الفصل الرابع

الكفاح

ترن أصوات التجار في الشوارع الضيقة بتلك المدينة الكبيرة، وَتُرَدِّدُ جُدُر بيوتها الحجرية صداها، وتصل مواسي الحلاقين، ويخبط السَّكَّافون النِّعَال بعضها ببعضٍ، ويقرع باعة العطور أطباقهم النحاسية، وتصرف١ محاور٢ العَجَل،٣ وَتَشْحِج٤ البغال أَلَمًا من سياط العُبْدَان، ويحلف السائقون في مفارق الطرق المزدحمة، ويصب باعة الفواكه الشتائم عندما تمر كتيبةٌ من جنود الرومان، فتشق لنفسها طريقًا بغلظة فتكبُّ سِلالهم، وتعوي الكلاب، ويزعق الصبيان بين الجمهور الحانق. وإن ذلك الصخب ليحدث في الشوارع المائلة؛ إذ تنبعث روائح كريهةٌ عند الظهر؛ ففي أبريل الشديد الحرارة يتميع الشَّمَّام، وتتعفن نفاية كل شيء، وتتسع الأخاديد، ويسطع قُتَار٥ شحم الضأن ودهن الكعك من ألف مطبخٍ ومطبخ، وينتشر بخار المراحيض والأصابل والأزقة فيختلط بدخان البخور والمر٦ الصاعد من مائدة هيكل الرب الذهبية، فيتكاثف هذا كله في سحابةٍ غير شفافة، في سحابةٍ جارضة٧ معلقة في هواءٍ ساكن فوق المدينة الحجرية.

ويجد جمع الحجاج من الغرباء هواءً أنقى لا ضوضاء أقل؛ حينما يأتون ليشهدوا عيد الفصح فيسيرون سيرًا وئيدًا إلى المرتفعات، فيصلون إلى الأَحْيَاء الخارجية. واليوم آخر جمعة قبل عيد الفصح فتمر القوافل الأخيرة مسرعةً لقضاء هذا الأسبوع الأخير في ضوضاء، ثم للقيام بشعائر ذلك العيد في رحابةٍ وسكون، والقوم يحتفلون بذكرى الخروج من مصر وبدخول دور الحصاد، والقوم إذ إنهم مستعبدون في الوقت الحاضر يجدون في ذكرى غابر مجدهم تذكيرًا بقيمتهم، وإلى الشمال الغربي يتوجه محبو الاطلاع من الأهالي والأجانب؛ حيث تمر طريق أريحا من بين جبل الزيتون وجبل المعصية ما جاء من هذه الطريق حجيج البلاد فانتظرهم أقرباؤهم كما في كل عام؛ ليقتسموا الخروف الفصحي، والحجاج كلما دنوا من المدينة اقترب بعضهم من بعض، ويكاد الموكب لا ينقطع بين هذا المكان وأورشليم البعيدة ساعةً واحدةً؛ على حين يكون المُسْتَقبلون على حافتي الطريق.

وبينما يبتعد محبو الاطلاع والأصدقاء والغرباء والأهالي الراغبون في مشاهدة ذلك المنظر عن المدينة المقدسة، متوجهين إلى الطريق الضيقة النافذة إلى البرية فلا يُرى منها آخر البيوت؛ إذ يقف هذا الجمع المرصوص دهشًا فيسد هذه الطريق؛ فقد وُجِد بين العجل والخيل والبغال والجمال، الحاملة رجالًا ونساءً مع حقائبهم وزنابيلهم، فريقٌ تعبٌ أغبر منفصلٌ من الجماعة سابقٌ لها بسرعة.

وَيُؤَلَّفُ هذا الفريقُ الفَتِيُّ من اثني عشر رجلًا وبضع نسوة، وَيُعْرَفُ أنه من الجليل بشعوره المسدولة، ويتقدم على الطريق لامعَ العيون مُتَّسِعَها، وينشد ويهتف متزن الخُطَى، ويهز بعض أفراده غصون التوت والتين، ويجمع بعضٌ آخر سعوفَ النخل من طرف الطريق، فيصلون جميعهم مكثرين من الحركات، ناشرين ورق الشجر، هازجين متكتفين ماشين بغير ترتيب، طافحين شبابًا، فرحين مشيرين بأصابعهم، ودالِّين بأصواتهم إلى ذلك الذي يَحِفُّون من حوله.

ويركب ذلك أتانًا ويبدو أسن من أصحابه، ويلبس مثلهم رداءً رماديًّا أغبر عاديًّا، ويريد أصحابه أن يزينوه قليلًا، فيضعون تحته ثياب العيد لا سرجًا، ويتبع الأتان فِلْوُها فيضربها برأسه بين حين وآخر من العطش، ويدنو هذا الفريق من النَّاس ويسمعون أنشودته: «أُوصَنَّا، مباركٌ الآتي باسم الرب، مباركةٌ مملكة أبينا داود الآتية باسم الرب، أُوصَنَّا في الأعالي.»

أليس هِلِّلُ الكبير هو الذي يُنْشِدون له في الكنيس سائرين حول المذبح محركين جديد الأوراق؟ وما معنى إنشاد المزمار الخاصِّ بابن داود؟ وينظر القوم بعضهم إلى بعضٍ ويتبادلون إشارات الاستفهام والتعجب حين يسمعون إنشادهم: «افرحي يا بنتَ صهيونَ، هو ذا مَلِكُكِ يأتيك وديعًا على أتانٍ وجحش ابنِ أتانٍ!»

ويضحك الكثيرون منهم ويتدافعون بالمرافق ويسألون: «مَن هم هؤلاء؟ أهم من المجانين؟ أيظنون أنهم آتون بالمسيح إلى أورشليم؟»

ويزيد الجمهور بين دقيقةٍ ودقيقةٍ، ويزدحم حول ذلك الفريق القليل، ويداوم ذلك الفريق على الإنشاد وَهَزِّ الغصون، وَيَذِيع الخبر بسرعةٍ في الطريق كلها فيقال: هذا نبيٌّ! هذا هو الذي حدثنا عنه صديقنا بطبرية! هذا من الجليل! هذا نبيُّ الناصرة!

أَمنَ الناصرة؟ أَلَا يعلم هؤلاء الفلاحون الجاهلون أن المسيح سيجيء من بيت لحم، وأنه سيكون من آل داود؟ وهل أتت الناصرة بصالحٍ في أيِّ زمن؟ فيا لهم من مفسدين! ويا لهم من لصوص! ويا لهم من مجانين! لا تدلُّ ملامح هذا على الخطر وهو يركب أتانًا، ويدل مظهره على بُؤْسه أكثر مما يدل على بَأْسِه، ويظهر أن رفقاءَه عاطلون من السلاح! اسمعوا ماذا ينشدون!

«مباركٌ المَلِكُ الآتي باسم الربِّ، سلامٌ في السماء ومجدٌ في الأعالي!»

ويعظم ذلك الفريق الصغير فيبلغ مائةً، ثم ألفًا عند اقترابه من المدينة نصف ساعة مجاوزًا الطريق الغاصَّةَ بالنَّاس، وينشد هؤلاء ويهتفون وإن كان أكثرهم لا يعرف حقيقة الأمر، وتلمع عيون التلاميذ، وتنظر النِّسْوَةُ إلى الجمهور بعيونٍ ملتهبة، ثم يَرْفَعْنَ عيونهن إلى مُعَلِّمهنَّ كأنهن يُرِدْن الاطمئنان. سبحان الله «هَلِّلُولْيا»!

بيد أن المعلم يظل راكبًا أتانه غامض الأمر ناظرًا إلى أمامه، غير ملتفتٍ إلى الجمهور ولا رادٍّ تحيةً إليه، وإن لم يمنع أصحابه من الهتاف له وقول الأناشيد بالثناء عليه.

ويسوع بعد أن خرج هو وصحبه من أريحا المرحة ودخل منطقة التلال الصخرية الباردة المقفرة العاطلة من الحياة والنَّبَات، أخذ يَغْتَمُّ ويخشى، خلافًا لِمَا كان عليه في المراحل السابقة من رحلته، فيشعر بأن هذه هي طريق سجن أكثر من أن تكون طريقًا لمدينة مقدسة، وهو يُمْعِنُ في الصمت كلما زاد تلاميذه ثرثرةً وحركةً، وهو لم يرفض ركوب أتان عندما دنا هو وتلاميذه من الشِّعْب٨ بالقرب من قرية بيت فاجي، فعرضوا عليه ذلك وفقًا للحال التي يكون عليها المسيح عند دخوله أورشليم بحسب النُّصُوص.
ويخالطه شكٌّ حينما وُضِعَ على ثيابهم فرآهم كالأولاد لا كالحكماء يُحْبَرُون،٩ وحينما أخذوا يربطون الغصون، وينشدون، وَيُغِذُّون في السير؛ لتشاهد المدينة الكبيرة مَن هو الذي يصحبون، وحينما سمع الزبور فَمُجِّدَ للمرة الأولى في حياته راكبًا على دابةٍ بين مشاةٍ، وحينما دَوَّى في أذنيه مدحه تحت سماء أبيه على مسمع من النَّاس، وحينما أبصر في أطراف تلك المدينة اجتذاب تلاميذه لجمهورٍ لا يعرفه من الغرباء.

هَلِّلُوليا «سبحان الله»! ويبدو أسير الموكب الغريب، ويرى المدينة المزعجة التي سمع عنها منذ صباه، ولا بد من أن يكون بُرْج أنطونيا ذلك البناء الذي يَسْطَع عظمةً في الجنوب، فكان يعلم أنه عن اليسار، ولا بد من أن يكون البناء القائم عن اليمين — فيظهر أزهى من ذلك ببياضه وباحاته وأبوابه وقبابه وسقفه الرخامي، فَيُخَيَّل إلى الناظر أنه صخرٌ فاترٌ متوعدٌ خارجٌ من صخر — هيكل هِيرُودُس الحِصْنَ المَلَكِيَّ الذي يجب فتحه بالروح ما كان مَقَرًّا لأعدائه.

وَلِمَ لا يرى شجرةً؟ هنالك مُنْحَدَرٌ أخضر فيه عينٌ جارية لا ريب، والمدينة العظيمة البيضاء المنيعة عاطلةٌ من الظلِّ قاسيةٌ حاقدةٌ جافيةٌ مع ذلك! وَلِمَ يهتفون قائلين: المجدُ لله «أُوصَنَّا» إذن؟ ألا يرون أن هذه المدينة صماء لا تسمع دعوةً إلى الرحمة إذن؟ هي تستقبل الغرباء بين الدخان والعفن صاخبةً صَالَّةً١٠ نابحةً، ويتخلل في الهواء عجاجها وذَفَرُها،١١ فيتحولان إلى سحابٍ كثيفٍ حاجبٍ بين المدينة والسماء، وبين الله والنَّاس.

هَلِّلُوليا «سبحان الله»! يكثر الجمهور، ويفرش الكثيرون منه ثيابهم في الطريق ليسير عليها أتانه، وتزيد الأغصان التي تهز حوله كثافةً، ويقترب الصِّبيان من دابِّتِه فيعمل على منعها من دَوْسِ أحد.

أُوْصَنَّا «المجد لله»! وَيْ! ما أشد رغبته في ختام ذلك! ألا يرى أصحابه في ذلك ما يزعج؟ ألا يعجبون من عدم سجود أحدٍ في طريقه؟ لمَ يفعل الجمهور غير الصراخ والإنشاد وهزِّ الأغصان كما لو كان ذلك للسخرية والمجون؟!

لم يلبث أن نفض عنه غبار الفتور والوجل والوضع السلبي؛ فقد بدت وجوهٌ معاديةٌ أمامه؛ أي وقف سير الموكب. فَرِّيسِيُّون أعداء له كانوا يعرفونه فاقتربوا منه بعجبهم وحقدهم، فقال له بعضهم: «يا معلم، انتهر تلاميذك!»

هنالك ينتبه النبيُّ ويستوي على الأتان وتتحرك فيه جميع المشاعر التي حفزته إلى المجيء هنا، وينتحل وضع المقاتل ما عَلِمَ قبل أن يتوجه إلى أورشليم أن على كل واحد أن يناضل فيها بنفسه، وما وَطَّنَ نفسه على السير إليها لفتحها! فيخلع عن ذلك السائل نقاب هدوئه المصنوع، ويعرب منذ وصوله إلى أبواب المدينة عمَّا يغلي في صدره، فيجيب عن ذلك بصوتٍ جهيرٍ يسمعه أقصى عددٍ ممكن: «أقول لكم: إنه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ!»

فيرتبك الفَرِّيسِيُّون ويغضبون وينصرفون من غير أن ينطقوا بكلمة على حسب عادتهم، ويتجدد هتاف الجمهور حول يسوع، ثم يسود نداءٌ حادٌّ ضوضاء المدينة، فهذا بوق التل! هذا صوت الكهنة!

يُحَدِّقُ يسوع إلى التل وَيَنْكُزُ الأتان ويسير من أقصر الطرق إلى الهيكل.

•••

أتلك سوق؟ أيهزأ بهم الدليل؟ أيبدأ بإراءتهم مركز الحياة الفاسقة قبل أن يسير بهم إلى الهيكل؟ أهنا الهيكل؟ أمكان الشغب هذا هو بيت الله حقًّا؟ قد يسود هذه الرِّدَاهَ الرُّخَامية الصاخبة إلهٌ شديدٌ، أو رئيس دولة، أو قاضٍ منتقمٌ، لا الأب اللطيف الذي سَمِع يسوع صوته في الجليل، ولا يجد النبيُّ حوله غير الضوضاء والهياج، ويُؤخذ إلى الباب الشرقيِّ الأساسيِّ المعروف بباب شُوشَنَ، فيكاد يخلع نعليه ويضعهما مع عصاه جانبًا وَفْقَ أحكام الشريعة، فَيُدْهَش من عدم وجود أحد من ألوف الذين يَصْعَدون مسرعين في الدَّرَج يصنع ذلك، فيرى أنه في ساحة الوثنيين، وأن ذلك الجمع مُؤَلَّفٌ من مشركين أتوا للاطلاع لا للعبادة. ويؤيد وجهة نظره هذه ما يسمعه من غريب اللَّهَجَات، وما في الإعلان المكتوب بثلاث لغات من الأمر بالوقوف هنالك، ومن إنذار من يُجاوز الحدَّ من غير المختونين بالموت. ويأتي الصوت من الداخل حيث الرُّوَاق المسقوف.

figure
يسوع والمرأة الزانية.
ويبلغ يسوع وسط الرُّوَاق، وَيُهَاجَمُ ببحرٍ من الصراخ متموج صعودًا وهبوطًا بين بلاطٍ كثيرة الألوان وسقفٍ من خشب الأَرْز، وَتَثْغُو الشياهُ قطيعًا قطيعًا حول باعتها الجالسين على الأَرْض. ويقف يسوع مبهوتًا حين يشاهد هؤلاء البائعين ينادون الحجاج ليحملوهم على اشتراء أحسن الضأن وأسمنها، وحين يرى تجارًا وَزُبنًا يساومون محركين أيديهم على حين تبحث العجول عن أُمَّاتِها وهي تَخُور، وحين يبصر بالقرب من هذا الركن باعةَ الحمام يَعْرِضون طيورهم للبيع وهم يرفعونها مربوطة الأرجل زوجين زوجين، فَتُصَفِّقُ بأجنحتها جافلةً، وحين يسمع الخَمَّارَ صاحب القِنِّينَة الملفوفة بِالمَوْص١٢ والزياتَ الجالسَ القُرْفصَاء بجانبه يَدْعُوَان المشترين إلى ابتياع ما عندهما، وحين ينظر آخرين يَسْعَوْن إلى بيع أكياس القمح والملح إلخ، فيظنُّ يسوع ذلك كله حُلْمًا في الكرَى لا تُقاس به أحلامه في الجليل.

ويدفع الجمهور يسوع فيفصله عن أصحابه، فيجد نفسه وحيدًا بين أوباش، وترن على مائدة صَرَّافٍ نقودٌ وتتدحرج، ويؤدي الصيارفة إلى الغرباء ما يصحُّ دفعه إلى الهيكل من النقود بدل ما عندهم، ويهزُّ الصيارفة أكياسهم معلنين أنهم يستبقون لأنفسهم السدس وَفْقًا لنظام الهيكل ما أَذِنَ لهم الكهنوت في ذلك واعترف بهم، ويساوم الغرباء رافضين أن يأخذ الصَّرَّاف السُّدس منهم، فيرضى صَرَّافٌ آخر بأخذ السُّبْع فقط، فيعلن الصَّرَّافُ الأول عدم استقامة هذا الآخر فَيَشِي به، وَيَعُدُّ الجميع ويحسبون، ويروزون الذهب والفضة والنحاس، فتثير هذه المناظر غضب يسوع، وما هَزَّ يسوع في اليوم الأخير من رحلته، وما أحسه من القلق والهوان والغيظ وَالتَّرَدُّدِ والأمل واليأس منذ دخوله المدينة المقدسة، وما اتفق له من قصد الهيكل، كلها أمورٌ حرمته النوم وشهوة الطعام، والصَّوْلَة التي ساورته بعد مغادرته شواطئ البحيرة الهادئة، فكانت عواملَ أعنف ثورةٍ في حياته، كما أنها كانت الأولى والأخيرة فيه.

يضرب يسوع بِجُمْعِ كَفِّه الأيمن أقرب مائدةٍ إليه، مع أنه لم يسبق أن ضمَّ يده لمثل ذلك فيما مضى، فتتناثر النقود في الهواء، ويقبض يسوع بيده اليسرى على هذه المائدة فيلقيها إلى الأَرْض، وينتقل النبيُّ يسوع الهائج إلى المائدة التالية فيقلبها قبل أن يتدبر الحاضرون أمر ما حدث، وقبل أن يفكر ذلك الصَّرَّاف المبهوت في العَدْوِ وراء ماله، ويخبط يسوع خَبْطَ رجلٍ مُحْتَدِمٍ قويٍّ مباغتٍ جميعَ ما حوله ذات اليمين وذات الشمال فَيُكَبْكِبُه، ويركض تحت الرُّوَاق بعنفٍ، فيفِرُّ النَّاس ويتفرقون مذعورين.

وينتهي يسوع إلى الأنعام المُعَدَّةِ لتُقَرَّبَ قرابين فيختطف سَوْطَ راعٍ فيضربها ويضرب التجار من غير تمييزٍ، ويختلط الحابلُ بالنابل، فَيَعْدُو الباعة والغرباء والملحدون والمؤمنون والعجول والخراف إلى الدرج بغير انتظام فِرَارًا من السوط كما لو زُلزلت الأَرْض زِلزالها، على حين ينال بعض الحمام حريته فيطير، ويدوي خلف الفارِّين صوتُ يسوع الراعد: «مكتوبٌ أن بيتي بيتُ الصَّلَاة، وأنتم جعلتموه مغارةَ لصوصٍ!»

ويدهش سَدَنَةُ الهيكل فلا يبدون حراكًا، ولم يَنْشَب الشَّعْب الذي ظنَّ أول وَهْلَةٍ أن يسوع ممسوسٌ هائجٌ يضرب كل ما حوله، أن زال وهمه، فأخذ يرى من خلال انتظاره ومذهبه ظهور إله هنا، أو أن هذا هو مَتَّيَاس الثاني، أو الحَمِيُّ يهوذا الجليلي في شخص ابن بلده، أفلم ينطق بكلام إرْمِيا؟ وَلِمَ يبالي الشَّعْب بخسارة تُجَّارٍ كثيري الربح؟ يرى حرس الهيكل ما حدث فلم يتحرك، ويشاهد ضابط الهيكل ذلك أيضًا فيشعر بأن ذلك الرجل ينطوي على قدرة علوية، فلم يأمر بالقبض عليه، ولا يتدخل أحدٌ في الأمر.

ويبقى يسوع وحده في الرُّوَاق الواسع، وتبدو خلفه الأعمدة التي يُمَرُّ من بينها إلى قدس الأقداس، ويجلس على درجة، وتهدأ الزوبعة التي أثارها هذا الرجل السلمي، ورجلٌ كهذا عاش منزويًا عن العالم، فلا حول له هنا؛ لا يستطيع أن يُقَدِّرَ مدى ما ناله من النصر بأورشليم منذ الساعة الأولى، فيوسع نَطَاقَ فَتْحِه، فتراه يمكث جالسًا تعبًا صامتًا.

وإليك عُصْبَةً من الأولاد في الرُّوَاق محبةً للشغب غيرَ خائفةٍ، فيسير هؤلاء الأولاد في الرُّوَاق طليقين من غير أن يُزْعَجُوا، ويدنو أشجعهم من يسوع الوحيد هنالك فتعلو وجهَ يسوع بشاشةٌ كالتي يقابل بها الصبيانَ والنساء عادةً، ويحتضن أحدهم وهو لا ريب من الذين شاهدوا دخوله أورشليم فسمع الأناشيد فأنشد مع الآخرين، وهو لا ريب قد عَرَفَ في يسوع الراكبَ على الأتان، فهنالك يُرَتِّلُ برفقٍ وَتَرَدُّدٍ قوله في الطريق: «أُوصَنَّا، مباركٌ الآتي باسم الربِّ!» فيشاركه رفقاؤه في إنشاده عن كَيْدٍ على ما يحتمل: «أُوصَنَّا في الأعالي!»

والآن يستمع يسوع لنداء فؤاده مرةً أخرى، فيبتعد عنه الحلم الهائل بغتةً، وَيَهُدُّه الهجوم الأول الذي قام به كمكابيٍّ يشتعل قلبه بنار رَبَّانِيَّة، فلا يبقى لديه من القدرة ما يستطيع به متابعة القتال، وَيُسَرُّ يسوع المعلم المرشد أن يجد في أولئك الأولاد حين يكلمهم موضع لطفه، وأن يكون مَلِكَهم ما دام ملكوتُ السماوات لهم.

وفيما هو كذلك إذ ينهض فجأةً فيهرب كأولئك الذين هزمهم، ليجد بعض تلاميذه، فيغادر الهيكل مسرعًا نازلًا من جبل الزيتون قاصدًا أصحابًا يُعْنَوْنَ به في بيت عَنْيَا.

•••

في صباح الغد يحفز أمرٌ جديدٌ يسوع إلى المدينة إلى الهيكل، فهل سأل أباه ليلًا؟ وهل اشتدَّت عزيمته برؤية تلاميذه وأصحابه وما سمعه عن أثر عمله بالأمس، فَوَجَدَ ما يدعوه إلى استئناف الجهاد؟ يَجِدُ يسوع في رسالته ما يُثَبِّتُ فؤاده فَيَدُعُّه إلى مواصلة الكفاح دَعًّا، فيجب أن يُمَثِّلَ الدور المنصوص عليه في التوراة حتى النهاية إذن! أجل قد يكون أعداؤه أمهر منه، ولكن لِيُثْبِتُوا ذلك أمام الشَّعْب بأسره إذن!

وَيُكَلَّلُ بنجاحٍ باهرٍ هجوم ذلك الذي اجتذبه الفَرِّيسيُّون إلى أورشليم فانتظروه فيها، وينال هذا الغريب صوت الشَّعْب إذا لم يكن أخرقَ، فيقف في منتصف الطريق ما كان هذا الشَّعْب متقلبًا عادم الثبات، كما دلَّ عليه أمره بعد ثلاثين سنة مرةً أخرى، وَيُوَجِّهُ الله خطوات هذا الغريب إلى خارج الهيكل لتكون الشريعة سالمةً. وليس من الحكمة اتهام هذا الغريب من أجل زَلَّةٍ، وإن أمكن إثبات حق الصَّيَارِفة والتجار في وجودهم هنالك مع مواشيهم ونقودهم، ولكن رجلًا من هذا الطراز يُفْتَرَضُ خطره على الكهنوت، فيجب إيقاعه في شَرَكِ إلحاده، وَعَدُّه مُجَدِّفًا على الناموس.

ويسوع حين يعود في هذه المرة إلى الهيكل مع بعض تلاميذه يَتَجَنَّبُ التجار في الرُّواق الغربيِّ، فيبدو في هذه المرة مُعَلِّمًا لا سَلَفِيًّا، ويعرفه الكثيرون ولا يهاجمه أحد، ويمتدحه غير واحدٍ سرًّا، ويجيء إليه بعض الأحبار وَيُحَيُّونَه بأدبٍ، ويجلسون بين الآخرين، وتتألَّف حولهم حَلْقَةٌ من المستمعين ما عُلِمَ أنهم سيناظرونه في التلمود، ويتساءل القوم عن معرفة نبي الجليل شيئًا آخر غير كَفْتِ الموائد بيدٍ قويةٍ، وَهَزْمِ الباعة والأنعام، ويسأله الأحبار عن شتى المواضيع، ثم يسأله بعضهم عن فعلته تلك بقوله: «بأيِّ سلطانٍ تفعل هذا، وَمَن أعطاك هذا السُّلْطَان؟»

وهل كان يسوع منتظرًا هذا السؤال؟ يعلم يسوع أن الربَّ في حكومة الكهنوت مصدر السلطة، وأن انتحال سلطان الربِّ مما يصعب إثباته. ويسوع إذ كان يَحْذِقُ الجدل في أمور الشريعة يُحَوِّلُ السؤال بسؤاله: «وأنا أيضًا أسألكم كلمةً واحدةً، فإن قلتم لي عنها أقول لكم أنا أيضًا بأيِّ سلطانٍ أفعل هذا: مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا من أين كانت؟ من السماء أم من النَّاس؟»

ويسكت ويفكرون في أنفسهم قائلين: «إن قُلْنا من السماء يقول لنا: فلماذا لم تؤمنوا به؟ وإن قلنا من النَّاس نخاف من الشَّعْب؛ لأن يُوحَنَّا عند الجميع مثل نَبِيٍّ.»

فيرون من الحكمة إذن أن يصمتوا، وأن يكون جوابهم: «لا نعلم.»

فينظر يسوع إليهم ساخرًا قائلًا: «ولا أنا أقول لكم بأيِّ سلطانٍ أفعل هذا.»

وَيُومِئُّ المستمعون برءوسهم إيماء الاستحسان ما رَغِبَ الشَّعْب أن يضع السائلُ سؤالًا فلا يستطيع المسئول جوابًا، وسيعلم نصف أهل المدينة في المساء ما حدث لا ريب، ويداوم يسوع، ويسوع قد أخطأ أمس؛ لأنه لم يَلْحَق نصرَ القوة أمس حتى النهاية، ويخطئ الآن؛ لأنه أراد أن يَلْحَقَ اليوم نصر الروح إلى النهاية، أفيرى ضرب أعدائه علنًا؟ أفيستنفد في هذا الهيكل وفي أورشليم جميعَ قدرته على الكفاح؟ يَقُصُّ الآن مَثَلَ الولد الصالح والولد العاصي، فيقول: «كان لإنسانٍ ابنان، فجاء إلى الأول وقال: يا ابني، اذهب اليومَ اعْمَلْ في كرمي، فأجاب قائلًا: ما أريد؛ ولكنه نَدِمَ أخيرًا ومضى، وجاء إلى الثاني وقال مثلَ ذلك، فأجاب قائلًا: أذهب يا سيدي، ولم يَمْضِ، فأيُّ الاثنين عَمِل إرادة الأب؟»

قال الكتبة له: «الأول!» آملين أن يكون في جوابه قذفٌ، فكان ما انتظروا؛ فقد التزم يسوع خطة الهجوم فقال بصوتٍ عالٍ: «الحقَّ أقولُ لكم: إن العَشَّارين والزُّنَاة يسبقونكم إلى ملكوت الله؛ لأن يُوحَنَّا جاءكم بطريق الحقِّ فلم تؤمنوا به، وَالعَشَّارُون والزُّناة آمنوا به، وأنتم رأيتم ذلك ولم تندموا أخيرا لتؤمنوا به.»

ويستمع الشَّعْب إليه بخوفٍ واحترامٍ، أفلا يذكر النَّاس يُوحَنَّا حينما يسمعون كلامه، بَيْدَ أن أولئك الذين يتربصون به الدوائر يتجاذبهم الغضب والطرب، فهم يرون أنه يقع في الشَّرَك الذي نصبوه له حينما يَسُبُّهُم، وهو لا يُحِسُّ غير أثره في الجمهور لا في الفَريسِيِّين، وهو لجهله ما في أورشليم من النفاق، حينما طعن أولئك بتلك الضربة، هَزَّ سلاحه الروحيَّ مرةً أخرى فأكثر من ضرب الأمثال، فاختلط بعضها ببعض، فأفسد أثرها، فأصبح ما قاله في أمر الوالد والكَرْمَة أمرًا مُعَقَّدًا، فقال مُهَدِّدًا: «إن ملكوت الله يُنْزَع منكم وَيُعْطَى لأمةٍ تعمل أثمارَه.»

وتؤذي هذه الكلمات مستمعيه، فلا يريد أحدٌ منهم سماعَها، فينهض الكتبة ويختلطون بالجمهور فيذيعون بينه أن يسوع مختلُّ الشعور.

وتشبه الحُظْوَة لدى الشَّعْب نقابًا مُتَرَجِّحًا، فترتدُّ هذه الحُظْوَة عن يسوع بعد أن مالت إليه، وبيان الأمر أنه سَهُلَ على الرؤساء وأولياء الأمور أن يُؤَثِّرُوا في الرأي العام بأورشليم، فعاد التجار إلى موائدهم، وعادت التجارة بين البائعين والمشترين إلى ما كانت عليه؛ لعجز الحجاج الغرباء عن تقريب القرابين الفصحية بغير هذا، فَيُسْتَهْزَأُ عمَّا قليل بجليليٍّ ممسوسٍ رَغِبَ بالأمس في تقويض ثابت التقاليد، فلا يُحَرِّكُ اليوم ساكنًا تِجَاه عَوْدَة الأمور إلى مجاريها، قانعًا بالجلوس على الدرج ليكذب الكتبة ويناقضهم.

ويشعر يسوع بما يقع، وينفُذ إلى سرائرهم من أسارير وجوههم، ولا يرضيه ما ناله من نصرٍ ناقصٍ، ويحس أن تلك المدينة قد تُضْنِي بنظمها أصلبَ النَّاس عودًا، فيغادر الهيكل للمرة الثانية راجعًا إلى عزلته الهادئة، حاملًا أفكارًا بائسةً مُخْتالةً في آنٍ واحدٍ.

ويعطش يسوع فقد تكلم نصف ما قبل الظهر من ذلك اليوم، ويكاد يحترق من حرارة ذلك الجو، ويجتنب سوق التجار، وتكثر أشجار الفواكه في المنحدر الغربي من جبل الزيتون، ويباح للمارِّ أن يقتطف منها. ويسوع إذ يبتعد كثيرًا عن جذور طبيعته منذ يومين يَذْهَلُ عن الموسم فيبحث قبل حلوله عن تينةٍ في شجرةٍ ليس عليها غيرُ الورق، ويسوع إذ كان مُلِمًّا بنمو النَّبَات لم يسبق أن طلب في بلده تينةً قبل شهر يونيو، فتراه يريد تينةً في اليهودية الصخرية منذ شهر أبريل، والشجرة إذ لم تجبه إلى طلبه فيتضاعف عطشه، يرفع يديه إليها ويلعنها قائلًا: «لا يأكل أحدٌ منك ثمرًا بعد إلى الأبد.»

وعلى ما قام به يسوع من وعظٍ منذ سنة فيُكثِرُ من منح البركات، وعلى كثرة إنذار يسوع ووعيده في المدة الأخيرة لم يسبق أن نطق باللعنة في تلك الأثناء، واليوم تراه في الهيكل يلفظ بأفظع نبوءةٍ ضد المرائين فيطردهم من ملكوت السماوات، والآن تراه في تلك الطريق الصاعدة الجافَّة تَعِبًا صَادِيًا١٣ مغاضبًا متأثرًا من الجدل الأخير، فيلعن نباتًا بريئًا يثمر وَفْقَ سُنَّة الله، فينسى بركاته الطيبات، فيستدعي قدرته التي اتفقت له ابنًا لله؛ لإفناء إحدى مخلوقات الربِّ الأب التي لا تؤذي أحدًا!

وهكذا تُبصِرُ أن شمس أورشليم تحرق قلب نبيٍّ وَتجَفِّفُه بعد أن كان هذا النبيُّ لا يَنِدُّ عن طريقه في بلاد الجليل النَّدِيَّة.

•••

يَنْسَى الفَرِّيسِيُّون وَالصَّدُوقِيُّون تباغضَهم فيتفقون ضدَّ عدوهم المشترك، فيتشاورون فَيُقَرِّرُون ما يصنعون، ما بدا هذا العدوُّ لهم أخطر مما يتصوره هو وتلاميذه، ويعرِف الكهنة طَيْشَ أورشليم وَخِفَّتَها، ويعلمون — أحسن مما يعلم هؤلاء الجليليون — تقلُّبَ الجمهور، وحبَّه للاطلاع، ومحاباتَه وفتورَه، ويراقب الفَرِّيسيُّون الشَّعْب ويخبرهم رسلهم في نواحي البلاد بظهور مذاهبَ جديدةٍ فيها، وبذيوع تفاسيرَ حديثةٍ للشريعة، فيدركون أنه يمكن رجلًا نشيطًا ناريَّ القول أن يُثِير الفتنة، وينشرَ رايةَ العصيان في أثناء العيد.

يقول الفَرِّيسِيُّون: حَقًّا لا تدل مظاهرُ ذلك النبي على أنه رجل عمل، وليست فيه شعلة يُوحَنَّا، ولكنه يعرف كيف يوجه التوراة ضد الكهنة. ومما لا يطاق أن يعمل ذلك جهرًا. وَحَقًّا أن دخوله الغريبَ في المدينة من عمل تلاميذه الحُمْس. وها هو ذا ينسى ما فعله ضد الباعة، غير أن إعلانه في فِنَاء هيكل الربِّ أن العَشَّارين والزُّنَاةَ والمشركين سيدخلون ملكوت السماوات قبلنا ينطوي على أعظم الأخطار، فيجب إسكات هذا الرجل إذن!

ويقول الفَرِّيسِيُّون: لو نعلم ماذا يرى الصَّدُوقيون الهَيِّنُون أن يُصْنَع تِجَاه ذلك، أفيكتفون في هذه المرة أيضًا بالاستهزاء لا بالعمل؟ وماذا يُعْمَل لتحريك الهِيرُودِيِّين؟ يمكن وصل ما بين طرفي الهُوَّة؛ فمن المعلوم أن أنصار دولة هِيرُودُس ما فتئوا يَرْجُون إحياءها، فيمقتون الرومان مقتهم لأيِّ قِدِّيسٍ شعبيٍّ، وأن الصَّدُوقيين — وإن كانوا أصدقاء للرومان — أعداء للمسيح، فإذا ما تضافرت أيدي ذينك الفريقين قام بذلك جسرٌ، وقد يكفي لاصطياد ذلك النبي وضع سؤال سياسي له، فإذا كان قولُه ضد رومة أُقيمت عليه قضيةٌ سياسيةٌ وَقَبَضَ عليه الوالي، وإذا جاء قوله مؤيدًا للمسيح خاصمه الهيروديون الذين يَشْعُرون اليوم بقوتهم، بعد أن جاء أميرهم هِيرُودُس أمس لحضور عيد الفصح، وليكن السير على مَهْلٍ!

حَلَّ اليوم الثالث، وكان يسوع في الهيكل، فدنا منه شبانٌ أَعَدَّهم الفَريسِيُّون والهيروديون، فقال له أحدهم بأدبٍ: «يا مُعَلِّمُ، نعلم أنك صادقٌ وَتُعَلِّمُ طريقَ الله بالحقِّ ولا تبالي بأحدٍ؛ لأنك لا تنظر إلي وجوه النَّاس، فَقُلْ لنا: ماذا تَظُنُّ، أيجوز أن تُعْطَى جزيةٌ لقيصرٍ أم لا؟»

لم يسبق أن شَغَلَ يسوع باله في أمور الضرائب ولا في أمر القيصر، فإذا حدث أن أراد عدم دفع الضريبة في كَفْرِ نَاحُومَ فلكي يظهر بمظهر ابنِ ملكٍ قبل أن يدفع، ويذكر يسوع الآن ابنَ بلده يهوذا الجليليَّ الذي أوقد نار الفتنة، فكان زعيمَها من أجل تأدية جزيةٍ إلى الرومان؛ لِمَا رآه من العار في ذلك، ويشعر بما بُيِّتَ له فَيُجِيب: «لماذا تُجَرِّبُونني يا مراءون؟ أروني معاملة الجزية!»

يُعرض عليه دينارٌ رومانيٌ، ويُظَنُّ أنه يزيد هياجًا عندما ينظر إلى الصورة المُحَرَّمَة فيه، ولكنه يسأل: «لِمَن هذه الصورة والكتابة؟»

فيقولون له: «لقيصر!»

«أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر، وما لله لله!»

كان هذا جواب مُعَلِّمٍ فصمتوا مرتبكين شاعرين بأنهم أُخْزُوا وهُزموا، ويعلم الصَّدُوقيُّون ذلك فيشمتون بخصومهم الفَرِّيسِيِّين ساخرين لا ريب، ويأتي دور الصَّدُوقيين فلا يرون خيرًا في غير الهزوء به، أفلم يُحَدِّث عن البعث الذي يؤمن به الفَريسِيُّون من دونهم؟ فلذلك يسأله الصَّدوقيُّون في الهيكل عن سبعة إخوة تزوجوا بالتعاقب امرأةً واحدةً من غير أن تلد لهم ولدًا، ثم تموت هذه المرأة فتلاقي في السماء أزواجها السبعة، فزوجة أيِّهم تكون في الحياة الآخرة بعد أن كانت زوجةً لهم جميعهم في هذه الحياة الدنيا؟ وينتظر الصَّدُوقيُّون الجواب، وينتظره معهم الجمهور المستمع، وكل جوابٍ عن هذا السؤال سيثير سخرية السامعين ما خُصَّ بها واحد من الأزواج السبعة، وظلَّ الستة الآخرون غير أزواجٍ لها.

فاسمع جواب يسوع: «تَضِلُّون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله؛ لأنهم في القيامة لا يُزَوَّجون ولا يَتَزَوَّجون، بل يكونون كملائكة الله في السماء، وأما من جهة قيامة الأموات أفما قرأتم ما قيل لكم من قِبَل الله القائل: أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب، ليس الله إله أمواتٍ، بل إله أحياءٍ؛ لأن الجميع عنده أحياء.»

وَيُدْهَش رجال الشريعة، ويُعجب بعضهم باطلاع هذا العلمانيِّ على التوراة من غير أن ينطقوا بكلمة، وَيُسَرُّ الفَرِّيسِيُّون في هذه المرة بما صفع به النبيُّ خصومهم، وقد قيل: إن كلا الفريقين يتبارى في إسقاطه، فالآن يرسل الفَرِّيسِيون كاتبًا ليسأله: «أَيَّةُ وصيةٍ هي أَوَّلُ الوصايا؟»

فيجيبه يسوع: «إن أولَ كلِّ الوصايا هي اسْمَعْ يا إسرائيل، الربُّ إلهنا ربٌّ واحدٌ، وتحبُّ الربَّ إلهك من كلِّ قلبك، ومن كلِّ نفسك، ومن كلِّ فكرك، ومن كلِّ قدرتك، هذه هي الوصية الأولى، وثانيةٌ مثلها هي: تحب قريبك كنفسك. ليس وصيةٌ أخرى أعظم من هاتين.»

كان لهذه الكلمة أبلغ الأثر؛ فقد شعر السائل شعورًا مبهمًا بأن المعتقد القَدِيم والتفسير الجديد يتعارضان في جملتين، فيهُزُّ رأسه، وينسى رسالته، ويقول حائرًا: «جيدًا يا مُعَلِّم بالحق قلت.» ثم يكرر كلمات يسوع مضيفًا إليها: «هذه هي أفضل من جميع المُحْرَقات والذبائح.» ويبدو يسوع متساهلًا بعد أن سمع لهجة السائل السِّلْمِيَّة، فيقول له: «لست بعيدًا عن ملكوت الله.»

وهكذا يقترب ذانِك العَالَمَان أحدهما من الآخر لوقتٍ قصيرٍ.

ويستمع الفَرِّيسِيُّون إلى ما قَصَّهُ صاحبهم فيقولون: أيمكن القبض عليه إذن؟ أَلَا يُؤْخذ بسبب عطفه على الخطأة المذنبين؟

وَيَعِنُّ لأحدهم رأيٌ؛ فقد قُبِضَ في هذه الليلة على امرأةٍ وهي تزني، فيخوض أهل المدينة في أمرها، فَلْيُؤْت بها إلى النبيِّ، فَمَن يدري أنه لا يُبَرِّئُها؟

طُلبت المرأة السجينة، وبُحِثَ عنه فوُجِدَ في إحدى الباحات الدنيا جالسًا مع أصحابه على الأَرْض في أسفل الدرج الأربع عشرة المؤدية إلى داخل الهيكل، فيدهش إذ يرى الجمع الآتي إليه، ويرى امرأةً يُؤْتَى بها من الشوارع، فيسأل في نفسه مُتَفَرِّسًا: مَن هي هذه المرأة؟ فيقول الذي يُمْسِكُها: «يا مُعَلِّمُ، هذه المرأة أُمْسِكَتْ وهي تزني في ذات الفعل، وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه تُرْجَمُ، فماذا تقول أنتَ؟»

نظر يسوع إلى المرأة عن كَثَبٍ وإلى المُتَّهِم لها، فوجده سيئ الحَمِيَّةِ، ووجدها حزينةً خَجِلَةً، فهل يجيب بما يُمْلِي عليه قلبه؟ وهل بين الجمهور مَن يُدْرِك أمرَه إذا ما فعل ذلك؟ تُحَدِّقُ إليه العيون، وَيَغُضُّ البصر ناظرًا إلى الأَرْض كاتبًا عليها بإصبعه، ويتبادل الحضور النظرات ويتساءلون عمَّا يدل عليه ذلك وينتظرون، ثم يفرغ صبرهم فيسألونه ثانيةً، فيرفع عينيه فيرى أنه لا يستطيع الدفاع عن تلك الأثيمة، وإن كان راغبًا في توبتها، مُبْغِضًا لعرضِ الفضائل والجهر بها، فيخاطب أفئدة المُتَّهِمين بقوله: «مَن كان منكم بلا خطيئةٍ فليرمها أَوَّلًا بحجر!»

ثم يحني رأسه ثانيةً على استحياءٍ ويكتبُ على الأَرْض.

ولم يحدث أن كان لقولٍ له فعلٌ وأثرٌ أكثر مما كان لتلك الكلمة.

وما أكثر مَن تابوا في الجليل لِمَا سمعوه منه؛ فقد عَدَلَ عَشَّارُون بفضله عن مهنتهم الآثمة، وأتته البغيُّ مريمُ المجدلية باكيةً، فاقتبست منه نوعًا جديدًا للحب. وفي هذا الصباح، يجد كاتبٌ الحقَّ بجانبه فيعترف بغَلَبه، والآن ينفذ كلامه العذب في قلوب هؤلاء القابضين على تلك الأثيمة الراغبين في قتلها، فيجد كل واحدٍ منهم خطيئةً لم يُكَفِّرْ عنها، فلا يجرؤ على رفع حجرٍ ليرجمها به فيتركونها، وَيَنْفَضُّون بهدوءٍ كما لو كان كل واحدٍ منهم يَوَدُّ أن يُخْفِيَ نفسه عن الآخرين، ويظلُّ النبيُّ وحده والآثمة واقفة أمامه.

هنالك ينتصب يسوع ويسأل ما رأى تَفَرُّقَ أولئك مع شعورِ كلِّ واحدٍ منهم بخطيئةٍ اقترفها: «أين هم أولئك المُشتكُون عليكِ؟ أما دانكِ أحدٌ؟»

فقالت: «لا أحد يا سيد!»

وَيَذْهَل عن شأنه الجديد وينطفئ فيه شعوره بأنه المسيح طرفة عين، فيُحِسُّ أنه ابن إنسانٍ كالآخرين، فيخاطبها بالكلمة ذات المعنى الخفيِّ: «ولا أنا أَدِينُكِ، اذهبي ولا تُخْطِئي أيضًا!»

•••

أشكَّ في نفسه، أم إن جوَّ أورشليم الجافَّ استنزف مَعِين خياله؟ مضت ثلاثة أيام من غير أن يحدث شيءٌ خلا مجادلاتٍ حول بعض الكلمات والعادات، فأين معجزاته؟ وأين يَنْبُوعُ المَحَبَّة الذي وَدَّ تفجيرَه بضربه تلك الصخور الجديبة كما فعل موسى في حوريب؟ يقول تلاميذه: إن الشَّعْب تحرك قليلًا فكان فريقٌ قائلًا له وفريقٌ ضدَّه، وأسفر العيد وانصراف أذهان الأجانب إلى ألف طُرْفَةٍ وَطُرْفَة عن نسيان سابقِ مكافحته للتجار، ولم يقع ما يستفزُّ الإيمان، أو يحرك في النفوس حبَّ الاطلاع، فلاح بُعْدُ الهدف، وَتَبَدَّدَ دور الرجاء والخوف.

يَتَوَجَّهُ إلى الهيكل للمرة الرابعة، ويرى أن يكون هو واضعَ السؤال في هذه المرة؛ ليعلم وجود أناسٍ من غير تلاميذه يؤمنون برسالته، وكان قد اغتمَّ حين سأل تلاميذه أمام كهف إله الرُّعَاة بالقرب من قيصرية فيلِبُّس عن رأيهم في حقيقة أمره، واليوم يغتمُّ أكثر مما في ذلك اليوم؛ لِمَا يراه من مخاطبة الفَرِّيسِيِّين، لا تلاميذه، حول المسيح، وَيُلْبِس سؤاله شكلًا ملائمًا للمناظرات الدينية فيقول: «ماذا تَظُنُّون في المسيح؟ ابن مَن هو؟»

فيقولون: «ابن داود!»

فيقول: «كيف يدعوه داود بالروح ربًّا قائلًا: قال الربُّ لربي: اجْلِسْ عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لِقَدَمَيْك، فإن كان داودُ يدعوه رَبًّا؛ فكيف يكون ابنه؟»

لم يُجِبْ أحدٌ عن السؤال، بَيْدَ أن الفَرِّيسِيِّين الذين هم على شيءٍ من الفطنة والذكاء استنبطوا من السؤال أن يسوع يشعر في نفسه بأنه هو المسيح، وبأن ولادته في الجليل وعدمَ اتصالِ نَسَبِه بداودَ مما يَقِفَ حَجَرَ عَثْرةٍ في طريقه، وأنه ينتظر اعتراضًا عليه، فيحاول أن يُحَرِّفَ معاني النُّصُوص القَدِيمة ما تأصل فيه إيمانه بأنه المسيح مع قليل شكٍّ في أنه هو.

ولكن يسوع إذ لاحظ صُمُوتًا ولم يسمع جوابًا، وكان قادرًا على قراءة أفكار النَّاس من وجوههم، فلم يجد عطفًا عليه في عيون الجَمْع، وكان تَعِبًا من الصَّدِّ والردِّ بين جماعةٍ معادية، فيتلمَّسُ مخرجًا على غير جَدْوَى، رأى أن يكافح كفاح اليائس فيهاجم.

يجب أن يقع ذلك في ساعةٍ يتقاطر الجمهور فيها إلى الهيكل، فيلتفُّ حوله متعطشًا إلى سماع كلامه، كما كان يحدث على شاطئ البحيرة من بلاد الجليل، فيجمع يسوع قُوَاه لِيَتَّهمَ الفَرِّيسِيِّين بما يجول في خاطره، فيفضحهم بصادقِ القول، ولا يهمُّه أن يُؤخذ بكلامه بعد ذلك.

قال يسوع من غير أن يُحَرِّضَ على الفتنة رأسًا: «على كرسيِّ موسى جلس الكتبة وَالفَرِّيسِيُّون، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه، ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا؛ لأنهم يقولون ولا يفعلون، فإنهم يَحْزِمُون أحمالًا ثقيلةً عَسِرَةَ الحمل، ويضعونها على أكتاف النَّاس، وهم لا يريدون أن يُحَرِّكُوها بإصبعهم، وكلُّ أعمالهم يعملونها لكي تنظرهم النَّاس، فَيُعَرِّضُون عصائبهم، وَيُعَظِّمُون أهدابَ ثيابهم، ويحبون المُتَّكَأَ الأولَ في الوَلائِم، والمجالسَ الأولى في المجامع، والتحياتِ في الأسواق، وأن يدعوهم النَّاس: سيدي سيدي … ويلٌ لكم أيها الكتبة وَالفَرِّيسِيُّون المراءون؛ لأنكم تُغْلِقُون ملكوت السماوات أمام النَّاس، فلا تدخلون أنتم، ولا تَدَعُون الداخلين يدخلون.»

«ويلٌ لكم أيها القادة العميان القائلون: مَن حَلَفَ بالهيكل فليس بشيءٍ، ولكن مَن حلف بذهب الهيكل يَلْتَزِم. أيها الجهال والعميان، أَيُّمَا أعظمُ: القربان أم المذبح؟ … ويلٌ لكم أيها الكتبة وَالفَرِّيسِيُّون المراءون؛ لأنكم تُعَشِّرُون النعنع والشِّبْثَ١٤ وَالكَمُّون، وتركتم أثقل الناموس: الحقَّ والرحمةَ والإيمانَ، كان ينبغي أن تعمَلوا هذه ولا تتركوا تلك. أيها القادة العميان، يُصَفُّون عن البَعُوضَة ويبلعون الجمل. ويلٌ لكم أيها الكتبة وَالفَريسِيُّون المراءون؛ لأنكم تُنَقُّون خارج الكأس والصفحة وهما من داخل مملوءان اختطافًا ودعارةً. أيها الفَرِّيسِيُّ الأعمى، نَقِّ أَوَّلًا داخل الكأس والصفحة؛ لكي يكون خارجهما أيضًا نَقِيًّا. ويلٌ لكم أيها الكتبة وَالفَرِّيسِيُّون المراءُون؛ لأنكم تشبهون قبورًا مُبَيَّضَةً تظهر من خارجٍ جميلةً، وهي من داخلٍ مملوءةٌ عظامَ أمواتٍ وكلَّ نجاسةٍ، هكذا أنتم أيضًا من خارجٍ تظهرون للناس أبرارًا، ولكنكم من داخلٍ مشحونون رياءً وإثمًا. ويلٌ لكم أيها الكتبة وَالفَرِّيسِيُّون المراءُون؛ لأنكم تبنون قبورَ الأنبياء، وَتُزَيِّنُونَ مدافنَ الصِّدِّيقِين وتقولون: لو كنَّا في أيام آبائنا لِمَا شاركناهم في دم الأنبياء، وأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء، فاملئوا أنتم مكيال آبائكم. أيها الحَيَّات أولاد الأفاعي، كيف تهربون من دَيْنُونة جهنم؟»

ويُذعَر الحضور، فهل ظنوا أن يُوحَنَّا قد بُعِثَ؟ وهل ذكر يسوع ما كان من شدة يُوحَنَّا فرأى أن سبيل الندم والتوبة أَولَى فعاد اليوم إلى مثل سُنَّةِ يُوحَنَّا؟ كلَّا، لم يذكر ذلك، ويرى يسوع أن يترك الهيكل الذي لم يجد فيه أثرًا للتقوى فَيَهُمُّ بالخروج من الجمع، وإنه لفي الفِنَاء التالي هو وتلاميذه؛ إذ يرى القوم مجتمعين حول ثلاث عشرة خِزَانة؛ كي يضع المؤمنون فيها ما عليهم، وتقف نظرَه عجوزٌ تَفُكُّ عُقْدَة منْدِيلها بصعوبةٍ؛ لتُخْرِجَ منه فَلْسَيْنِ باحثةً عن ثقب خزانةٍ لتدخلهما فيه، ويدفعها الأغنياء اللابسون أزهى ثيابٍ، والذين من عادتهم أن يضعوا في تلك الخزائن مبالغ كبيرةً على مرأًى من النَّاس، فتتنحى العجوز المسكينة الرَّثَّةُ الثياب جانبًا مرتجفةً، ثم يخلو الجو فتضع بأصابعها الشَّثْنَة الفَلْسَيْن في خِزَانة، فيؤثِّرُ ذلك في يسوع؛ لِمَا يجده في القدس من خالص التقوى في آخر الأمر فيقول: «الحقَّ أقول لكم: إن هذه الأرملة الفقيرة قد ألقت أكثر من جميع الذين أَلْقَوْا في الخِزَانة؛ لأن الجميع من فضلتهم أَلْقَوْا، وأما هذه فمن إعوازها أَلْقَتْ كلَّ ما عندها كلَّ معيشتها.»

•••

لم يدرك تلاميذُ يسوع أمره في هذه المرة أيضًا، فلم يعرفوا المصيبة التي تساوره، ولا الرِّيَبَ التي تخامره، ولا القنوط الذي يعتوره، ولم تمتد آمالهم ورغباتهم إلى ما هو أبعد من اليوم التالي، وهم إذا ما خاطبوه في أحوال خَاصَّةٍ لم يَدُرْ ذلك حول الأمور الروحية. ومن هذا أن جاءت سالومة أمُّ يعقوبَ ويُوحَنَّا وولداها خلفها لتراه، فدلَّ هذا على أنهما هما اللذان أرسلاها إليه، فركعوا وقالت سالومة: «قُلْ أن يجلسَ ابناي هذان، واحدٌ عن يمينك، والآخر عن اليسار في ملكوتك.»

ذلك، إذن، ما كان يشغل بال أفضل تلاميذه! هما رافقا المعلم أكثر من سنة فلم يَرَيَا في مذهبه غير ذلك! فاسمع جوابه مغاضبًا: «لستما تعلمان ما تطلبان، أتستطيعان أن تشربا الكأسَ التي أشربها؟»

فيقولان له: «نستطيع!»

فيقول بِرِفْقٍ: «ليس لي أن أعطي الجلوس عن يميني وعن يساري إلا للذين أُعِدَّ لهم من أبي!»

وفي الغد يحتدم النقاش بين تلاميذه فيخرجونه من صمته؛ فقد كثر اللغط بينهم حول مَن هو أعظمهم، ناسين قول المعلم لهم: إنه لا ينبغي لأحدٍ أن يرتفع فوق الآخر، وإنه لا يكون في الملكوت الجديد قوةٌ ولا سلطانٌ ولا سلسلة مراتب، فاسمع قوله المُرَّ لهم: «أنتم تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونهم، والعظماء يتسلطون عليهم؛ فلا يكون هذا فيكم، بل مَن أراد أن يكون فيكم عظيمًا فليكن خادمًا، وَمَن أراد أن يكون فيكم أَوَّلًا فليكن لكم عبدًا، كما أن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخْدَم، بل لِيَخْدِم.»

وفيما هم يتجادلون على هذا المنوال، وفيما هم يتكلمون حول ما أجاد المعلم في صنعه، وما وجب أَلَّا يفعله في تلك الأيام بأُورَشليم، كان أحدهم يهوذا صامتًا مستمعًا مفكرًا.

ويهوذا هذا وحدَه هو غيرُ الجليليِّ بين أولئك الرجال والنساء، ويهوذا هذا قد ترك المنطقة اليهودية منذ طويل زمن؛ ليتبع المَعْمَدَان في البداءة على ما يحتمل، ثم لَحِقَ بيسوع الذي أعجبه كلامه ومذهبه أكثرَ من أن يعجبه شخصه على ما يظهر، ويلوح لنا أنه هجر أهله وَطَلَّقَ صنعةً ونقدًا ومالًا، وقد جُعِلَ قَيِّمًا على المال المشترك لروحه العملية، وهو الوحيد من بين رفقائه في الاطلاع على العالَم قبل التحاقه بالنبيِّ الناصريِّ الذي لم يعرفه سابقًا، فكان يعرف أولياء الأمور ويعرف أورشليم، ويعرف ماذا ترك ولماذا ترك، وغيرُ ذلك أمرُ الذين وجدهم مُقَرَّبِين لدى المعلِّم فأصبحوا إخوانًا له؛ فقد كانوا خياليين متحمسين من الجنسين، وقد نُشِّئُوا في مدنٍ صغيرةٍ، وبيئاتٍ ضيقةٍ، وفيهم ما في أهل الجليل من اتِّقَاد الذهن والحماسة، وهم لم يتركوا شِبَاك صيدهم ومحاريثَهم إِلَّا تلبيةً لنداء ذلك الناصريِّ العَذْبِ الكلام في شواطئهم.

ويسأل يهوذا عمَّا كان يعمل في هذه الحال أو تلك الحال لو كان في محلِّ معلمه، وَعمَّا فعل هذا المعلِّم من خيرٍ، وكلما دنا يهوذا من وطنه القَدِيم تَنَبَّهَتْ فيه دوافع صِبَاه السابق، وكلما حَنَّ إلى أسرته ومهنته وعاودته أفكارُه التي أقصته عن أهله اغْتَمَّ بما لا يقلُّ عن غَمِّ المُعَلِّمِ نفسه على ما يحتمل، وماذا حدث؟ وماذا صنع المعلِّم لينالَ السُّلْطَان، ويحققَ واسع الآمال؟ أيعتقد حَقًّا أن الربَّ سَيَغْمِسُ يده من أعلى السماء في هذا العالم المُعَقَّدَةِ أمورُه، فَيُمَهِّدُ السُّبُلَ لابنه؟ أَجَلْ زاد التلميذ بين يومٍ ويومٍ أَلَمًا من الانتظار، واستمع في الهيكل مع الآخرين إلى الأمثال وَالتُّهَمِ والأجوبة، ولكن من غير أن تتمخض حركةٌ منذ طَرَدَ يسوع أعداءَه من الهيكل في اليوم الأول، وها هو ذا البطلُ يَصْفَرُّ وجهه غير متقدِّمٍ إلى الأمام!

figure
جَثْسَيْماني.

ويقول ليهوذا هَمْسًا أصدقاؤه القدماء وأقرباؤه فيزيدون رِيَبَه: أهذا هو معلمه؟ أمن أجل هذا ترك صنعته وماله وهجر كل شيء؟ أمن أجل اتباع مجنونٍ لم يَسْطِعْ أن يحمل النَّاس على إطاعته؟ وَيَجِدُ يهوذا بعد عودته ما يجذبه في السلطة، وفي الكهنة، وَحُلَلِهم واتِّزَانِ خُطَاهم، وفي إعجاب الأجانب، وأما ذلك الذي ضَحَّى من أجله بكلِّ شيء فقد دخل أورشليم بسيط المظهر عابسًا راكبًا أتانًا! وهو الآن لا يبدي حَرَاكًا!

وَتُسَاوِر الشكوكُ يهوذا فيما يقوله معلِّمُه، فيعزم على البتِّ بإخلاصٍ لا عن طفرةٍ، ويرى يهوذا معلِّمه مُغْتَمًّا فيألم؛ لِمَا يبصره من إضاعته للساعات الأخيرة التي يمكن العمل فيها، وَلِمَا يشعر به أكثر من إخوانه، من أن الشريعة تجمع قواها لتدوس ذلك الممسوسَ المزعجَ، ويهوذا هو أول مَن قَدَّرَ أن شعور يسوع بدنو أجله هو الذي أملى عليه خطبته الأخيرة التي قالها في الهيكل، فأخاف بها تلاميذَه أكثر مما أنار بها بصائرهم.

والآن يبدو يسوع جامعًا لقُوَاه مرةً أخرى، فيظهر أمام تلاميذه أنه المسيح بِمَا أوتي من قوةٍ، فَيَعْرِضُ نفسه على أنه المُخَلِّصُ بين الشدائد والزلازل والمجاعات، فاسمع ما يقوله وهو جالسٌ هو وتلاميذه في المساء الخامس حول المائدة في بيت عَنْيَا: «وحينئذٍ تبصر جميع قبائل الأَرْض ابنَ الإنسان آتيًا على سحابِ السماء بقوةٍ ومجدٍ كثير، فيرسل ملائكَته ببوقٍ عظيمِ الصوت، فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح من أقاصي السماء إلى أقاصيها … لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كلُّه، السماء والأَرْض تزولان، ولكنَّ كلامي لا يزول … ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميعُ الملائكة القِدِّيسِين معه، فحينئذٍ يجلِس على كرسيِّ مجده، ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فَيُمَيِّزُ بعضَهم من بعض كما يُمَيِّزُ الراعي الخِرَافَ من الجِدَاءِ، فيقيمُ الخِرَافُ عن يمينه، وَالجِدَاءُ عن اليسار، ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تَعَالَوْا يا مُبَارِكي أبي، رِثُوا الملكوتَ المُعَدَّ لكم منذ تأسيس العالم؛ لأني جُعْتُ فأطعمتموني، عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُوني … بما أنكم فعلتموه بأحدِ إخوتي هؤلاء الأصاغر، فَبِي فعلتم.»

وهكذا يُسْعِدُ يسوع أو يَدِينُ مَن يعمل الخير أو الشر، وهكذا يعلن نفسَه قاضيًا رَبَّانِيًّا بأصرحَ مما في أيِّ زمنٍ، فلا يَتَرَدَّدُ في إنْبَاءِ هؤلاء الذين يسمعون كلامه بأنهم سَيَرَوْنَهُ نازلًا من السماء في هذه الحياة الدنيا، وهكذا يبوح بذلك إلى جَمْعِه الصغير متمثلًا ما فَكَّرَ فيه بقيصرية فِيلِبُّس، بعد أن طَوَتْ أورشليم كَشْحًا عنه فعادت لا تُصْغِي إليه، وينظر إليه أولئك الذين يحيطون به فيؤمنون به، ويهوذا وحدَه هو الذي يَصْعُبُ عليه أن يَرْضَى بذلك فيسأل: لماذا يرتدُّ يسوع في معترك الحياة فيذكرُ مُتَمَدِّحًا أمام خُلَصَائه سلطانَه ذلك، ومجدَه ذلك؟ فبهذا تشتدُّ شكوك يهوذا!

وإن السكوت ليسود المائدةَ بعد ذلك؛ إذ يفاجأ الجالسون حولها بامرأةٍ رأت يسوع حديثًا، فهذه المرأة الجميلةُ جمالَ مريمَ المجدليةِ فيما مضى لم تُبْدِ من الضَّرَاعة مثل ما أبدت، فتتوجه إلى يسوع الذي أدخل الإيمان إلى قلبها كتمثالٍ، تتوجه إليه وهي تحمل بيديها قارورةً من رُخَامٍ أبيض، فتكسرُ عنقها، فتصبُّ جميعَ ما فيها من الطيب الهنديِّ الثمينِ على شعره، فتدهنُ جسمَه، فَيُدْهَشُ الحاضرون خلا يهوذا الذي تَحَوَّلَ الشكُّ فيه إلى أزمةٍ، فيجرؤ على لَوْمِ المعلِّم الذي لم يمنع مثل هذا التبذير فيقول: «لماذا كان تلفُ الطيب هذا؟ كان يُمكن أن يُباع هذا بأكثرَ من ثلاثمائة دينارٍ وَيُعْطَى للفقراء!»

لم يَسْبِقْ أن عامله تلميذٌ بمثل هذا، وَيُحَدِّقُ إلى هذا الذي يرفع صوته فوقه، فهل شَعَرَ ببذرة التَّمَرُّدِ في بيته، أو يَعُدُّ يهوذا عصبيًّا مُقَدِّرًا أن دخول الهدايا في خِزَانَتِه خيرٌ من تبذيره على شَعْرِ المُعَلِّم؟ فاسمع تعنيفَ يسوع إياه بِرِفقٍ.

«اتركوها! لماذا تزعجونها؟ قد عَمِلَتْ بي عملًا حسنًا؛ لأن الفقراء معكم في كلِّ حين، ومتى أردتم تَقْدِرُون أن تعملوا بهم خيرًا، وأما أنا فلستُ معكم في كلِّ حين، عَمِلَتْ ما عندها، قد سبقت وَدَهَنَتْ بالطيب جسدي للتكفين.»

وَيَهُزُّه كلامه ذلك فيَصمُت قليلًا، ثم يودُّ أن يُطَيِّبَ خاطرَها بأكثر من ذلك فيقول بلهجة قدماء الأنبياء: «الحقَّ أقول لكم: حيثما يُكْرَزْ بهذا الإنجيل في كلِّ العالَم يُخْبَرْ أيضًا بِمَا فعلته هذه تذكارًا لها.»

•••

غَضِبَ يهوذا، أفلم يَبْذُلْ جهودًا عظيمةً لكسب أموالٍ في سبيل الفقراء؟ أَفَلَمْ يُضَحِّ بجميع ما يملك في سبيل حياته الأدبية؟ ولماذا؟ لقد شَعَرَ بفساد احترام امرأةٍ للمعلِّم بِدَهْنه بِمَا يساوي ثلاثمائة دينار، فأحسَّ أنه خُدِعَ، فاشتعل قلبه ارتيابًا، فتذكَّرَ قول موسى: «إذا تكلم النبيُّ باسم الربِّ فلم يُتَّبَعْ؛ كان ذلك افتراضًا فلا تَخْشَه.» ويؤثر فيه ما رآه بأورشليم من إنذار أهله له، وَسُخْرِيَتهِم به، فلا يدفع عن نفسه مُؤَثِّرات الشباب وقوةَ قَدِيم العادات، ويرى المعلِّمَ ساكنًا لا يُبْدِي حَرَاكًا فيعزم على الحركة والعمل، وَلِمَ لا يطوي دور الانتظار الذي أضحى لا يُطاق؟

أَيُعْرِضُ عن معلِّمه؟ أيهجره؟ ليس هذا قليلًا ولا كثيرًا؛ وإنما أراد أن يَحْمِلَ يسوع وأعداء يسوع على اتخاذ خطوةٍ حاسمةٍ، فأخذ يبحث عن أسبابٍ سائغةٍ ليست بالحقيقة سوى انتقام شخصيٍّ؛ لِمَا اعتوره من قنوط، فوجد في ذهنه ما يطلبه، أَفَلَمْ يَقُل المعلِّم في الأيام الأخيرة مُكَرِّرًا بمختلف الصِّيَغ: إن آلامه المنتظرة هي مرحلةٌ إلى المجد الأبدي؟ ألم يخبر بدنوِّ أجله؟ فإذا كان هو المسيح حقًّا، وكان يَتَرَدَّدُ في إثبات ذلك بالأعمال، لم يستطع أن يثبته للناس بغير آلامه، وتتضح عداوته للهيكل وللقائمين بأموره من الوثائق والشتائم، ومن شكاوى كلا الحزبين، فإذا ما سُلِّمَ لأعدائه بدا في العالم جوهرُه وحقيقةُ إنجيله لكل ذي عينين.

والتلميذ الذي يقود المعلِّم إلى حيث يألم يكون وحده قد فتح له طريق المجد، ومن المحتمل أن يكون يسوع العالي النُّسْكِ منتظرًا اليد التي تُعِينُه على الوصول إلى النهاية، ومن ثَمَّ إلى البداية، فإذا ما أتى الرب إذ ذاك بمعجزةٍ فنصر ابنه؛ وجد التلميذ الملحد ما يُسَوغُ به فعلته من وجهين: فالمعلِّم يثبت آنئذٍ لنفسه ولتلميذه سلطانَه الرباني، وتكون جميع الشكوك والرِّيَب حول رسالته قد تَبَدَّدَتْ بذلك إلى الأبد.

حاول يهوذا أن يستر بتلك التأملات ضعفه وتأثره من إيمانه الماضي بيسوع وكفره الحاضر به، فذهب إلى أحد بيوت الكهنوت التي يعرفها بأورشليم لا ريب.

أُوصِد الباب دونه بسرعةٍ ثم استُمع إليه؛ فقد كان أعضاء من المجمع الكبير مجتمعين لاتخاذ قرارٍ في الأمر ما أَلْحَفَ الوقت عليهم بذلك، فلم يبقَ لعيد الفصح سوى يومين، فإذا ما برز يسوع الناصريُّ أمام الجموع المجتمعة، فَكَرَّرَ تُهمه الشائنة ضد الجالسين على كرسيِّ موسى بدا الخطر، فيجب القبضُ عليه ليلًا في مكان بعيدٍ من الهيكل والمدينة، ومن أعين النَّاس إذن، وليحاكم وليُحكم عليه، وَلْيُنَفَّذ الحكم فيه قبل يوم العيد بالاستناد إلى شهادة شاهدين أو ثلاثة شهود إذن؛ ففي ضوضاء العيد ما يُؤَدِّي إلى نسيان أمره عاجلًا.

قَدَّر أولئك الأعضاء ذلك وعلموا أيضًا، أن من الخطر أن تُرْسَل إلى بيت عَنْيَا كتيبة مسلحةٌ لحصار بيتٍ مطمئنٍّ، والقبض على نفرٍ من النَّاس قد يقاومون فَتُسْفرُ مقاومتهم عن شغبٍ، ثم رأوا المُعِينَ في تلميذٍ له أتى من تلقاء نفسه ليساعد على ذلك، فوجدوا إنجاز الأمر منذ هذا المساء ممكنًا، فأوعزوا إلى يهوذا بِأَلَّا يَغْفُلَ عن مراقبة معلِّمه.

أراد يسوع أن يصنع كل يهوديٍّ تقيٍّ في خميس العيد، فأوصى على خروفٍ فصحيٍّ من المدينة، ما ظل وفيًّا لهذه العادة القَدِيمة مع مقته تقريب القرابين، وما فكر، على ما يحتمل، في الأكل من الخروف الفصحيِّ للمرة الأولى والأخيرة بأورشليم، ويُخَصُّ الأغراب بغرفةٍ وفقًا للعادة، وَتُسَلَّمُ إليهم أغطيةٌ ووسائد، ويأتي هؤلاء بلَحْمِ وخَمرٍ، وَتُهَيَّأُ كعكةٌ رقيقةٌ قليلة الحلاوة مصنوعةٌ من دقيق البُرِّ، وسليقةٌ غليظةٌ مصنوعةٌ من الفواكه وَمُرِّ الكلأ تخليدًا لذكرى مِحَنِ مصر، ويأخذ التلاميذ الخروف إلى الهيكل، وينتظرون البركة مع ألوف النَّاس، ثم ينتهون إلى الكهنة المُقَرِّبي الذبائح، المرتلين لمزاميرهم رابطي الجأش بين الدماء والأحشاء، وأصوات الأنعام والأبواق.

وينزل يسوع إلى المدينة مساءً فيجد في الغرفة أربع وسائد كبيرةٍ، وأغطيةً منظمةً على شكل نصف دائرة، فيستطيع أن يتَّكئ على كل وسادةٍ ثلاثة أشخاص، وَيُخَصُّ يسوع بمكان الشرف في الوسط على أن يستند أحد تلاميذه إلى ظهره، وآخر إلى صدره، ويختار بطرس ويُوحَنَّا لذلك، ويبدو رَبًّا لأُسرةٍ مراعيًا للتقاليد، ويقوم بجميع الشعائر وَيَقْرِنها بكلِّ ما يدلُّ على اقتراب أجله، ويقول منذ جلس حول المائدة: «شهوةً اشتهيتُ أن آكل هذا الفصحَ معكم قبل أن أتألم؛ لأني أقول لكم: إني لا أشرب من نِتَاجِ الكَرْمَةِ حتى يأتي ملكوت الله.» وَتُصَبُّ له خمرٌ حمراء فيَخلِطها بالماء وينطق بالبركة عند أول كأس: «حمدًا لإلهنا ربِّ العالمين خالق ثَمَرَة الكَرْمَة.» ثم يدير الكأس فيقول: «خذوا هذه واقتسموها بينكم؛ لأني أقول لكم: إني لا أشرب من نِتاج الكَرْمَة حتى يأتي ملكوت الله.»

والمائدة وطيئةٌ فيستطيع الآكلُ أن يتناول الطعام منها متكئًا، ويُبدأ بالأعشاب المُرَّةِ ثم بسليقة الفواكه مع حمد الربِّ على جميع ذلك، وَتُرْفَعُ المائدة قبل أن تُخْلَطَ الكأس الثانية، وتُدار الخمر مع الإنشاد، ثم تُعاد المائدة وعليها رغيفان رقيقان مُدَوَّرَان، ويقطع يسوع أحدهما، ويضع القِطَعَ على الرغيف الآخر ويقول: «حمدًا لذلك الذي يُخْرِجُ الخبز من الأَرْض.» ثم يلفُّ قطعةً من الخبز بأعشابٍ وَيَغْمِسُها في سليقة الفواكه ويأكلها وينطِق بدعاءٍ آخر، وإنهم لكذلك إذ يُؤْتَى بالخروف فيغمسون أصابعهم في الصَّحْفَةِ معًا على حسب عادة الشرق ويأكلون.

وَمَن ينظر إلى هنالك من بعيد يشاهد أصحابًا مَرِحين اجتمعوا لِيَحْمَدُوا الله على ما أنعم به عليهم، ويشاهد يسوع آكلًا معهم كما في كلِّ وقتٍ، مع أن نفس يسوع بعيدةٌ منهم أكثرَ مما في أي وقت، فيسوع يشعر بأنه خَسِرَ المعركة، خسرها بين أصحابه، فهل هم أصحابه إذن؟ وعلى أيهم يعتمد؟ أفيدرك أحدُهم أمره؟ أفيقاتلون من أجله وعددهم اثنا عشر وهم رجال سِلْمٍ لا حربٍ؟ أفينطِقون بكلمةٍ ويرفعون صوتًا في سبيل إنقاذه؟ هم ضِعَافٌ على الدوام، وقد فَتُرَ إيمانهم منذ وصولهم إلى تلك المدينة المعادية، فلا تجد بينهم مَن هو مستعدٌّ لكفاحٍ عَدَلَ عنه يسوع، فيا أورشليم!

أَفَيَشُكُّ فيهم جميعًا؟ أفيلاحظ جميع الأيدي التي تَغْمِسُ في الصَّحْفَةِ؟ أينتقل نظره الثاقب من يد يهوذا السافرة المرتعشة الأصابع إلى وجهه السافر؟ قد يكون ذلك؛ وإنما الذي لا ريب فيه هو أن المعلِّم تركَ الصَّحْفَةَ فقال بعد صمتٍ: «الحقَّ أقول لكم: إن واحدًا منكم يسلمني!»

ذُعروا كلهم وتركت الأيدي الصَّحْفَة وتبادلوا النظرات، ثم نظروا إلى يسوع، ثم تبادلوا النظرات، فماذا حدث؟ أفلاح له عندما أحسَّ دُنُوَّ أجله أنه لن ينصره أحدٌ من تلاميذه، وأن تلاميذه الاثني عشر سيخونونه؟ أفيعلم أن ذلك الذي يَتَّكِئُ على ظهره سينكره منذ هذه الليلة؟ أفليست هذه هي الخيانة؟ أم إن بصرَه الحديد القادرَ على معرفة الرجال اكتشف العدو الخفي في صمت يهوذا الذي ينتظر؟

يعلم يهوذا وحده فِيمَ يُفَكِّر المعلِّم فيُصاب في فؤاده، وماذا يحدث لو أن يسوع نهض حالًا وأشار إلى يهوذا بإصبعه قائلًا: أنت الذي عقدت نِيَّتَك على خيانتي؟! كان يجد في يهوذا آثمًا تائبًا فَيُسَرُّ به أكثر مما يُسَرُّ بالأحد عشر الباقين الذين سَيَخْذُلُونَه في نهاية الأمر! هذه هي الساعة التي ينتظر يهوذا المرتاب أن يُظهِرَ فيها المَلِكُ الذي هو ابن الربِّ قدرتَه، فلو فعل ذلك لكان وقعه عليه كالصاعقة، ولخرَّ على قدميه من فوره ساجدًا عابدًا هذا الذي لم يُدْرِك أمره، أفشاهد المعلِّم اصفرار وجه ذلك الذي أصابه بكلامه؟ أَوَحْدَه هو الذي رأى درجة ارتعاش يده محاولًا إخفاء وجهِه بعيدًا من نور المِصْبَاح؟

«هل أنا؟ هل أنا؟» هذا ما سأله تلاميذُ يسوع، ويبدي هؤلاء كالأولاد ثِقَتَهُم بمصدر ذلك القول، ولكن يهوذا الذي يضع هذا السؤال كالآخرين ينتظر السهم الذي سيصيبه من عيني المعلِّم، والمعلِّم يكتفي بقوله: «هو واحدٌ من الاثني عشر الذي يَغْمِسُ معي في الصَّحْفَة. إن ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوبٌ عنه؛ ولكن ويلٌ لذلك الرجل الذي به يُسَلَّمُ ابنُ الإنسان، كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد!»

ويسأل يهوذا في نفسه: أهذا كلُّ شيء؟ ويهدأ روعه فيقول في نفسه: أأجد في ذلك غير الرغبة في الموت؟ ألم يكن قد عَطِلَ من النشاط فلا يشير إليَّ بإصبعه أمام جميع الشهود؟ أهذا هو النبيُّ الذي آمنا به؟ هو لا يعرِف حتى الذي سيخونه، وهو لو عرفه ما أراد الكفاح. الموتُ وحده هو الذي يَحُلُّ هذه الألغاز.

figure
إكليل من الشوك.

وتنتهي الوليمة بِغَمٍّ بين حديث ذاوٍ، وما قاله يسوع عن الخيانة كان كَخَتْمِه حكمَ موته على ما يظهر؛ فقد أخبر في تلك الليلة غيرَ مرةٍ بقرب موته، وها هو ذا يُنْبِئُ في زهدٍ بأنه سيتلاشى ويتوارى من بين تلاميذه.

أصحيحٌ أن هؤلاء الصيادين الفقراء والفلاحين البائسين ناقصو الحَميَّة والإيمان، فلم يتبعوه من شواطئ بحر الجليل إلى المدينة المقدسة إلا ليجتمعوا به في تلك الغرفة الضيقة؟ تَغَصُّ المدينة بالنَّاس انتظارًا للعيد، وَتَخْفُقُ ألوف القلوب عن تقوى بسبب العيد، ولا يبحث أحد، مع ذلك، عن الاحتفاء بالنبيِّ الذي أتى ليفتح أورشليم، من أجل هذا كان ذلك العشاء الرَّبانِيُّ مع أول تلاميذه وآخرهم، وهو حينما تناول في نهاية العشاء رغيفًا ثانيًا، فَقَسَمَه شَعَر بأنه يَقْسِمُ حياته بأصابعه، وهو حينما عَرَضَ على تلاميذه الخبز بيديه التَّعِبَتَيْن أكثرَ من تعبهما وقتما قَسَمَ الرغيفَ الأول قال برفقٍ: «خذوا كُلُوا، هذا هو جسدي!»

ثم أدار آخر كأسٍ بحسب العادة، فلما رأى ضياءً أحمر فيها قال: «هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، الذي يُسْفَك من أجل كثيرين، الحقَّ أقول لكم: إني لا أشرب بعدُ من نِتَاجِ الكَرْمَة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشرَبُه معكم جديدًا في ملكوت الله.»

وينهض يسوع ويُنشِد مُسَبِّحًا وينصرف، ويتبعه تلاميذه إلى جبل الزيتون خلا يهوذا.

ظلَّ يهوذا في المدينة، وذهب ليخبر الخفراء.

١  صرف الباب يصرف صريفًا: صوَّت عند فتحه أو إغلاقه.
٢  المحاور: جمع المحور.
٣  العجل: جمع عجلة؛ وهي الآلة التي تحمل عليها الأثقال.
٤  شحج البغل يشحج شحيجًا: صوَّت.
٥  القتار: رائحة اللحم والشواء إلخ.
٦  المر: مائع يسيل من شجرة فيجمد، وهو طيبُ الرائحة مرُّ الطعم.
٧  جارضة: خانقة.
٨  الشعب: الطريق في الجبل.
٩  يحبرون: يسرون.
١٠  صل السلاح يصل صليلًا: سُمع له طنين.
١١  الذفر: شدة الرائحة، النتن.
١٢  الموص: التبن.
١٣  صدى يصدى صدًى فهو صادٍ: عطش عطشًا شديدًا.
١٤  الشبث: بقلة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠