويعود يسوع بين حينٍ وحينٍ إلى حِكْمَةِ ماضيه المَرِح؛ فقد سَمِعَ تلاميذَه في نزهةٍ يتحاجُّون في مَن هو أعظم في ملكوت السماوات، فيجلس على صخرةٍ في حافة الطريق كاتمًا ما تُورِثُه تلك المجادلة الغليظة فيه من خيبة الأمل، فينادي ولدًا كان يَلْعَب على قارعة الطريق فيحتضنه ويخاطب تلاميذه قائلًا: «الحقَّ أقول لكم: إن لم ترجِعوا وتصيروا مثلَ الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات، فَمَن وَضَعَ نفسه مثلَ هذا الولد فهو الأعظمُ في ملكوت السماوات.»

•••

تُدَوِّي أصوات العيد في قلعة مخيروس؛ فقد دَعَا هِيرُودُس قادةَ الجيش وأكابر الموظفين والأعيان إلى الاحتفال بعيد ميلاده جاهلًا ماذا يُحَاكُ في غيابه.

ما فَتِئَ رؤساء الكهنة بالقدس يُحَرِّضُون هِيرُودُس على قتل يُوحَنَّا المَعْمَدَان الذي هو سجين في ديْمَاسٍ٤ واطئٍ فيزيد شهرةً منذ إساره؛ لِمَا يرونه في ذلك من إرهاب تلميذه يسوع الناصريِّ الذي يسير على غِرَارِه بما هو أشد خَطَرًا كما يظهر، ولكن هِيرُودُس رفض ذلك حتى الآن؛ فهو يعلم — كقطبٍ سياسيٍّ — ما للشهيد من سلطان، وهو يتذوق كفيلسوفٍ محادثةَ حكيمٍ. وهذا إلى خوفه مَغَبَّةَ قتلٍ لا ينفع أحدًا.

وتزيد هِيرُودِيَّا عن زوجها حقدًا وجسارةً وحرصًا، فَتُنْصِتُ لنصائح مجلس اليهود الكبير «السنهدريم»، وهيردويَّا هذه وإن لم تشعر بأن زواجها في خطرٍ بفعل ذلك الأسير، ترى في الصورة التي ينظر بها إلى زواجها ما يجرحها في الفؤاد، ويعرِف الفَرِّيسيون والصَّدُوقيُّون هذا فَيُوَجِّهُون نَزَقَها إلى تنفيذ مآربهم السياسية، وتجعل هيروديَّا لابنتها سالومة إصبعًا في حَوْكِ الدسيسة ما كانت فتاةً بعد وفاة زوجها المسن فيلبُّس، وما كانت تَطْفَحُ حياةً، وما وَصَلَتْ شهرتها في الرقص إلى رومة.

هَيَّأت الأمُّ ابنتها، وترقص الابنةُ في قاعة الوليمة أمام الضباط والموظفين، وترقص على الخصوص من أجل هِيرُودُس الذي يُخَيَّل إليه حين يراها وهي ابنةُ زوجته رجوعُ صِبَاه إليه، ويحلُّ منتصف الليل وَيَتَّكِئُ هِيرُودُس إلى المائدة بفعل الخمر، ويسمع هُتَافات الإعجاب، ويرى التماعَ عيون النُّدَماء، وَغَضَّ أبصار العبيد، ويرى رَبِيبَتَه تلك ترقص عاريةً على أنغام المزمار والصَّنْجِ ذي الأوتار، فتتحرك فيه شهوةُ العطاء التي لا يخلو قلبُ شرقيٍّ منها، ويتنبَّه فيه حبُّ عرض قدرته وثروته على حاشيته تقديرًا للجمال. ومن المحتمل أن حَثَّتْ هيروديَّا زوجها على إكرام ابنتها ملكةِ السهرة بسخاءٍ مع امتعاضها عادةً من عَرْضِ فتنة ابنتها هذه على زوجها التَّعِب، ومن المحتمل أن فكَّر زوجها في أَسْتِير ذات الحُظْوَة لدى الشَّعْب، فَرَغِب في نَسْجِ أسطورةٍ لنفسه، فخاطب الراقصةَ سالومة بكلمات أَحَشْوِيرُوش: «مهما طلبتِ مني لأُعْطِيَنَّكِ حتى نِصْفَ مملكتي.»

وينهض الحاضرون شاعرين بأن تلك الساعة من الأوقات النادرة الثمينة، راغبين في سماع جواب الراقصة، أفتطلب أَسْوِرَة من لؤلؤٍ لتزيِّن بها مِعْصَمَيْها وكعبيها؟ أم تطلب مدينة؟ أم تطلب نصف ولاية؟ ولماذا تعرب عن رغبتها بصوتٍ خافتٍ لكيلا يسمعها أحد؟ أفي رغبتها هذه ما هو شائن؟ وما هو سبب اصفرار وجه هِيرُودُس ونهوضِه بغتةً واضعًا يده على قلبه؟ وأيُّ شيءٍ أقدمت عليه؟ لم يُدْرِكْ ذلك أحد؛ وإنما رُئي بروق عيني هيرودِيَّا، وتوارى الأمير.

ينزوي هِيرُودُس في الرَّدْهَة المجاورة فيسأل في نفسه مبهورًا: أرأسُ يُوحَنَّا؟ أجعل الربُّ ابتلاءه في نِقَاب الراقصة الحسناء؟ ألا يستطيع أن يمنحها شيئًا آخر؟ فيستدعيها ويستحلفُها بأن تعدِل فَيَتَمَثَّل لها أمرُ أُمِّها، فلا تتنزل عن رغبتها، فلا ترضى بأية مدينة أو ولاية بدلًا من ضرب رقبة يُوحَنَّا، ووضعِ رأسه على طبقٍ من ذهبٍ، وعبثًا حاول هِيرُودُس أن يحمِل زوجته على دعوة سالومة إلى سبيل العقل والحكمة، بل ظلَّت هذه الزوجةُ صامتةً جامدةً، وَلِمَ لا بعد كلِّ هذا؟ ليس يُوحَنَّا غير مسكينٍ مفتونٍ مسجونٍ في الديماس هنالك، ليس يُوحَنَّا غيرَ عدوٍّ للأغنياء والأقوياء، ليس يُوحَنَّا غير حاقدٍ على الناموسيين؛ فما فائدة مداراته؟ ألم يَسْعَ في عَبْر الأُرْدُن فسادًا؟ ألم يُهَيِّئ النفوس للعصيان؟

ويشير هِيرُودُس على عبيده ويأمر بقطع الغناء.

ولا أحد يَدْرِي ما حدث ولا ما يحدث، وينتظر الضيوف، ويصمت بعضهم، ويتكلم بعضهم همسًا، ولا يتناول أحدٌ منهم خمرًا، ويحاول هِيرُودُس أن يَتَجَلَّد تِجَاه ما يقع، وَتُسْمَعُ خطواتٌ ثقيلةٌ على الدرج، ويصعد فيه رجالٌ مسلحون باتِّزَان، ويحمِل آخرُهم طبقًا عليه رأسُ يُوحَنَّا المَعْمَدَان، وَيُقَدِّمُه الجلَّادُ إلى سالومة فترتد متكمشةً ثم تَتَقَوَّى، فتأخذ الطبقَ وَتُسَلِّمُه إلى أمها.

ذاع الخبر في البلاد بسرعة البرق، والبلاد تهتز لحوادث وقعت قبل ذلك، فبلاد الجليل على الخصوص كانت مضطربة، ففيها خَلَفتْ عِصابةٌ من ذوي الحميَّة يهوذا الجليليَّ فتقدمت إلى أُورشليم؛ حيث شتمت الرومان، وهاجمت حرس الهيكل، فتمكن بيلاطُس من القبض عليهم، فكان المُسَمَّى باراباسُ أحدهم، فعلِم يسوع ذلك في أثناء عزلته، فرآه أمرًا متصلًا برسالته، نذيرًا لفتنة شاملة مُصَدِّقَةٍ لآياته، ويسقط في تلك الأثناء بُرْجٌ بالقرب من بركة سلوام، فَيَهْلِكُ ثمانية عشر رجلًا، فتزيد أعصاب يسوع توترًا.

هنالك أخبر يسوعَ تلاميذُه بإعدام يُوحَنَّا المَعْمَدَان فبُهتَ، فَيَتَمَثَّلُ حوادثَ الأُرْدُن وسجنَ يُوحَنَّا وذبحه، فيرتعد وَتُشَلُّ حركته، ثم يجد في يُوحَنَّا المثلَ الذي يُعَيِّن مكانه، فيلوح أن يُوحَنَّا يصرخ من قبره قائلًا له: «يأتي بعدي مَن هو أقوى مني.»

أفيأتي؟ أفتكون حياة المَعْمَدَان مثلًا لمصيره؟ تُثيرُ زوبعة من المشاعر قلبه، فتبدو الطريق التي كان يَسُرُّه أن يرى غيره سائرًا فيها خاليةً، فلم يبقَ ما يجعله مُتردِّدًا، فَلْيُطَبِّقْ على العمل ما ساوره في الأسابيع الأخيرة من السوانح إذن.

وهكذا يَحْفِزُه يُوحَنَّا إلى سلوك طريقٍ مجهولةٍ للمرة الرابعة، فَلَمَّا غسله يُوحَنَّا بماء المَعْمُودية أوجب خروجَه من جباله ليختلط بالجمهور، وَلَمَّا قُبض على يُوحَنَّا حمل عبءَ عمله، وَلَمَّا سأله يُوحَنَّا أيقظ المسيحَ الراقدَ فيه، واليومَ يحمله قتلُ يُوحَنَّا على البتِّ جهرًا، ويُوحَنَّا حين يُتَوِّجُهُ تتويجًا خَفِيًّا يكون قد عَيَّنَ له طريق الآلام.

يستحوذ الخوف على يسوع للمرة الثانية، فيسمع من جديدٍ صوتَ أبيه البعيد كما سمِعَ في المرة الأولى، ولكن صوتَ اليوم هو صوتُ صاعقةٍ، لا صوت حمامة كالذي جاء ليخبره عن أيام البهجة والسرور.

وَيَحِيقُ الخطرُ بيسوع من الخارج ما عزَمَ هِيرُودُس على ذبح كلِّ ذي بدعة، ويلوح شبح الاضطهاد ليسوع من الخارج ما شعر الفَرِّيسِيُّون بأنهم في مأمن؛ غير أنك ترى يسوع متعطشًا في صميم فؤاده إلى تأدية دَيْنِ رسالته الثقيل إلى الربِّ، وإلى بلده وشعبه ونفسه.

يَفِرُّ يسوع مذعورًا هو وتلاميذه إلى شرق البحيرة، فيعبر الأُرْدُن فيتوجَّهَ إلى الشمال حتى سفح جبل حرمون.

•••

يقع على ضِفَّةِ الأُرْدُن اليُمنى وادٍ واسعٌ خصيبٌ، فيرتفع بالتدريج إلى سفوح الجبل، وَيَنْدَلِقُ الأُرْدُن فيبدو نشيطًا في هذا المكان الذي لا يزيد عرضه فيه عن عشرين خطوةً، فإذا ما رفع السائح عينيه إلى ذروة التلال وجدَ فوق رأسه قلعةَ قيصريةِ فيلبُّس الجبارةَ، والمدينةَ الجديدة الجميلة المحيطةَ بها، وليس ببعيدٍ زمن حكمها من قبل فيلبُّس بن هِيرُودُس؛ زوجُ سالومة التي أجادت الرقص، فأسفر رقصُها عن قطع رأس المَعْمَدَان، فلو كان فيلبُّس حَيًّا، وظلَّت زوجته سالومة بجانبه؛ لأنقذت حياةَ يُوحَنَّا مع أمورٍ شتى، وما كان يسوع ليجيء إلى هنا على ما يحتمل.

وما كان يسوع ليجهلَ أن ذلك المكان واقعٌ على حدود إسرائيل في زمن الاستقلال والسُّلْطَان، وما كان أيُّ أميرٍ يهوديٍّ، حتى داود، لِيُوَسِّع رُقَعَةَ دولته إلى ما هو أبعد من ذلك في الشمال. واليومَ يسكُن الإغريق وَمَن إليهم من عَبَدَةِ الأصنام تلك البُقْعَة، ومن هنا يسير النهر الغريب نحو الجنوب بسرعة، ويسوع حين يكون في ذلك المكان فَيَرْجِعُ بصرَه إلى منبع الأُرْدُن يتعقبه بفكره إلى مَصَبِّه، فيتمثلُ ما اتَّفقَ له هنالك.

ويسوع إذ أصبح في ذلك المكان في شهر فبراير كان الزمن الذي انقضى بين الأمرين سنةً كاملةً، وهذه السنة غَنِيَّةٌ بحوادثَ أكثر مما حدث له في السنين الثلاثين التي عاش فيها من قبل، وما هو عدد السنين التي ستنقضي بعدئذ؟ أفلا يكون الأُرْدُن مع منبعه ومصبه مرآةً لحياته؟ لقد ضُرِبَ عنقُ يُوحَنَّا.

ويجد يسوع وتلاميذه خلفَ تلك المدينة المكانَ الذي يَعُدُّه أولئك المشركون منبعًا للأردن، ويدخل يسوع كهفَ إله الرُّعَاة، فيرى فيه ما لا يَعْرِفُه من ألواح مَنذُورَةٍ، وتماثيلَ رخاميةٍ، وكتاباتٍ يونانية، فيمرُّ رجلٌ من قيصرية فيلبُّس فَيُبْصرُ يسوع وتلاميذَه، فيوضحُ لهم كلَّ ما في المغارة فيقول لهم: هذا تمثالُ الحُورِيَّة التي تعيش في اليَنْبُوع، وهذه تماثيل آلهة النهر، وذلك تمثال الصَّدَى الذي ينقل الصوت من صخرةٍ إلى أخرى، ويقول لهم: إن جميع ذلك خاصٌّ بإله الرُّعَاةِ الأكبر الذي يَمْلِكُ ما بين الهواء والماء في كل مكان، فيباغته الرُّعَاةُ نائمًا عاريًا على صخرةٍ وقت الظهر، فيغتاظ تلاميذُ يسوع عند سماع ذلك، فَيُدِيرون ظهورَهم خَشْيَةَ الفتنة.

غير أن يسوع ينظر إلى كلِّ شيءٍ، وَيُنْصِتُ مدققًا لكل ما يقوله ذلك الوثنيُّ الغريبُ، ثم يخرج ويلحق تلاميذَه، فيستلقي الجميع فوق ظلِّ الكهف، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يسمع يسوع فيها حديثًا عن التماثيل الإلهية، وإن لم يسمع قبلها شيئًا عن إله الرُّعَاةِ الأكبرِ؛ صاحب ذلك اليَنْبُوعِ المقدس، ولم يُصَوَّرْ إله الرُّعَاةِ ذلك، فهل هو روح؟ وإذا كان يَمْلِكُ جميع ما بين الهواء والماء؛ فهل من المحتمل أن يكون قد تَاهَ في جبال الناصرة؟

وكيف يستطيع الرُّعَاةُ أن يَرَوْه؟ يسوع راعٍ، وقد سَمِعَ أصوات العَوْسَجِ والهواء والكلأ والشجر من غير أن تَتَمَثَّلُ له روحٌ، فأبوه وحدَه هو الذي يُشْرِفُ على هذه الأصوات لا إله الرُّعَاة.

مضى وقتٌ غير قصير على الزمن الذي كان فيه قليلَ الاختبار كتلاميذه، فيا لهم من أغبياء! يا لضعف إدراكهم للأمور! هم لا يكادون يَعْرِفون الذي يَتَّبِعُونَ وَيُطِيعُون، ومن أين يعرفونه إذا لم يكشف لهم عن حقيقته؟ وهل يمتحنهم؟ لن يعترف به تلاميذه إذا ما ظهر أن الحق الذي أدخله إلى رُوعه قتلُ يُوحَنَّا هو من عمل الشيطان، وَمَن يدري أنهم ينكرونه ولو ظهر أن الله مصدر هذا الحق؟ فالله وحده قادرٌ على أن يشرح صدورهم لذلك؛ فهل يفعل ذلك؟

وإن تلك الأمور لتدور في خَلَد يسوع؛ إذ سألهم: «مَن يقولُ النَّاسُ إني أنا؟» فلكلٍّ جوابه، «فقالوا — قومٌ: يُوحَنَّا المَعْمَدَان، وآخرون: إيلِيَّا، وآخرون: إرْمِيَا، أو واحدٌ من الأنبياء.»

ثم يتباحثون في أيِّ الأجوبة أصحُّ من الآخر، وهل يَجْرُؤُ على وضع السؤال العظيم الخَطِر؟ ألا يَعْنِي وضعُه طلبًا إلى الربِّ أن يظهر قدرتَه؟ يكاد هذا السؤال يخرج من بين شَفَتَيْه ثم ينطق به على الرغم منه، فيقول: «وأنتم مَن تقولون إني أنا؟»

فيعتري تلاميذه صمتٌ، ويعتري تلاميذه دَهَشٌ، فيطأطئون رءوسهم، فَيَخْشَوْن الإفصاح عمَّا يجول في خواطرهم، خلا سِمْعَان «بطرس» الذي هو أَمْتَنُهم خُلْقًا، فينظر إليه مجيبًا: «أنت المسيح!»

تَهَلَّلَ وجه يسوع وأضاء العالَمُ في نظره، وما يبغي؟ فقد نُطِقَ بالكلمة المُقَدَّرَة التي خالجت ضميرَه منذ سؤال يُوحَنَّا المَعْمَدَان، فلم يَبُحْ بها، فبهذه الكلمة أشرق النهار عنده، وبها يكون قد عُرف فيثق بنفسه، فينهض فيمدُّ ذِرَاعَيْه فيبارك سِمْعَان «بطرس» بما لم يَسْبِق أن بارك به، فيقول: «طوبى لك يا سِمْعَانُ بنَ يُونا، إن لحمًا ودمًا لم يُعْلِنْ لك؛ لكنَّ أبي الذي في السماوات.»

بَيْدَ أن يسوع لم يُعَتِّمْ أن نَدِمَ على إظهاره سِرَّ قلبه، فأوصى تلاميذَه مُتَوَعِّدًا بِأَلَّا يقولوا لأحدٍ: إنه المسيح.

وقع هذا المنع متأخرًا، فأما وقد نُطق بتلك الكلمة؛ فإن الزمنَ يدفعه، والعزَّةَ والاضطهادَ وَالجُرْأَةَ تَحْفِزُه إلى السير قُدُمًا في طريق المختار، وماذا يصنع المسيح في أقصى شمال المملكة بين الوثنيين إذن؟ فهل بَقِيَ في الجليل ما يأتيه من عمل؟ فَلْيَذْهَبْ إلى حيث امتنع عنه حتى الآن! فَلْيَذْهَبْ إلى أُورَشلِيم ليفتحها! دنا عيد الفصح فيُهرع الشَّعْب اليهوديُّ إلى العاصمة من كلِّ ناحيةٍ في العالم، وحان الوقت المناسب، فيجب على المسيح أن يختار ذلك المكان لِيَعِظ وليكافح كما أخبر به الأنبياء.

وَيُدْنِي المسيحُ تلاميذَه منه، وَيُبَلِّغُهم بصوتٍ خافتٍ عزمَه على السفر إلى أُورَشلِيم، وَيُنَبِّئُهم بانتظار الموتِ له فيها.

اقْشَعَرَّتْ جلود تلاميذه، فذلك لم يخطر ببالهم قط، فلم يكن الذهاب إلى هنالك تنفيذًا لِمَا جاء في العهد القَدِيم إلا ضربًا من الجنون، حتى إن بطرسَ نفسه أمسكَ ذِراعَ معلمه منتهرًا: «حاشاك يا ربُّ، لا يكون لك هذا!»

ويشعرُ يسوع بأن أحدًا لم يُدْرِكْ أمرَه حتى ذلك الذي اعتقد منذ هنيهة أنه مُلْهَمٌ من الربِّ، ماذا؟ أيجهلُ جميعُ تلاميذِه الأوفياءُ السِّرَّ العظيمَ الذي أطلعهم عليه بِحَذَرٍ؛ حينما نطق بكلمة المسيح؟ ألا يدلُّ ذلك على أن هؤلاء لا يفكرون في غير الأكل والنوم والسَّبْت؟ ويدفع يسوعُ بطرسَ بعنفٍ ويقول: «اذهب عني يا شيطان، أنت مَعْثَرَة لي؛ لأنك لا تَهْتَمُّ بما لله، لكن بما للناس.» وَيَثِبُ تلاميذه من مكانهم وينظرون إليه مترجحين بين هولٍ واحترام، ويدعو تلميذَه المفضل بالشيطان، ويقال حينما دفعه: إنه عظمَ بين ثانيةٍ وثانيةٍ، ويُشابه الآن قدماء الأنبياء، ويتفرس في كلِّ واحدٍ من أولئك، ويشعر بشدةِ إقدامهِ أكثرَ من شعوره في أي وقتٍ، ويبدو مستعدًّا للكفاح للمرة الأولى، فيعزِم على ملاقاة نصيبه فيقول: «مَن أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه كل يومٍ ويتبعني؛ لأن مَن أراد أن يخلِّص نفسه يهلكها، وَمَن أهلك نفسه من أجلي يُخَلِّصُها، فإنه ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه، أم ماذا يُعْطي الإنسانُ فِدَاء نفسه؛ لأن ابن الإنسان مزمعٌ أن يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذٍ يُجَازَى كل أحدٍ بحسب أعماله. الحقَّ أقول لكم: إن قومًا من القائمين ها هنا لا يذوقون الموتَ حتى يروا ملكوتَ الله.»

ويعود يسوع وينصرف كَمَلِكٍ على رأس تلاميذه.

•••

«مَن ليس معي فهو عليَّ!» هذا هو الشِّعار الجديد للنبيِّ يسوع الذي قصد بلده لوقتٍ قصير كي يتأهب للسفر إلى أُورَشلِيم، بعد أن وَطَّنَ نفسه على الكفاح؛ فقد لاح له بعد طويلِ تردُّدٍ أن ما بدا من إحجامه وتسويفه وحلمه وَطَبِّه لم يُرِدْه الربُّ؛ فلتقع الحرب إذن. ودُعِيَ الربُّ، الذي لم يُقَصِّرْ يسوع في إظهار خالص الحبِّ له إلى الفصل بين الأشرار والأبرار من أبنائه.

figure
يسوع يُصَلِّي.

كَلَّا، ليس ذلك بين جميع أبنائه، فلقد استحوذ على يسوع وَجْدٌ وانجذابٌ منذ شعر بأنه المسيح فَبَلَّغَ رسالته، الملائمة للنبوءات القَدِيمة، إلى تلاميذه، فيعتقد يسوع بعد الآن أن عليه أن يُنْجِزَ ما جاء في التوراة، وعاد «الابنُ» لا يكون واحدًا من الأبناء الكثيرين المتساوين في حب «الأب» لهم؛ فهو المختار الوحيد الوسيط الحَكَمُ بين إخوانه، ويرى يسوع كما يرى العالم أن زمن الهناء والسلام قد انقضى، وأن ملكوت السماوات الذي أنبأ به منذ زمن طويل سيأتي من الخارج مع الحساب والصواعق، على أن تتحقق جميع النبوءات، وأن يقبض أعداؤه من بني قومه عليه بلؤم، وأن يحكموا عليه ويقتلوه قتلًا مخجلًا.

ويقوم بذلك حاجزٌ كبير بين المعلم وتلاميذه، وبين الواعظ الجائل ومستمعيه، وبين يسوع والعالم، ويغدو كلامه مع الرب أمرًا خفيًّا، وَيَشُقُّ عُجْبٌ شَغْفَ فؤاده الرقيق الذي بدا منذ صباه فريدًا في تواضعه وخشوعه، كما لو نُسِجَ ليمنع بروزَ نزواته للأعين، ويتمازج فيه ضبطه لنفسه واتِّزَانه وسُمُوُّه وعظمته، وصفاؤُه الضروريُّ لِمَن يعتقد أنه ذو رسالة عامة، وعزمه على استقبال موتٍ فيه سرُّ مجده، فتكمل بذلك رجولته، وتزيد أَنَاتُه، ويُضْحِي من العبوس ما لا ينمُّ عليه مزاجه ومذهبه وطيبته ونظراته وَشَفَتَاه وكلامه.

وإنَّ يسوع وصحبَه لفي طريقهم إلى بلدهم في يومٍ عاصفٍ؛ إذ يشير يسوع إلى ثلاثةٍ من أفضل تلاميذه — وهم: بطرس ويعقوب ويُوحَنَّا — بأن يتبعوه، فيصعد هؤلاء في جبلٍ تاركين الآخرين خلفهم؛ ففي ذلك الجبل، حيث كان يَقْطُنُ فيه بعض الأنبياء العِظَام، يستطيع يسوع أن ينفذ في نفوس أولئك الثلاثة، فيلقي السمع إلى نصائحهم، ويغشى المكان سحابٌ كثيفٌ، فيستولي عليه ظلامٌ فلا يكاد الإنسان يرى أقرب شجرةٍ فيه، وَيُغَيِّرُ السحاب وجه الإنسان فيبدو أعظم مما عليه عادةً، ويخامر التلاميذ الثلاثة شَكٌّ فيما يحدث، فيدنو بعضهم من بعض، ويغيب المعلم عن أبصارهم فيتمثل لهم طيفًا أبيض لامعًا، فَيَكِلُّون فيستلقون فينامون.

ويملأ النبيان موسى وإيلِيَّا ذهنَ بطرسَ، فيرى في المنام أنهما يُكَلِّمان يسوع، ويلتمس بطرسُ طريقًا لخلاص يسوع من الأخطار عند ظهور المسيح له في شخص يسوع، فيقول صارخًا وهو نائم: «يا ربِّ، جيدٌ أن نكون ها هنا، فإن شئتَ نصنعُ هنا ثلاث مَظَالَّ؛ لك واحدةٌ، ولموسى واحدةٌ، ولإيلِيَّا واحدةٌ.» ولكنه لم يلبث أن يَصْحُوَ فيتسرب بالتدريج إلى ذهنه المرتاب ما بلَّغه يسوع، فيسمع من بعيد صوتًا مرددًا لِمَا سمعه يسوع بعد العِمَاد في الأُرْدُن: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سُرِرْتُ؛ فاسمعوا له.»

وينتصب بطرس بين اليقظة والمنام فجأةً ويسجد فيقتدي به الآخران، ما جاز أن يظهر الربُّ بين السحاب فوق الجبال، بيد أنهم لم يَرَوْا أمامهم غيرَ يسوع عندما رفعوا رءوسهم، ولم يسمعوا غير يسوع يقول لهم بصوته العذب: «قوموا ولا تخافوا!» ثم يوصيهم يسوع بصوته العادي المملوء خشوعًا بِأَلَّا يُفْشُوا للشعب سِرَّ ما رَأَوْا.

وَلَسُرْعَان ما عادوا إلى البحيرة، وَلَسُرْعَان ما أصبح عُرْضَةً لاستطلاع الفلاحين، وأنظار خصومه، وأبصار الحجيج في طريقهم إلى أُورشلِيم، فيشتد عزمه على السير بما تقتضيه رسالته المسيحية، فيكون كلُّ قولٍ يصدر عنه أمرًا، ويكون كلُّ أمرٍ يصدر عنه وعيدًا.

قال يسوع لتلاميذه: «مَن سَمِعَ منكم فقد سَمِعَ مني، وَمَن احتقركم فقد احتقرني، وَمَن احتقرني فقد احتقر الذي أرسلني … كلُّ مَن اعترف بي أمام النَّاس يعترف به ابن الإنسان أمام ملائكة الله، وَمَن أنكرني أمام النَّاس يُنْكَر أمام ملائكة الله.» وَلَمَّا عجِز تلاميذه عن شفاء صبي مجنونٍ قال مُؤَنِّبًا: «أيها الجيل غير المؤمن، إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتمِلُكُم؟»

وجاء عَشَّارُو هِيرُودُس يطلبون من بطرس «سِمْعَان» ضرائبَ عنه وعن الآخرين، فيسأل يسوع عمَّا يصنع، فَيَقَعُ بينهما ما يأتي:

يسوع : «ممَّن يأخذ ملوك الأَرْض الجباية أو الجزية، أَمنْ بنيهم أم من الأجانب؟»
بطرس : «من الأجانب.»
يسوع : «فإذن البنون أحرار.»

وأضحى يسوع يعلم قَدْرَ نفسه كما لو كان ملكًا، فتؤذيه معاملةُ الدولة له كواحدٍ من رعاياها، على أن ما بقي فيه من الحذر يدفعه إلى أن يرى من الصواب ألا يَدَعَ لأعدائه حجةً عليه، فله في مصير يهوذا الجليليِّ الذي نَغَّصَ صِبَاه نذيرٌ، فيجد ذريعةً لدفع ما تطلبه الدولة من الضريبة.

والحقُّ أن يسوع راغبٌ عن أي مجدٍ دنيويٍّ، وأنه لم يعمل لدنياه بفكره ولا بعمله؛ ظَانًّا أن الإيمان به وبرسالته يكفي لتجديد عالم الروح من غير خطةٍ مرسومةٍ، ووضع وسائل لتنفيذها، ويسوع يعيش في صميم شعب الربِّ الذي ينتظر ظهور المسيح، أفلا يكفي شعوره الربَّاني المنير الصافي لإقناع جميع مَن يبوح إليهم بِسِرِّه؟ والآن يُساق إلى زوبعةٍ مهلكةٍ. يسوع الذي لم يُرِد انقلابًا مدة طويلة ولم يَدْعُ إلى غير الألفة والمَحَبَّة.

ويتدرج يسوع يومًا بعد يوم إلى تعظيم ما قُدِّرَ له، فيعلن أنه أكبر من إبراهيم وسليمانَ فيقول: «كلُّ شيءٍ قد دُفِعَ إليَّ من أبي، وليس أحدٌ يعرف من هو الابن إلا الأبُ، ولا مَن هو الأب إلا الابن.» وينقلب شعورُه الرقيق نحو الأب المُحِبِّ إلى عُجْبٍ كأن أباه لم يُحِبَّ غيره ولم يعرف سواه، وينتحل يسوع أفكار قدماء الأنبياء الانتقاميةَ المنافيةَ لطبيعته الخاصة ما شَعَرَ بضرورة النضال، غيرَ مُقَدِّرٍ لوسائله التي ستقوده إلى مصيره المحتوم، فَيُخَيَّلَ إلى الناظر أنه يَدُعُّ نفسَه إلى شديد القول؛ لِيُخْفِيَ صوته الملائم لحلمه الطبيعي، فاسمع قوله: «جئت لألقي نارًا على الأَرْض، فماذا أريد لو اضطرمت؟ … أتظنون أني جئت لأعطي سلامًا على الأَرْض؟ كلَّا، أقول لكم، بل انقسامًا؛ لأنه يكون من الآن خمسةٌ في بيتٍ واحدٍ منقسمين ثلاثة على اثنين، واثنان على ثلاثةٍ، ينقسم الأب على الابن، والابنُ على الأب، والأمُّ على البنت، والبنتُ على الأمِّ، والحماةُ على كَنَّتِها، وَالكَنَّةُ على حماتها.»

ويعلم يسوع مما أصاب يُوحَنَّا المَعْمَدَان، أن الله يَدَعُ أنبياء يألمون ويهلكون في الحال كما في الماضي، وليس بخافٍ عليه ما ابتُلي به إبراهيم وموسى وأيوب، وهو يحبُّ الحياة مع ذلك، وهو يجاهد لِيُنْصرَ مع ذلك، ولا يجد في حديث الأنبياء الذي يَحْفِزُه إلى أن يكون المسيحَ ما يوجب عليه أن يألم، وهو يعلن أحيانًا أنه يطلب الموت ليقيم ملكوتَ السماوات، وهو يبحث، أحيانًا، عن الألم والعَذَاب حيثما يكون؛ لِمَا يرى فيهما من اللذة، وهو يلوح له أحيانًا تمامُ كلِّ شيءٍ مع عرقلة الأشرار لِمَا هو تامٌّ؛ فمن أجل ذلك تبصر ارتباط روحه في البعث والحساب، وشعورِه بدنوِّ أجله، فيقيم في الآخرة عالم نصره.

وعند يسوع أن يوم البعث الذي أنبأ به دانيالُ وَأَخْنُوخُ «إدريس»، فلا يؤمن به اليهود، آتٍ لا ريب فيه، فتراه يُبشِّر به الأبرار تارةً، وَيُهَدِّدُ به الأشرار تارةً أخرى، وعند يسوع أن يوم الحساب آتٍ لا ريب فيه مع جهل الزمن الذي يَحِلُّ فيه، أفيأتي بغتةً كلصٍّ في الليل أم كبرقٍ في الأُفق؟ يعلم ذلك الأب وحده، وَيَعِدُ يسوع مع ذلك تلاميذه برؤية ملكوت السماوات بعيونهم عندما يحثُّهم ويشدُّ عزائمهم، وهكذا تجد تناقضَ يسوع في مسألة اقتبسها من قدماء الأنبياء؛ فَفُرِضَتْ عليه مع ما فُطِرَ عليه من محبة الآخرين.

ولم يخامر يسوع شكٌّ في مكانه بالسماء، وأستاذُ يسوع المُفَضَّلُ في هذا هو أيضًا دانيالُ الذي رأى «ابن الإنسان» يَصْعَدُ إلى الربِّ مع سُحُبِ السماء، فيعلن يسوع أنه سيجلس عن يمين أبيه، فيملك بعد الدينونة إلى الأبد، وأنه سيمنح السُّلْطَان الذي احتفظ الأب به لنفسه حتى الآن، «فلا يدين الأبُ أحدًا، بل قد أعطى كلَّ الدينونة للابن؛ لكي يكرم الجميعُ الابن كما يكرمون الأب.» ويسوع الذي أُعطِيَ من القدرة ما لم ينله أحدٌ قبله، يستطيع أن يقضي منذ اليوم، ويحكم ويختار، كما يريد، الأبرارَ، ويرفض الأشرارَ: «مَن يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياةٌ أبديةٌ، ولا يأتي إلى دينونة … أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا كما أسمع أَدينُ ودينونتي عادلة؛ لأني لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الأب الذي أرسلني.»

وهكذا يُسْفِرُ وَلَهُه المسيحيُّ عن وعدٍ ووعيدٍ متعاقبين، وهكذا يحمل نَجَّارٌ فقيرٌ الربَّ في قلبه، فيكافأُ بحبٍّ فياضٍ لأبيه وإخوانه، وللأبناء والحيوان والنَّبَات، فَيُحْمَلُ في سنة واحدة على سلوك طرقٍ تضيق وتصعب مقدارًا فمقدارًا؛ وذلك لأنه أُكْرِهَ على الإتيان بمعجزاتٍ يستثقلها، ولأن الجمهور يهتف له، ولأنه أضحى عُرْضَةً لريب الكبراء وهجماتهم وتقديس أهله وازدرائهم، ولأنه صاحب وجهٍ بشيرٍ، ومصيرٍ نذيرٍ، ثم يعتقد أنه المنقذ الذي ينتظره شعبٌ جريءٌ مُعَذَّبٌ لِيُنَجِّيَهُ فيسوسَه، وبدا ميدانُ القتال صغيرًا، وأسبابُ القتال تافهةً في البداءة، فَمنْ قَلْع بضع سنابل قمح في السَّبْت، فإلى عدم غَسْلِ الأيدي قبل الطعام، فإلى محادثة العَشَّارين والآثمين، وما كان النبيُّ الجديد لِيُحَرِّضَ الشَّعْب عن نَبْذِ الوصايا، وتجاهُلِ النُّصُوص، وإهمال القرابين، وإن كان ينفر من هذه الأمور، ولكن الذى يَفْصِلُه عن أعدائه أمرٌ نفسيٌّ أعمق من الشعائر والطقوس، وأبعد من أن يُعْرِبَ عنه ناطقٌ بِفَم.

حقًّا إن ذلك الرجل يعلن الآن أنه المسيح، وَيَدَّعِي أنه مثل الله، وحقًّا أنه يهز الآن أقدم أَعْمِدَة هيكل موسى فيهتزُّ ملكوت الرَّبِّ، وحقًّا أنه يُهَدِّدُ حكومة الكهنوت من أساسها، فأية حكومةٍ تظلُّ مكتوفة الأيدي تِجَاه أعمال رجلٍ يلوح أنه دَجَّالٌ أو ممسوس؟ فالآن يبدأ الكاهن الأكبر بِزُوِيِّ ما بين عينيه؛ فقد أُنْبِئَ بأن رجل الناصرة عاد إلى معبد كَفْرِ نَاحوم، حيث أعلن أمام جميع النَّاس: «أنا خُبْزُ الحياة، مَن يُقْبِلْ إليَّ فلا يجوع، وَمَن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا … لأني قد نَزَلْتُ من السماء ليس لأعمل مشيئتي، بل مشيئةَ الذي أرسلني … لأن هذه هي مشيئةُ الذي أرسلني. إن كلَّ مَن يرى الابن ويؤمن به تكون له حياةٌ أبديةٌ، وأنا أقِيمُه في اليوم الأخير.»

وتذمَّر اليهود لأنه قال: «أنا الخبز الذي نزل من السماء.» فقالوا: «أليس هذا هو يسوع بن يوسفَ الذي نحن عارفون بأبيه وأمه؟ فكيف يقول هذا: إني نزلت من السماء؟»

ويكرر كلامه غير مرة مؤكدًا، فيقول كثيرون من تلاميذه: «إن هذا الكلام صعبٌ، مَن يقدر أن يسمعه؟» فيعرف أنهم أصبحوا من المرتابين، فينظر إليهم نَظَرَ الظافر فيقول: «أهذا يُعْثِرُكم؟ فكيف إذا رأيتم ابن الإنسان صاعدًا إلى حيث كان أوَّلًا؟ الرُّوح هو الذي يحيا، وأما الجسد فلا يفيد شيئًا، والكلام الذي أُكلمُكم به هو روحٌ وحياةٌ؛ ولكن منكم قومًا لا يؤمنون.»

هنالك ينهض أولئك الذين استمعوا له منذ زمن طويل، ويطوون كشحًا عنه ويهجرونه، ويقول الشَّعْب: «به شيطان!»

وَيَطَّلِعُ المجمع الكبير بأورشليم على كل ما حدث منذ اليوم الثالث، فيأمر عيونه بأن يكونوا آذانًا، ويعرف هِيرُودُس نفسُه ذلك، فيرتعش حينما يعلم أن الناصريَّ يُعْلِن أنه المسيح، وحينما يخبره النَّاس مذعورين بأنه إيلِيَّا، فيصرخ قائلًا: «هذ هو يُوحَنَّا الذي قطعتُ أنا رأسه. إنه قام من الأموات؛ ولذلك تعمل به القُوَّات.»

ولم يكد الفَرِّيسِيُّون يسمعون ذلك حتى أخذوا يُلْقُون شِبَاكهم بين مخيروس وأُورشليم، وبين كَفْرَ ناحوم وأُورشلِيم، فيهمسون إلى يسوع بقولهم: «اخرج واذهب من ها هنا؛ لأن هِيرُودُس يريد أن يقتلك.»

هذا هو الوقت الذي يدفعه المَلِكُ المُتَجَلِّي فيه إلى البتِّ؛ فهو يسمع الكلام الغادر الذي يُهْمَسُ به إليه، وهو يرى أعداءَه ينظرون إليه بأطراف أعينهم، وهو يشعر بأن تلاميذه لم يدركوا حقيقته، وهو يَعْرِف أن الشَّعْب يَعُدُّه مجنونًا، وهو يعلم أن هِيرُودُس والرومان يترصدونه، وهو يختار لذلك ميدانًا للقتال، تلك المدينةَ المقدسةَ وغير المقدسة التي ظلَّ بعيدًا منها مع إمكان وصوله إليها في ثلاثة أيام، فإما هنالك وإما لا، وإما الآن وإما لا! واليومَ تُدَوِّي في البلاد إذاعةُ الفلكيين خبرَ حلول نيسان (أبريل)، فسيحُلُّ عيدُ الفصح قريبًا إذن، وسيصل إلى ذلك البلد ألوف الساخطين منتظرين مَن يقودهم إذن.

ولا يعلم يسوع ماذا يصنع، ولكنه يبدو مطمئنًّا؛ لِمَا عرفه من استياء العاصمة وجميع البلاد ومن روح الوقت وحال الجمهور، وينظر يسوع شَزْرًا إلى أولئك المرائين الذين يتظاهرون بأنهم يريدون نجاته ويقول لهم: «امضوا وقولوا لهذا الثعلب: ها أنا أُخْرِجُ شياطين، وأشفي اليوم وغدًا، وفي اليوم الثالث أُكَمِّل، بل ينبغي أن أسير اليوم وغدًا وما يليه؛ لأنه لا يمكن أن يهلك نبيٌّ خارجًا عن أورشليم.»

١  الغرين: الطين الذي حمله السيل فيبقى على وجه الأرض رطبًا كان أو يابسًا.
٢  أنغض رأسه: حَرَّكه كالمتعجب أو المستهزئ.
٣  المقراة: الكثيرة الضيافة.
٤  الديماس: السجن المظلم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠