المقالة الثانية

حياة أبي العلاء

قبيلته

ينتهي نسب أبي العلاء كما سترى إلى قضاعة، وقضاعة قبيلةٌ متشعبةٌ ذات أطرافٍ وغصونٍ، كان لها شأنٌ كبيرٌ في الجاهلية والإسلام، وقد بَعُد العهد باختلاف العرب أنفسهم في نسبها، فبعضهم يصلها بمعدِّ بن عدنان، وبعضهم يرتقي بها إلى يعرب بن قحطان، بل إنَّ بعض شعرائها قد اجتهد في أن يتصل بعدنان إيثارًا لقرب المكان من قريشٍ بيت النبوة والخلافة، فقال جميل:

أنا جميلٌ في السنام من معد
في الذروة الحصداء والركن الأشد
ولكنَّ جمهور العرب والمحققين من حُفَّاظ الأنساب يَرَوْن أنَّ بيت قُضاعة في معدٍّ أوهن من بيت العنكبوت، وأنَّ صلتها الحقيقية إنَّما هي لقحطان؛ فقضاعة يمانيةٌ لا عدنانيةٌ. هذا الخلاف القديم مع غيره من الحوادث، اشترك قبل التَّاريخ في تكوين طائفةٍ من الأساطير عن رحلة قضاعة وهجرتها من تهامة موطن بني إسماعيل إلى البحرين، ومنها إلى الحيرة وبلاد الشام، وظننا أنَّ انتساب قضاعة إلى تهامة ليس بأقل وهنًا من انتسابها إلى عدنان؛ فإنَّ حرصها على الاتصال ببني إسماعيل ألجأها إلى أن تزعم تهامة أول أوطانها، والأشبه أنَّ أول أوطانها إنَّما هي بلاد اليمن، وأنَّ سيل العرم هو الذي أزعجها عن تلك البلاد ففرقها أيدي سبأ كغيرها من بني قحطان، على أنَّ التحقيق في مثل هذا الموضوع أمرٌ لا سبيل إليه؛ لأنَّ هذه الحوادث كما قدمنا سبقت التاريخ، ولئن كان علم النسب يشتمل على كثيرٍ من الحقائق النافعة، فإنَّ حظَّه من الخلط عظيم، ولا سيما إذا بَعُد العهد به وتَعَمَّق في الزمان القديم، ذلك شيءٌ لا نقصره على النسب العربي، وإنَّما نمد ظله على غيره من الأنساب، فإنَّ العناية بحفظ الآباء والأجداد، خصلةٌ من خصال أهل البادية، وأمم التَّاريخ القديم،١ تشتد كلَّما أغرقوا في الجهل والأمية، وتضعف كلما تقدموا في الحضارة والعلم. وخليقٌ بالقضايا التي تُقرَّر في ظلمة الجهل من وراء حجاب، وتُدوَّن قبل أن يظهر التَّاريخ عليها، أن تُعَدَّ من الأساطير التي تنقص وتزيد، وتتأثر بالزمان والإقليم، لا من الحقِّ الثابت الذي لا شكَّ فيه.

على هذه القاعدة نفهم أنساب طائفةٍ من قبائل البربر والأكراد والجراكسة إلى العرب. نعم؛ ربما صحَّت بعض الأنساب في الإسلام، ولا سيما أنساب الهاشمية، ولكن لا ينبغي أن نغفل عن أولئك الأدعياء الكثيرين الذين اندسَّوا في ديوان بني هاشمٍ على اختلاف العصور، ولو أنَّك نظرتَ في حياة الرجل الفذِّ الذي حفظ أنساب العرب، ووصل أسبابها بالمحدثين أيام بني العباس، وهو ابن الكلبي صاحب الجمهرة التي اختصرها ياقوت، وأخذها ابن حزمٍ، لرأيت أكثر الرواة يتهم صدقه وأمانته، فيما كان يروي من الأخبار، ولعلَّ كثيرًا من النَّاس قرءوا تلك المُداعبة التي كانت بين أبي نواسٍ وبينه، وذلك حيث يقول أبو نواس:

أبا منذرٍ ما بال أنساب مذحج
مغلقة دوني وأنت صديقي؟!
فإن تَعْزُني يأتك ثنائي ومدحتي
وإن تابَ لا يسدد عليَّ طريقي

والنَّاظر في مُداعبات الشُّعراء، في أوائل القرن الثاني يرى مقدار شكِّ المحدثين فيما انتهى إليه علم النسب، وحسبك أنْ تقرأ قول بشارٍ:

ارفق بنسبة عمرو حين تنسبه
فإنَّه عربيٌّ من قوارير
ما زال في كير حدادٍ يردده
حتى بدا عربيًّا مظلم النور

وكذلك قول الآخر:

الحمد لله هذا أعجب العجبِ
الهيثم بن عديٍّ صار في العربِ

والقول في أمر الحطيئة، وتنقله بنسبه في القبائل، وفي العبيديين واتهام نسبهم إلى بني هاشمٍ شائع مشهور بين الأدباء والمؤرخين.

من بطون قضاعة: تيم الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة، وتيم الله هذا مجتمع طائفةٍ من الأحلاف القضاعيين عُرِفوا في الجاهلية والإسلام إلى ما بعد أبي العلاء باسم تنوخ، وإنَّما جاءهم هذا الاسم فيما زعم رواة الأساطير من أنَّهم حين جَلَوْا عن تهامة إلى البحرين لحربٍ كانت بينهم وبين بني نزارٍ، سألوا كاهنتهم الزرقاء بنت زهيرٍ، وكأن لفظ الزرقاء لقبٌ يلزم كل كاهنةٍ، فليس مَنْ يجهل زرقاء اليمامة، فقالوا: ما تقولين يا زرقاء؟! قالت: سف وإهان وتمرٌ وألبانٌ خيرٌ من الهوان. قالوا: فما ترين؟ قالت: مقام وتنوخ ما ولد مولودٌ، واتفقت فروخ إلى أن يجيء غرابٌ أبقع أصمع أنزع عليه خلخالا ذهبٍ؛ فطار فألهب ونعق فنعب، يقع على النخلة السحوق بين الدور والطريق، فسيروا على وتيرةٍ، ثم الحيرة الحيرة. قال الرواة: فبينا القوم في مجلسهم ذات يوم أقبل هذا الغراب كما وصفته الزرقاء، فارتحلوا إلى الحيرة، فبنوا بها المنازل، واتخذوها دارًا، ثم عَدَت عليهم عوادٍ، وأصابتهم صروفٌ نسيتها الأساطير وجهلها التاريخ، فتفرَّق حيُّهم واستقرَّت طائفةٌ منهم في الشام، وكانت لهم تلك القرية التي وصفناها في المقالة الأولى، وكان منهم هذا الرجل الخالد الذي وضعنا لحياته هذا الكتاب.

هذه الأساطير مصدر عناء للذين يهمهم تحقيق ما قبل التاريخ، وهي أيضًا مصدر خلافٍ بين اللغويين أصاب شرُّه الجوهريَّ، فشنع عليه صاحب القاموس من حيث لم يحتسب ولم يقدر. قال الجوهري: إنَّ تنوخ إنَّما اشتُقَّ من ناخ، فهو إذن مضارعٌ بُدئ بالتاء، ثم غلبت عليه الاسمية كما في تماضر اسم الخنساء. ولكنَّ صاحب القاموس أبى ذلك وعدَّه خطأً، وقال: إنما هو من تنخ بالمكان: أقام به. ووافقه على ذلك صاحب اللسان.

أما نحن فما نعرف وجهًا يُرجِّح رأي صاحب القاموس، ويبيح له أن ينص على غلط الجوهري، إنَّما هو لفظٌ جاءت به الأساطير مبهمًا مجهول الاشتقاق، فذهب الجوهري في تأويله مذهبًا، وذهب غيره من اللغويين مذهبًا آخر، وكلا المذهبين جائز الصحة والبطلان، وأجمل موقف يقفه الباحث بإزاء مثل هذا اللفظ، إنَّما هو موقف الشَّكِّ بإزاء شيء لم يوضحه التَّاريخ الصحيح.

لا شكَّ في أنَّ لهذه الأساطير ظلًّا من الحق، جسَّمه الخيال، وأحاطه قدم العهد بطائفةٍ من الأوهام، ولكن استخلاص هذا الظل الصحيح من هذه الأوهام شيء لا سبيل إليه، فلنَدَعْ مواضع الشك، ولننتقل إلى موضع اليقين من البحث عن أُسْرَةِ أبي العلاء، ورهطه الأدنين، ولكن لا بدَّ لنا قبل أن ندعَ هذه الأوهام من أن نقرر قضيةً ذات خطر؛ لأنَّها تُؤثِّر في حياة النَّاس أثرًا غير قليلٍ.

هذه الأوهام والخيالات الكثيرة، التي تتوارثها أسرةٌ من الأُسَر، أو شَعْبٌ من الشعوب، تترك في نفس الأجيال الناشئة شيئًا من الأثر، فإذا كانت تُمثِّل العز والمجد ونباهة الشأن ورفعة القدر، تركت في نفس الأجيال الناشئة ظلًّا من الإباء والحمية، ومن الشمم والصيد، وإذا كانت تُمثِّل الذلة والمسكنة والخمول والضعف، تركت في نفس هذه الأجيال ظلًّا من الخنوع والخشوع، هذا الظل الذي يتركه التراث القديم يعمل غير قليل في تكوين الأشخاص النابهين مشتركًا مع غيره من المؤثرات التي يتكشف عنها الزمان، فلنلاحظ هذه القضية، فإنَّ أثرها سيظهر جليًّا في حياة أبي العلاء.

أسرته

الفضل كل الفضل لياقوت فيما نعرف من تاريخ الأسرة التي أنجبت هذا الحكيم؛ فإنَّه قد عدَّ لنا من أفرادها النابهين طائفةً غير قليلة في كتابه المعروف بمعجم الأدباء، وهذا البيان الواضح الذي جاء به ياقوت لأسرة أبي العلاء يدل على أنَّها قد كانت أسرة لها في المجد العلمي طارفٌ وتليدٌ؛ فإنَّ جدَّه سليمان بن داود ولي قضاء المعرَّة وحمص، وعُرِف بالفضل وكَرَم النَّفْس، ومات سنة تسعين ومائتين، فولي بعده ابنُه أبو بكر محمد بن سليمان عم أبي العلاء، وقد قصده الشعراء بالمدح، فمدحه الصنوبري بأبيات منها:

بأبي يا ابن سليما
ن لقد سُدْتَ تنوخا
وهم السادة شبا
نًا لعمري وشيوخا

فلما مات ولي القضاء بعده أخوه عبد الله بن سليمان والد أبي العلاء، فمات سنة سبع وسبعين وثلاثمائةٍ، وله من الولد غير أبي العلاء أبو المجد محمد بن عبد الله، وأبو الهيثم عبد الواحد بن عبد الله وكانا شاعِرَين، ثُمَّ كان من عقب عبد الله طائفةٌ تولوا القضاء، ذكرهم ياقوت، ولم نشأ أن نطيل بذكرهم. وأكثر أسرة أبي العلاء قد قرضوا الشعر فأجادوا قرضه، فقد كان أبوه وأخواه شعراء، روى لهم ياقوت من الشعر ما يدل على أنَّ لهم من الإجادة حظًّا موفورًا، وكذلك من جاء بعدهم من أبنائهم الذين بقي لهم مجدهم المؤثل موفورًا عليهم إلى أواخر القرن السادس، ومن الواضح أنَّ طريف ما لهذه الأسرة من المجد إذا انضم إلى تليدها قوَّى في نفس الذكي النابغة من أبنائها أخلاقًا ستظهر في أبي العلاء.

أسرته لأمه

أصهر عبد الله بن سليمان إلى أسرةٍ بحلب تُعرَف في رسائل أبي العلاء بآل سبيكة، ولم يعرض لها ياقوت ولا يدلنا التَّاريخ من أمرها على شيء، ولكنَّ شعر أبي العلاء ونثره يمثلان لنا من هذه الأسرة ثلاث خصال:
  • الأولى: كثرة الرحلة وجَوْب الآفاق، وذلك يظهر في رسائله وفي قصيدةٍ من سقط الزند بعث بها إلى أحد أخواله، وقد عاد من سفره إلى المغرب، ومطلعها:
    تُفدِّيك النفوسُ ولا تُفادى
    فأدنِ القربَ أو أَطِل البعادا

    ومنها:

    إذا سارتك شهب الليل قالت
    أعان الله أبعدنا مرادا

    ومنها:

    كأن بني سبيكة فوق طيرٍ
    يجوبون الغوائر والنجادا
    أبالإسكندرِ الملكِ اقتديتُمْ
    فما تَضَعون في بلدٍ وسادا؟!

    وسنعرض لهذه القصيدة عند الكلام على شعره.

  • الثانية: كرم النفس وسخاؤها بالمال، وحرصها على صلة الرحم، ويمثِّل ذلك رثاء أبي العلاء لأمه، وشكره لخاله غير مرةٍ في الرسائل على معونته إياه، بل إنَّ سفره إلى بغداد، ومقامه بها ورجوعه منها، لم يكن إلا من نوافل خاله هذا.
  • الثالثة: حب العلم والنبوغ فيه، ويمثل ذلك تلك المكاتبة التي اتصلت بين أبي العلاء بالمعرَّة وبين خاله أبي طاهر حين كان ببغداد٢ في شأن كتاب السيرافي الذي شرح به كتابَ سيبويه، وكذلك لفظ الرسائل التي كتبها إلى أخواله وأسلوبها يدلان على أنَّه يرى لهم التفوُّق وإتقان العلم.

وخصلةٌ أخرى تظهر من مجموع حال هذه الأسرة، وهي الثروة واليسار. ولا بد لنا من أن نلاحظ أنَّ رسائل أبي العلاء، ولزمياته، وديوانه المعروف بسقط الزند، تخلو كلها من ذكر أسرته لأبيه، إلا ما كان من رثاء والده، بينما تستغرق أسرته لأمه من ديوانه ورسائله مقدارًا غير يسير، فلا شكَّ في أنَّ أيادي أمه وأخواله كانت متظاهرةً عليه، وأنَّ معونة أسرته لأبيه كانت منقطعةً عنه؛ لفقر أو جفاءٍ.

مولده

في يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاثٍ وستين وثلاثمائة للهجرة، وسنة ثلاث وسبعين وتسعمائة للمسيح قبل مغيب الشمس بقليل، وُلِدَ في معرَّة النعمان طفلٌ استقبل الوجود لا يحسه، ولا يشعر به، ولا يعرف ما أضمرت له الأيام من خير أو شرٍّ، ومن سعادةٍ أو شقاءٍ، ومن رفعة قدر، أو خمول ذِكْرٍ.

استقبل الوجود فما أحس مقدمَه إلى هذه الحياة إلا أهله الأقربون، وما نحسب أنَّهم احتفلوا بقدومه عليهم أكثر مما يحتفلون بقدوم طفل وُلِد لرجل من أوساط النَّاس.

استقبل الوجود وهو يجهله كل الجهل، وتلقته هذه الدنيا، وإنَّها لتجهل مزاجه وتركيب نفسه، وما سيئول إليه أمره من ذمٍ لها ورغبةٍ عنها، ونعي على الكلفين بها الجشعين إليها، ولكنها مع ذلك تُعِدُّ له ألوانًا من اللذات والآلام ليس له من لقائها بد، ولا عن ابتلائها مندوحةٌ. كلا الصاحبين من الحي والحياة يلقى صاحبه جاهلًا له مكرهًا على لقائه، ولو أنَّ أحدهما خُيِّر في هذا اللقاء لما رضيه، ولا مَالَ إليه، لو أحسَّ الجنينُ تلك الصروفَ والأهوالَ التي تتأهَّب للقائه، لآثر أن يختنقَ في رحم أمه، ولو أحست الحياةُ تلك الخلال التي سيلقاها بها هذا الجنين من صبر على آلامها، أو تبرمٍ بها، ومن شرهٍ إلى لذاتها، أو زُهْدٍ فيها، لودَّت لو تنصرف عنه.

كذلك كان يتحدث هذا الطفل بعد أن مرَّ على مولده أربعون عامًا.

لقد استقبلَ الحياة، وما كان استقباله إياها إلا نداءً له بأن يحتملها كما هي، وعهدًا عليه أن يتقضاها من غير أن يطلب منها مفرًّا، وكذلك فعل، فسيدلُّنا تاريخُه على أنَّه احتمل آلام الحياة غير ضجرٍ، وبلا الحق من لذاتها غير بطر، وأوفى بهذا العهد الذي أُكرِه عليه فأحسن الوفاء، دخل الحياة مُجبَرًا، وخرج منها مجبرًا، وأقام فيها مجبرًا، ولكن هذه الحياة الجبرية كانت مصدر هذه الآثار التي نحن مُبيِّنوها منذ الآن.

اسمه ولقبه وكنيته

هذا الطفل هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أنور بن أسحم بن أرقم بن النعمان بن عديٍّ، وهو المعروف بساطع الجمال، رهن المحبسين ينتهي نسبه الأعلى إلى تيم الله، ثم إلى قضاعة، ثم إلى قحطان، إنْ صحَّ الاعتماد على ما تحدَّث به النَّسابون.

سمَّاه أبواه بهذا الاسم، ولكنه كرهه حين بلا نَفْسَه وعرف أخلاقَه، فرأى أنَّ من الكذب اشتقاقَ اسمه من الحمد، وإنَّما ينبغي أن يُشتَق من الذم.

وكذلك كنياه بهذه الكنية فيما نُرجِّح، فقد كان من عادة الآباء في ذلك العصر أن يكنوا أبناءهم وقت تسميتهم، والاستدلال على ذلك لا يُكلفنا إلا الإشارة إلى ما امتلأت به كتب الأدب من نوادر التسمية والتكنية، وأخبار الصاحب بن عباد في ذلك شائعةٌ متظاهرةٌ، ولكن أبا العلاء كره هذه الكنية أيضًا، ورأى أنَّ من الظُّلْم أن يُضاف إلى التصعيد والعلو، وإنَّما العدل أن يُضاف إلى السقوط والهبوط:

دُعِيتُ أبا العلاء وذاك مَيْنٌ
ولكنَّ الصحيح أبا النزولِ

فأمَّا اللفظ الذي اختاره لنفسه، وكان يحب أن يُدعى به، فهو: «رهن المحبسين».

قد سمَّى نفسه بهذا الاسم بعد رجوعه من بغداد واعتزاله النَّاس، وإنَّما أراد بالمحبسين منزله الذي احتجب فيه، وذهاب بصره الذي مَنَعَهُ من مشاهدة الأشياء المبصرة، على أنَّه قد ذَكَرَ لنفسه في اللزوميات سجونًا ثلاثة؛ أحدهما: منزله، والآخر: ذهاب بصره، والثالث: جسمه المادي الذي احتبست فيه نَفْسُهُ أيام الحياة. وذلك حيث يقول:

أراني في الثلاثة من سجوني
فلا تسأل عن الخبر النبيثِ
لفقدي ناظِرِي ولزوم بيتي
وكون النفس في الجسم الخبيثِ
غير أنَّه قد أعرض عن السجن الثالث، فلم يُسمِّ نفسه إلا رهن المحبسين، وعلة ذلك فيما نعتقد أمران؛ أحدهما: أنَّ هذا السجن مشتركٌ بينه وبين عامة الناس، الثاني:٣ أنَّ مذهبه في النفس لم يكن ثابتًا، بل كان يرى مرةً رأي أفلاطون، فيزعم أنَّ النفس جوهرٌ مجردٌ مستقلٌّ قد أُهبِط إلى هذا الجسم ليُبتلى ويُمتحَن، ويرى تارةً أخرى رأيَ الماديين، فيزعم أن ليست النفس إلا حرارةً منبثةً في الجسم يمضي بها الموت، فآثر أن يُسمِّي نفسه بشيء لا شك فيه، يكون مع ثبوته أشد به اختصاصًا، وأكثر به اتصالًا، وربما صح له ذلك في العزلة؛ فإنَّا لا نعرف بين المسلمين في عصره ولا قبله من سار سيرته، فلزم البيت وآثر الوحدة، وحرص على اعتزال الناس. فأمَّا العمى فلم يقصر عليه ولم يختص به، وإنَّما هو آفةٌ شائعةٌ بين النَّاس في جميع الأعصار والأقطار، تُصيب منهم النابِهَ والخامل، وتُصيب منهم الغبيَّ والفيلسوفَ، ولكن أبا العلاء كان يرى لذهاب بصره خطرًا ليس له إذا عرض لرجل آخر، وليس لذلك منشأٌ إلا رأيه في نفسه بالقياس إلى غيره من النَّاس.

ذهاب بصره

في سنة سبع وستين وثلاثمائة، وهي السنة الرابعة من حياة أبي العلاء، رَمَتْهُ الأيامُ بأوَّل ما خبأت له من كِبار المصائب وعِظام الأحداث.

رمته بالجدري، فما زال يضنيه ويعنيه ويلحُّ عليه حتى ذهب بيُسرى عينيه جملةً، وغشى يُمناهما بالبياض، ثم لم يكن إلا قليلٌ حتى فقد ما بقي فيها من قوة الإبصار.

دهمته هذه الداهمة وهو صبيٌّ لا يعقل، ولم تبلغ ذاكرتُه أَشُدَّها، فلم يستطع حين شبَّ أن يتذكر ما رأى من الألوان، ولم يبقَ في ذاكرته منها إلا الحمرة؛ لأنَّه أُلْبِس في الجدري ثوبًا معصفرًا، فكان اشتداد المرض عليه وتأثيره فيه من الأسباب التي نقشت هذه المصيبة في نفسه نقشًا لا يزول، فأذكرته إياها، وأذهلته عما سبقها. أَثَرُ هذه المصيبة من الحزن عظيمٌ، يلزم صاحبه في جميع أطوار حياته لا يفارقه ولا يعدوه؛ ذلك لأنَّه يذكر بصره كلما عرضت له حاجةٌ، وكلما ناله من النَّاس خيرٌ أو شرٌّ، بل كلما لقيهم في مجمع عامٍّ أو خاص، فما يزال الحزن يؤلمه ويخزه إلا أن يفقد الشعور، وتصيبه البلادة المطلقة. وكلَّما قَوِيَ فيه الحياء والحرص على مجاراة النَّاس في المحافظة على آدابهم وأوضاعهم العامة، اشتد أثر هذا الحزن في نفسه؛ لأنَّه لن يُوفَّق إذا لقيَ المبصرين أن يكون مثلهم مهما كان فطنًا ذكيًّا، قد يهزءون منه ويسخرون به، وإن كان حظهم من الأدب قليلًا، ولكنهم يتغفلونه ويقلون الاحتفال به في أنفسهم مهما عظم نصيبهم من الأدب، وحسن الأخلاق.

لقد كانت لبشارٍ قينةٌ تُحسِن الغناء، فأخذت طائفةٌ من الأدباء تسمر عنده لسماع هذه القينة، وأخذوا في أثناء الغناء يغمزونها ويُكثِرون معها المداعبة، وهو لا يدري، حتى قال له بعض الشعراء أبياتًا أولها:

اتقِ الله أنت شاعرُ قيسٍ
لا تكن وصمةً على الشعراءِ

والمكفوف إذا جالس المبصرين أعزل، وإن بزهم بأدبه وعلمه وفاقهم في ذكائه وفطنته؛ فقد يتندرون عليه بإشارات الأيدي، وغمز الألحاظ، وهز الرءوس، وهو عن كل ذلك غافلٌ محجوبٌ. فإن نمَّت عليهم بذلك حركةٌ ظاهرةٌ أو صوتٌ مسموعٌ، فحجته عليهم منقطعةٌ وحجتهم عليه ناهضةٌ، وليس له من ذلك إلا ألمٌ يكتمه وحزنٌ يخفيه.

ثم هو إن اشتدَّ ذكاؤه وانفسح رجاؤه، كثرت حاجته إليهم وكثرت نعمهم عليه، فهو عاجز عن تحصيل قُوتِه إلا بمعونتهم، وهو عاجز عن شفاء نفسه من حب العلم والمطالعة إلا بتفضلهم، وهو عاجز عن الكتابة والتحرير إلا إذا أعانوه وتطولوا عليه. وللمنن المتظاهرة والآلاء المتواترة في نفس العاجز الفطن أثرٌ هو الشكر يشوبه الحزن، والثناء يمازجه الأسى، والحرمان أخف عليه من منَّةٍ يعقبها مَنٌّ، ونافلة يشوبها استطالة. ولشعور الإنسان بعجزه وقعٌ ليس احتماله ميسورًا، ولا الصبر عليه متكلفًا.

وليس يلقى المكفوف من رأفة النَّاس به، ورحمتهم له، وعطفهم عليه، إلا ما يُذْكي الألم في صدره، ويُضاعف الحزن في قلبه، ثم هو لا يلقى من قسوتهم وشدتهم ولا استهانتهم وازدرائهم إلا ما يشعره الذل والضعة، وينبهه إلى العجز والضعف. ومكان المكفوف في نفس زوجه وبنيه دون مكان المبصر، فإجلالهم إياه محدود، وطاعتهم له مقصورةٌ على ما يتنبه إليه.

ثم هو بعد ذلك كله قد حُرِم التمتع بلذة يُكبِرها الناس، وجهله إياها يضاعف خطرها في نفسه، فإن تعاطى صناعة الشعر، أو الوصف فإنَّ هذا الحرمان قد استتبع ضَعْفَ خياله، وحال بينه وبين مجاراة الشعراء والواصفين فيما يتنافسون فيه، إلا أن يكون مقلدًا أو محتذيًا، ثم هو يسمع النَّاس يتحدثون عن بهجة الربيع وجمال الربى، وعن اتساق الأزهار، والتفاف الأشجار، وعن اكتساء الأنهار الجارية، والبحار الطامية، ثيابًا فضية أو عسجدية في الصباح والأصيل، وعن أولئك الحسان الفاتنات تَورَّدت خُدُودُهن، ولمعت ثُغورُهن اللؤلؤية بين شفاههن اللعس، والْتَأَمَتْ من وجوههن وشعورهن نضرة النهار وفحمة الليل، وعن السماء وأفلاكها، والنجوم وحركاتها، وعن السحاب المركوم يخفق فيه البرق، وعن حبات البَرَد تتساقط، وقطرات المطر تنتثر، وعن ضوء القمر هلالًا وبدرًا، وعن الشفق أول الليل وآخره.

يسمع أحاديثهم عن هذا كله، وما أبدعوا فيه من تشبيهٍ لا يعقله ولا يفقه كنهه، فضلًا عن أن يجاريهم فيه أو يسبقهم إليه، ثم هو بعد هذا كله قاعدٌ إن نفر النَّاس لقتالٍ أو حرب، قد يئس وطنُه من نصره، وقنط من حفاظه، فلم ينط به أملًا، ولم يعقد له رجاءً، كَلٌّ على النَّاس في كل شيء، تكلة في حياته المادية والمعنوية، فاليأس أخلق به من الرجاء، والموت خيرٌ له من الحياة إلا أن تكون له نافلةٌ من فضيلة الصبر، وشدة الأيد.

فإذا٤ أُضيف إلى هذه الآلام فساد الأخلاق، وانحطاط النفوس، وازدراء المنكوبين، وأصحاب الآفات حتى من الخاصة وأهل العلم، ثم اشتداد الفقر، ونضوب موارد العيش، أنتجت هذه المصيبة من الآثار ما ستراه في حياة أبي العلاء.

تربيته وتعليمه

لو كنَّا نؤرِّخ مبصرًا لاضطررنا إلى أن نَصِفَ ما كان يقع عليه بصره في أيام الصِّبا، فإن لذلك من الأثر في تكوين الناشئ، وترتيب حياته العقلية والخلقية، ما فرغ من إثباته علماء التربية والباحثون عن علم النفس، ولكنَّا نؤرخ مكفوفًا لم تبلُ عيناه في تربيته وتأديبه شيئًا من البلاء، وإنَّما الفضل كل الفضل في ذلك لسمعه الذي كان ينقل إلى نفسه الأصوات المختلفة، وما تدل عليه.

نعم؛ إنَّ اللمس والشم والذوق تنقل إلى النفس من صور المادة شيئًا غير قليل، ولكن من الغلو أن نُعنَى بالبحث عمَّا كان يلمس أبو العلاء أو يشم أو يذوق من الأجسام، فليس إلى ذلك من سبيل؛ لأنَّ التَّاريخ لم يوكل به من الرقباء من يستقصون حركاته فينقلونها إلينا، على أنَّ ذهاب بصر أبي العلاء قد قوَّى في نفسه خلق الحياء، فما نظن أنَّه كان يحرص على أن يتقرى الأشياء المبصرة باللمس، فإنَّ ذلك يعرضه لألوانٍ من ازدراء أترابه.

ما زلنا نرى أنَّ ذهاب بصر الطفل في الشرق يُحدِّد حياته في أكثر الأحيان، فيرسم له طريقًا لا يعدوها، وهي طريق الدرس وتحصيل العلم، ومن آثار ذلك أنَّك لا تكاد ترى الآن رجلًا فَقَدَ بصره طفلًا إلا وهو دارسٌ للعلم، أو متكسبٌ بتلاوة القرآن؛ ذلك لأنَّ ذهاب بصره قد حال بينه وبين التماس العيش من طريق التجارة، أو الصناعة، أو غيرهما من مذاهب الحياة التي تحتاج إلى الإبصار، على أنَّ نصيبه من العلم محدود أيضًا فهو لا يستطيع أن يجتهد في تحصيل العلوم التجريبية التي تحتاج إلى البصر؛ كالطب، والتشريح، والفلك، والعلوم الرياضية، فإن حصل على شيء من ذلك فإنَّما هو عرضٌ قد ألمَّ به من غير أن يتقنه أو ينبغ فيه، إنَّما يستطيع أن يدرس العلوم العقلية، واللسانية، والدينية، وأنْ يكون راويًا للأدب، أو للتاريخ، أو نحوهما من هذه الفنون.

وقد كانت عادة أهل الشام والعراق والبلاد التي غلبت فيها اللغة العربية لعهد أبي العلاء أن يبدأ الناشئون فيها بدرس علوم اللسان والدين، حتى إذا بلغوا من ذلك ما أرادوا سما من شاء منهم إلى درس ما أحب من العلوم العقلية والفلسفية، وقد قدَّمنا أنَّ أسرة أبي العلاء قد كانت أسرة علم وشعر وقضاءٍ؛ لذلك بدأ أبو العلاء درسه اللغوي في سنٍّ لم يعيِّنها التَّاريخ على أبيه، ونأسف أشد الأسف؛ لأنَّ مؤرخي أبي العلاء لم يعيِّنوا لنا الكتب التي بدأ بدرسها في النحو واللغة والآداب؛ فلو أنَّهم فعلوا ذلك لكان من اليسير علينا، ومن النافع لنا أن نلتمس هذه الكتب فنصفها، وندرس ما عسى أن تحدث في ملكاته من التأثير. ومهما يكن من غموض الدِّراسة الأولى لأبي العلاء فلا شك في أنَّها قد كانت صالحةً نافعةً يمدها طبعٌ جَيِّدٌ، وقلبٌ ذكيٌّ، واستعداد للعلم موروثٌ، ويزيد نفعها أن أستاذه هو أبوه المحب له الحدب عليه؛ لذلك اتفق مؤرخوه على أنَّه قد بدأ يقرض الشعر، ولمَّا يعدُ إحدى عشرة سنة، وكذلك ارتحل إلى حلب؛ ليسمع اللغة والآداب من علمائها الذين شهدوا ابن خالويه وأخذوا عنه، وفيهم محمد بن عبد الله بن سعدٍ. وليس من المعقول أن يترك الدرس على أبيه إلا إذا استنفد ما عنده، وطلب المزيد عليه.

ولقد كانت حلب في ذلك العصر إحدى الحواضر الكبرى للمسلمين، تزدهي بمن فيها من كبار العلماء والأدباء، وفحول النظم والنثر الذين دعاهم إليها سيف الدولة في أيامه الغر؛ فقد تحدث الرواة أنَّه لم يجتمع بباب أحد من الملوك والخلفاء بعد الرشيد مثل من اجتمع بباب سيف الدولة من العلماء والأدباء.

ليست تبرأ هذه الرواية من الإسراف، ولكنها تدل على أنَّ حلب قد كان لها في عصر ذلك الملك منزلةٌ أدبية سامية، وليس ينبغي أن يُعترَض على ذلك بأنَّ سيف الدولة قد مات، وانقضى عصره قبل أبي العلاء، فإنَّ الحياة الأدبية في بلدٍ من البلاد لا تُقدَّر بآجال الرجال الذين أذكوا نارَها بحيث تذهب بذهابهم، وإنَّما للحياة الأدبية أنظمةٌ وقوانين عليها تقوم؛ فسيف الدولة قد بدأ النهضة الأدبية بحلب وقوَّاها، ولكنها لم تذهب بموته، بل بقيت بعده تختلف عليها أطوار الضعف والقوة إلى أواخر القرن الخامس في أيام نصر بن محمودٍ شبل الدولة بن صالح بن مرداس.

فهذه الحياة الأدبية في حلب إذا صادفت ناشئًا ذكي القلب، صادق الفطنة، جيد الحفظ، أثمرت في نفسه ثمرًا ناضجًا لذيذ الجني، كالذي أثمرته في نفس أبي العلاء.

قال المؤرخون: وقد أخذ أبو العلاء شيئًا من السُّنَّة عن يحيى بن مسعر،٥ ولا شكَّ في أنَّ درس أبي العلاء للسُّنَّة لم يكن جيدًا ولا متقنًا؛ إذ لم يخرج منه محدثًا كما أخرج درس اللغة والأدب منه لغويًّا أديبًا وشاعرًا كاتبًا.

لا يعرف التَّاريخ أساتذةً لأبي العلاء في فن من فنون العلم غير أبيه وهذين الرجلين، ولكنَّه يعرف أنَّه سافر إلى أنطاكية، وكانت حاضرةً من حواضر المسلمين، إلى سنة ثلاثٍ وخمسين وثلاثمائةٍ، ثم ملكها الروم إلى سنة سبع وسبعين وأربعمائةٍ حين استردها السلجوقيون. قالوا: وكانت بها مكتبةٌ عربيةٌ تشتمل من نفائس الكتب على عدد غير قليل، فحفظ منها أبو العلاء ما شاء الله أن يحفظ.

نعم؛ إنَّ التَّاريخ لا يُوقِّت لنا هذه الرحلة، ولكن روايةً تُؤثَر عن أسامة بن منقذ خبَّرتنا أنَّه لقي بأنطاكية صبيًّا مجدورًا ذاهب البصر يتردد على مكتبتها، فامتحنه فبهره حفظه واستظهاره، ثم سأل عنه، فقيل: هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري. ولا شكَّ في أنَّ هذه الرواية إمَّا أن تكون منتحلةً، وإما أن يكون اسم أسامة قد وقع فيها خطأ موقع اسم أحد آبائه من أبناء منقذٍ؛ فإنَّ أسامة وُلِد سنة ثمانٍ وثمانين وأربعمائةٍ؛ أي بعد موت أبي العلاء بنحو أربعين سنة.

لم يرَ أبو العلاء بأنطاكية تلك الحضارة الراقية النضرة التي وصفها ياقوت، ولكنها وُصِفت له من غير شكٍّ وعَرَف آثارها بلا ريب، ولعل تلك البنايات الضخمة، والبِيَع الفخمة التي وصفها ياقوت أيضًا قد أظلَّت أبا العلاء حينًا، ولعل قائده قد ذكر له محاسنها، وما فيها من صُنْعٍ بَديعٍ.

ولقد كان جمهور أهل أنطاكية حينئذٍ من الروم، تمثلهم لأبي العلاء طمطمتهم الإغريقية وعاداتهم الخاصة، وكانوا في تلك الأيام ظاهرين على أهل العواصم من المسلمين، فمن الواضح أن بؤس المسلمين بأنطاكية، قد كان ظاهرًا يستطيع هذا الصبي الذي بلغ من الرشد أن يتردد إلى المكاتب، ويدرس فيها العلم، ملاحظته والتفكير فيه.

فكل هذه المؤثرات قد عملت من غير شكٍّ في تكوين المزاج الخلقي والعقلي لأبي العلاء قليلًا أو كثيرًا.

سافر أبو العلاء بعد ذلك إلى طرابلس الشام، قال القفطي والذهبي: فمرَّ في طريقه باللاذقية، فنزل بديرٍ فيها، ولقي بهذا الدير راهبًا قد درس الفلسفة وعلوم الأوائل، فأخذ عنه منها ما شكَّكه في دينه وغيرِه من الديانات، قال: ونَمَّ عليه بذلك شعر الصبا، ثم استغفر وتاب والتمس لكلامه وجوهًا من التأويل قُبِلت منه، ولكنهما لم يرويا شيئًا من هذا الشعر. أمَّا مرجليوث فقد شكَّ في هذا الخبر، وظنَّ أنَّ العرب يضيفون إلى الرهبان والنصارى عامة كثيرًا من الآراء التي يبعد ما بينهما وبين الإسلام، ونحن لا نشكُّ في أنَّ الصِّلة قد اشتدت بين أبي العلاء وبين النصارى، قبل رحلته إلى بغداد، بحيث استطاع أن يدرس دينهم ودين اليهود ويُناقشهم فيهما؛ فإنَّ حياته بعد رجوعه من بغداد لم تكن حياة طَلَبٍ وتعلُّم، وإنَّما كانت حياة درس وتعليم، ثُمَّ هو لم يدرس مع المسلمين كتب النصارى واليهود، وإنَّما هو دَرَس اللغة وآدابها. ولو أنَّه دَرَس معهم شيئًا من الدين لحدَّثنا به التاريخ، وإذا لم يكن بدٌّ من ذلك فأبو العلاء لم يدرس النصرانية واليهودية في المعرة؛ لأنَّ حياتها العلمية لم تكن تسمح بذلك، فلا شكَّ في أنَّه قد درس هاتين الديانتين في أسفاره الأولى، فإمَّا أن يكون ذلك في أنطاكية، وإمَّا أن يكون في اللاذقية.

أمَّا نحن فنرجح أنَّه درسهما في اللاذقية لأمرين؛ أحدهما: رواية المؤرِّخَيْن اللذَيْن أشرنا إليهما آنفًا، والآخر: بيتان رواهما ياقوت في معجم البلدان عند كلامه عن اللاذقية، قال: وقال المعري «الملحد»:

في اللاذقية فتنةٌ
ما بين أحمد والمسيح
قس يعالج دلبة
والشيخ من حنق يصيح

وتكملة هذين فيما يرويه غير ياقوت قوله:

كلٌّ يُعزِّز دينه
يا ليت شعري ما الصحيح؟!

فإنْ صحَّ ما روى ياقوت فقد أصاب الشَّكُّ الذي ذكره القفطي والذهبي أبا العلاء باللاذقية حين نزل الدير، وسمع من أهله التوراة والإنجيل، ومن رهبانه آراء الفلاسفة.

وكانت اللاذقية حين زارها أبو العلاء في أيدي الرُّوم، قال ياقوت: وكان للمسلمين بها مسجدٌ ومؤذن وقاضٍ، فإذا أذَّن مؤذنهم دق الروم نواقيسهم كيادًا لهم.

فهذه الحال التي أنطقت أبا العلاء بهذه الأبيات، وهي لا تُنطِقه بها حتى تَحمِله على تفكير ينتهي به إلى الشك والارتياب، وهذا التفكير يقتضي من قِبَل أبي العلاء درسًا وعنايةً، فلا شك في أنَّ مرجليوث لم يُوفَّق فيما ظن إلى الصواب.

وصل أبو العلاء إلى طرابلس،٦ قال المؤرخون: وكانت بها مكتبةٌ كبيرة، وقفها أهل اليسار، فدرس منها أبو العلاء ما شاء، ثم عاد إلى معرَّة النُّعمان.
هذه هي جملة ما حفظ التَّاريخ من سيرة أبي العلاء في الدرس، درس على أبيه، ثم انتقل إلى حاضرة إقليمه، فدرس على علمائها، ثم رحل إلى مدينتين من مدن الروم فدرس فيهما، ثم إلى طرابلس، ثم عاد إلى بلده. وقد قال أبو العلاء في بعض رسائله إنَّه لم يحتَجْ بعد العشرين إلى أن يأخذ العلم عن أحد في الشام ولا في العراق. وأبو العلاء عندنا صادقٌ إذا حدَّث عن نفسه، وليس في هذا الحديث من العجب ما يدعو إلى الشك فيه، فإنَّ عشرين سنةً يقضيها الفتى الذكي الفطن منقطعًا للعلم والتحصيل في بلده، وفي غيره من حواضر المسلمين والروم، تكفي لأن تُكَوِّن منه رجلًا قد أتمَّ الدَّرس، وفرغ من الطلب، فلم يبقَ له إلا أن يحيا حياةً علميةً مستقلة، لا يحتاج إلى مرشدٍ ولا مؤدبٍ إلا الدهر وحوادث الأيام ودرسه الخاص. نعم؛ إنَّ أبا العلاء لم يبدأ في الدرس يومَ وُلِد، ولكن عصر الطفولة ربما كان أحسن عصور التعلم؛٧ لأنَّ الطفل يتلقى فيه دروسه المكونة لنفسه عن الطبيعة الساذجة، من غير ما تكلفٍ ولا تعمق، وإذا كان أبو العلاء قد أتم الدرس والتحصيل في سن العشرين فلا شك في أنَّ سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، لم تُظِلَّه حتى كان وادعًا في المعرَّة يعيش عيشةً غير عيشة التلميذ.

موت أبيه

لقد مضينا في تفصيل الدرس الذي درسه أبو العلاء، حتى بلغنا به سن العشرين، وكان من الحقِّ أن نقف به عند الرابعة عشرة من عمره، على قبر أبيه الذي مات سنة سبعٍ وسبعين وثلاثمائةٍ، ولكنَّا أحببنا أن يطَّرد القول في درسه على نَسَقٍ واحدٍ، حتى إذا فرغنا منه عدنا إلى هذه الفاجعة، التي فجعته ناشئًا، ودهمته أحوج ما يكون إلى المُعِين؛ لقد فقد أبو العلاء بصره، فكان أحوج إلى أبيه من غيره؛ ليغذوه ويقضي حاجه، وليسد خلته، ويذود الطارقات عنه، ولكن الدهر أبى إلا أن يسلبه هذا الوزر الذي كان يلجأ إليه، والمعقل الذي كان يعتصم به، ويتركه نهب الحوادث تدهمه وتُغِير عليه، من غير أن يجد له عليها عونًا ولا نصيرًا.

على أنَّ فَقْدَ أبي العلاء والده في هذه السن لم يكن ليؤذيه من هذا الوجه وحده، فربما استطاع أن يتعزى عن أبيه بأخواله، الذين أحسنوا الرعاية لحقه، ولكنَّه يحفظ في قلبه تذكار ما عهد من بر أبيه به، وحنوه عليه، وهو الذي كان منه في صباه مكان الأدب والأستاذ معًا؛ فقد تعهَّد جسمه وعقله وخلقه بالتربية والتنشئ، فصاغه على مثاله ما استطاع، وأشربه أخلاقه وخلاله، وكل ذلك يترك في النفس ذات الحس القوي والشعور الصادق أثرًا غير قليلٍ.

رثى أبو العلاء والده لما مات بقصيدةٍ أثبتها في سقط الزند، تمثل ما فرض من شعر الصبا، وتحدث بما آل إليه أمره، من شك واضطرابٍ، ومن بغض للدنيا، وافتنان في ذمها، ولكنَّها مع ذلك في حاجة إلى كثير من شدة الأسر وإحكام التركيب، ومن صفاء الرونق وجمال الأسلوب، ومن صدق التعبير عمَّا في قلبه من الحزن على أبيه والأسى لفقده.

فإنَّ تكلف الغريب والرغبة في البديع، والحرص على محاكاة الفحول، والاجتهاد في إظهار علمه ومقدرته، كل ذلك قد جعل شعره في هذه القصيدة لا يكاد يُعبِّر إلا عن فصاحة لسانه، وقوة حافظته وقدرته على النظم دون ما في قلبه من تأثرٍ أو وَجْد.

مطلع هذه القصيدة قوله:

نقمت الرضا حتى على ضاحك المزن
فلا جادني إلا عبوسٌ من الدجن
فليت فمي إن شام سني تبسمي
فم الطعنة النجلاء تدمي بلا سن
كأن ثناياه أوانس يُبتغَى
لها حسن ذكرٍ بالصيانة والسجن

فانظر كيف اتخذ للتعبير عن سخطه صورًا ثلاثًا ليس فيهن صورةٌ تصلح أن تكون شعرًا؛ فإنَّه أثبت في البيت الأول أنَّه لا يرضى عن شيءٍ، حتى السَّحاب الضاحك المبتسم، وتمنى ألا يجوده من الدجن إلا العبوس المظلم، وليس في هذا كبير عناء، فما كان السَّحاب الضاحك أحق الأشياء بالرضا حتى يكون انصرافه عنه دليلًا على بلوغه أقصى منازل السخط والاشمئزاز، ولا سيما وهو مكفوفٌ لا يعرف جمال هذا السحاب، ولا يُقدِّر الابتهاج بمنظره، وليس السحاب العابس المظلم بأشد ما يصيب النَّاس من الشر حتى يكون تمنيه إياه دليلًا على بغضه لصفو الحياة، بل قد يكون هذا السَّحاب خيرًا حين تجود الأرض بما يكسوها من الزهر ألوانًا، ويخرج منها من النبت فنونًا، والجدب المطلق شرٌّ منه في كل حال. ثم انظر إلى الصورة التي مثلها في البيت الثاني حين تمنى إن ابتسم أن يكون فمه كفم الطعنة النجلاء، تفيض بالدم وليس لها سنٌّ؛ فإنَّها صورة متكلفة متعملة لا تطمئن النفس إلى موضعها من الدلالة على شدة الحزن. وكذلك الصورة الثالثة ليست أدل على ما أراد من صاحبتيها، إنَّما هي تشبيهٌ لم ينبعث عن قلبٍ أسفٍ ولا نفس حزينةٍ، ولا خيال محسن للتأليف؛ شبَّه ثناياه بالحسان حرصن على الاحتجاب؛ إيثارًا لحسن الذكر وطيب الأحدوثة؛ يريد أنَّهن لا يبدون عن ابتسام.

ومن الواضح أن ليس لهذا التشبيه من الجودة حظٌّ، وانظر إلى لفظ السجن كيف وضعه إلى الصيانة فأبى الاستقرار؛ لأنه يشعر بالمهانة والذل، وتلك تشعر بالكرامة والعزة، ولكن هذا الصبي الناشئ لم يرد لا أن يقرض شعرًا في رثاء أبيه، وأن يملأه بفنون البديع وألوان التشبيه، سواء وصف الشعر حزنه حقًّا أم كان بينه وبين صدق الدلالة عليه أمدٌ بعيد. انتقل أبو العلاء من هذه الصورة التي أراد أن يمثل بها حزنه، إلى موضوع القصيدة وهو موت أبيه، فقال:

أبي حكمت فيه الليالي ولم تزل
رماح المنايا قادراتٍ على الطعن

فانظر إلى الشطر الأول، كيف قصر عن الدلالة على ما يريد من موت أبيه، لولا هذه الزيادة التي أوردها مورد المثل، فقد تحكم الليالي في المرء بالخير والشر كما تحكم فيه بالموت، فلولا قوله: «لم تزل رماح المنايا قادراتٍ على الطعن» لما فهمنا نوع الحكم الذي أمضته الليالي في أبيه، وقد كان له عن ذلك منصرفٌ، لولا أنه لما يبلُ فنون الشعر، ولما يتعود الخروج من مضايقها، على أنَّ الصورة التي أورد بها موت أبيه، أشد ما تكون حاجةً إلى الروعة؛ فإنها — كما ترى — مألوفةٌ قد جرى لفظها على الألسنة، وكثر حضورها في الأذهان، ثم أخذ يصف أباه ويذكر من خلاله ما يحمل على الأسف عليه، فقال:

مضى طاهر الجثمان والنفس والكرى
وسهد المنى والجيب والذيل والرُّدْن

فليت شعري إذا طهر جسمه ونفسه، وعف نومه وسهده، فأي حاجة له إلى أن يُوصَف بطهارة الجيب، وطهارة الذيل، وطهارة الردن؟! أليس هذا نوعًا من الإسهاب الذي لا خير فيه، ولا حاجة إليه لو لم تستتبعه استقامة الوزن والقافية؟! على أنَّ أبا العلاء إن فاتته الإجادة في هذه الأبيات فقد أحسن إحسانًا لا بأس به في قوله يصف وقار أبيه:

فيا ليت شعري هل يَخِفُّ وقاره
إذا صار أحدٌ في القيامة كالعِهْنِ
وهل يرد الحوض الرويَّ مبادرًا
مع النَّاس أم يخشى الزحام فيستأني
حِجًا زاده من جرأةٍ وسماحةٍ
وبعض الحِجَا يدعو إلى البخل والجبن

لا بأس بهذه الصورة التي مثَّل بها وقار الشيخ يوم القيامة، وقد اضطرب كلُّ شيء، فلم يستقر له قرارٌ، لولا أن تكلف النظم ظاهر؛ فإن تسكين الحاء من أحدٍ أمر لا حاجة إليه، مع كثرة أسماء الجبال في اللغة العربية، وكذلك لفظ القيامة قلقٌ غير مطمئن، ولم يَكَدْ أبو العلاء يصل إلى هذا الموضع من قصيدته، حتى أخذ شعره ينمُّ عليه بسوء رأيه في الدنيا، فافتنَّ في ذَمِّها والنعي عليها، وكانت هذه القصيدة بادرةً تنبئ بما سيئول إليه أمره، ومقدمةً تدل على ما سينتهي إليه في نظم اللزوميات.

استنزل على الدنيا غضبة الله، وكنَّاها بأمِّ دَفْرٍ، وبهذه الكنية دعاها في شعره ونثره إلى أن مات، ثم تكلَّف في وصفها وتشبيهها بالمرأة، فجعل النهار محيَّاها، والشمس جمالها، والليل شعرها الفاحم، والثريا والسماكين شيبها الناجم فيه، ثم عرَّض بأن الدنيا زانية تئد أولادها خشية أن تفتضح بهم، وذلك رأي فصَّله غير مرةٍ في اللزوميات، ثم بين حرص الكائنات الحية على النفس، فلم يُفرِّق في ذلك بين الإنسان والحيوان والطير، ولا بين العامة والخاصة والأنبياء، وذلك أيضًا رأيٌ له في اللزوميات. ثم عاد إلى أبيه، فهنأه بمنزله الجديد، وأظهر الشكَّ الشديد في مصير النَّاس بعد الموت، فقال:

طلبتُ يقينًا من جهينة عنهم
ولن تخبريني يا جُهينُ سوى الظنِّ
فإن تعهديني لا أزال مسائلًا
فإنيَ لم أُعطَ الصحيح فأستغني

وهذا الشكُّ أظهرُ أوصاف أبي العلاء في شعره الفني والفلسفي، كما سترى في المقالة الثالثة، ثم لم يزل يذكر أباه بالخير يُسهل مرةً ويُحزن أخرى، حتى قال:

ونادبةٌ في مسمعي كلُّ قينةٍ
تغرِّدُ باللحن البريء عن اللحن

فذكر بهذا البيت معنى له ردَّده غير مرةٍ، ولكنه تكلَّف فيه هنا هذا الجناس الثقيل، فأنت ترى أنَّ هذه القصيدة تخلو خلوًّا تامًّا من الدلالة على حزن قد ملك قلب الشاعر ولسانه، واستأثر بنفسه ووجدانه، ولسنا ننكر على أبي العلاء هذا الحزن، ولكن ننكر دلالة هذه القصيدة عليه، ثم إنَّ لك من هذه القصيدة ما ينبئك بمستقبل هذا الصبيِّ، وما سيأخذ نفسه به من الشدة والعنف في كل شيء؛ فهو شديدٌ في لفظه، شديدٌ في معناه، شديدٌ في سيرته. وعلى الجملة تُمثِّل لنا هذه القصيدةُ حياةَ أبي العلاء العقلية في سن الرابعة عشرة، وتدلنا على أنه سيكون على حظٍّ موفور، من إتقان النظم المتكلَّفِ، وإجادة الصناعة المتعملة، ورواية الشيء الكثير من اللغة، والإحاطة بالشيء الموفور من أساليبها. ثم هي بعد ذلك كله، تدل على أنَّ دراسته اللغوية قد كانت مثقفةً محكمةً، فإنا لا نعرف أن تكلفه قد اضطره إلى لحنة منكرة، أو غلطةٍ شنيعة، وإنْ كان قد وضع «أم» بإزاء «هل»، وللناس فيها قول كثيرٌ.

الآن وقد مثلنا حياة الشاعر في طوره الأول، إلى أنْ بلغ عشرين سنةً ننتقل إلى بقية أيامه، بعد أنْ نلاحظ طائفة المؤثرات التي كوَّنت نفسَه، وأعدَّتها لاستقبال ما سيلقاه من حوادث الدهر؛ فهو لم يبلغ الرابعة حتى ذهب بصره، ولم يبلغ الرابعة عشرة حتى فَقَدَ أباه. وذلك كل ما يحفظه التَّاريخ من مصائبه الكبرى في هذا الطور، ثم هو بعد ذلك قد أتقن الدرس اللغوي على أبيه؛ فتأثَّر بعلمه وأخلاقه معًا، ثم رحل إلى حلب فأخذ عن شيوخها، وتأثر بما لهم من علم وأدب، وبما في المدينة من حضارة ومدنية، وكان مقيمًا فيها عند أخواله، فلقي من حنانهم عليه وبرِّهم به ما ترك في نفسه أثرًا صالحًا، واستأنف الرحلة بعد ذلك إلى مدينتين روميتين، هما إنطاكية واللاذقية، فدرس فيهما الكتب، ولقي فيهما النصارى، وسمع مقالات الفلاسفة، وشهد آثار الحضارة الإغريقية، ثم انتقل إلى طرابلس،٨ فوعى ما شاء الله أنْ يعي، مما اشتملت عليه مكتبتها الكبرى، من العلم على اختلاف فنونه، وعاد بعد ذلك إلى المعرة وقد فقد أباه، وليس له من يقوم بأمره.

الطور الثاني من حياته

بقي أبو العلاء في المعرَّة، من سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، إلى سنة ثمانٍ وتسعين وثلاثمائة؛ أي خمس عشرة سنة، لا يحدثنا عنه التَّاريخ فيها بشيءٍ، ولا يبين لنا كيف كان يقضي يومه وليله. ولا شك أنه قد عاش في هذه الأيام عيشة الشعراء، يقرض الشعر، ويجالس من حضره من ظرفاء قومه، وهو في كل ذلك لا يسعى إلى التماس عيشٍ، ولا إلى اكتساب قوت، فقد كانت له ثروةٌ ضئيلةٌ تقوم بحاجاته، وهي ثلاثون دينارًا في السنة، يغلها عليه وقفٌ لقومه، وقد خصص نصفها لخادمه فهو يعيش بخمسة عشر دينارًا؛ أي سبعة جنيهات ونصف يقضي منها حاجاته طول العام، لا يشك التَّاريخ في ذلك، ومن الواضح أنَّ هذا المقدار لا يكاد يسدُّ حاجة أشدِّ النَّاس بؤسًا وأكثرهم فقرًا. ولقد كان من اليسير على أبي العلاء أنْ يرتزق بشعره ولكنه لم يفعل، وآثر الفقر وضيق ذات اليد على الثروة يُراقُ في سبيلها ماء الوجه، ويُحتمَل في تحصيلها ذل السؤال. وهنا تظهر آثار ما ورث عن أسرته وقبيلته من خلق العزة، فإن هذه الآثار حين اُنضمَّت إليها فطرته السليمة، ودراسته الفلسفية الصحيحة، أغلت عليه قيمته، ومنعته من ابتذالها، فكره أنْ يكون كغيره من الشعراء يصوغ الأكاذيب ليتوِّجَ بها طائفةً من المتغلبين الذين يظلمون الناس، ويسلبون أموالهم لينفقوها في أهوائهم وملذاتهم. كره أبو العلاء ذلك، ولا شك في أنه تصور شيئين عندما خطر له خاطر التكسب بالشعر:
  • أحدهما: بشاعة الكذب، وقبح أثره في نفس الكاذب ونفس المكذوب عليه؛ فإن الكاذب إذا اطمأن إلى هذا الخلق، اعتاد الجراءة الخطرة ولم تكن للحياة في نفسه قيمة، فهو يستحلُّ كل شيء للحصول على ما يريد. وكذلك المكذوب عليه إذا سمع ما يُصاغُ في مدحه، من طوال القصائد غَرَّه ذلك وأغراه بما هو فيه من ظلمٍ وجورٍ، وقتل في نفسه ما عسى أنْ يكون لها من حسٍّ أو شعور، وخيل إليه نقيصته فضيلةً، ومذمته محمدةً، ونكره عرفًا، فكانت حياته شرًّا على نفسه وعلى الناس.

    وكذلك الذين يسمعون مدح الظلمة والثناء على المفسدين، يخدعهم ما يسمعون، فيكذبون أنفسهم، ويصدقون الشعراء، فإن كان لهم من الفطنة والذكاء ما يمنعهم من ذلك، فإن اليأس يدركهم لا محالة؛ إذ يرون ظلمًا يُمدَح، وجورًا يُعظَّم، وفسادًا يُثنَى عليه.

  • الثاني: أنَّ ما يفيده من التكسب في الشعر إنما هو مال حرامٌ قد استُحِلَّ ظلمًا، وربما كان صاحبه مضطرًّا إليه، وربما كان رزق صغارٍ ضعفاء أو امرأةٍ عاجزة، ولا شك في أنَّ أصحابه لم يسلموه إلا كارهين، لم تطب عنه نفوسهم ولم تسمح به قلوبهم، ولعل مغتصبه يلتذ به، وصاحبه ينفق الليل في لعنه واستعداء القضاء عليه، ولن ترى أقسى قلبًا ولا أغلظ كبدًا، ولا أكدر طبعًا ولا أفسد مزاجًا، من رجل يستمدُّ لذته من ألم الناس، وراحته من كدهم، وسعادته مما يحيط بهم من ألوان الشقاء. كل هذه الخواطر خطرت لأبي العلاء، حين عرض له التكسب بالشعر، فصادفت منه نفسًا أبية، وقلبًا رحيمًا، ومزاجًا معتدلًا، ورجلًا مستعدًّا للزهد، فصرفته عما تهالك النَّاس عليه وجعلته أعجوبة أيامه؛ فإنا لا نعرف شاعرًا في تلك الأيام استكبر على التكسب بالشعر، بل نكاد لا نعرف للشعراء غرضًا واضحًا من شعرهم أكثر من التماس العيش به. نعم؛ إنَّ أبا العلاء حين امتنع عن التكسب بالشعر لم يكن للناس قدوة، ولم يستطع أنْ يمحو هذه الرذيلة، ولكن الرجل لا يُؤخَذ إلا بفعله، وليس عليه إذا صلُحَت سيرته ذنب المفسدين من الناس.
ولقد ظن مرجليوث أنَّ أبا العلاء تكسَّب بشعره في طوره الأول، وخُيِّل إليه أنه مدح سعد الدولة ومدح خصومه من قُوَّاد الفاطميين، ولكنه لم يستطع أنْ يُقِيم على ذلك برهانًا، ولا أنْ يثبته بدليل. أما نحن، فأبو العلاء عندنا أصدق من مرجليوث، وهو قد حدثنا في مقدمة سقط الزند،٩ أنه لم يمدح أحدًا ولم يستفد بشعره مالًا، فإن كان قد ورد في ديوانه شيء من المدح وكذبه فإنما ذهب إليه مذهب الرياضة وتمرين القوة الشعرية؛١٠ ولذلك لا تجد في مدائحه أسماء معروفةً للأمراء الحمدانيين والعبيديين في عصره، على أنه قد وهب مدائحه هبةً عادلة، فجعل ما يصلح منها لله وقفًا على تمجيده وتعظيمه، وما يصلح للناس وقفًا على أشد الأخيار استحقاقًا له، واستقال الله مما لا يصلح لشيء، على أنَّ لأبي العلاء مدائح هي مستثناةٌ من هذا كله، وهي التي بعث بها إلى أصدقائه جوابًا عما بعثوا إليه من قصائدهم أو نحو ذلك؛ فهذه القصائد لم يعتذر منها أبو العلاء، بل ذكرها في ديوانه وبيَّن أسبابها والأشخاص الذين أُرسِلت إليهم، وإنْ كان قد منعه الحياء من أنْ يذكر مدائحهم له وقصائدهم فيه. وجملة القول أنَّ الوراثة وخلق الحياء وكبر النفس والأنفة من الكذب والرحمة بالضعفاء قد اشتركت في حرمان أبي العلاء لذة التكسب بالشعر في طور شبيبته.

شهد أبو العلاء في أثناء إقامته بالمعرة ما فصلناه في المقالة الأولى، من الفتن العظيمة والحروب الهائلة بين الحمدانية والفاطمية والروم، وقد كانت هذه الفتن بين سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائةٍ إلى سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وهي السنة التي مات فيها العزيز صاحب مصر.

وقد قدمنا أنَّ أبا الحسن الحسين بن علي المغربي، كاتب بكجور رحل إلى العزيز، بعد أنْ قتل أبو الفضائل صاحبَه، فأغراه بأخذ حلب، ودبَّر له تلك الحروب التي كانت شرًّا على حلب ومصر معًا، وستعرف عند الكلام على رسائل أبي العلاء، أنه كتب رسالتين إلى أبي القاسم، المعروف بالوزير المغربي، وهو ابن أبي الحسن هذا، إحداهما رسالة المنيح والأخرى رسالة الإغريض، فلِمَ كتب إليه هاتين الرسالتين؟

أما رسالة الإغريض فقد كتبها إليه تقريظًا لكتابٍ اختصر به إصلاح المنطق لابن السكيت، وأما الأولى فهي التي نجهل موضوعها، وقد عُنِي مرجليوث نفسه، بالبحث عن الغرض الذي كُتِبت فيه فلم يظفر بطائل؛ ذلك أنَّ مرجليوث يجهل الوزير المغربي، فلا يعرف أكتبَ أبو العلاء إلى أبي القاسم أم إلى أبيه، وهل كلا الرجلين يُلقَّب بالوزير المغربي؟ أهما شخصٌ واحدٌ أم شخصان؟

كل هذه مسائل لم يستطع مرجليوث أنْ يجزم فيها بشيءٍ. ولما كان لا يرتاب في أنَّ المغربي الذي يجهل حقيقة اسمه وشخصه، قد أغرى العزيز بأخذ حلب فقد ظن أنَّ رسالة المنيح التي كتبها أبو العلاء إلى الوزير المغربي إنما هي رسالة سياسيةٌ تتصل بما بين حلب ومصر من الفتنة، وانتقل من ذلك إلى ترجيح أنَّ المعرة قد كانت تميل إلى مصر، وأنَّ أهلها قد ندبوا أبا العلاء للإجابة عن رسالةٍ سياسية كتبها إليهم هذا الوزير.

والحقيقة أنَّ المسألة تحتاج إلى عناءٍ كثير؛ لغموض الرسالة التي كتبها أبو العلاء، وضياع الرسالة التي كتبها المغربي؛ فإنا لا نعرف في رسالة أبي العلاء إلا مدح الوزير، والافتنان به في الثناء على أدبه، وأنَّ أهل المعرة فرحوا برسالته، وأنه عاجزٌ عن توفية حقها من الثناء، وعن أن يجيب عليها بما هي أهلٌ له، ولا شيء أكثر من ذلك. لكنا لا نشك في أنَّ الوزير المغربي إنما يُطلَق على أبي القاسم وحده لا على أبيه،١١ وفي أنَّ أبا القاسم هذا، قد كان طريد المصريين قتلوا أباه ونكبوا أسرته، فخرج يؤلب عليهم عرب الشام، وظفر من ذلك بالشيء الكثير، ثم زار بغداد والموصل في خطوبٍ لا حاجة لنا إلى شرحها الآن، ومات سنة سبع عشرة وأربعمائةٍ، وهو مغضوب عليه من خلفاء مصر وبغداد جميعًا. وقد وُلِد أبو القاسم هذا سنة سبعين وثلاثمائة، فكان في أيام الحروب التي دبرها أبوه أصغر من أنْ يتناول المسائل السياسية، وألَّف كتابه الذي قرظه أبو العلاء، سنة سبعٍ وثمانين وثلاثمائةٍ؛ أي في ولاية الحاكم، فلا شك في أنه لم يكتب إلى أبي العلاء وقومه أيام العزيز؛ أي: لم يكتب إليهم ليستخفَّهم إلى نصر المصريين، فإن كان قد كتب إليهم أيام الحاكم فقد عرفنا أنه كان مغاضبًا لهذا الخليفة، فلا شك إذن في أنه كتب إليهم، يؤلبهم عليه إذا كانت رسالته سياسيةً.

ونحن نُرجِّح أنَّ هذه الرسالة لم تتناول السياسة أو على أقلِّ تقدير، لم تتناول السياسة المصرية، وأكثر ظننا أنَّ رسالةً أدبيةً كُتِبت إلى أبي العلاء فأجاب عنها، فإن كان قد ذكر أهل المعرة فتلك عادةٌ له في كثيرٍ من رسائله؛ لذلك نميل إلى أنَّ أبا العلاء لم يتناول سياسة مصر وحلب في طوره الأول والثاني إلى أن ارتحل إلى بغداد سنة ثمانٍ وتسعين وثلاثمائة كما سترى بعد قليل.

وقد اتفق أكثر المؤرخين الذين كتبوا عن أبي العلاء، على أنه كان في أثناء شبيبته في المعرة يجالس الظرفاء، ويتصرف في فنون الهزل والجد، ويلعب النرد والشطرنج، ويقول إنه يحمد الله على العمى كما يحمده غيره على البصر.

فأما مجالسته للظرفاء وتصرفه في الهزل والجد، فأمرٌ ليس فيه نكيرٌ عليه، بعد أنْ عرفنا ذكاء الشاعر وفطنته ونبوغه في فن الشعر، وأما لعبه النرد والشطرنج، فيحتاج إلى شيء من التحقيق، وما نشك في إحدى اثنتين: إما أنْ تكون الرواية مكذوبةً مصدرها المبالغة والإغراق، فيما شاع من ذكاء الرجل وقوة حسه، وصدق فطنته، وإما أنْ يكون لعبه للشطرنج قد كان بأحجارٍ معلمة تميزها الأيدي، وذلك شيءٌ لم نصل إلى معرفته الآن، وربما كان يلعب الشطرنج بلسانه كما يلعبه أهل الغرب الآن برسائل البرق والبريد. فأما حمده الله على العمى كما يحمده غيره على البصر، فلا يدل إلا على ثقة عقله، واطمئنان نفسه إلى هذه الحياة، واحتماله ما فيها من خيرٍ وشرٍّ، حين عرف أنَّ الحزن والتفجع لا يغنيان عن المرء شيئًا، وأنَّ الأسف لا يرد فائتًا، ولا يستدرك فارطًا؛ فهي كلمة تسلية وعزاء أكثر من أنْ تكون إخبارًا صادقًا، فإن ذهاب بصره لم يزل يثير في نفسه شيئًا من الحزن، ويكلفه ألوانًا خاصة من الشدة، حتى في أيام حكمته وفلسفته.

روى القفطي أنه كان يحب الاستتار في كل شيء، ويقول: إنَّ العمى عورةٌ فيجب ألا يظهر النَّاس عليه؛ لذلك اتخذ له نفقًا يأكل فيه على غير مرأى، حتى من خادمه الذي ارتفعت بينه وبينه الكلفة وزال الحجاب. قال القفطي: وقد أكل ذات يومٍ دبسًا، فسقطت قطرةٌ منه على صدره، وهو لا يدري، فلما خرج للدرس رأى الطلاب ذلك، فقال له بعضهم: يا سيِّدي، أكلت دبسًا؟ فأسرع بيده إلى صدره، وقال: نعم؛ لعن الله الشره. فهذا يدل على أنه لم يكن يرى العمى خيرًا، وإنْ تحدَّث بذلك غير مرة، نعم إنه قد تعزى عنه وصبر عليه، وكان يذكر نفسه بالضرير، ولكن ذلك ليس إلا أثرًا من آثار اطمئنانه الفلسفي كما قدمنا.

والظاهر أنَّ هذه الحياة التي احتملها أبو العلاء في المعرة، قد ثقلت عليه فملها، ورأى أنها لا تصلح له، وأنَّ نفسه لا تستطيع أنْ تطمئن إلى عيش ملؤه الخمول وقلة العمل، وأنَّ المعرة لا تحتوي من العلم على ما يحتاج إليه، وكذلك مدن الشام، وأنَّ بغداد هي دار العلم وموطن الأدب والفلسفة، فإذا رحل فمن اليسير أنْ يجد ما يحتاج إليه من العلم والأدب، ومن الفلسفة والحكمة، وهو بعد ذلك يغالي بنفسه، ولعله كان يطمع في الشهرة والصيت البعيد، وليس إلى ذلك من سبيل إلا بغداد.

وقد ذكر مؤرخوه أنه إنما سافر إلى بغداد شاكيًا، تعرض صاحب حلب لما في يده من الوقف الضئيل، وقد قدمنا ما في ذلك من الشك عندنا وعند مرجليوث وسلامون.

ونحن نعتقد أنَّ حب العلم، وطلب الشهرة وسعة العيش، وبغض الحياة السياسية بحلب وما آلت إليه من الاختلاف والفتن، هي التي كوَّنت في نفس أبي العلاء عزمه على الرحلة عن بلاد الشام إلى بلاد العراق.

رحلته إلى بغداد: مدينة بغداد

في سنة خمس وأربعين ومائة للهجرة شرع أمير المؤمنين المنصور العباسي في إقامة مدينةٍ يتخذها حاضرة لملكه، حين تأذى بالهاشمية التي أقامها أخوه أبو العباس السفاح، قال ياقوت: وكان أهل الكوفة يفسدون عليه جنده، فأراد فراقهم، وفي سنة تسع وأربعين ومائة تم بناء المدينة، فانتقل إليها المنصور، وأصبحت حاضرة العالم الإسلامي، الذي خضع لبني العباس بالفعل أو بالاسم، إلى أنْ سقطت في أيدي التتار سنة ست وخمسين وستمائة.

وفيما بين إقامة المنصور لها وإسقاط التتار إياها، اختلفت عليها أطوار رقيٍّ وانحطاط في كل شيء، فكانت حين أقامها المنصور مدينة جميلة عظيمة العمران، تزدان بقصر الخلافة والقبة الخضراء وغيرها، من رفيع البناء.

وقد وفر عليها المنصور أسباب النعمة والترف، فساق إليها الماء ينفذ إلى الدور والدروب، حتى لا يتكلف أهلها الاستقاء من النهر، ولم تمضِ عليها سنون حتى ضخم عمرانها، وتجاوزت خططها ما أحاط بها من السُّور، وأصبحت مقر الأسرة المالكة من بني العباس، ومقام الأشراف من العرب والفرس، وملتقى التجار من أنحاء البلاد الإسلامية، وكعبةً يقصد إليها الشعراء والعلماء من اللغويين والرواة، ومن الفقهاء والمحدثين، ومن الأطباء والمنجمين، ومن التراجمة والمعربين.

وكان سلطان بني العباس يقوى بحسن بلائهم في جهاد الروم، فينشأ عن قوة الدولة السياسية أمن البلاد وانتظام الجباية، فيكثر ما يُحمَل إلى بغداد من الأموال، وإنما كان يُحمَل إليها ضرائب العالم الإسلامي كله، حاشا بلاد الأندلس، فكانت الأموال الكثيرة والقوة السياسية العظيمة، تستهوي أفئدة النَّاس إلى بغداد، فيأتون إليها، ومنهم من يلتمس بها المقام لتحصيل القُوت بالتجارة والصناعة، ومنهم من يطلب حياة المناصب والدواوين، ومنهم من يبتغي الصِّيت بالعلم والأدب، ومنهم من يريد أنْ يلم بالمدينة ريثما ينشد الخليفةَ أو أحدَ أعوانه قصيدةً تملأ يديه بالمال، ثم ينقلب إلى أهله راضيًا مسرورًا.

والمدينة بعد قائمةٌ على الجانب الغربي لدجلة، وهي طيبة الهواء، صافية الجو، نقية أديم الشمس، فلما زهت وزارة البرامكة وعظم سلطانهم، بنى جعفر بن يحيى في أيام الرشيد قصرًا فخمًا في الجانب الشرقي للنهر، وإنما أراد أنْ ينفرد فيه لألوان لهوه وخلاعته فيما يقول المؤرخون، ولإظهار سلطانه وتدبير أمره فيما نعتقد، فلما أحس جعفرٌ من الرشيد سوء الظن، وخشي أنْ يسوءه مكان هذا القصر، زعم له أنه إنما بناه للمأمون، فقبل الرشيد منه، وكان هذا القصر السبب الأول في إقامة العمارات الضخمة على الجانب الشرقي لدجلة، فأقام المعتضد التاج، وأتمه المكتفي وانتقل الخلفاء إليه حينًا، كما أنَّ اتساع العمران ببغداد وازدحام السكان فيها، وحشد النَّاس إليها من أطراف الأرض زَهَّد فيها الخلفاء، فبنى المعتصم «سُرَّ مَن رأى»، وأقام بها الخلفاء حينًا. على أنَّ ضعف السلطان العباسي وقوة المتغلبين من التُّرك والديلم، ثم كثرة الفتن التي نشأت عن تشغيب الجند، وثورات الحنابلة، والخلاف بين السنيَّة والشيعة، وانهماك الخلفاء والملوك في اللذة، وكسلهم عن العناية بالقصور الضخمة، والصروح الفخمة التي أقامها المنصور وبَنُوه، كل هذه الأسباب أصابت بغداد بشيء من التخريب غير قليل. ولكن ما أصابها من النكبات على كثرتها — وإنْ غيَّر رسومَها وشوَّه محاسنَها — لم يُغيِّر شيئًا من بنائها الخياليِّ، الذي كان في نفوس العالم الإسلامي كافة، فقد بقيت في نفوسهم مدينة العلم، ودار الخلافة، وحاضرة الإسلام. وكان لفظ مدينة السلام إذا أُطلِق مثَّل في نفوس النَّاس صورًا مختلفة هي المثل العليا للرقي عنده، فهو يُمثِّل في نفس التاجر أرقى مُدُن التجارة ثروة، وأحسنها نظامًا، وأكثر أمنًا، وفي العالم أرقى مدن العلم درسًا، وأكثرها عدد علماء نابغين، وأوفرها كتبًا، وكذلك الحال في الأديب وغيره من أصحاب الفنون والصناعات.

فأما الفقهاء والمتكلمون فحدِّث ما شئتَ عن شغفهم ببغداد وهيامهم فيها، وعما كان لهم من مجالس المناظرة والجدال، حدِّث ما شئت ولا تخشَ معترضًا أو مُكذِّبًا، ولكن خَفْ شيئًا واحدًا يمكنُ أنْ ينالك منه ما تكره، وهو ذلك الأسى المؤلم الذي يملأ قلبك إذا ذكرت هذا المجد العلمي القديم الذي اندرس ولم يُورِّثنا إلا الحسرة والأحاديث.

لم تكن الحالة السياسية في بغداد راقيةً أيام أبي العلاء، بل كانت في شرِّ منازلها من الضعف والافتراق؛ خليفةٌ مغلوب على أمره، ومَلِكٌ من بني بويه قد عجز عن تدبير مُلْكِه، وجندٌ لا ينفكُّون في ثورة وهياج لسوء التدبير، وكثرة المطامع وانقطاع الأرزاق.

فأما الحياة العلمية فقد كانت على شدة الاضطراب السياسي غضةً نضرةً، وربما امتاز عصر أبي العلاء بالمجامع العلمية ببغداد، فقد كان للأدباء على اختلافهم مجمعٌ زعيمه الشريف الرضي، ومجمعٌ آخر حول الوزير سابور بن أردشير، الذي خصص الثعالبي في اليتيمة فصلًا لمدحه، وكان هناك مجامع فلسفيةٌ وكلاميةٌ، منها العامة التي يشهدها النَّاسُ كافةً؛ كمجمع الشريف المرتضى، ومنها الخاصة التي لا يشهدها إلا أفرادٌ تآخوا واتفقوا على ألا يحضر اجتماعهم، إلا من نحا نحوهم في الرأي، كالمجمع الذي كان يلتئم يوم الجمعة من كل أسبوع، في بيت أبي أحمد عبد السلام بن الحسين البصري، صاحب الصوت البعيد في علم تقويم البلدان، وكانت المحاضرات العامة تُلقَى على الناس، من أئمة اللغة والفقه والكلام، وحسبك أنْ تعلم أنَّ أبا حامدٍ الإسفراييني، وهو من فقهاء الشافعية، كان يحضر درسَه في الفقه سبعُمائةٍ من الطلبة؛ منهم التلاميذ المتعلمون، والأساتذة المعلِّمون. والرجوع إلى ترجمته في وفيات الأعيان يدلُّك على صحة ما نقول.

أما مجالس المناظرة في الفقه والكلام، فيُمثِّل جلالَ خطرها شعرُ أبي العلاء ونثرُه أحسن تمثيلٍ، وكان ببغداد في عهد أبي العلاء مكتبتان عامتان انفردتا بالشهرة في الآفاق، وبالخلود في التاريخ: إحداهما قديمة أسسها الرشيد وهي بيت الحكمة، والأخرى حديثةٌ أنشأها سابور بن أردشير سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. وقد وصفها ياقوت عند كلامه على محلتها وهي بين السورين، فقال: إنها اشتملت على أصح الكتب وأوثقها في كل فنٍّ، وقلَّما خلا كتابٌ من كتبها من خط إمامٍ معروفٍ، قال: وقد احترقت هذه المكتبة سنة سبع وأربعين وأربعمائة حين دخل السلاجقة بغداد.

ولئن كنا قد أطلنا القول في وصف بغداد فما أدَّينا بعض حقها التاريخي، من حيث هي مدينةٌ كانت منزلتها عند المسلمين في عصر أبي العلاء وقبله أشبه بمنزلة باريس خاصةً، والمدن الكبرى الأوربية عامةً عندنا الآن؛ فإنك لا ترى في العالم الإسلامي كله شابًّا أتمَّ الدرس في بلده، إلا وهو يتحرَّق شوقًا إلى الرحلة إلى إحدى هذه المدن ليدرس العلم في أصفى موارده، وأعذب مناهله، وكما أنَّ ناسًا يذهبون إلى هذه الحواضر الأوروبية للهو واللعب لا للدرس والتحصيل، فقد كان ناسٌ في تلك العصور، يرحلون إلى بغداد لا يريدون إلا الفسق والمجون.

ومن هنا نُقِل ذمُّ بغداد عن بعض العبَّاد والصالحين، كما يَذمُّ باريسَ بل القاهرةَ طائفةٌ منَّا الآن، وكذلك ذُمَّت بغدادُ بالغلاء، وأنها لا تصلح إلا للمترفين الذين يملكون القناطير المقنطرة، وذمَّها بعضُ الأعراب بأن أهلها متحضرون، وكأن أعرابيًّا دخلها فألجأه الفقرُ إلى خانٍ حقيرٍ، فلما عبثت بجسمه حشرات الفراش ذمَّ المدينةَ كلَّها بكثرة البراغيث.

هذه القيمة التاريخية لبغداد جعلت لها في الآداب خصائص أشبه بالأساطير التي تحيط بتاريخ رومة، فإذا أردت أنْ تعرف تفصيل ذلك فاقرأ ما كُتِب في تاريخ بغداد من الكتب الطوال والقصار، وقد ذكرها ياقوت في معجمه الجغرافي بتفصيل لا بأس به.

إلى هذه المدينة التي مثَّلنا صورتَها في نفوس الناس، وحقيقة حياتها التاريخية، رحل أبو العلاء سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، لتلك الأسباب التي فصَّلناها آنفًا، وقد أثبت ابنُ خلكان وتبعه المرحوم جورجي زيدان بك أنَّ أبا العلاء دخل بغداد مرتين، ولسنا نعرف ذلك في شعر أبي العلاء، ولا في نثره، ولا فيما كتب عنه القفطي والذهبي، وياقوت والصفدي، وهم الذين ينبغي أنْ يعتمد عليهم في تاريخه، وكذلك لم يذكر مرجليوث وسلامون ودائرة المعارف الإسلامية — التي يكتبها المستشرقون — أنه دخلها مرتين، وذكر ذلك الأستاذ هيار الفرنسي في كلمةٍ موجزة كتبها عنه في كتابه المختصر، المعروف بتاريخ الآداب العربية، وكأنه اختصرها من ابن خلكان. والراجح عندنا أنه دخل بغداد آخر سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، فمكث فيها إلى رمضان سنة أربعمائة، فالتبس الأمر على ابن خلكان وقلده هيار وجورجي زيدان بك، من غير بحثٍ ولا تفكير.

والظاهر أنَّ أمَّ أبي العلاء مانعت في سفر ابنها إلى بغداد بادئة الأمر، فلما أفهمها أغراضه قبلت منه وأعانته، وقد أعدَّ له خالُه أبو طاهر سفينةً انحدر بها في الفرات حتى بلغ القادسية،١٢ وهناك لَقِيَهُ عُمَّالُ السلطانِ فاغتصبوا سفينتَه، واضطروه إلى أنْ يسلك طريقًا مَخُوفَةً إلى بغداد، فلما وصل إليها نَظَمَ قصيدةً قدَّمها إلى أبي حامد الإسفراييني، الذي قدَّمنا ذِكرَه يصف فيها سَفَرَهُ، ويُصوِّر طريقه البرية إلى بغداد، تصويرًا حسنًا ويذكر ظلم عمال السلطان له وجورهم عليه، ويعرض على أبي حامدٍ أخلاقه ويطلب مودَّته ويستعينه على ردِّ سفينته إليه، وفي هذه القصيدة يقول:
لا وَضْعَ للرحَّل إلا بعدَ إيضاعِ
فكيف شاهدت إمضائي وإزماعي؟
يا ناقُ جِدِّي فقد أَفْنَتْ أَنَاتُكِ بي
صبري وعمري وأحلامي وأنساعي
إذا رأيتِ سوادَ الليل فانْصَلِتي
وإن رأيتِ بياضَ الصبح فانْصَاعي
ولا يَهُولَنْكِ سيفٌ للصَّباحِ بدا
فإنَّه للهوادي غيرُ قَطَّاعِ
إلى الرئيسِ الذي إسفارُ طَلْعَتِهِ
في حِنْدِسِ الخَطْبِ ساعٍ بالهُدى شاعِ
يَمَّمْتُهُ وبُودِّي أنَّني قَلَمٌ
أَسعى إليه ورأسي تحتيَ الساعي
على نجاةٍ من الفرصاد أيَّدها
ربُّ القدوم بأوصالٍ وأضلاعِ
تُطلَى بقارٍ ولم تَجْرَبْ كأن طُلِيَتْ
بسائلٍ من ذفارَى العيس مُنْبَاعِ
ولا تبالي بِمَحْلٍ إن ألمَّ بها
ولا تَهَشُّ لإخصابٍ وإمراعِ
سارَتْ فزارَتْ بِنَا الأنبارَ سالمةً
تُزجَى وتُدفَعُ في موجٍ ودُفَّاعِ
والقادسية أدَّتْها إلى نفرٍ
طافوا بها فأناخوها بِجَعْجَاعِ
ورُبَّ ظُهرٍ وصلناها على عجلٍ
بعصرِها في بعيدِ الوِرد لمَّاعِ
بضربتين لطُهرِ الوجه واحدةٌ
وللذراعين أخرى ذاتُ إسراعِ
وكم قصَرْنا صلاةً غيرَ نافلةٍ
في مَهْمَهٍ كصلاةِ الكسف شعشاعِ
وما جَهرنا ولم يصدَحْ مؤذِّنُنا
من خوف كلِّ طويلِ الرُّمْحِ خدَّاعِ
في معشرٍ كجمار الرمي أَجْمَعُها
ليلًا وفي الصبح أُلقِيها إلى القاعِ
يا حبَّذا البَدوُ حيث الضَّبُّ محترشٌ
ومنزلٌ بين أجراعٍ وأجزاعِ
وغسل طِمْرَيَّ سبعًا من مُعاشرتي
في البيد كلَّ شجاع القلب شَرَّاعِ
وبالعراق رجالٌ قُرْبُهُمْ شرفٌ
هاجرْتُ في حُبِّهم رَهْطِي وأشياعي
على سنينَ تَقضَّتْ عند غيرهم
أسِفتُ لا بل على الأيامِ والسَّاعِ
اسمع أبا حامدٍ فُتيا قُصِدْت بها
من زائرٍ لجَمِيلِ الودِّ مُبتاعِ
مؤدب النفس أكَّالٍ على سَغَبٍ
لحمَ النوائبِ شرَّابٍ بأنقاعِ
أرضى وأُنصِفُ إلا أنني رُبَمَا
أربيت غير مُجيزٍ خَرْقَ إجماعِ
وذاك أنيَ أُعطِي الوَسقَ منتحيًا
من المودَّة مُعطِي الودِّ بالصاعِ
ولا أُثقِّلُ في جاهٍ ولا نشبٍ
ولو غدوتُ أخا عُدْم وإدقاعِ
من قالَ صَادِقْ لئامَ النَّاسِ قُلْتُ له
قول ابن الاسلت قد أبلغت أسماعي
كأنَّ كُلَّ جواب أنتَ ذاكِرُه
شَنْفٌ يُناطُ بأذن السامع الواعي
إنَّ الهدايا كراماتٌ لآخذِها
إنْ كُنَّ لسن لإسرافٍ وأطماعِ
ولا هديةَ عندي غير ما حَمَلَتْ
عن المسَيَّب أرواحٌ لقعقاعِ
ولم أكن ورسولي حين أُرسِلُهُ
مثل الفرزدق في إرسالِ وَقَّاعِ
مَطِيَّتي في مكانٍ لستُ آمَنُهُ
على المطايا وسِرحانٌ له راعِ
فارفع بكَفِّي فإني طائشٌ قدمي
وامدد بضَبْعي فإني ضيِّقٌ باعي
وما يكن فلك الحمدُ الجميلُ به
وإنْ أُضِيعَتْ فإني شاكرٌ داعِ

فانظر إليه كيف بدأ قصيدته بهذا المطلع، الذي يمثل قوة عزيمته وشدة شكيمته، وإنْ لم يشتمل على معنى طريفٍ ولا على بدعٍ مما يقول الشعراء، ثم انظر كيف أحسن مداعبة ناقته، وحثها على السير في قوله:

ولا يهولَنْكِ سيفٌ للصباح بدا
فإنه للهوادي غيرُ قَطَّاعِ

ثم أخذ في ذكر سفينته وانحدارها في الفرات، وجَوْر العمال عليه عند القادسية متلطفًا في الوصف، متخيرًا فرائد اللفظ، وإذ كان إنما قدم هذه القصيدة إلى فقيهٍ فقد أحسن الإحسان كله، حين خاطبه في وصف سفره البري بإصلاح الفقهاء، فذكر ما يلزم السفر البعيد في الصحراء من قصر الصلاة والتيمم، والجمع بين الفريضتين، ثم انظر إبداعه في ذلك إذ كنَّى عن عدد رفاقه، وعن سراهم بالليل وتفرقهم بالنهار، بما يفعل الحاج إذ يجمع حصا الجمار ليلة المزدلفة، ثم يفرقها إذا أصبح، وانظر إلى تلطفه في عرض حاله على الفقيه في صورة فتوى، وتعريضه بأنه يجزي المحسن إليه أضعاف إحسانه، فيصطنع الرِّبا من غير أنْ يخالف إجماع المسلمين على تحريمه، وهو في كلِّ ذلك لا ينسى نفسه، ولا يغفل عن تسطير أخلاقه وتعديد شمائله، والفخر بأنه لا يلجأ إلى النَّاس في اتقاء الفقر والتماس القوت، وانظر كيف عرض حاجته في استرداد السفينة على الشيخ بأعذب لفظٍ، وأرق لهجة، وأجلى أسلوب، وكيف جمع بين الاعتراف بالضعف، والافتخار بعزة النفس، وكيف أعفى ممدوحه من الإلحاح، وجزاه على النجح حمدًا وثناءً، وعلى الإخفاق شكرًا ودعاءً، فلم يكله إلى الندم إنْ قصر، ولم يوئسه من الثواب إنْ اجتهد … كل ذلك في لفظ متين، وأسلوبٍ رصين قلما عثرت فيه بكلمة نابية، أو تركيبٍ فجٍّ، أو معرض خلقٍ، وقلما صادفت فيه لغوًا في المدح أو إسرافًا في الخشوع. على أنَّ هذه القصيدة لم تلقَ عضدًا من أبي حامد، فلم يَردُدْ سفينة الشاعر عليه لأمر لم يُفصِّله التاريخ.

وما نظن إلا أنَّ الرجل قد اجتهد فأصابه الإخفاق، وجدَّ غيره في حاجة أبي العلاء فقضاها، وهو رجل يُعرَف بأبي أحمد الحكاري.

وقد شكر أبو العلاء هذه النعمة لآل حكار، بعد احتجابه بمعرة النعمان في قصيدة جميلةٍ، بعث بها إلى صديقه خازن دار العلم ببغداد، وفيها يقول:

وعن آل حَكَّارٍ جرى سمر العُلا
بأكمل معنىً لا انتقاصٌ ولا غمط
فإن يُنسِهم أمر السفينة فَضلُهمْ
فليس بِمُنْسِيَّ الفراقُ ولا الشحط
أولئك إن يقصر بك الجاه ينهضوا
بجاهٍ وإن يُبخَلْ بنائلةٍ يعطوا

وهذه الأبيات وما بعدها، تمثل اعتراف الرجل بالجميل، وشكره للصنيعة أحسن تمثيل.

كيف عرفه النَّاس ببغداد؟

لا يحدثنا التَّاريخ بشيٍ مفصَّل عن دخول أبي العلاء بغداد، وعن لقاء النَّاس له، واحتفالهم به، ولكن الرجل قد كان له شيءٌ من الشهرة سبقه إلى العراق، ولعل قصيدته التي ساقها إلى أبي حامد لفتت النَّاس إليه، وكان دخول رجل من أهل العلم مدينة بغداد خبرًا لا يكاد يعلمه الناس، حتى ينسلُّوا إلى زائرهم من كل وجهٍ ليُهدوا إليه الكرامة، وليختبروه ويبتلوا علمه؛ فلا شك أنهم سعوا إلى أبي العلاء، فلما جالسوه وناقلوه القول في فنون الأدب، بهرهم منه علمٌ جمٌّ وفضل كثير، فرحبوا به وخلطوه بأنفسهم، كما قال أبو العلاء في إحدى رسائله إلى خاله أبي القاسم، بعد رجوعه إلى المعرة: «ورعاية الله شاملة لمن عرفته ببغداد، فقد أفردوني بحسن المعاملة، وأثنوا عليَّ في الغيبة، وأكرموني دون النظراء والطبقة.» وقد روى ابن خلكان عن الحافظ السلفي عن القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله، قال: كتبت إلى أبي العلاء المعري الأديب، حين وافى بغداد، وكان قد نزل في سُويقَة غالب:

وما ذات درٍّ لا يحلُّ لحالبٍ
تناوله وَاللحمُ منها محلَّلُ
لمن شاء في الحالين حيًّا وميتًا
ومن رام شُربَ الضرِّ فهو مضللُ
إذا طعنت في السِّنِّ فاللحم طيبٌ
وآكله عند الجميع مُفَضَّلُ
وخرفانها للأكل فيها كزازةٌ
فما لحصيف الرأي فِيهنَّ مأكلُ
وما يجتني معناه إلا مُبرِّزٌ
عليمٌ بأسرار القلوب محصلُ

فأجابني وأملى على الرسول في الحال:

جوابان عن هذا السؤال كلاهما
صوابٌ وبعض القائلين مضلِّلُ
فمن ظنَّه كرمًا فليس بكاذبٍ
ومن ظنَّه بخلًا فليس يجهلُ
لحومهما الأعناب والرُّطَب الذي
هو الحلُّ والدرُّ الرحيق المسلسلُ
ولكن ثمار النخل وهي غضيضةٌ
تمر وغضُّ الكرم يُجنَى ويُؤكَلُ
يُكلِّفني القاضي الجليلُ مسائلًا
هي النجم قدرًا بل أعزُّ وأطولُ
ولو لم أجب عنها لكنتُ بجهلها
جديرًا ولكن من يودك مقبلُ

فأجبته عنه وقلت:

أنار ضميري من يعز نظيره
من النَّاس طرًّا سابغ الفضل مكملُ
ومن قلبه كتب العلوم بأسرها
وخاطره في حِدَّة النار مُشعلُ
تساوى له سِرُّ المعاني وجهرها
ومعضلها بادٍ عليه مفصَّلُ
ولمَّا أثار الحبَّ قاد منيعة
أسيرًا بأنواع البيان مكبَّلُ
وقرَّبه من كل فهم بكشفه
وإيضاحه حتى رآه المغفلُ
وأعجب منه نظمه الدر مسرعًا
ومرتجلًا من غير ما يتمهَّلُ
فيخرج من بحر ويسمو مكانه
جلالًا إلى حيث الكواكبُ تنزلُ
فهنأه الله الكريم بفضله
محاسنه والعمر فيها مطوَّلُ

فأجاب مرتجلًا وأملى على الرسول:

ألا أيُّها القاضي الذي بدهائه
سيوفٌ على أهل الخلاف تسلَّلُ
فؤادك معمورٌ من العلم آهلٌ
وجدُّك في كلِّ المسائل مقبلُ
فإن كنتَ بين النَّاس غير ممولٍ
فأنت من الفهم المصون ممولُ
إذا أنت خاطبت الخصوم مجادلًا
فأنت وهم مثل الحمائم أجْدلُ
كأنَّك مِنْ فِي الشافعي مخاطبٌ
ومِنْ قَلْبِهِ تُمْلِي فما تتمهَّلُ
وكيف يُرى علم ابن إدريس دارسًا
وأنت بإيضاح الهدى متكفلُ
تفضلت حتى ضاق ذرعي بشكر ما
فعلتَ وكفي عن جوابك أجملُ
فَعذرُك في أني أجبتك واثقًا
بفضلك فالإنسان يَسهوُ ويذهلُ
وأخطأت في إنفاذ رقعتك التي
همى المجدُ لي منها أخيرًا وأولُ
ولكن عداني أنْ أروم احتفاظها
رسُولكَ وهو الفاضِلُ المتفضلُ
ومن حقِّها أنْ يصبح المسْكُ عاطرًا
بها وهي في أعلى المواضع تُجعَلُ
فمن كان في أشعاره مُتمثِّلًا
فأنت امرؤٌ في العلم والشعر أمثلُ
تَجمَّلتِ الدنيا بأنك فوقها
ومِثلُكَ حقًّا مَن به تتكملُ

فهذه المحاجاة الفقهية التي أظهرت إتقانَ أبي العلاء لدرس الفقه كما أظهرت سرعة بديهته، وإنْ خلت من الحقيقة الشعرية، إنما كانت من غير شكٍّ حين ظهر القاضي على القصيدة التي بعث بها أبو العلاء إلى الإسفراييني، ورأى الشاعر قد تعرَّض فيها للفقه وأحكامه، فأحبَّ أنْ يختبره ويمتحنه، ولا شكَّ في أنَّ إسفار هذا الامتحان عن نجاح الشاعر قد حبَّبه إلى طائفة كبيرة من الفقهاء. وقد قص أبو العلاء في رسالته إلى خاله أبي القاسم، على أنَّ خاله أبا طاهرٍ، قد أرسل كثيرًا من الكُتُب إلى أصدقائه ببغداد يُوصِيهم به، فكانوا كلما عرضت له حاجةٌ أحبوا قضاءها، فأبى عليهم إيمانًا بقول زهير:

ومَنْ لا يَزَلْ يستحمل النَّاس نفسه
ولا يُعفِها يومًا من الذَّمِّ يسأمِ

فهذا كله قد عرَّف أبا العلاء إلى الناس، وجمعهم حوله بمدينة السلام.

حياته العلمية والأدبية ببغداد

لن تظفر من التَّاريخ بشيء إنْ أردت أنْ تسأله، كيف كان أبو العلاء يدرس العلم ببغداد، ولكن مما لا شك فيه، أنه لم يجلس مجلس التلميذ من أحدٍ، وإنما كان يسعى إلى دروس العلماء ومجالسهم، كما يسعى الندُّ إلى الندِّ، والنظير إلى النظير، وقد حدثنا أبو العلاء عن نفسه، أنه منذ بلغ العشرين لم يَحْتَجْ إلى أنْ يطلب العلم من أحدٍ في العراق ولا في الشام.

وروى المؤرخون أنَّ أهل بغداد قرأوا على أبي العلاء ديوانه سقط الزند، وهو خبرٌ يحتاج إلى شيء من الروِيَّة؛ فإنَّ سقط الزند لم يُجمَع ولم يصر كتابًا، إلا بعد رجوع صاحبه من بغداد، وفي هذا الديوان قصائد هنَّ الجياد الغرُّ، لم ينظمهن الشاعر إلا في عزلته كرثائه لأمه، وكالقصائد التي بعث بها إلى أهل العراق، فلعل البغداديين قد رووا عنه ما كان قد نظم من الشعر في شبيبته، وليس ذلك بالشيء الكثير، فمن الميسور أنْ نحكم بأن أبا العلاء، لم يكن في بغداد أستاذًا ولا تلميذًا، على أنه إنما رحل لأمورٍ منها الدرس، فلا ريب في أنه قد زار المكتبتين اللتين قدَّمنا ذكرهما، وقد أشار المؤرخون في زيارته مكتبةً كانت في يد عبد السلام بن الحسين البصري، ونظنها مكتبة سابور بن أردشير، التي أنشأها بين السورين سنة إحدى وثمانين وثلاثمائةٍ، وهي التي يسميها أبو العلاء في ديوان سقط الزند دارَ العلم.

قال القفطيُّ والذهبيُّ: فعرض عليه عبدُ السلام ما في مكتبته من الكتب، فلم يرَ فيها شيئًا غريبًا؛ إذ كان قد قرأها كلها بطرابلس،١٣ إلا ديوان تيم اللات فاستعاره منه، وسافر إلى المعرَّة وهو معه فردَّه إليه مع القصيدة المشهورة التي مطلعها:
هاتِ الحديث عن الزَّوراءِ أو هيتا
وموقد النَّارِ لا تكري بتكريتا

وهذا الخبر خطأٌ من غير شك، يكذبه سقط الزند نفسه، فإن أبا العلاء، إنما استعار تيم اللات من صاحبه وتلميذه أبي القاسم التنوخي القاضي، ولم يأخذ الكتاب معه إلى المعرَّةِ، وإنما تركه عند عبد السلام وأوصاه أنْ يَرُدَّه إلى صاحبه، فلما وصل إلى المعرَّةِ وأشفق أنْ يكون عبد السلام قد نسي أمر هذا الكتاب، فنظم هذه القصيدة وبعث بها إلى أبي القاسم يقصُّ عليه القصة، لا إلى عبد السلام، وفيها يقول:

أهدي السلام إلى عبد السلام فما
يَزَالُ قلبي إليه الدهر ملفوتا
سألته قبل يوم السَّير مبعثه
إليك ديوان تيم اللات ماليتا
هذا لتعلم أني ما نَهضْتُ إلى
قضاء حجٍ فأغفلت المواقيتا

فأنت ترى أنَّ القفطيَّ والذهبي قد كتبا هذا الخبر من غير تثبتٍ ولا أناةٍ، وكأنهما لم يستوفيا درس سقط الزند، ومهما يكن من غموض التَّاريخ في شأن أبي العلاء ببغداد، فإنه قد دخل مكاتبها وقرأ ما فيها من كتب الفلسفة والحكمة، ومن دواوين الأدب واللغة، وعرف العلماء، وحضر مجالس درسهم ومناظراتهم، واشترك في المجامع العلمية والأدبية العامة والخاصة، فكان يحضر مجمع سابور بن أردشير، وفيه يقول:

وَغنَّت لنا في دار سابور قينةٌ
من الورق مطراب الأصائل ميهال

وكذلك كان يحضر المجمع الخاص الفلسفيَّ الذي كان يأتلف يوم الجمعة بدار عبد السلام البصري، وفيه يقول من قصيدةٍ بعث بها إليه:

تهيجُ أشواقي عروبة أنها
إليك ذوتني عن حُضُور بمجمع

وكأن هذا المجمع السري، الذي أسماه إخوان الصفاء؛ لشيوع هذا اللفظ بين المسلمين في ذلك العصر، ودلالته الخاصة على جماعة فلسفيَّة تشترك في الأغراض والآراء، وذلك حيث يقول:

كم بلدةٍ فارقتُهَا ومعاشرٍ
يذرُون من أسفٍ عليَّ دموعا
وإذا أضاعتني الخطوبُ فلن أرى
لوداد إخوان الصَّفاء مضيعا
خاللت توديع الأصادق للنوى
فمتى أودِّع خلي التَّوديعَا

وكان يحضر مجمع الشريف المرتضى، وسيأتي لذلك ذكرٌ خاص. قال مرجليوث وسلامون: وكما كان الشعراء في رومية القديمة، ينشدون الجمهور أشعارهم في الميادين العامة، كان شعراء بغداد ينشدون قصائدهم في مسجد المنصور.

ولسنا ننكر عليهما ما قالا، وإنما ننكر أنْ يكون الشعراء قد ورثوا هذه العادة من غيرهم من الأمم، فما زالوا يتناشدون أشعارهم بملأ من النَّاس في جاهليتهم وإسلامهم، وفي بداوتهم وحضارتهم، ومن الإطالة التي لا خير فيها أنْ نتعرَّض لإثبات ذلك بالبرهان. وقد كان أبو العلاء يحضر هذه المجالس الشعرية بمسجد المنصور، ولعله كان ينشد أشعاره فيه، فهذا يدل على أنَّ أبا العلاء لم يترك بيتًا من بيوت العلم ببغداد إلا ولجه، ولا مجلسًا من مجالس الأدب إلا حضره، ولا بيئةً من بيئات الفلسفة إلا اشترك فيها، ومن الواضح تأثير ذلك كله في حياته العقلية والخلقية، والذي يدرس تاريخ هذا العصر يعرف أنَّ الصلة قد اشتدت فيه بين المسلمين وبلاد الهند بما كان لمحمود بن سبكتكين فيها من بُعْد الأثر وكثرة الفتوح.

فلا جرم كثرت صلات أهل الهند ببغداد، وانتشرت عروضهم وتجارتهم بالعراق، فوفد الوافدون منهم على مدينة السلام، وانتقلت معهم آراؤهم ومقالاتهم الدينية والفلسفية.

ولعل ما كتب البيروني، الذي عاصر أبا العلاء عند الهند، قد وصل إلى بغداد، ومن هنا نستطيع أنْ نجزم بأن الصلة الظاهرة بين الفلسفة الهندية وعقول المسلمين لم تكن إلا في هذا العصر.

فلنذكر هذه القضية فإنه ستفيدنا عند البحث عن فلسفة أبي العلاء.

فشله في بغداد

قدَّمنا أنَّ الشاعر إنما رحل إلى العراق يلتمس الشهرة وخفض العيش، ويفرُّ من الحياة السياسية السيئة بحلب، فأما الشهرة فقد ظفر بها إذ لم يبقَ من أدباء بغداد وعلمائها وفقهائها من لم يعرفه ولم يُعجَب به، وأما الدعة السياسية وخفض العيش فلم يُوفَّق إليهما؛ ذلك أنَّ حال العراق لم تكن خيرًا من حال الشام، ولا سيما في عهد أبي العلاء ببغداد فإن بهاء الدولة الذي كان يملكها حينئذٍ، لم يكن ذلك الملِكَ القويَّ الحازم، بل كان ضعيفًا عاجزًا، فانتقضت عليه الأمور غير مرةٍ، وكذلك لم يُتَح لأبي العلاء من الثراء ما كان يريد؛ فإن تشدده في العفة وإباءه التكسب بالشعر، وامتناعه عن سؤال الناس، وضنَّه بكرامة نفسه؛ جَعَلَ وصوله إلى الثراء أمرًا لا سبيل إليه، فهو لا يمدح ملكًا ولا وزيرًا، ولا يقبل هبةً ولا عطية، والعلم ببغداد أكثر وأرخص من أنْ يُنفَق في تحصيله المال. وفوق هذا كله لم يَسْلَم أبو العلاء من حسد الحُسَّاد، وحقد الحاقدين، وخليقٌ بمثله أنْ يكون محسودًا، ثم لم يَسْلَم من أنْ يتلقاه بعض النَّاس بما يكره، إما لخطأٍ منه أو لحسدٍ من خصومه، فأما الأول فقصته مع الشريف المرتضى، ذلك أنَّ الصلة بينه وبين هذه الأسرة كانت متينةً قويةً، حتى رثى أبا أحمد والد الرضي والمرتضى، حين مات في جُمادَى سنة أربعمائة، ولكنَّه حضر مجلس المرتضى بعد ذلك، فجرى ذكر المتنبي، وكان المرتضى يكرهه ويتعصب عليه، وكان أبو العلاء يحبُّه ويتعصب له، فانتقصه المرتضى وأخذ يتتبَّع عيوبه، فقال أبو العلاء: لو لم يكن له إلا قوله: «لك يا منازل في القلوب منازل» لكفاه، فغضب المرتضى وأمر بإخراجه، ثم قال المؤرخون: فسحب برجله حتى أُخرِج، ثم قال المرتضى لمن حضره: أتدرون لم اختار الأعمى هذه القصيدة دون غيرها من غرر المتنبي؟! قالوا: لا، قال: إنما عرَّض بقوله:

وإذا أتتك مذَمَّتي من ناقصٍ
فهي الشَّهادةُ لي بأنيَ كاملُ

ليس يهمُّنا أنْ ندل على ما تُمثِّل هذه القصة من حذق أبي العلاء في التعريض، وقوة المرتضى في الفهم، فمثل ذلك لم يكن نادرًا في تلك الأيام، وإنما يعنينا أنْ نلفت القارئ إلى ما يمكن أنْ تترك هذه الحادثة في نفس رجلٍ مكفوفٍ نادر الذكاء، غزير المادة، قليل التصبر، قويِّ الحسِّ؛ كأبي العلاء. ولولا أنَّ التعصب للمتنبي قد كلَّفه الإساءة إلى رجل يحبُّه ويجلُّه لما أصابه من ذلك شيءٌ.

ومن الظاهر أنَّ عداوة أسرةٍ كأسرة المرتضى، ليست بالشيء الهين مع أنها كانت تناصي أسرة الخلافة وتماثلها في السلطان.

وأما الثاني، وهو الحسد، فقصته مع أبي الحسن علي بن عيسى الربعي النحوي، وكان أبو العلاء قد ذهب إليه، فلما استأذن قال أبو الحسن: ليصعد الإصطبل — أي: الأعمى، في لغة أهل الشام كما قال ياقوت. فلما سمعها أبو العلاء انصرف مغضبًا ولم يَعُد إلى أبي الحسن مرةً أخرى، فما نشك في أنَّ أبا الحسن إنما قصد إيذاء زائره حين قال هذه الكلمة بمسمع منه، وما نرتاب في أنَّ الحسد هو الذي أنطقه بها، والذي يعنينا هنا أيضًا إنما هو لفت القارئ إلى تقدير الموقع الذي تقعه هذه الكلمة من نفس أبي العلاء.

ليس لنا أنْ نلوم في ذلك أحدًا؛ فإن أبا العلاء لم يختر أنْ يكون متعصبًا للمتنبي وشديدًا على المرتضى، كما أنَّ هذا لم يختر أنْ يكون متعصبًا عليه، ومهينًا لمادحه وراثي أبيه، وما اختار أبو العلاء أنْ يكون محسدًا، ولا ابتغى أبو الحسن أنْ يكون حاسدًا، وما آثر أبو العلاء أنْ يكون رقيق الإحساس دقيق الشعور، عزيز النفس، أَصْيَد الجِيد، وإنما كل تلك خصالٌ قهريةٌ اجتمعت لإزعاج أبي العلاء عن بغداد، وانضم إليها خبرٌ جاءه من معرة النعمان، ينبئه بمرض أمِّه، فاضطر إلى أنْ يرجع أدرجه بعد أنْ أقام ببغداد سنة وسبعة أشهر.

رجوعه من بغداد

يُحدِّثنا أبو العلاء أنَّ سببين اثنين صرفاه عن مدينة السلام، وقد كان عازمًا على أن يقيم فيها آخر الدهر، أحدهما الفقر والآخر مرض أمه، وذلك حيث يقول قصيدته التي بعث بها إلى أبي القاسم التنوخي:

أثارني عنكم أمران والدةٌ
لم ألقها، وثراء عاد مسفوتا
أحياهما اللهُ عصر البين ثم قضى
قبل الإياب إلى الذُّخرين أن مُوتا
لولا رجاء لقائيها لما تبعت
عنسي دليلًا كَسِرِّ الغِمْد إصليتا

وقد طوى أبو العلاء عنَّا في شعره ونثره ذِكْرَ ما لقي من المرتضى وأبي الحسن، ولكن التَّاريخ قد حفظ لنا ذلك، فأعاننا على فهم ما نلقاه في اللزوميات، من ذمِّ أهل بغداد أحيانًا؛ كقوله:

ما لي وللنَّفرِ الذين عَهِدتُهم
بالكرخ من شاس ومن إيلاقِ؟!
حلق مجادلة كشرب مهلهل
شربوُا على رغم بكأس حلاقِ

فلولا أنَّ أبا العلاء قد لقي من هؤلاء شرًّا لما ذمهم على كثرة ما سترى بعد حينٍ من مدحه بغداد، وثنائه على أهلها في اللزوميات وسقط الزند والرسائل.

ولئن كانت مغالاته بنفسه قد كلفته نسيان هذه المساءات، فإن رقة حسِّه وشدة تأثره، قد أنطقته عفوًا في هذين البيتين.

ارتحل عن بغداد لست بقين من رمضان سنة أربعمائةٍ، كما تنطق بذلك رسالته إلى خاله أبي القاسم، فسلك طريق الموصل، ولقي فيه ألوانًا من الخوف حتى انتهى إلى بلده.

احتفال أهل بغداد بوداعه وحزنهم لسفره

ويحدثنا أبو العلاء في هذه الرسالة وغيرها، أنَّ أهل بغداد لم يسمعوا بعزمه على السفر حتى ارتاعوا له، وألحوا في نهيه عنه، وبذلوا له الأموال، ورغبوه في ألوان النعمة، فأبى ذلك كله، وكأن نفسه قد انصرفت عن الدنيا أتم الانصراف، فلم يبقَ إلا أنْ يمضي لما أراد من العزلة.

حزنه على بغداد

لقد كان أبو العلاء حين زار العراق، شديد الحزن على المعرَّةِ لا يسليه عنها الكرخ وما فيه من ماء عذبٍ، وظل ظليلٍ، ومن علم جمٍّ، وأدبٍ غضٍّ، ومن كل ما يشتهي الإنسان للذَّات نفسه وجسمه، وكان بُعْدُه من أهله، وإصفارُ يده من المال، وعزة نفسه عن سؤال الناس، تضاعف في قلبه هذا الحزن، وتذكى في نفسه هذا الأسى؛ فأنشأ في ذلك قصيدتين من خير ما حوى سقط الزند — وما نشك في أنهما قد زادتا رفعة قدره في العراق — حتى إنَّ بيتًا من إحداهما، جرى على ألسنة الظرفاء ببغداد من الفتيان والفتيات مجرى الأمثال، فقد روى ياقوت أنَّ رجلًا خرج ببغداد على سبيل «الفرجة» — كما يقول — فجلس على الجسر فمرت امرأةٌ حسناء، لقيها شابٌّ ظريفٌ، فقال: رحم الله علي بن الجهم، قالت: رحم الله أبا العلاء. ومضى كلٌّ منهما لوجه، قال الرجل: فتبعت المرأة أسألها عن شيءٍ سمعته ولم أفهمه، فأجابت: أراد قول علي بن الجهم:

عُيونُ المها بين الرصافة والجسرِ
جَلَبْنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري

وأردت قول أبي العلاء:

فيا دارها بالحزن إنَّ مزارها
قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

فهذه القصة تُمثِّل كلف النَّاس بهذه القصيدة لأبي العلاء، وليست القصيدة الأخرى لأبي العلاء بأقل منها نضجًا ومتانة، ودقة معنى، يقول في الأولى:

وكَمْ هَمَّ نِضْو أنْ يطيرَ مع الصبا
إلى الشام لولا حَبسُه بعقالِ

ويقول:

فيا برق ليس الكرخ دَاري وإنما
رماني إليه الدَّهرُ منذ ليالي
فهل فيك من ماء المعرَّةِ قطرةٌ
تغيث بها ظمآن ليس بسالِ؟!

ولنلاحظ أنَّ ماء المعرَّةِ الذي يتمنَّاه، ويتشوَّق إليه، إنما هو ماء آبارٍ لا يُقاس إلى ما في دجلة من عذبٍ سلسبيلٍ، ويقول:

أإخواننا بين الفرات وجلِّقٍ
يد الله لا أخبرتكم بمحال
أنبئكم أني على العهد سالمٌ
ووجهي لمَّا يُبتذَلْ بسؤال
وأني تَيَمَّمْتُ العراق لغير ما
تَيمَّمه غيلان عند بلال
فأصبحت محسودًا بفضلي وحده
على بُعْدِ أنصاري وقلة مالي
نَدِمْتُ على أرض العواصم بعدما
غدوت بها في السَّوم غير مُغَالِ

ويقول في الثانية:

تمنيت أنَّ الخمر حلت لنشوة
تُجَهِّلُني كيف اطمأنت بي الحال
فأذهل أني بالعراق على شفًا
رذيُّ الأماني لا أنيس ولا مال
مُقِلٌّ من الأهلين يسرٍ وأسرةٍ
كفى حزنًا بَيْنٌ مُشِتٌّ وإقلال

ويقول:

متى سَأَلَتْ بغدادُ عنِّي وأهلُها
فإنيَ عن أهل العواصم سآل

ويقول:

وماء بلادي كان أنجع مشربًا
ولو أنَّ ماء الكرخ صهباء جريال

ويقول:

فيا وطني إنْ فاتني بك سابقٌ
من الدهر فلينعم لساكنك البال

ويقول:

وكم ماجدٍ في سيف دجلة لم أَشِم
له بارقًا والمرء كالمزن هطَّال

ويقول:

سَيطلُبني رزقي الذي لو طلبته
لما زاد والدنيا حظوظٌ وإقبال

فهذا الحزن الشديد الذي يصل بين نفس الشاعر وبين وطنه القديم، لم يمنعه أنْ يحزن على بغداد حين فارقها حزنًا أشد منه أثرًا في النفس، وأبقى منه ندوبًا في القلب، حزنًا لزمه طول حياته، ولم تُسلِّه عنه فلسفته ولا حكمته، ولم يُرحِه منه استهزاؤه بالدنيا، واطمئنانه إلى أحكام القضاء، بل نطق به نثره ونظمه، وظهر في شعره الفلسفي، فقال في اللزوميات:

يا لهف نفسي على أني رجعْتُ إلى
هذي البلاد ولم أهلك ببغداذا
إذا رأيت أمورًا لا توافقني
قلت الإياب إلى الأوطان أدَّى ذا

وانظر كيف استبقى حزنه على بغداد، مع اعتقاده أنه لم يُفِد منها دينًا ولا دنيا، فقال:

رحلت فلا دنيا ولا دين نلته
وما أوبتي إلا السَّفاهةُ والخرق

وليس أبو العلاء وحده الذي فارق بغداد فلزمه الندم عليها طول حياته، بل هناك قوم يحصيهم التَّاريخ فارقوا بغداد كارهين، فبكوها أمرَّ بكاء.

حتى إننا لنستطيع أنْ نؤلِّف سِفْرًا خاصًّا ممتعًا في الآداب، لا يحتوي إلا على ما قال الكتاب والشعراء، في الحزن لفراق بغداد، من هؤلاء الذين جزعوا لفراق بغداد، القاضي أبو محمدٍ عبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي، فقد نبا به المقام ببغداد كما نبا بأبي العلاء، فخرج يريد مصر وخرج معه أهلها يودعونه، فأخذوا يتوجعون لفراقه، فقال: والله، لو وجدت عندكم في كل يومٍ مدًّا من الباقلا ما فارقتكم، ثم أنشد:

سلامٌ على بغداد من كلِّ منزلٍ
وحقَّ لها مني السلام المضاعف
فوالله ما فارقتها عن قلى لها
وإني بشطَّي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت عليَّ برحبها
ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وكانت كخل كنت أهوى دنوَّه
وأخلاقه تنأى به وتخالف

وإنما آثرنا هذا الرجلَ من بين الذين فُجِعوا بفراق مدينة السلام؛ لأنه مرَّ في طريقه إلى مصر، بمعرة النعمان، فضيفه أبو العلاء وأكرمه، وفي ذلك يقول:

والمالكي بن نصر زار في سفر
بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تفقَّه أحيا مالكًا جدلًا
وينشر الملك الضليل إن شعرا

قال ياقوت: وقد وُجِد مكتوبًا على حائط في جزيرة قبرص:

فهل نحو بغدادٍ مزارٌ فيلتقي
مشوقٌ ويحظى بالزيارة زائر
إلى الله أشكو لا إلى النَّاس إنه
على كشف ما ألقى من الهمِّ قادر

وكأن بغداد في ذلك العصر، كانت تفيض منها تلك العين القصصية التي لا يشرب منها شاربٌ إلا كلف بقربها.

نعم؛ لقد كان فيها ذلك المورد العذب، وهو مورد العلم الذي وصفه أبو العلاء، فقال في رسالته إلى خاله أبي القاسم: «ووجدت العلم ببغداد أكثر من الحصى عند جمرة العقبة، وأرخص من الصيحاني بالجابرة، وأمكن من الماء بخضارة، وأقرب من الجريد باليمامة، ولكن على كل خير مانع، ودون كل درةٍ خرساء موحية أو خضراء طامية.

إذا لم تستطع شيئًا فدعه
وجاوزه إلى ما تستطيع»

من هنا نفهم السبب الذي أنطق أبا العلاء من الشعر والنثر في الحزن على بغداد، بما استغرق من دواوينه ورسائله حظًّا غير قليل، فمن ذلك وداعه لها حين فارقها، وهي قصيدةٌ جيدةٌ في سقط الزند، يقول فيها:

نبيٌّ من الغربان ليس على شرْعِ
يُخبِّرنا أنَّ الشعوب إلى الصَّدْعِ
أُصدِّقه في مريةٍ وقد امترت
صحابة موسى بعد آياته التِّسعِ

ويقول:

أودِّعُكُمْ يا أهل بغداد والحشا
على زفراتٍ ما ينين من اللَّذْعِ
وداع ضنى لم يستقل وإنما
تحامل من بعد العثار على ظلع

ويقول:

فبئس البديل الشأم عنكم وأهله
على أنهم قومي وبينهم ربعي
ألا زَوِّدُوني شربةً ولو انني
قدرت إذن أفنيت دجلة بالجرع
وأنى لنا من ماء دجلة نغبةٌ
على الخمس من بُعْد المفاوز والربع؟!

ويقول:

أدرتم مقالًا في الجدال بألْسُنٍ
خُلِقْنَ فَجَانَبْنَ الْمَضرَّةَ للنفع

ويقول:

أظنُّ الليالي وهي خونٌ غوادر
بِرَدِّي إلى بغداد ضَيِّقة الذرع
وكان اختياري أنْ أموت لديكم
حميدًا فما ألفيت ذلك في الوسع

ويقول:

فدونكم خفض الحياة فإننا
نصبنا المطايا بالفلاة على القطع
تعجلت إنْ لم أثنِ جهدي عليكم
سحاب الرزايا وهي صائبة الوقع

ولو أنا ذهبنا نروي ما قال أبو العلاء في الحزن على بغداد لطال بنا القول، فليُرجَع إلى ذلك فيما نُشِر من شعره ونثره فهو كثير.

موت أمه

في طريق أبي العلاء إلى المعرة، بلغه نعي أمه، فكان لوقعه في نفسه من شديد الألم ولاذع الحزن، ما أنطقه بقصيدتين مسطورتين في سقط الزند، وبكثير من النثر المسطور في الرسائل، وتمَّم لنفسه بناء هذا البيت المظلم من الحزن الذي لزمه بقية حياته.

لزمه فمثل له الأشياء كلها سيئةً بشعة، وملأ قلبه صدوفًا عن الدنيا، وتزهدًا في ملاذها، بل مقتًا لها، وسخطًا عليها.

لقد بدأت حياة أبي العلاء بالمصائب، ففقد بصره ولما ينضُ ثوب الرابعة من عمره، وفقد أباه ولما يعدُ الرابعة عشرة، ولزمه أثقل الأصحاب ظلًّا وأسمجهم مظهرًا، وأقبحهم جوارًا، وهو الفقر وعثور الجد، فلما انحدر إلى بغداد لقيته الأيام بظلم عمال السلطان له، واعتدائهم على سفينته، ثم قدمت إليه ببغداد كأسًا من الشهرة العلمية، مزاجها اليأس من حسن المقام، ثم أخلفه الأمل وعده ونجز إليه اليأس وعيده، فشخص من بغداد كارهًا. وإنه لفي الطريق يسايره الحزن، ويقوده الأسى، ويحدو به الفشل، وإذا النعي يلقاه بموت تلك التي كان يدخرها سلوة عما جنت عليه الأيام، من عثور الجد، وسوء الحال.

كان لهذا الخبر في نفس أبي العلاء سورة عنيفةٌ، بذل فيها آخر ما كان يملك من ثقة بالدهر، واطمئنانٍ إلى الأيام، ورسالته إلى خاله أبي القاسم تُمثِّل لنا هذه السورة أحسن تمثيل، فانظر كيف ابتدأها، فقال:

كتابي أطال الله بقاء سيدي ما طلع صبيرٌ ورسا ثبيرٌ، من معرَّةِ النعمان، ولكل نبأ مستقرٌّ، ووردتها بعد سآمةٍ وُرودَ كعب بن مامة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وله الحمد ممزوجًا به الدمع، مستكًّا له من الوَجْد السمع، وصلى الله على سيدنا محمد وعترته صلاةً يثقل بها لساني حزنًا، وترجح في المحشر قدرًا ووزنًا.

فلو أنَّ القارئ استعان علم النفس في فهم هذه الطالعة وتحليلها، لظهر له أنها ليست إلا نسيجًا من تلك الزفرات الحارَّة التي كان يُصعِّدها أبو العلاء حين وصل إلى المعرَّةِ، فافتقد من كان يرجو لقاءه، ويحرص أشد الحرص على وداعه والتزوُّد منه، إن لم يكن من فراقه بدٌّ، ولا عن بُعْده منصرف.

نعم؛ هي نسيجٌ من تلك الزفرات، يشوبها يأس قد أسخط أبا العلاء على كل شيء، حتى لم يرضَ أنْ يسدي الحمد إلى ربه إلا ممزوجًا بالعبرات المسفوحة، من جفونه المقروحة، ولم يقنعه ذلك حتى جعل هذا الحمد ثقيلًا على سمعه، ثم لم يشأ أنْ يصلي على النبي حتى جعل الصلاة عليه عبئًا يثقل به لسانه، وإنْ جاد به قلبه، على أنَّ ما أتى في الرسالة من تلك الجمل التي ليست في الحقيقة إلا قطعًا من الجمر لذاعة للقلوب، يُمثِّل اضطراب نفسه وسورتها، فانظر إلى قوله بعد ذلك:

ألا يا ليتني والمرء ميت
وما تغني من الحدثان ليت
يا ليت عمرًا وليت ضلة سفه
لم يغزُ فهمًا ولم يحلل بواديها
لو انَّ صدور الأمر يبدون للفتى
كأعقابه لم تلفَه يتندم

رحمة الله من ساكنة رمسٍ، أصبحت حياتك كأمس:

فإن ينقطع منك الرجاء فإنه
سيبقى عليك الحزنُ ما بقى الدهر

ولا آمل بعدها خيرًا ولا أزيد في المحن إلا إيضاعًا وسيرًا:

صلى الإله عليك من مفقودةٍ
إذ لا يلائمك المكان البلقع
أنَّى حللتِ وكنتِ جدَّ فروقةٍ
بلدًا يمرُّ به الشجاع فيفزع
لا بارك الله في الدنيا إذا انقطعت
أسباب دنياك من أسباب دنيانا

يا سلوة الأيام موعدك الحشر، موعدٌ والله بعيدٌ، لا سلوة حتى يئوب عنزى القرظة، ويرجع النعمان إلى الحيرة، ويُبعَث نبيٌّ من مكة.

لو لم تكن الآجال زبرًا لوَجَبَ أنْ أقتل بها صبرًا، على أني والله قد أعلمتها أني مرتحلٌ، وأنَّ عزمي على ذلك جادٌّ مزمع، فأذنت فيه وأحسبها ظنته مزقة الشارب، ووميض الخالب، ولكل أجل كتابٌ. وحزني لفقدها كنعيم أهل الجنة كلما نفد جُدِّدَ، وشرحه إملال سامع وإفناء زمان.

ألم ترَ إليه مكفوفًا يتخبط من الحزن في ظلمةٍ داجية لا يكاد يتخلَّص من عثرةٍ حتى تصيبه أخرى، فمن تمثُّلٍ بشعر قديم إلى تولُّهٍ بحزن جديد، ومن خطاب لأمه يتمثلها أمامه، إلى حديث عنها وقد انقطعت الأسباب بينهما، ثم هو لا يكاد يسلِّي نفسه حتى يملكه الحزن والأسى، فيقسم ما لسلوةٍ إلى قلبه من سبيل، إنما هي أحاديث نفس مضطربةٍ، وقلب غير مستقرٍّ، ولسانٍ سيطرت عليه العواطف، فلم تترك للعقل سلطانًا عليه.

أما القصيدتان اللتان نظمهما أبو العلاء في رثاء أمه؛ فهما بالوصف أشبه منهما بالرثاء كما سترى عند الكلام على شعره، والظاهر أنَّ ما يحتاج إليه الشعر من الصناعة والأناة ومن تكلف الوصف والتروي فيه هو الذي ذهب بحدة تلك العواطف التي تمثلها الرسالة الماضية. وعلى الجملة فإن حياة أبي العلاء كانت أبلغ من شعره في رثاء أمه والحزن عليها، كان فَقْدُ أبي العلاء أمه خاتمة ما قدر عليه زمن الفشل، ولكنه كان أشد ما لقي من صروف الدهر أثرًا في نفسه؛ لأنه يأتلف من رزيتين؛ إحداهما: فقد أمه، والثانية: فقد بغداد. فإن حرصه على لقاء والدته هو الذي أسرع به من مدينة السلام، ولو علم أنه لن يلقاها لاحتمل مرارة العيش وألم الإعدام، وذلك حيث يقول في قصيدته التي بعث بها إلى أبي القاسم التنوخي:

أثارني عنكم أمران والدةٌ
لم ألقها وثراءٌ عاد مسفوتا
أحياهما الله عصر البين ثم قضى
قبل الإياب إلى الذُّخْرَيْنِ أن مُوتا
لولا رجاء لقائيها لما تبعت
عنسي دليلًا كسرِّ الغمد إصليتا
ولا صَحِبْتُ ذئابَ الأنس طاويةً
تراقب الْجَدْيَ في الخضراء مسبوتا

هذا المزاج المؤلَّف من الآلام والأحزان، قد عمل عملًا غير قليل فيما أنفق أبو العلاء بمعرَّةِ النعمان، من الأيام بعد رجوعه من بغداد.

اعتزاله الناس

أخصُّ ما أنتج هذا المزاج في حياة الشاعر، حمله على الوحدة واعتزال النَّاس ولزوم بيته لا يبرحه، والاستقرار ببلده لا يعدوه؛ فإن ما لقي من أذى الدهر ولؤم النَّاس بغَّضَ إليه الاجتماع، وحبَّب إليه الانفراد، والظاهر أنَّ في طبيعة أبي العلاء شيئًا من حب العزلة، عرفه أبو العلاء في نفسه، فقال في رسالةٍ إلى خاله أبي القاسم: «إنه وحشي الغريزة أنسي الولادة.» ونطقت لزومياته بكثير من الشعر، الذي يؤيِّد مذهب الوحدة ويحث عليه، وسنعرض له عند الكلام على هذا الرأي في آرائه الفلسفية، فأما الآن فسبيلنا أنْ نحصي الأسباب التي حملته على هذه العزلة، فأولها هذه الغريزة التي ذكرها ودل عليها شعره ونثره، ومنها ذهاب بصره؛ فإنه حين فَقَدَ عينيه جَهِلَ كثيرًا من آداب الناس، في حفلاتهم ومواضعاتهم في أنديتهم ومجالسهم، وهو كما قدَّمنا شديدُ الحياء عزيزُ النفس، فكان يكره أنْ يخطئ ما أَلِف النَّاس، فيكون منهم مكان السخرية والاستهزاء، أو مكان العفو والمغفرة، أو مكان الشفقة عليه والرثاء له؛ فآثر أن يتجنَّب عشرتهم ما استطاع، ثم كان فَقْدُه أباه وأمه، وشدة فقره، وسوء معاملة النَّاس له؛ فقوَّى ذلك كله في نفسه هذا الميل، ثم كان بعد ذلك فشله في الإقامة ببغداد، حيث يلقى الفلاسفة وأهل العلم، ويحضر مجالس الجدل والمناظرة، ثم اضطراره إلى الإقامة بمعرَّة النعمان، تلك التي لا تُقاس إلى بغداد لإصفارها من العلم وخلوها من العلماء، وكانت لذته بعِشرة البغداديين قد بغَّضت إليه غيرهم من النَّاس فاجتنبها، فمثله في ذلك مثل الفقيه الذي رأى فيما يرى النائم، كأن النبي تفل في فيه فأفاق، وإنه ليجد لريقه من العذوبة والحلاوة، ما بغَّض إليه الطعام والشراب حتى مات.

ولقد قدَّمنا أنَّ أبا العلاء قد كان شديد الذكاء، دقيق الملاحظة، فما كان يسمع كلمةً، أو يحس حركةً، أو يعرف حدوث حادثة، ونزول نازلةٍ، إلا بَحَثَ عن سرِّها، واستقصى مصدرها وغايتها، فلا شك في أنه درس أخلاق النَّاس فأحسن درسها، وبلا نُفوسَهم فأجاد بلاءها، ثم لم ينتج له الدرس والابتلاء إلا شرًّا. ولا ريب في أنه قرأ من كتب الفلاسفة ما وافق هذه الأهواء في نفسه، فاشتد بغضه للدنيا وسوء ظنه بالناس، حتى إنه لما حدَّث خاله أبا القاسم، عن احتفال البغداديين بوداعه وحزنهم لفراقه، وعرضهم عليه الأموال والأرزاق شكَّ في كل ما فعلوه من ذلك: أكان مصدره النفاق أم الإخلاص؟! ولكنه شكر لهم محاسنتهم له على كلتا الحالتين! فهذه الأسباب كلها هي التي ألزمته داره وسمَّته رهن المحبسين، وهي تدل على أنه لم يعتزل النَّاس إلا بعد بحثٍ وتفكير، وبعد رويَّةٍ وإجالة نظر، وبعد استشارة لأصدقائه ببغداد حين عزم على فراقها، وتدلنا على ذلك رسالة كتبها إلى أهل المعرة قبل أن يصل إليهم، يخبرهم بعزمه على العزلة، وينهاهم عن أن يحتفلوا بلقائه، ويرسم لنفسه هذا القانون الشديد الذي اتخذه إمامًا إلى أن مات، لم تَصِلْ هذه الرسالة إلى أهل المعرة، ولكنها حُفِظت في ديوان رسائله حتى انتهت إلينا، ولعلها أبلغ ما يُؤثَر في وصف عزمه على العزلة ومجانبة الناس؛ ولذلك آثرنا روايتها. قال:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتابٌ إلى السكن المقيم بالمعرَّةِ، شملهم الله بالسعادة، من أحمد بن عبد الله بن سليمان خصَّ به من عرفه وداناه، سلم الله الجماعة ولا أسلمها، ولمَّ شعثها ولا آلمها، أما الآن فهذه مناجاتي إياهم منصرفي عن العراق — مجتمع أهل الجدل وموطن بقية السلف — بعد أنْ قضيتُ الحداثة فانقضت، وودعت الشبيبة فمضت، وحلبت الدهر أشطره، وجربت خيره وشره، فوجدت أوفق ما أصنعه في أيام الحياة، عزلةً تجعلني من النَّاس كبارح الأروى من سانح النعام، وما ألوت نصيحةً لنفسي، ولا قصرت في اجتذاب المنفعة إلى حيزي، فأجمعت على ذلك، واستخرت الله فيه، بعد جلائه على نفر يُوثَق بخصائلهم، فكلهم رآه حزمًا، وعدَّه إذا تمَّ رشدًا، وهو أمر أَسْرِي عليه بليل قضى برقه، وخبت به النعامة، ليس بنتيج الساعة، ولا ربيب الشهر والسنة، ولكنه غذي الحقب القادمة، وسليل الفكر الطويل، وبادرت إعلامهم ذلك مخافة أنْ يتفضل منهم متفضل بالنهوض إلى المنزل الجارية عادتي بسكناه؛ ليلقاني فيه فيتعذر ذلك عليه، فأكون قد جمعت بين سمجين: سوء الأدب، وسوء القطيعة. وربَّ ملومٍ لا ذنب له، والمثل السائر: « خلِّ امرأ وما اختار.» وما سمحت القرون بالإياب حتى وعدتها أشياء ثلاثة: نبذةً كنبذة فتيق النجوم، وانقضابًا من العالم كانقضاب القائبة من القوب، وثباتًا في البلد إنْ جال أهله من خوف الروم. فإن أبى من يشفق عليَّ أو يظهر الشفق إلا النفرة مع السواد كانت نفرة الأغفر أو الأدماء، وأحلف ما سافرت أستكثر من النشب، ولا أتكثر بلقاء الرجال، ولكن آثرت الإقامة بدار العلم فشاهدت أنفس مكانٍ لم يسعف الزمن بإقامتي فيه، والجاهل مغالب القدر، فلهيت عما استأثر به الزمان، والله يجعلهم أحلاس الأوطان، لا أحلاس الخيل والركاب، ويسبغ عليهم النعمة سبوغ القمراء الطلقة على الظبي الغرير، ويحسن جزاء البغداديين؛ فلقد وصفوني بما لا أستحقه، وشهدوا لي بالفضيلة على غير علمٍ، وعرضوا عليَّ أموالهم عرض الجد، فصادفوني غير جذلٍ بالصنيعات، ولا هشٍّ إلى معروف الأقوام، ورحلتُ وهم لرحيلي كارهون، وحسبي اللهُ يتوكل المتوكلون.

هل يمكن أنْ يُخيَّل إلى باحثٍ، أنَّ أبا العلاء إنما ابتغى الوحدة وحرص عليها، يتخذها طريقًا إلى المجد، وسبيلًا إلى النعمة بعد أنْ أعياه تحصيلها من طريق عشرة النَّاس والاجتماع معهم، أما نحن فما يخطر لنا هذا الخاطر إلا بمقدار ما نجتهد في دفعه وصرف القارئ عن تخيله؛ فإن الماضي من حياة الرجل يدل دلالةً واضحةً، على أنه قد كان ينفق أيامه ساذجًا غير متكلفٍ، وعفيفًا غير متبذلٍ، وليس من الحق أنَّ المجد والنعمة قد أعجزا أبا العلاء، وإنما الحق أنه هو الذي أعجزهما، فقد كان من اليسير عليه، أنْ يعيش ببغداد ألوانًا من العيش، وهو واثقٌ بالظفر والنجاح، كان يستطيع أنْ يعيش عيشة الشعراء فينال من سراة العراق ما يكفل له الثروة والغنى، وكان يستطيع أنْ يعيش عيشة اللغويين، وأنْ يحيا حياة الفلاسفة في عصره، ولكنه انصرف عن ذلك كله، فلم يرضَ إلا هذا السجن الذي أنفق بقية حياته فيه.

انصرف عن ذلك؛ لأن فطرته تأباه، ولأن ما اكتنف حياته من المؤثرات قد أعان هذه الفطرة على تعذيب صاحبها وأخذه بهذا القانون الصارم المحتوم، لقد رأى القفطي أنَّ أبا العلاء إنما لزم بيته لفقره وعزة نفسه، وهذا حقٌّ، ولكنا نحسب أنَّ أبا العلاء لو كان غنيًّا لما عدل بالزهد والعزلة شيئًا من نعيم الترف والاجتماع، فأما البرهان على ذلك فسيلقاك بعد حينٍ.

طوره الثالث

قف بنا الآن على دارٍ بمعرة النعمان لم يصفها التاريخ، ولكنها كانت من غير شكٍ ظاهرة الفقر، ليست بالجميلة ولا المزدانة، قد انزوى فيها رجل مكفوفٌ نحيفٌ، في وجهه آثار الجدري، ترتسم على جبينه صورٌ مختلفةٌ تمثل حزنه على أمه حينًا، وألمه من عشرة النَّاس حينًا، وأمله في تلك السعادة التي يخبؤها له هذا السجن المظلم الذي لا يهتدي إليه النجم، ولا تصل إليه الظنون، وهذا الرجل لم يعدُ من عمره الثامنة والثلاثين.

تخيَّل ما استطعت في أنْ تدخل هذه الدار، وتقف من هذا السجين بحيث تراه وتسمعه، ربما رأيت في ناحية من نواحي الدار خادمًا قد جلس، وإنَّ الكسل ليعبث به، وإنَّ الخمول ليتسلط عليه؛ لأنه لا يجد من الأعمال ما يفيده القوة والنشاط، تلطَّفْ بهذا الخادم حتى لا يأتي من الحركات ما يؤذن هذا السجين بمكانك، خذ هذا السجين بعينك، وألقِ إليه سمعك، إنك لتراه على ما قدمنا من الوصف، وقد التف في ثوبٍ غليظٍ من القطن، وجلس على فراش من اللبد وهو يقول: ما لي وللناس؟! لقد بلوت أخلاقهم فلم ألقَ إلا شرًّا، واختبرت طباعهم فلم أجد إلا نكرًا، فلتُضرَبَنَّ بيني وبينهم الحُجُب، ولتُسدَلَنَّ بيني وبينهم الأستار، لقد سمعت منهم فما نطقوا إلا محالًا، ولقد تحدثت إليهم وتحدث إليهم قبلي الحكماء وأولو النهى فما آثروا إلا طاعة الأهواء، وما استجابوا إلا لدعاء الشهوات، فلتُصَمَنَّ عن حديثهم أذني، وليُعقَدَنَّ عن تحديثهم لساني، وليُمحَيَنَّ من قلوبهم شخصي، وليَحْسَبُنِّي بعد اليوم من أهل القبور، ما لي وللدنيا؟! لقد أتيتها كارهًا، وعاشرتها كارهًا، ولأخرجن منها كارهًا، ولقد ذقت من لذاتها ما لم أرجُ، واحتملت من آلامها ما لم أحتسب، فإذا اللذة إلى ألمٍ، وإذا السعادة إلى شقاءٍ، وإذا الأمل إلى يأسٍ، والرجاء إلى قنوطٍ، إني لأحمق إنْ لم أطرحها قبل أنْ تطرحني، وأزدرِها قبل أنْ تزدريني، وأملأ قلبي عن لذاتها بالعزاء النافع والصبر الجميل، ما لي وللزواج والنسل؟! لولا أنَّ أبي قد قذف بي في هذه الحياة لما لقيت ألمًا، ولما احتملت عناءً، أفليس يقنعني أنْ أحتمل هذه الجناية حتى أنقلها إلى بريءٍ لم يجنِ ذنبًا، ولم يقترف إثمًا؟! ما لي وللحيوان؟! أُسخِّره في منافعي، وأُصرِّفه في مآربي، ولا يُرضِيني ذلك حتى أستلبه من الحياة حقًّا لا أملك استلابه، وأحمله من الألم قسطًا لا تدفعني الرحمة عن تحميله إياه! لطالما روعت الفرخ بأمه، وفجعت الشاة بسلخها، ولطالما صرفت عن الفصيل دره، وغصبت النحل ثمرة كدها، وإني على ذلك لظالمٌ أثيمٌ، إنَّ فيما تخرج الأرض من النبات لدفعًا للجوع، وإنَّ فيما تُنزِل السماء من الماء لشفاءً للغليل، وإنَّ في الحرص على ما فوقهما لشرهًا أنا له كارهٌ، وعنه عيوفٌ، ما لي ولنفسي؟! لقد أصغيت لها حينًا فكلفتني أعاجيبها مثنى وفرادى، وما أرادني أفدت من طاعتها إلا الألم والكد وسوء الحال فلآخذنها بقانونٍ لا تجوزه، وحدٍّ لا تعدوه، ولأملكنها بعد أنْ ملكتني، ولأسيطرن عليها بعد أنْ سيطرت عليَّ، ولأوفرنَّ على العقل حظَّه من القوة والسلطان.

كذلك كان يتحدث هذا السجين إلى نفسه، حين لزم بيته آخر سنة أربعمائة؛ يبدأ سيرة قاسية ويلتزم ما لا يلزم في كل شيءٍ، يعتزل النَّاس ومن حقه أنْ يلقاهم، ويلبس خشن الثياب، ومن حقه أنْ يتخير لينها، ويأكل غليظ الطعام ومن حقه أنْ يتذوق رقائقه، ويؤثر العزوبة والعقم، ومن حقه أنْ يسكن إلى الزوج وأنْ يتمتع بالنسل، ثم يلتزم في القافية حرفين، وقد رخص له الله التزام حرفٍ واحدٍ، فهل وُفِّق إلى تنفيذ هذا القانون؟ نعم؛ قد وُفِّق إلى تنفيذه، لم يخلُ بأصلٍ من أصوله إلا شيئًا واحدًا لم يستطع أنْ يظفر به ولا أنْ يصل إليه.

فشله في طلب العزلة

ذلك هو اعتزال الناس، فإن الرجل لم يكد يبدأ سيرته الشاقة بمعرَّة النعمان، حتى أخذ النَّاس يسعون إليه، والحياء يحول بينه وبين ردهم، والحق أنَّ العزلة التامة لم تكن ميسورةً لأبي العلاء، وإنما كانت أمنيةً ضائعة، فإنه وإنْ زهد في كل لذات الحياة لا يستطيع أنْ يزهد في العلم والتأليف اللذين قد ملكاه واستأثرا به، وكلاهما يكلفه عشرة النَّاس لاحتياجه إلى من يقرأ له ويكتب عنه؛ لذلك لم يلبث بعد استقراره بالمعرَّة أن اشتغل بالتعليم، فالتفَّ حوله الطلاب، وأخذوا يدرسون عليه اللغة وآدابها، وما هو إلا الزمن القليل حتى كثر سوادهم حوله، ثم لم تمضِ على هذه الحال أعوامٌ، حتى أخذ النَّاس يزورونه ويكتبون إليه، فاستحالت عزلته إلى أشد أنواع المعاشرة، على أنه لم يأسف لفوات هذه العزلة؛ لأنه وإنْ كثر اختلاطه بالناس فإنه لم يصله بهم إلا العلم، وليس في العلم ما يؤذيه أو يسوءه.

شهرته

ليس من المنتظر أنْ يشتغل رجل كأبي العلاء بالدرس والتعليم في بلادٍ كبلاد الشام، من غير أنْ يكثر سواد طلابه؛ لما علمت من قيمة الرجل في نفسه، ومن حرص النَّاس على العلم في ذلك العصر، ولقد كان أبو العلاء في القرن الخامس، بإقليم حلب كابن خالويه في القرن الرابع، فتسامع به أهل حلب خاصةً، ثم أهل الشام عامة، ثم أهل البلاد الإسلامية جميعًا، وأخذ الطلاب يفدون عليه من أقطار الأرض، يحتقرون في سبيل ذلك بُعْدَ الشُّقَّة، وضعف المنة، وقلة المال، حتى لقد رحل الخطيب التبريزي إليه، من خراسان ماشيًا يقل أثقاله لعجزه عن مطيةٍ تبلغه غرضه، ثم اتصلت الرسائل بين أبي العلاء وبين عظماء الشام والعراق، وفيهم الوزراء والأمراء، والقضاة والعلماء، وأصحاب المكانة، وظفر الرجل من بُعْد الصيت، بما نظن أنه ما كان يظفر به، لو أقام ببغداد؛ لكثرة الخصوم والمنافسين.

موضوع درسه

لا نعرف أنَّ أبا العلاء درس شيئًا غير اللغة وآدابها، فهو لم يكن أستاذ فلسفةٍ ولا دينٍ، وإنما كان أستاذ لغة وأدبٍ، غير أنَّا إذا فهمنا من لفظ الفلسفة هذا النحو، الذي اشتملت عليه اللزوميات ولم نقصره على الفلسفة العلمية، لم يكن بدٌّ من الاعتراف بأن أبا العلاء قد درَّس لطلابه الفلسفة أيضًا؛ لأنه كان يُملي عليهم شعره ونثره، ويُفسِّر لهم منه ما احتاج إلى التفسير.

اتهامه بالزندقة

هذه الدروس الفلسفية التي كان يلقيها أبو العلاء، كأنها دروسٌ في اللغة والأدب، قد شاعت عنه وتناقلها الناس، وشاع معها ذلك القانون الذي قدَّمنا ذِكْرَه، فرأى النَّاس من ذلك شيئًا لم يعرفوه، وما زال في أهل الأرض المنكر للجديد، الساخط على الحديث، فرموا الرجل بالزندقة، واتهموه في دينه، وسندرس هذا الموضوع في المقالة الخامسة، وإنما ذكرناه الآن لننتقل منه إلى أمرين، أحدهما أنَّ وصمة الزندقة قد جرت عليه ألوانًا من الأذى، ولكنه أذىً يستهين به الفيلسوف؛ لأنه لا يتجاوز الشتم والتشنيع، فقد دخل عليه ذات يوم رجلٌ من قراء المعرَّة يُعرَف بأبي القاسم، فطلب منه بعض النَّاس أنْ يقرأ شيئًا من القرآن، فتلا قول الله عز اسمه: وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا، وإنما يريد إيذاء أبي العلاء، وكأن هذه النية السيئة قد آلمت الرجلَ حقًّا وإنْ لم يُظهر ألمًا، فإنه قال في هجاء هذا الرجل:

هذا أبو القاسم أعجوبةٌ
لكلِّ من يدري ولا يدري
لا ينظم الشعر ولا يقرأ الـ
ـقرآن وهو الشاعر المُقري

ودخل عليه الوزير المشهور بالمنازي، فسأله: ما هذا الذي يرويه النَّاس عنك؟! قال: قومٌ حسدوني فكذبوا عليَّ. فأجاب المنازي: وعلامَ حسدوك وقد تركت لهم الدنيا والآخرة؟! قال المنازي: قال أبو العلاء: والآخرة؟! ثم أطرق ولم يكلمني حتى قمت عنه. وزاره بعض القضاة فقال له أبو العلاء: لم أهجُ أحدًا. قال: صدقتَ، إلَّا الأنبياء! قال: فتغيَّر لونه … فهذه الأنباء تدل على أنَّ ناسًا كانوا يتعمَّدون أنْ يلقوا الرجل بالأذى، وكان ذلك ربما بلغ من نفسه.

الأمر الثاني: أنَّ وصمة الزندقة لم تُصِبْه بسوء في نفسه، ولا في شهرته العلمية، فما زال طلابه كثيرين إلى أنْ مات، وما زال خصومه وأصدقاؤه يشهدون له بالعلم الجم، والذكاء النادر، والتفوق الكثير، وما علمنا أنه بات ليلةً على خوف من حاكم أو سلطان إلا ما كان من قصةٍ يروونها، وما نشك في أنها كذبٌ صريحٌ.

قالوا: إنَّ وزير حلب بعث إلى أبي العلاء خمسين فارسًا ليقبضوا عليه، فأنزلهم مجلسًا له، ودخل عليه عمه، فقال له: ما كان أغناك وأغنانا عن هذا! فهوَّن أبو العلاء عليه الأمر، فلما كان الليل استقبل المريخ وأخذ يتلو أحاجي غامضةً، ويقول: الضيوف الضيوف، الوزير الوزير. قالوا: فما أتم كلامه حتى سقط المجلس على من فيه فقتلهم، وأصبحوا فإذا رسالة من حلب على جناح حمامةٍ: ألَّا تروعوا الشيخ فإن الحمام قد سقط على الوزير فقتله، ومع أنَّ هذه القصة تُكذِّب نفسَها؛ فإن عمَّ أبي العلاء ماتَ قبل أبيه، ولم يكن أبو العلاء ينتحل السِّحر ولا يعرف الطلسمات، فإن سألت عن علة هذه الحرية التي أُطلِقت لأبي العلاء، فسنجيبك عن هذا السؤال في المقالة الخامسة إنْ شاء الله.

اتصاله بالسياسة

لم يكن لأبي العلاء بالسياسة العملية كبير اتصالٍ؛ ذلك لأن ذهاب بصره يحول بينه وبين لقاء الملوك والأمراء، إذا لاحظنا أنَّ حياءه كان شديدًا، وأنَّ حرصه على ألا يظهر تقصيره عن شأو المبصرين في الأوضاع العامة كان عظيمًا، كما أنَّ فطرته ودرسه وفلسفته وجملة حياته المادية والعقلية، كانت تحول بينه وبين قصور الملوك والأمراء ودواوين المشورة والحكم، وقد دُعِي الرجل إلى منادمة عزيز الدولة١٤ الذي قدمنا تعيينه في المقالة الأولى، فاعتذر بكبر السن وقلة البضاعة.

ومن الحق أنَّ بضاعته كانت قليلةً إنْ أُرِيدَ منه أنْ يكون نديمًا، فإنَّ رجلًا لا يعرف إلا الحق والصراحة، ولا يطمئن إلى ما مضت به سُنَّة النَّاس من نفاقٍ ومداجاةٍ، لا يُغني في منادمة الملوك غناء، وهو يتعرَّض بكثرة علمه، وظهور فضله، وغزارة مادته، وسلامة صدره من الغل، ونفسه من الأذى، إلى طوائف من الحُسَّاد، مسلحين بالمكر والخديعة وبالوشاية والنميمة، وبالنكاية والوقيعة، وهو بين أيديهم أعزل لا يعتز من هذه الخصال بسلاحٍ، ولا يأوي منها إلى ركنٍ شديدٍ، فليس من الغريب أنْ يأبى هذه المنادمة، وإنما من الغريب أنْ يجيب إليها.

ولقد أُكْرِه أبو العلاء على أنْ يكون سفير قومه عند صالح بن مرداس حين حاصر المعرَّة وألحَّ عليها، فأحسن السفارة، ولولا شهرته وصيته وحرص صالح على إرضائه، ورقة لهجته في الشفاعة لقومه، لما صنع شيئًا، نقول: إنه قد أُكرِه على هذه السفارة، وإنما أكرهه تضرع قومه إليه، ورقة قلبه لهم، على أنه لم يَعُد من عند صالح حتى أعلن ألمه لهذه السفارة، فقال:

تَغيَّبتُ في منزلي برهةً
ستير العيوب قليل الحسَدْ
فلما مضى العمر إلا الأقلَّ
وحُمَّ لروحي فراق الجسَدْ
بُعِثْتُ شفيعًا إلى صالحٍ
وذاك من القوم رأيٌ فسَدْ
فيسمع مني سجع الحمام
وأسمع منه زئير الأسَدْ
فلا يعجبني هذا النفاق
فكم نَفَّقَتْ محنةٌ ما كسَدْ

فانظر إلى هذين البيتين الأخيرين، كيف مثَّل بأولهما ضعفَه ورِقَّةَ قلبه، وقرنهما إلى قوة صالح وغلظته، فنتج عن هذه المقارنة مزاجٌ فلسفي جميلٌ، هو فصل ما بين الزهد الشديد والانهماك في ملاذ الدنيا من القوة والبطش، ومن الاستطالة والسلطان، وأخذ نفسه في الثاني، بأن لا يخدعه التجاء قومه إليه، وقبول صالح شفاعته، فليس لذلك مصدرٌ في حقيقة الأمر، إلا هذه المحنة التي حملت أهل المعرَّة على أنْ يتوسَّلوا وحملت صالحًا على أنْ يقبل الوسيلة؛ إيثارًا للصلح وحقنًا للدماء، لعل غلوَّ أبي العلاء في الحذر من النَّاس وسوء الظن بهم وشدة الاتهام لهم هو الذي أنطقه بهذين البيتين، ولكنهما يدلان من غير شكٍّ على أنَّ الرجل لم يكن يصلح لعملٍ سياسيٍّ ما؛ لأن السياسة تحتاج إلى ألوانٍ من الأخلاق ليس لأبي العلاء منها شيءٌ.

وهذا أوان البر بما وعدنا به في المقالة الأولى، من تحقيق قصة صالح ومحاصرته المعرَّة؛ فقد اختلف فيها المؤرخون اختلافًا كثيرًا، ولم يستطيعوا أنْ يجزموا بمصدرها، ولا أنْ يتفقوا على نتيجتها، ولا علة لذلك إلا أنهم لم يدرسوا حياة أبي العلاء، ولو أنهم درسوا اللزوميات لاستطاعوا أنْ يستنبطوا الحادثة منها، فإن أبا العلاء قد ذكر سببها وبيَّن نتيجتها، وشفاعته فيها، وذلك في ثلاث مقطوعاتٍ عن اللزوميات تفرَّقت بين باب الدال والراء واللام. فأما سبب الحادثة فهو أنَّ امرأة لم يُسمِّها أحدٌ من المؤرخين، ولكن أبا العلاء سماها «جامع» أقبلت يوم الجمعة على النَّاس وهم في مسجدهم، فشكت إليهم، أنَّ أصحاب الماخور، تعرضوا لها وأرادوها بمكروهٍ؛ فغضب لها الناس، وهدموا الماخور، وهرقوا ما فيه من خمر، وأفسدوا ما فيه من أداة لهوٍ وطربٍ، وقد رضي أبو العلاء عن هذا كل الرضا، وحمده أحسن حمدٍ، فقال:

أتت جامعٌ يوم العروبة جامعًا
تقصُّ على الشُّهَّاد بالمصر أمرها
فلو لم يقوموا ناصرين لصوتها
لخِلْتَ سماء الله تُمْطِرُ جَمْرَهَا
فهدُّوا بناءً كان يأوي فناؤه
فواجرَ ألقت للفواحش خمرها
وزامرةٍ ليست من الرُّبد خضَّبت
يديها ورجليها تُنفِّق زمرها
أَلِفْنا بلاد الشام إلف ولادةٍ
نلاقي بها سُودَ الخطوب وحُمرَها
فطورًا نُداري من سُبَيعةَ لَيْثَها
وحينًا نصادي من ربيعة نمرها
أليس تميمٌ غيَّر الدهرُ سعدها
أليس زبيدٌ أهلك الدهرُ عمرها
وددت بأني في عماية فاردٌ
تُعاشِرُني الأروى فأكره قمرها
أفِرُّ من الطغوى إلى كلِّ قفرةٍ
أو آنس طغياها وآلف قمرها
فإني أرى الآفاق دانت لظالمٍ
يغر بغاياها ويشرب خمرها
وإن كانت الدُّنيا من الأنس لم تكن
سوى مومسٍ أفنت بما ساء عمرها
تدين لمجدودٍ وإنْ بات غيره
يهز لها بِيضَ الحروب وسُمْرَهَا
وما العيش إلا لجةٌ باطليَّةٌ
ومن بلغ الخمسين جاوز غمرها
وما زالت الأقدار تترك ذا النهى
عديمًا وتعطي منية النفس غُمرها
إذا يَسَّرَ اللهُ الخطوب فكم يدٍ
وإنْ قصرت تجني من الصاب تمرها
ولولا أصولٌ في الجياد كوامنٌ
لما آبت الفرسان تحمد ضُمْرها

فانظر إلى هذه القصيدة، كيف شرحت الحادثة أحسن شرح، وكيف مثلت سخط الشاعر على الحياة السياسية في الشام خاصة لاستبداد العرب بها، وفي المملكة الإسلامية عامةً لتسلط الظالمين عليها، ثم سخط على الدنيا وخضوعها للمصادفة والحظ، ثم تمنى لو أنه استطاع أنْ يعتزل الإنسان، ويألف وحش الفلاة، فلو أنَّ المؤرخين قرءوا هذه القصيدة لما اضطربوا في هذا الأمر، ولما أوقعوا مَنْ بَعْدَهم من الباحثين في هذا الاضطراب، على أنَّ أبا العلاء لم يُفصِّل لنا ما كان بعد ذلك من سُخطِ صاحب حلب، أو أحد عماله المسيحيين على أهل المعرَّة، ومن حصار صالحٍ لها. والظاهر أنَّ صاحب حلب قبض على سبعين من أهل المعرَّة كما يقول الصفدي، وأنَّ أهل المعرَّة كرهوا ذلك فثاروا، واشتد الأمر وعظم الخطب حتى دعا أهل آمد وميا فارقين في مساجدهم لأولئك الأسارى، ثم كان من حصار صالح لأهل المعرة، وشفاعة أبي العلاء عنده، وعفوه عن المدينة والأسارى ما قدَّمناه وذكَرَه المؤرخون، وقد اتفقوا جميعًا على أنَّ صالحًا قال لأبي العلاء بعد أنْ سمع شفاعته: قد وهبتها لك. يريد المعرَّة، فلنحتفظ بهذه الكلمة، فستفيدنا في تحقيق ثروته، رجع أبو العلاء من عند صالح وهو يقول:

نجَّى المعرَّةَ من براثن صالحٍ
ربٌّ يداوي كلَّ داء معضلِ
ما كان لي فيها جناح بعوضةٍ
اللهُ أولاهم جناح تفضُّلِ

لأبي العلاء شفاعاتٌ إلى أولياء السلطان، في أناس كانوا يتشفَّعون به، ولكنه كان يجعل حظ الإنشاء والافتنان اللفظي في تلك الشفاعات أكثر من حظ الذي توسَّل به ورغب إليه. أما نظره في الحياة السياسية في الشام ومصر، وفي العراق والهند، فكثيرٌ يظهر عليه من قرأ اللزوميات وسقط الزند، ولقد أشرنا في المقالة الأولى إلى الأبيات التي قالها حين غلب صالح بن مرداس على حلب. والظاهر أنَّ تأثير هذه الفتنة في نفسه كان شديدًا، فذكره في قصيدةٍ من سقط الزند بعث بها إلى خازن دار العلم ببغداد، فقال:

وما أذهَلَتْني عن ودادك روعةٌ
وكيف وفي أمثاله يجب الْغَبْطُ؟!
ولا فتنةٌ طائيَّةٌ عامرية
يُحرَّق في نيرانها الجعد والسَّبْطُ
وقد طرحت حول الفرات جرانها
إلى نيل مصر فالوَسَاعُ بها تقطو
فوارس طعَّانون ما زال للقنا
مع الشَّيب يومًا في عوارضهم وخطُ
وكلُّ جوادٍ شفَّهُ الركض فيهم
وجٍ يتمنَّى أنَّ فارسه سقط
ونبالةٍ من بُحْتُرٍ لو تَعَمَّدُوا
بليلٍ أناسي النَّواظِر لم يُخْطوا

وله في السياسة النظرية رأي نذكره عند الكلام على فلسفته في المقالة الخامسة.

ثروته

قدَّمنا في الطور الثاني من حياة أبي العلاء أنَّ ثروته كانت ثلاثين دينارًا يغلها عليه، في كل عامٍ وقفٌ له ولقومه، وأنه قد خصَّص نصف هذه الثروة لمن يخدمه واكتفى بنصفها لحاجته، ولم يخالف في ذلك أحدٌ من المؤرخين، ونصَّ عليه أبو العلاء نفسه في المناظرة التي كانت بينه وبين داعي الدعاة في أكل الحيوان، ولكن أمرين يعترضاننا إنْ شئنا أنْ نقف عند هذا الحد في تحقيق ثروته: أحدهما أنَّ أبا العلاء نفسَه يذكر في بعض شعره أنه ذاق الغنى وعرف لذَّاته، وذلك حيث يقول في اللزوميات:

خبرْتُ البرايا والتصعلك والغنى
وخفض الحشايا والوجيف مع السفر
فأطيب أرض الله ما قلَّ أهله
ولم ينأ فيه القوت عن يدك الصفر

فمن أين له الغنى وخفض الحشايا؟! ما نشك في أنه قد مر بهما مرور الطيف في يوم من أيامه التي قضاها عند أخواله بحلب أو عند أصحابه بمدينة السلام، ولعله ظنَّ جلوسه على الفراش الوثير، وتمتعه بالطعام الشهي ساعة من نهارٍ في دار سابور بن أردشير، أو عبد السلام بن الحسين ابتلاء للغنى. والثاني: أنَّ ناصري خسرو — وهو الرحَّالة الفارسي — قد مرَّ بمعرَّة النعمان أيام أبي العلاء كما قدَّمنا، فقال في وصفه: ويحكمها — أي المعرَّة — رجلٌ ضرير يُعرَف بأبي العلاء، عظيم الثروة، يملك عددًا ضخمًا من العبيد والخدم، وكأنَّ سكان المدينة كافةً خَدَمُه، أما هو فيحيا حياةً خشنة، يلبس غليظ الصوف، ولا يغادر بيته ولا يأكل إلا الشعير، وسمعت النَّاس يتحدثون بأن بابه لا يُغلَق، وأنَّ نُوَّابه يعملون في تدبير المدينة، ولا يلجأون إليه إلا في مهامِّ الأمور، وأنه لا يمنع سائلًا، يقوم الليل ويصوم أبدًا، ولا يحفل بالدنيا. فهذا الوصف يناقض ما عرفناه من تاريخ أبي العلاء؛ لأنا لم نعرف الرجل مالكًا ولا صاحب حُكْم، ولم نعرفه غنيًّا ولا ذا ثروةٍ، وإنما عرفناه فقيرًا قد اعتزل الناس، وقد صفرت يده من المال، وكثرت حوله الطلاب، وعجز عن أداء حقوقهم، فقال في اللزوميات:

يزورني القوم هذا أرضُهُ يَمَنٌ
من البلاد وهذا داره الطبَسُ
قالوا سمعنا حديثًا عنك قلتُ لهم
لا يُبعِدُ اللهُ إلَّا معشرًا لبسوا
يبغون منِّيَ معنىً لست أُحسِنه
فإن صدقتُ عَرَتْهُم أوجهٌ عبس
أعاننا الله كلٌّ في معيشته
يلقى العناء فدُرِّي فوقنا دبس
ماذا تريدون؟! لا مالٌ تَيسَّر لي
فيُستماح ولا علمٌ فيُقتبَس
أتسألون جهولًا أنْ يفيدكم
وتحلبون سفيًّا ضرعها يبس
ما يعجب النَّاس إلا قول مختدعٍ
كأن قومًا إذا ما شُرِّفوا أُبِسوا
قد أنفدوا في ضياعٍ كلَّ ما عَمَرُوا
فكان مثل جلال البُدْن ما لبسوا
أنا الشقي بأني لا أطيق لكم
معونةً وصروف الدهرِ تحتبس

هذه الأبيات مع ما تدلنا عليه من شهرة أبي العلاء، وازدحام وفود العلم ببابه، تُمثِّل لنا فقره وضِيق يده عما تحتاج إليه الشهرة من النفقات، وقد تبرأ الرجل من الثروة غير مرةٍ في اللزوميات، فكيف نوفق بين حديث الرحالة الفارسي وبين ما يدل عليه نظم الرجل ونثره وتاريخه؟

لهذا التوفيق وجهان يحتملهما العقل؛ الأول: أنَّ الرَّحالة وصف ما شهد في المعرَّةِ من جاه أبي العلاء وسلطانه المعنوي؛ فظن ذلك ثروةً وملكًا. الثاني — وهو ما نميل إليه: أنَّ أبا العلاء كان يملِكُ المعرَّةَ حقًّا، وكان يَحكُمها بنُوَّاب يُدبِّرون أمرَها، ويرجعون إليه في جلائل الأعمال فإذا شئنا أنْ نرجح ذلك؛ فإن الأدلة التاريخية الثابتة لا تواتينا، ولكنا نذكر قول صالح بن مرداس له حين شفع عنده في المعرَّة: قد وهبتها لك.

أفلا يمكن أنْ يكون هذا إقطاعًا، وأنَّ المعرَّة صار أمرها من ذلك الوقت إلى أبي العلاء، على أنْ تعترف بسلطان حلب وتؤدي إليها الخراج؟ ذلك ممكنٌ، ولكن التَّاريخ لم يروِه ولم ينص عليه، لا لأنه روى غيره، بل لأنه أهمل المعرَّة إهمالًا تامًّا في ذلك العصر.

كانت قصة صالح مع أبي العلاء بين سنة سبع عشرة وبين سنة عشرين وأربعمائة، وكانت زيارة ناصري خسرو للمعرة بعد ذلك؛ أي: سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، فلو أنه مر بالمعرَّة قبل هذه القصة لكان من الحق أنْ نرفض خبره ولا نصغي إليه، أما وهو لم يمر بها إلا بعد صالح وقصته، فمن الظلم للتاريخ أنْ نمر بهذا الخبر من غير أنْ نثبت هذا الاحتمال.

كان أبو العلاء زاهدًا عفيفًا، وكان يرى أنَّ الإنسان لا يملك في هذه الدنيا شيئًا إلا ما يقوم بحاجاته كما سترى ذلك في موضعه. فهذا الرأي وهذا الخلق هما اللذان منعاه أنْ يستمتع بما تغل المعرَّة من ثروةٍ، وأوجبا عليه أنْ يقر النَّاس على ما في أيديهم، ويبقى هو على فقره الذي كان يراه غنًى وثرةً.

ولذلك قال ناصري خسرو: ولقد قال بعض النَّاس لأبي العلاء: إنَّ الله عز وجل قد أسبغ عليك نعمته، فلم تبيحها للناس من غير أنْ تتمتع بها؟ فأجاب: إني لا أملك منها إلا ما يقيم أودي.

وسواء صحَّت رواية الرَّحالة أم لم تصح، فإن في حياة أبي العلاء شيئًا يلزمنا ألا نصدق ما يرويه التَّاريخ من فقره المدقع، من غير تحفظٍ ولا أناةٍ؛ فإن في رسائله ما يدل على أنه قد كان يُهدي إلى أصحابه الهدايا ويُعِين أصدقاءه بالمال، فمن أين له تلك الهدايا وهذا المال إذا لم يكن عنده فضلٌ من الثراء ولو قليلٌ؟! ولذلك روى القفطي أنَّ طلابه ذكروا بحضرته يومًا بطيخ حلب، قال: فتكلف أبو العلاء وبعث من جاءه منه بحملٍ، فأكلت الجماعة وأفردوا له منه شيئًا لم يذقه، ولم يعرض له حتى فسد، فلو لم يكن عنده وفرٌ ما استطاع أنْ يبعث إلى حلب من يأتيه بهذا البطيخ، وكذلك ضيف القاضي عبد الوهاب بن علي المالكي — كما قدمنا — فمن أين له ما ضيفه به إذا كان من الفقر على ما يقولون؟!

لقد كان بر أخواله به متصلًا، وكانت تُهدَى إليه الهدايا فيقبلها شاكرًا، كما تدل رسائله على ذلك، فهذا البر من أخواله وهذه الهدايا من أصحابه، كانت توسع عليه بعض ما يجد من الضيق.

سيرته في بيته

لم يُفصِّل لنا التَّاريخ من هذه السيرة شيئًا، ولكن جملة آثارٍ تدل على أنه كان يقضي حياته وادعًا مطمئنًّا قد أمن النَّاسُ شرَّه؛ لأن الزهد والحكمة وقوانينهما الصارمة، لم تُبقِ فيه قوةً على الأذى ولا ميلًا إليه، ولا يحفظ لنا التَّاريخ أنه سبَّ أو شتم في حياته، إلا ما كان من قصة ذلك القارئ الذي قدمنا ذكره.

ولقد كان أبو العلاء شقيًّا بخادمه، فقال فيه:

ومن عناء اللَّيالي خادم ضغن
إنْ يُؤمَر الأمر يفعل غير ما أُمِرا

وليس هذا بغريبٍ، فإن المأمون لم يكذب حين قال: إذا حسنت أخلاق المخدوم ساءت أخلاق الخادم.

لم تكن لأبي العلاء زوجٌ ولا ولدٌ فنبحث عن سيرته معهم، ولم نعرف من سيرته مع أمه شيئًا، ولكن رثاءه لها يدل على بره بها، على أنه قد اتخذ الدنيا مرةً أمًّا ومرةً زوجًا، فكان لها في كلتا الحالين عَقوقًا مُبغِضًا، وما اللزوميات إلا مثال سخطه على هذه الأم التعسة، والزوج البائسة.

لا نعرف أنَّ أبا العلاء جالس النَّاس على مائدةٍ، ولا نعرف أنهم رأوه يأكل، إنما كان إذا أراد الطعام يأوي إلى نفق له، فيأكل فيه، وكان يقول: العمى عورةٌ، والواجب استتاره. ولا شك في أنه كان يقضي نهاره في القراءة والدرس، وليله في التفكير والبحث، ثم في الراحة والنوم، أما طعامه فكان العدس والتين. وقد نص لنا على ذلك، فقال:

يُقنعني بلسن يمارس لي
فإن أتتني حلاوةٌ فبلس

(البلسن: العدس، البلس: التين.)

وكان لباسه غليظ الثياب من القطن، وفراشه اللبد في الشتاء، وحصر البردي في الصيف، وكان شديدًا على نفسه يكلِّفُها من الآلام ما لا تطيق، فربما اغتسل بالماء البارد في الشتاء، وقال:

أجاهد بالظهارة حين أشتو
وذاك جهاد مثلي والرِّباطُ
مضى كانون ما استعملتُ فيه
حميم الماء فاقدُمْ يا سباط
تشابه أنفس الحشرات نفسي
يكون لهنَّ بالصيف ارتباط
لقد رقد المعاشر في ثراهم
فما هبَّ الجعاد ولا السِّباط

أخلاقه

لعلَّ من الإطالة بعد هذا التفصيل أنْ نكتب عن أخلاق أبي العلاء؛ فإن ما قدمنا من حياته يدُلُّ على أخلاقه واضحةً، ويرسم خلاله جليةً، ولكنَّا نأتي على موجزٍ من القول فيها، استيفاءً لبرنامج البحث واستكمالًا لنتيجته؛ فأول ما يظهر من الخصائص الخلقية لأبي العلاء زهده وإعراضه عما في هذه الحياة من اللذات، ولك في سيرته بالمعرَّة تسعًا وأربعين سنة أصدق دليل على أنَّ هذا الخلق قد كان من الصور النفسية اللازمة له، وكذلك العفة والقناعة وعزة النفس، وحسبك أنه قضى حياته أو شطرًا عظيمًا منها مُقِلًّا من المال مكثرًا من الأدب والعلم، فلم يتكسب بالشعر، ولم يكلف نفسه مذلة السؤال. وما اضطرابه بين العراق والشام، واحتجابه في منزله إلى أنْ مات إلا أثرٌ من آثار هذه العزة التي أوجدتها الوراثة، وقوَّاها الدرس والرياضة. ومن أظهر أخلاقه ضبط النفس وقهر الشهوات؛ فإن رجلًا ينيف على الثمانين من غير أنْ يتزوج، ومن غير أنْ يرغب في النسل الذي هو أشد الملذات، استئثارًا بالنفس واستحواذًا على القلب — مع شدة حاجته إلى ولدٍ صالحٍ يعينه على أثقال الحياة أو يسليه عن همومها — لمالكٌ نفسه، ومسيطرٌ على شهوته، وباسطٌ سلطان عقله على ما له من حسٍّ وشعورٍ.

كان أبو العلاء رقيق القلب، شديد الرحمة، كثير العطف على الضعيف، وحسبك أنه أمَّن الحيوان من تعديه على نفسه، أو ولده أو ثمراته، ولو أنك قرأت ما في اللزوميات من محاورته للدِّيك والحمامة، ورثائه للشاة والنحل، وبكائه على الناقة والفصيل، ودفاعه عن النحلة والجنى، لقدرت ما كان له من رقة القلب أحسن تقدير.

لقد مرض أبو العلاء، فوصفوا له الدجاج فامتنع، وألحوا عليه حتى أظهر الرضا، فلما قُدِّم إليه لمسه بيده فجزع، وقال: استضعفوك فوصفوك، هلَّا وصفوا شبل الأسد؟! ثم أبى أنْ يطعمه.

إنك لتجد في اللزوميات سخطًا على النَّاس غير قليل ولكنه سخطٌ مصدره الرحمة لهم والحدب عليهم، فما كان أبو العلاء في تقريعه إياهم إلا مؤثرًا لهم بالنصيحة، كما سنبيِّن ذلك في المقالة الخامسة.

كان أبو العلاء كريمًا سخيًّا طيب النفس، يبذل المال إذا ملكه، وليس ينتظر منه غير ذلك، بعد هذا الزهد الذي التزمه، فأما وفاؤه لأصدقائه وحفظه لودادهم فحدِّثْ عنه ولا تخشَ بأسًا، وحسبك إنْ كُلِّفت الدليل عليه أن تنظر في سقط الزند، وفي الرسائل إلى تلك القصائد، والكتب التي بعث بها إلى أهل بغداد، بعد رجوعه عنهم، وإلى أهل الشام بعد فراقه إياهم؛ لتعرف أي قلبٍ وفي، وأي فؤادٍ محتفظ بالوداد.

والحياء فطرةٌ فُطِر عليها أبو العلاء، فكم ألَّف من كتب وكم كتب من رسائل؛ لأن النَّاس طلبوا إليه ذلك فلم يستطع لهم ردًّا، والكذب عدوُّه وخصمه، فما نعرف أنِّ مؤرخًا استطاع أنْ يتمسَّك عليه بكذبةٍ، على كثرة أعدائه ومخالفيه. وتاريخه لا يمثل لنا إلا خيرًا، ولسنا نتكلَّف استنباط هذه الفضائل ونسبتها إليه، كما يفعل الذين يتعصَّبون لمن يترجمون من الأدباء والعلماء، وإنما نأتي بما وجدنا في آثار الرجل، ونعتقد أنا لو حاولنا أنْ نستنبط من تراثه خلقًا مذمومًا لكنا متكلفين.

ملكاته

ليس بنا حاجةٌ إلى أنْ نثبت أنَّ أبا العلاء كان فطنًا ذكيًّا، فليس ما قدمنا من أول هذه المقالة إلا برهانًا على ذلك. ولقد اشتهر الرجل بين أصدقائه وأعدائه بقوة الذاكرة وسرعة الحفظ، حتى رووا في ذلك الأعاجيب التي لا شك في أنَّ المبالغة فيها قد عملت عملًا كثيرًا، فزعموا أنه حفظ مناجاةً فارسيةً سمع لفظها ولم يفهم معناها، وزعموا أنه حفظ حسابًا طويلًا كان بين تاجرين، فلما فقد أحدهما وثيقته أملاها عليه أبو العلاء بعد زمنٍ طويلٍ، وزعموا أنَّ رجلًا من أهل اليمن وقع له كتابٌ في اللغة قد ضاع أوله، فعرضه على طائفةٍ كثيرةٍ من أهل العلم، فكلهم لم ينفعه ولم يدله على اسم الكتاب، فلما عرضه على أبي العلاء أنبأه باسمه واسم صاحبه، وأملى عليه ما ضاع منه، ولهم من أمثال هذه الروايات شيءٌ كثيرٌ، والأمر الذي لا ريب فيه أنَّ الرجل كان نادر الذاكرة، يحفظ ما يسمع، إنْ لم يَحُل بينه وبين ذلك حائلٌ من غموض أو طولٍ شديدٍ. وأنباء الحُفَّاظ من العرب والمسلمين، ومن عميانهم خاصة متظاهرةٌ لا حاجة إلى روايتها، وإنما أبو العلاء رجلٌ من هؤلاء النَّاس الكثيرين الذين اشتدت فيهم مَلَكة الحِفْظ والاستظهار.

كانت لأبي العلاء ملكة الشعر، والكتابة، وتكلف البديع، وذلك ما نبحث عنه في المقالة الثالثة.

شيخوخته

هرم أبو العلاء، وأصابته الشيخوخة ولكنا لا نعرف أنها أضعفت ملكةً من ملكاته العقلية والخلقية، وإنما قضى الرجل حياته ثابت النفس، راجح الحِلم، مُصِيب الفِكْر، قوي العقل، صادق الذوق، معتدل المزاج إلى أنْ أصابه المرض الذي مات فيه.

على أنَّ أبا العلاء قد وصف شيخوخته في رسالةٍ كتبها إلى أبي الحسن محمد بن سنان، وقد أنبأه برغبة السلطان إليه في اختصار كليلة ودمنة. فقال بعد كلامٍ كثيرٍ: «وأحسبه — أدام الله قدرته — يحسبني على ما يعهد من القوة والصبر، ولست كذلك. الآن علت السن، وضعف الجسم، وتقارب الخطو، وساء الخلق، وعُطِّلت رحى لم تكن تجعجع ولكن تهمس، كنت أقصر طحنها على نفسي، وأتقوَّى به دون غيري، ولم يكن لها ضمانٌ، ولكن فجع بها الزمان، ولم يبقَ إلا أنْ يخلو مكانها العامر، فيصبح كأنه المحل الدامر، فأما المنفعة بها فقد انقضت وانقرضت، وإنْ تشبه بها في الظعن أخواتها، صار لفظي من أجل ذلك مشينًا، وجعلت سين الكلمة شينًا، فلم يفهم مني سامعٌ ما أقول، فإذا قلت: العسل، مشى الذئب، ظُنَّ أني أقول: العشل — بالشين المعجمة. ولا أعلم أنَّ في كلامهم هذه الكلمة، وإنما هذه الرحى وأترابها في التتابع إلى الرحلة، كما أنشد أبو زيدٍ سعيد بن أوس:

يا ربَّةَ العير ردِّيهِ لوجهته
لا تظعني فتهيجي الحي للظعن

فإن وقع يومًا من الدهر إليه شيءٌ مما أمليه، فوجد فيه السينات شيناتٍ، فليعلم أنَّ ذلك كما ذكرت، وأنَّ الذي كتب سمع ولم يفهم.»

فنرى أنَّ كلام الرجل في شيخوخته لم يضعف ولم يختلَّ، ولم يزد إلا متانةً ورصانة وثباتًا.

قال القفطي: وقد تنبأ ابن بطلان الطبيب بوفاة أبي العلاء قبل موته بقليلٍ، وكان ابن بطلان يألف أبا العلاء، وكان بالمعرَّة إذ ذاك، فحدثه بعض الطلبةً أنَّ أبا العلاء قد أملى عليهم شيئًا فغلط فيه، فتنبأ ابن بطلان بأن ذبالته قاربت الذبول؛ لأن من كان كأبي العلاء، في قوة العقل، وذكاء القلب، وحصافة الرأي، لا يدركه الخطأ فيما يملى، إلا إذا اضطربت قواه، وفسد مزاجه.

وفاته

في اليوم العاشر من شهر ربيع الأول سنة تسعٍ وأربعين وأربعمائة للهجرة، وسنة ثمانٍ وخمسين وألف للمسيح، اعتل أبو العلاء، فلبث ثلاثة أيام مريضًا، ثم مات يوم الجمعة الثالث عشر من هذا الشهر، فخمدت تلك القوة التي طالما صدر عنها من الآثار النافعة ما أرضى قومًا وأسخط آخرين.

خمدت تلك القوة، فظفر أبو العلاء بما كان يرجوه ويحرص عليه من فراق الحياة، ورجوع جسمه إلى عنصره الذي منه ائتلف وتركب.

وقد روى ياقوت عن غرس النعمة، أنه لما كانت المناظرة بين أبي العلاء وبين داعي الدعاة بمصر، في ذبح الحيوان، أمر داعي الدعاة بأن يُؤتَى بأبي العلاء إلى حلب، ويُخيَّر بين حياةٍ يزينها الإسلام الصحيح وتذهب بأثقالها الثروة الموفورة، أو قتلٍ يريحه ويريح الدينَ من شرِّه، فلما علم أبو العلاء ذلك شرب السم فمات. ومن الواضح أن ليس لهذه الرواية ظلٌّ من الصحة؛ لأن موت أبي العلاء معروفٌ، ولأن المناظرة بينه وبين داعي الدعاة قد انتهت بالصمت وبالسكوت، وهي تدل على أنَّ داعي الدعاة قد كان يُجِلُّ أبا العلاء ويكبره؛ لذلك أسرع ياقوت إلى رفض الرواية وتكذيبها. والعجب أنَّ المستشرق الفرنسي سلامون لم يفهم ما كتب ياقوت، فظن أنه صاحب الرواية واجتهد في الرد عليه، ولو أنه فطن لما كتب ياقوت لأراح نفسه من عناءٍ كثيرٍ.

وصيته

زعم المؤرخون أنَّ أبا العلاء قال لبني عمه في مرض موته: اكتبوا عني. فأخذوا الدوى والأقلام، فأملى عليهم غير الصواب، وكان القاضي أبو محمدٍ علي التنوخي حاضرًا، فقال لهم: أحسن الله عزاءكم عن الشيخ؛ فإنه ميتٌ. قالوا: فمات في غد ذلك اليوم. أما نحن فما نستطيع أنْ نجزم بهذا الخبر؛ لأنا لا نعرف أبا العلاء قد كان له في هذه الحياة غرضٌ يحب أنْ يوصي بتحصيله والسعي إليه، بل كان أبو العلاء يهزأ بالرجل يوصي قبل موته، وذلك في غير موضعٍ من اللزوميات.

فأما الحث على الفضيلة والنهي عن الرذيلة، فقد شفى نفسه منهما في كتبه المختلفة، وسواء صحَّت هذه الروايةٌ أم لم تصحَّ، فلسنا نشك — ولا يشك المؤرخون — في أنَّ الرجل أوصى أنْ يُكتَب على قبره:

هذا جناه أبي عليـْ
ـيَ وما جنيْتُ على أحد

شكله

قال الحافظ السفلي: أخبرني أبو محمدٍ عبد الله بن الوليد بن غريب الأيادي أنه دخل مع عمه على أبي العلاء يزوره، فرآه قاعدًا على سجادة لبد وهو شيخٌ، قال: فدعا لي، ومسح على رأسي وكنت صبيًّا، قال: كأني أنظر إليه الساعة وإلى عينيه؛ إحداهما بارزةٌ والأخرى غائرةٌ جدًّا، وهو مجدر الوجه، نحيف الجسم.

وليس يحفظ التَّاريخ الصحيح لنا من وصف أبي العلاء غير هذا الخبر، ولكن أحاديث الرجل بعد موته وما كان يوصف به، من الإيمان مرةً والزندقة أخرى، قد تركت له صورتين خياليتين، أوحت بهما أحلام الليل على رجلين مختلفين؛ أحدهما: القاضي أبو عمرو عثمان بن عبد الله الكرجي، فقد روى عنه القفطي، أنه كان وهو طالبٌ يقع في دين أبي العلاء، فرأى فيما يرى النائم كأنه في مسجدٍ، وكأن على صفةٍ فيه رجلًا شيخًا ضريرًا بادنًا، وإلى جانبه غلامٌ يشبه أنْ يكون قائده، قال القاضي: وكنت واقفًا تحت الصُّفةِ في نفرٍ من الناس، وهذا الشيخ يتكلم كلامًا لم أفهمه، ثم التفت إليَّ وقال: ما حملك على الوقيعة في ديني؟ وما يدريك لعل الله غفر لي؟! قال: فاستحييت منه وسألت عنه، فقيل: هو أبو العلاء، فلما أصبحت أقلعت عن النيل منه، واستغفرت الله لي وله، ثم مضى على ذلك دهرٌ، وأُنسِيته، ودخلت المعرَّة، فزرت مسجدها للصلاة، فإذا هو كما رأيت في النوم وإذا الصفة كعهدي بها، وعليها راهب يضفر البردي، فتقدمت إليه وسألته عما يصنع، فعرفت أنه يعمل الحصر لهذا المسجد، وكان على ديره أنْ يؤدي للمسجد هذا العمل كلما احتاج إليه، قال: فلما أذكرني ذلك ما أُنسِيته، سألت عن قبر أبي العلاء فزرته، فإذا هو مهملٌ في مكان أشعث، وقد نبتت عليه الخبازي ثم جفت، فقرأت عنده واعتذرت إليه، وذلك في أوائل القرن السابع.

الثاني: غلامٌ سماه غرس النعمة أبا غالبٍ، قال: وهو من أهل الخير والصلاح، وله فقهٌ ودينٌ، فلما ورد إلينا الخبر بموت أبي العلاء تذاكرنا ما كان له من كفرٍ وإلحادٍ، فأتينا من ذلك على شيءٍ كثير والغلام يسمع، فلما كان الغد أقبل إلينا يحدثنا أنه رأى فيما يرى النائم شيخًا مكفوفًا على عاتقيه حيتان، رأساهما إلى فخذيه، فهما ترفعان رأسيهما إلى وجهه، فتقطعان منه قطعًا تزدردانها، والشيخ يصيح ويستغيث، فسأل عنه، فقيل: هو أبو العلاء المعري الملحد. قال غرس النعمة: فعجبنا من ذلك واستطرفناه.

هاتان الصورتان الخياليتان، ليستا في الحقيقة إلا مثال ما تصور صاحباهما، حين سمعا حديث أبي العلاء، فهما لا تمثلان الرجل، وإنما تمثلان رأي النَّاس فيه.

احتفال النَّاس برثائه

اتفق ياقوت والقفطيُّ والذهبيُّ والصفديُّ وابن خلكان، على أنَّ أبا العلاء لما مات أنشد رثاءه على قبره شعراء، لا يقل عددهم عن سبعين شاعرًا، منهم تلميذه أبو الحسن علي بن همام الذي قال فيه من قصيدة:

إنْ كنت لم ترق الدماء زهادةً
فلقد أرقت اليوم من جفني دما
سيَّرت ذكرك في البلاد كأنه
مسكٌ١٥ تضمخ منه سمعًا أو فما
وأرى الحجيج إذا أرادوا ليلةً
ذكراك أخرج فديةً من أحرما

ومنهم أبو الفتح الحسن بن عبد الله بن أبي حصينة المعرِّي الذي رثاه بقصيدةٍ طويلةٍ، يقول فيها:

العلم بعد أبي العلاء مضيع
والأرض خالية الجوانب بلقع
أودى وقد ملأ البلاد غرائبًا
تسري كما تسري النجوم الطلع
ما كنت أعلم وهو يُودَع في الثرى
أنَّ الثرى فيه الكواكب تُودَع
جبلٌ ظننت وقد تزعزع ركنه
أنَّ الجبال الراسيات تُزعزَع
وعجبت أنْ تسع المعرَّةُ قبرَه
ويضيق بطن الأرض عنه الأوسع
لو فاضت المهجات يوم وفاته
ما استُكثِرت فيه فكيف الأدمع؟!
تتصرم الدنيا وتأتي بعده
أممٌ وأنت بمثله لا تسمع
لا تجمع المال العتيد وجُدْ به
من قبل تركك كل شيء تجمع
فإن استطعت فسر بسيرة أحمد
تأمن خديعة من يغر ويخدع
رفض الحياة ومات قبل مماته
متطوِّعًا بأبر ما يتطوع
عينٌ تسهد للعفاف وللتقى
أبدًا وقلبٌ للمهيمن يخشع
شيمٌ تُجمِّله فهُنَّ لمجده
تاجٌ ولكن بالثناء يُرصَّعُ
جادت ثراك أبا العلاء غمامةٌ
كندى يديك ومزنةٌ لا تقلع
ما ضيَّعَ الباكي عليك دموعه
إنَّ الدموع على سواك تضيَّعُ
قصدتك طلاب العلوم ولا أرى
للعلم بابًا بعد بابك يُقرَعُ
مات النُّهى وتعطَّلتَ أسبابه
وقضى التأدب والمكارم أجمع

ولم يروِ ياقوت وأصحابه من رثاء الشعراء لأبي العلاء شيئًا كثيرًا، ولو قد فعلوا لأعانتنا هذه المراثي على فهم رأي النَّاس فيه، فإنها تنم من غير شكٍّ بما تضمر قلوبهم، من حبٍّ للرجل أو بغض؛ فرُبَّ مبغضٍ له رثاه، ورُبَّ محبٍّ له أعرض عن رثائه. ولا شك في أنَّ أكثر هؤلاء الشعراء قد كان من طلاب أبي العلاء، فقد حدثنا ناصري خسرو: أنه كان في جميع أوقاته يحيط به مائتان من الطلاب. ولا شك أيضًا في أنَّ طائفةً غير قليلةٍ، من أهل حلب وحماة وتلك النواحي، قد أقبلت تشارك أهل المعرَّة في حزنها على شاعرها وحكيمها، وما أسرع ما يتسامع النَّاس بموت رجلٍ كأبي العلاء! وما أكثر ما يحتشدون حول نعشه ويشيِّعونهُ إلى قبره، ومنهم الباكي عليه، والشامت فيه!

كم شامتٍ بي إنْ هلكـ
ـتُ وقائل لله درُّه

والآن وقد صحبنا أبا العلاء من مولده إلى مماته، ثم شيَّعناه إلى قبره، وسمعنا الشعراء يرثونه ويبكونه، فقد آن لنا أنْ نثوب إلى أنفسنا، ونتحدث عنه كما يتحدث من يريد أنْ يعتبر، عن ميتٍ قد فارق الحياة. لا نريد أنْ نسلك طريق الوعظ والتذكير بالآخرة؛ فإن الوعظ والذكرى ليسا من غرض هذا الكتاب، وإنما نريد أنْ ندرس آثار الرجل درسًا مستوفى؛ لنعرف: أكانت حياته خليقةً بالخلود؟ وإنما يكون ذلك بدرس أدبه وعلمه وفلسفته، ونحن بادئون بدرس أدبه منذ الآن.

١  كان الرومان أشد من العرب محافظة على أنسابهم، وبقي ذلك إلى أيام الإمبراطورية، ثم لم تسلم هذه الأنساب من نقد المؤرخين القدماء والمحدثين.
٢  انظر أبا العلاء وما إليه للميمني ص٣٦.
٣  تحقيق هذا في المقالة الخامسة.
٤  يُلاحظ أن هذا الأذى قد أصاب أبا العلاء في بغداد من أحد المعلمين كما بيَّنا في هذه المقالة.
٥  أبو العلاء وما إليه للميمني ص٥١.
٦  انظر أبا العلاء وما إليه للميمني ص٦٨.
٧  يُلاحظ أن ما يُروى من نبوغ أبي العلاء في هذه السن ليس بدعًا من حال النابغين، ومن قرأ حياة بسكال الفرنسي عرف أن أبا العلاء لم يجاوز العادة ولم يعدُ الطور المألوف.
٨  انظر ص١٤٧ من ذكرى أبي العلاء.
٩  المقدمة ص٨ من شرح التنوير طبع المطبعة العالمية بمصر.
١٠  إلا أن يكون من هذه الأسماء سعيد أبو الفضائل صاحب حلب الذي قدمنا ذكره، وما أقطع بذلك.
١١  انظر أبا العلاء وما إليه للميمني ص٩٧.
١٢  ويقال: الفارسية. انظر كتاب أبي العلاء وما إليه للميمني ص١١٠.
١٣  انظر صفحة ١٤٧ من الذكرى.
١٤  الرسائل ص٦٠ أكسفورد و٩٢ بيروت.
١٥  في أكثر الكتب التي روت هذه الأبيات جاء هذا الشطر بهذه الصورة: «مسك فسامعه تضمخ أو فما»، إلا نسخة خطية من ابن خلكان جاء بها كما أثبتناه، وعنها أخذ طابع اللزوميات بمصر سنة ١٨۹١م. وفي رسائل أبي العلاء طبع بيروت ١٨۹٤م وردت «مسك فسامعه تضمخ أو فما». وفي سقط الزند طبع بولاق «مسك مسامعها تضمخ أو فما»؛ فهذا كله يدل على أن العبث قد كثر بلفظ الشاعر ولم يبقَ منه إلا هذه الصورة المشوهة تمثل هذا المعنى الذي أشار إليه، وهو أن ذكر أبي العلاء طيب لمن سمعه ونطق به.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١