لماذا لا نسمي اليابان وأوروبا رجعية بتدينهما

فلماذا، يا ليت شعري، تتقدم اليابان هذا التقدم السريع المدهش وتصير هذه الأمة أمة عصرية يضرب برقيها المثل وهي تضرب بأعراقها إلى عقائد وعادات ومنازع مضى عليها ألفا سنة، ويكون إمبراطورها هو كاهنها الأعظم، ولا يقال عنها: (رجعية) و(مرتجعة) و(ارتجاعية) ومتأخرة ومتقهقرة (فإن كانت اليابان رجعية فمرحى بالرجعية).

ولماذا كان ملك إنكلترة وإمبراطور الهند السيد على ٤٥٠ مليون آدمي في الأرض من البيض والسمر والصفر والحمر والسود هو رئيس الكنيسة الإنكليكانية، ومجالسه النيابية تبحث في جلسات عديدة في قضية الخبز والخمر؛ هل يستحيلان بمجرد تقديس القسيس إلى جسد المسيح ودمه فعلًا دون أدنى شك، أم ذلك قبيل الرمز والتمثيل؟١ ولا يقال عنه: إنه (رجعي)، ولا يقال عن دولته العظمى: إنها (متأخرة) أو (متقهقرة)، فإن كانت إنكلترة بعد هذا متقهقرة فيا حبذا (التقهقر).

ولماذا كانت القارة الأوروبية كلها مسيحية مفتخرة بمسيحيتها، تتباهى بذلك في كل فرصة، متحدة في هذا الأمر على ما بينها من عداوات ومنافسات، ولا ننبذها حتى بقولنا: (رجعية) و(ارتجاعية)، والحال أن الديانة التي تدين بها أوروبة عمرها ١٩ قرنًا.

وهذا عهد يصح أن يقال عنه: قديم، (وقديم جدًّا)، وهؤلاء اليهود — مهما ننكر عليهم من الفضائل فلا نقدر أن ننكر عليهم المقدرة والذكاء والحس العملي والجد الهائل — لا يزالون يفخرون بتوراة وجدت منذ آلاف السنين ويشاركهم فيها المسيحيون.

ولماذا نرى أعظم شبان اليهود رقيًّا عصريًّا يجاهدون في إحياء اللغة العبرية التي لا يعرف مبدأ تاريخها؛ لتوغلها في القدم، ولا يقال عنهم: إنهم رجعيون ومتأخرون وقهقريون؟!

وقد نشر وايزمان رئيس الجمعية الصهيونية حديثًا في جريدة (الماتن) كان من أهم ما فخر به وأدلى به كمأثرة ينبغي أن تذكرها لهم الإنسانية هو (أن فلسطين الحديثة تتكلم اليوم بأجمعها بلغة الأنبياء) يريد بفلسطين الحديثة؛ فلسطين اليهودية التي قد نشر الصهيونيون فيها اللغة العبرانية القديمة، وأجبروا نشئهم الجديد على أن يتحدثوا بها لتكون اللغة الجامعة لليهود، ومن الذي فعل هذا؟ الجواب: هم اليهود العصريون الذين هم أشد الناس أخذًا بمبادئ العلم الحديث والحضارة العصرية.

وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.٢

وماذا عساني أحصي من هذه الأماثيل والعبر في رسالة وجيزة كهذه؟!

كل قوم يعتصمون بدينهم ومقومات ملتهم ومشخصات قومهم الموروثة ولا ينبزون بهذه الألقاب إلا المسلمين!

فإنه إذا دعاهم داعٍ إلى الاستمساك بقرآنهم وعقيدتهم ومقوماتهم ومشخصاتهم وباللسان العربي وآدابه والحياة الشرقية ومناحيها قامت قيامة الذين في قلوبهم مرض … وصاحوا: لتسقط الرجعية. وقالوا: كيف تريدون الرقي وأنتم متمسكون بأوضاع بالية باقية من القرون الوسطى، ونحن في عصر جديد.

جميع هؤلاء الخلائق تعلموا وتقدموا وترقوا وعلوا وطاروا في السماء؛ والمسيحي منهم باق على إنجيله وتقاليده الكنسية، واليهودي باق على وثنه وأرزه المقدس، وكل حزب منهم فَرِحٌ بما لديه، وهذا المسلم المسكين يستحيل أن يترقى إلا إذا رمى بقرآنه وعقيدته ومآخذه ومتاركه ومنازعه ومشاربه ولباسه وفراشه وطعامه وشرابه وأدبه وطربه وغير ذلك، وانفصل من كل تاريخه، فإن لم يفعل ذلك فلا حظ له من الرقي؟!

فهذا ما كان من ضرر الجاحد الذي يقصد السوء بالإسلام، وبالشرق أجمع، ويخدع السذج بأقاويله.

هوامش

(١) لم يحدث التاريخ عن مسألة من مسائل إنكلترة الداخلية أخذت في الأهمية الدور الذي أخذته قضية «الأفخاويستا» وهي قضية تحول الخبز والخمر إلى جسد المسيح، وأصل هذه العقيدة ما رواه الإنجيل من أن السيد المسيح — عليه السلام — قبل صعوده إلى السماء تعشى مع تلاميذه وودعهم، وبينما هو على المائدة تناول لقمة من الخبز وقال: كلوا؛ هذا هو جسدي. وشرب جرعة من الخمر وقال: اشربوا؛ هو ذا دمي. فتكونت من هذه الكلمات في النصرانية عقيدة معناها أن الخبز والخمر يستحيلان إلى جسد الرب تمامًا وحقيقة لا مجازًا، ولما كان القسيس عندهم هو خليفة المسيح كان لا بد له كل يوم عند التقديس في الكنيسة أن يتناول لقمة من الخبز، ويشرب رشفة من الخمر، وهو يتلفظ بنفس الكلمات التي تفوه بها السيد المسيح — عليه السلام — في أثناء عشائه مع الحواريين، فمتى فعل ذلك تحول هذا الخبز وهذا الخمر إلى جسد الرب حقيقة لا مجازًا، ولذلك يوضع هذا الخبز — ويسمونه القربان — في حُق ثمين فوق المذبح من الكنيسة ويسجدون له؛ وذلك باعتبار أن هذا القربان هو الإله نفسه، ويسمون وجود الإله فيه «بالحضور الحقيقي» وبالإفرنسية Présence réelle، وهذا من أعظم الأسرار المقدسة عندهم، وإذا أشرف المريض على الموت جاء القسيس وتلقى منه الاعتراف بذنوبه وناوله هذا القربان فقيل: إنه ذهب إلى الآخرة متزودًا الأسرار الإلهية. وقد كانت هذه العقيدة هي عقيدة المسيحيين جميعًا، ولا تزال عقيدة أكثرهم إلى اليوم، إلا أنه جرى الإصلاح البروتستانتي تغير الاعتقاد عند أتباعه بقضية الحضور الحقيقي وباستحالة الخبز والخمر اللذين يقدس عليهما القسيس إلى جسد الرب ودمه حقيقة لا مجازًا، وقال البروتستانتيون: إن هذا مجاز لا حقيقة، وإنه مجرد رمز وتذكار، وعدلوا عن وضع القربان فوق المذبح والسجود له باعتبار أنه هو الإله بذاته، وصاروا في كنائس البروتستانت يجعلون هذا القربان في تجويف خاص به من الحائط، ولكن الكنيسة الإنكليكانية — أي الكنيسة العليا في إنكلترة — لم يتفق رأيها في قضية القربان فحزب اليمين منها كان باقيًا على عقيدته الأصلية وهي أن الخبز والخمر يستحيلان بتقديس الكاهن إلى جسد الرب حقيقة لا مجازًا، وحزب الوسط مع حزب اليسار كانا يقولان: إن كلمات السيد المسيح هذه لم تكن إلا رمزًا وإنه لا يمكن أن يتحول الخبز والخمر تحت تقديس الكاهن إلى جسد الرب ودمه، واعتمدوا في رفض العقيدة الكاثوليكية على (كتاب الصلاة) الذي هو دستور الكنيسة الإنكليكانية وهو كتاب وضعه بروتستانتيو الإنكليز لمذهبم يوم انشقوا عن الكنيسة الرومانية.
ولما كانت هذه المسألة مسألة خلافية بين أتباع الكنيسة الإنكليكانية وقد عمل فيها كل فريق برأيه وخيف فيها من انشقاق عام أمرت الحكومة البريطانية بتأليف مجمع من الأساقفة تحت رئاسة إمامهم الأكبر رئيس أساقفة كنتربري؛ لأجل التدقيق في هذه المشكلة وحلها على أحد الجهين، فانعقد المجمع؛ وذلك منذ أربعين سنة، ولم يوفق إلى حل يرضي الفريقين، وأخيرًا ألحت الحكومة على هؤلاء الأساقفة بأن يبتوا في القضية إن لم يكن بالإجماع فبأكثرية الآراء فحكموا بالأكثرية، وخالف في الحكم ستة من المطارين؛ وذلك بأن الخبز والخمر يستحيلان في قداس الكاهن إلى جسد المسيح ودمه، وعليه تجب عبادتهما، والسجود لهما، ووضعهما في أعلى المذبح لا في كوة حائط الكنيسة، وبالاختصار رجع أكثر المطارين في هذه المسألة إلى العقيدة البابوية، ولما كان القانون الأساسي لبريطانية العظمى يوجب أن يكون القول الفصل في جميع هذه القضايا الدينية لمجلس اللوردات ولمجلس العموم؛ عملًا بكتاب الصلاة الذي هو مرجع الأمة الإنكليزية أحيل حكم المطارين هذا إلى مجلس اللوردات، وكانت للمناقشات فيه جلسات متعددة بلغت من اهتمام الملأ ما لم تبلغه المناقشات في أية مسألة.
وقيل: إن بعض اللوردات ممن بلغ بهم الكبر عتيًّا قد حملوا إلى المجلس على الأكف؛ حتى لا يفوتهم سماع هذه المناقشات، وأخيرًا أيد مجلس اللوردات بالأكثرية قرار مجمع الأساقفة، ولم يكن ذلك كافيًا؛ إذ كان لا بد لإمضاء الحكم من قرار مجلس الأمة الذي يقال له مجلس العموم.
فلما جاءت القضية إلى مجلس الأمة نزع بأكثرية أعضائه عرق العصبية البروتستانتية، وكان في مقدمتهم ناظر الداخلية البريطانية، فنقضوا قرار مجلس اللوردات وحكم مجمع الأساقفة، وقرروا أن الخبز والخمر لا يستحيلان بالبداهة إلى جسد السيد المسيح — عليه السلام — ودمه وتوكأوا في ذلك على «كتاب الصلاة» الذي هو دستور الكنيسة الإنكليكانية الوحيد، ولم يوافقوا مجمع الأساقفة إلا على زيادة العبارات التي زادها في الدعاء لملك إنكلترة، وعلى أثر هذا القرار من مجلس العموم استعفي رئيس أساقفة كنتربري من منصبه.
وإنما أتينا على ذكر هذه الحادثة التي ليست موضوعنا مباشرة؛ إثباتًا لأمرين: أولهما: استمساك الأمة الإنكليزية بمبادئها الدنيوية وشدة اهتمامها بهذه المباحث مع أنها في طليعة الأمم الراقية بلا نزاع، والثاني: تشدق من يقول: إن أوروبة نبذت الدين ظهريًا، ومن يقول: إن أوروبة فصلت الدين عن السياسة، وإن هذا الفصل كان نجاحها، وإنه حري بالمسلمين أن ينهجوا نهجها إن كانوا يريدون لأنفسهم رقيًّا كرقي الأوروبيين، وسلطانًا في الأرض كسلطانهم، فأين فصل الدين عن السياسة هنا؟!
وهذا «كتاب الصلاة» هو الذي اعتمد عليه مجلس العموم في نقض قرار مجلس اللوردات، وأين فصل الدين عن السياسة وأنت ترى أن مسألة دينية بحتة تطرح في مجلس اللوردات ومجلس النواب، ويفصلان فيها، فإن لم تكن هذه المسألة دينية فما الديني إذًا؟! وإن لم يكن مجلسا الشيوخ والنواب مختصين بالسياسة فما المجالس التي تختص بالسياسة بعدهما؟! فليتأمل القارئ المنصف مدى التضليل الذي يقوم به المضللون من المسلمين الجغرافيين؛ إما جهلًا وتعاميًا عن الحقيقة، وإما خدمة للاستعمار الأوروبي الذي ليس له غرض أعز عليه من أن يأتي على بنيان الإسلام من القواعد (ش).
(٢) من الآية: ٢٦٩ من البقرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤