الفصل الثاني

النمو المعرفي المبكر

يبدو الطفل الرضيع ذو العينين الجميلتين غيرِ القادرتين على التركيز بعدُ، متأهِّبًا للرضاعة. تستعد الأم لإرضاع طفلها، وتُهَمْهِم معه وتتحدَّث إليه في حنان بينما تتمدَّد على المقعد للاسترخاء وتبدأ في إرضاعه. ينظر الطفل إليها، ينظر إليها بالفعل ويتأمَّل وجهها ويغلق عينيه لِيَنْعم بالهدوء استعدادًا للرضاعة. تشعر الأم بسعادة غامرة؛ فهذه لحظة جديدة ورائعة. يتضح للأم أن تركيز الرضيع لا ينصبُّ إلا عليها؛ فحضورها يوفر له الطمأنينة والرضا. وتدرك الأم أن رضيعها قد بدأ سلسلةً من التغيرات المعرفية، التي من شأنها أن تربطه بها وبالعالم الخارجي.

سنتناول في هذا الفصل المعيار الأول للصحة النفسية الجيدة؛ ألا وهو تطوُّر المهارات المعرفية في الطفولة المبكرة. إن التطور أو النمو المعرفي يعني ببساطةٍ تطوُّرَ تفكيرِ الطفل بمرور الوقت. يعتمد مستوى جودة تفاعُل الناس مع بيئاتهم — إلى حدٍّ كبير — على مدى تذكُّرهم للأشياء المكتسَبة في الماضي، وكيف يستخدمون ما لديهم من معرفة في تسيير أمور حياتهم اليومية بنجاح، وإلى أي مدًى يمكنهم التحقُّق من المعلومات الجديدة ودمج الجديد منها داخل مخزونهم المعرفي. سأستكشف مؤشرات النمو المعرفي الطبيعي من ناحية ارتباطها بالصحة النفسية الجيدة والتربية الجيدة للأبناء. وكما ناقشنا في الفصل الأول، يشير النمو الطبيعي إلى اكتساب المهارات التي أثبتت الأبحاث أن معظم الأطفال يمكنهم إتقانها لدى وصولهم إلى سنٍّ معينة.

تُعزَّز الصحة النفسية الجيدة إذا حظي الأطفال ببداية قوية في بيئات تعلُّمهم الأولى. ويكتسب الأطفال المعلومات الخاصة بالسمات المميزة لبيئاتهم بوجه عام من خلال التفاعلات الأولى لَهُم مع البالغين في حياتهم، كما تُمثِّل طريقةُ استجابة البالغين للأطفال الرُّضع مؤشرًا غاية في الأهمية لكيفية نمو الأطفال في السنوات المقبلة. قد يكون نطاقُ استجابات البالغين من مقدِّمي الرعاية نحو الأطفال شديدَ الاتساع في الواقع؛ فيحظى بعض الأطفال الرُّضع بمقدِّمي رعاية يُلَبُّون كافة احتياجاتهم بعناية وحب؛ وثمة أطفال رُضع آخرون لا يحظون بأي اهتمام من جانب البالغين. ويحظى العديد من الأطفال الرُّضع الآخرين بمستوى رعاية من البالغين يقع في المنتصف بين هذين الحدَّين من العناية والتواصل.

يبدأ تفكير الأطفال في التطور في بيئاتهم المادية منذ يوم ولادتهم. وحتى قبل الولادة، يعتقد الباحثون أن مداركَ الأطفال تكون انعكاسيةً في الغالب، ولكنهم يستجيبون بالفعل للبيئة الخارجية. تتطلَّب الاحتياجاتُ الجسديةُ للطفلِ حديثِ الولادة تفاعلاتٍ ثنائيةً على الفور، وتتشابك هذه التفاعلات بصورة مطلقة مع التطور المعرفي والاجتماعي. يَستدعي الطفلُ الرضيعُ الطبيعيُّ البالغين لرعايته من خلال البكاء، ويسترخي في حالة شعوره بالشبع ويرغب في التواصل مع البشر. يَظهر التواصل البصري جليًّا ببلوغه الشهر الثالث من العمر، ويُعد — جنبًا إلى جنب مع البكاء والابتسام والهمهمة — مؤشرًا على الاهتمام والرعاية الجسدية المتوقَّعَيْن والمرغوبَيْن من جانب مقدِّمي الرعاية. تبدأ رحلة العلاقات البشرية مبكرًا وتستمر على مدار تطور الطفل. وهذا النمو المعرفي المبكر أمر بالغ الأهمية للصحة النفسية الجيدة.

أَهدِف في هذا الفصل إلى توضيح سَيْر التطور المعرفي لدى الأطفال الصغار، إضافة إلى كيفية تحفيز البالغين لهذا التطور. سنبدأ باستكشاف التفاعلات بين البالغين والأطفال الرُّضع، ثم نستطلع ما يمكن أن يحدث عندما تكون هذه الرابطةُ ضعيفةً أو غيرَ موجودةٍ تقريبًا. يتطور النمو المعرفي بالتزامن مع المهارة الاجتماعية، ولا يُعد هذا التفاعل بين مجالات التطور مفاجئًا؛ إذ يرتبط أداء الوظائف الاجتماعية بأداء الوظائف المعرفية، وكلاهما من مقومات الصحة النفسية الجيدة؛ فالصحة النفسية تتطلَّب وجودَ قاعدةٍ متينةٍ قوامُها اهتمامُ البالغين لكي يطوِّر الأطفال اهتمامًا ببيئاتهم ويعزِّزون ذلك الاهتمام. ويُترجَم هذا الاهتمامُ في نهاية الأمر إلى تعامل الأطفال الرُّضع النشيطين مع العالم المادي، الذي يساعد في تطورهم المعرفي. يضع الأطفال الرُّضع لَبِنات تطورهم بأنفسهم بفاعلية، وإن كان يتم هذا جنبًا إلى جنب مع المساعدة الكبيرة من البالغين الموجودين في حياتهم.

(١) الخلفية والأبحاث

يهتم الطفل الرضيع كثيرًا بالعالم من حوله، ويُحْرِز مقدِّمو الرعاية القادرون على توفير التحفيز لأطفالهم نتائجَ رائعةً. وقد يكون هذا التحفيز في صورة ألعاب وكتب وموسيقى ومداعبة باللمس ووجوه وأصوات بشرية أخرى؛ فالطفل الرضيع الذي يلهو بدميةٍ ما، يتعلَّم العديد من الأشياء الجديدة. ولعل تحفيز النمو المعرفي عند الأطفال الرُّضع أحد الموضوعات الأكثر نشرًا في وسائل الإعلام الشائعة التي قد يستفيد منها الآباء.

في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، انصبَّ اهتمامُ وسائل الإعلام كثيرًا على مدى قدرة الآباء المنتمين إلى الطبقتين الوسطى والعليا على تحفيز النمو المعرفي لدى أطفالهم. وقد كانت المعلومات في وسائل الإعلام المألوفة عن كيفية تقديم التحفيز المعرفي للأطفال صحيحة غالبًا، ولكنها كانت تميل إلى المبالغة في الأمر. كان هناك تركيزٌ هائلٌ على تطوير المهارات؛ مثل التعرُّف البصري على الأشكال، وترتيب الأشياء في فئاتٍ، كأحد أشكال التحفيز المعرفي؛ بهدف تنشئة أطفال «أذكياء». وقد قُدِّمت أُطُر زمنية وجداول إلى الآباء بصفتها المناهج المثالية للتحفيز اللازمة لتنشئة أطفال موهوبين فكريًّا. وعلى الرغم من أن بعض الأطفال ربما استفادوا من هذه الحماسة المفرطة، ثمة إشارة تحذيرية تتعلَّق بطبيعة التطور الكلي لدى الأطفال، وقَدْر التحفيز الذي يمكن أن يتحمَّله الأطفال.

إن الوالد الحنون الذي يحفِّز طفله، آخذًا في الاعتبار توفير الراحة لهذا الطفل، يعطيه في الوقت نفسه معلومات عن بيئته والأشخاص الآخرين ذوي الأهمية في هذه البيئة. وينبغي أن ينصبَّ تركيز الشخص البالغ عند تعامُله مع الطفل على راحة الطفل واهتماماته في لحظات التحفيز بدلًا من التركيز على الجانب المتعلِّق بتنشئة أطفال عباقرة؛ إذ إن تطوير المهارة الاجتماعية والمعرفية يَحدث بالتزامن. يعتمد الأطفال الرُّضع على مقدِّمي الرعاية لتوفير بيئة تفاعلية تتضمَّن مستوياتِ تحفيزٍ مناسِبةً للنمو المعرفي؛ فمقدِّم الرعاية الذي يتضمَّن تركيزُهُ على التطور المثالي للطفل الرضيع عنصرَي التفاعل والتنشئة جنبًا إلى جنب مع التحفيز المعرفي، يساعد بذلك في تعزيز الصحة النفسية بصفة عامة.

ماذا نعرف عن الإدراك المعرفي لدى الأطفال الرُّضع؟ اكتشفت عالمة النفس المتخصِّصة في الإدراك المعرفي لدى الرُّضع — إليزابيث إس سبيلكي (٢٠٠٢) — أن الإدراك المعرفي لدى الرُّضع يتسم بالتعقيد، بصرف النظر عن الصعوبات المقترنة بإجراء الأبحاث على فكر الأطفال دون القدرة على الاستفادة من استخدامهم للُّغة الكلامية؛ ومثل هذا «التمثيل غير اللُّغوي» لدى الطفل الرضيع يعني أن إجراء الأبحاث على هذه المرحلة التطورية من الحياة قد يمثِّل تحديًا. ولكنَّ سبيلكي وباحثين آخرين مثلها اكتشفوا أن الأطفال الرُّضع لديهم مفاهيم عن الأشياء ومفهوم أوَّلي عن السبب والنتيجة، كما يمكنهم التعرف على مَن يهتمون بشئونهم، بل ويمكنهم تمييز شيءٍ ما مِن بين العديد من الأشياء، وهذه ليست إلا أمثلة للمفاهيم التي يدركونها قبل بلوغهم عامًا واحدًا وليست على سبيل الحصر. وعلى الرغم من عدم وجود إجماع بين علماء النفس على عمق الإدراك المعرفي لدى الأطفال الرضَّع، تثبت هذه النتائج — إضافةً إلى نتائج أخرى — أن عالَم الإدراك المعرفي الخاص بالطفل الرضيع يتضمَّن الكثير من التفاصيل. في هذا الصدد، يتميز الإدراك المعرفي لدى الأطفال في هذه المرحلة بالثراء، إضافةً لتعدد جوانبه.

(٢) الصحة البدنية

من الأهمية بمكان أن نتذكَّر اعتماد الأطفال الرضَّع على عالَم البالغين لتلبية احتياجاتهم البيولوجية أيضًا. بدايةً يجب أن يشتمل العالَم المادي للطفل الرضيع على الغذاء والدفء والراحة، ويلبِّي البالغون هذه الحاجات الأساسية حتى يسلك التطور البدني للطفل مسارًا صحيًّا. علاوةً على ذلك، يعني عدمُ وجود علَّة بدنية لدى الطفل إمكانيةَ مجاراته للتحفيز البيئي. وقد أثبتت الأبحاث التي أُجريت على مدار عدة عقود في علم النفس وتطور الأطفال الرُّضع أن الأطفال الأصحَّاء بدنيًّا يؤدُّون وظائفهم المعرفية بصورة جيدة مقارنةً بالأطفال الرُّضع الذين تأثرت صحتهم البدنية بمشكلات؛ مثل نقصان الوزن عند الولادة، أو ضعف التغذية، أو الإهمال المرتبط بعوامل نفسية مثل الحمل غير المرغوب فيه مثلًا.

في الواقع، أثبت باحثون متخصصون في مجال الإدراك المعرفي لدى الأطفال الرُّضع، مثل سوزان إيه روز (١٩٩٤)، أن سلوكياتٍ مثل الإدراك البصري وتنسيق المحفِّزات البصرية المرتبطة باللمس لدى الأطفال الرضَّع الذين يعانون من نقصان الوزن؛ تتطوَّر بصورة أقل مقارنةً بالسلوكيات نفسها لدى الأطفال الأكثر وزنًا، ويبدو هذا الفرق واضحًا في مرحلة مبكرة منذ أن يبلغ الطفل خمسة أشهر من العمر؛ فالطفل الرضيع الذي يتمتع بصحة بدنية لديه فرصة جيدة للتكيف بصورة ملائمة مع البيئة بمساعدة العلاقات الاجتماعية، والطفل الرضيع الذي يولد بوزن متوسط ويحصل على احتياجاته الغذائية من البالغين من مقدِّمي الرعاية يتفوق عادةً في هذا التكيف. يحتاج الأطفال الرضَّع كافة إلى أساس قوي من الصحة البدنية لكي يتطوروا اجتماعيًّا ومعرفيًّا. هل تَذْكر الملاحظاتِ الواردةَ في الفصل الأول عن التفاعل بين العالَم المادي والعالَم النفسي؟ يحتاج التطور الطبيعي إلى كلا العالَمين كي يسير قُدُمًا. وتُعزَّز الصحة النفسية الجيدة من خلال التفاعل بين الصحة البدنية والمعرفية والاجتماعية الانفعالية.

(٣) خطوات الإدراك المعرفي

سنذكر هنا مثالًا واحدًا للمحاولات التي يقوم بها طفل رضيع للتعامل يدويًّا مع البيئة ليكون نقطة انطلاق جيدة لمناقشة سلوكيات محدَّدة لازمة لكي يسير التطور المعرفي قُدمًا لدى الطفل الرضيع. يرى طفلٌ رضيعٌ شيئًا ما في محيطه البصري. وبالزحف وحركات الذراع غير المتناسقة، يحاول أن يجذب هذا الشيءَ نحوه. وفي يومٍ ما، وبعد عدة محاولات، ينجح الطفل في جرِّ هذا الشيءِ نحوه. والشيء الذي جَذَبَه الطفل بالقرب منه يمكن أن يراه الآن بشكل أوضح ويحرِّكه بيده. ومع تكرار المحاولات، يتمكَّن الطفل من التقاط شيءٍ ما جَذَبَه بالقرب منه. يتيح ذلك فرصةً للطفل للتعامل بيده مع الشيء الذي يحمله بصورة أكثر من ذي قبل. ويمكن للطفل أن يُلقي هذا الشيءَ من يده، وأن يُنْعِم النظر فيه أكثر، وقد يلتقطه ثانية. وبينما يحدث هذا التقدم على مدار الشهور التسعة الأولى من حياة الطفل، فإنه جدير بالملاحظة، كما أنه يحدث في الواقع بوتيرة سريعة للغاية.

خلال تعلُّم الطفل التحكمَ في شيءٍ ما، فإنه يلاحِظ القواعد الأوَّلية المرتبطة بهذا الشيء؛ فعندما يقوم الطفل بِرَجِّ الشخشيخة، فإنها تُصدِر أصواتًا تدفع الطفل لهزِّها ثانيةً. يستمتع الطفل المذكور في المثال بالتعامل بيده مع اللعبة وربما يقوم بقذفها بعيدًا عن جسده، سواء أكان ذلك بدافع الإثارة أو لغرضٍ ما في نفسه. وبالرغم من أن علماء النفس لا يمكنهم تحديدُ إلى أي مدًى يمكن أن يشتمل التمثيل المعرفي لحدثٍ ما على معنًى ضمنيٍّ عند الطفل — مثل «لا أستطيع أحيانًا التقاط الشيء الذي قذفته» — فإن الطفل قد يشعر بالإحباط ويدعو مقدِّمَ الرعاية لمساعدته. وينطوي هذا الحدث غالبًا على ضرورة اشتراك شخص بالغ في لعبة التقاط ذلك الشيء وتقريبه من الطفل ثانية، وربما مرارًا وتكرارًا.

ثمة العديد من الأسس الرائعة لمحاولات الإجادة هذه — التي يبدو أنها تحدث يوميًّا في حياة الأطفال — تحدث على نحو سابق لهذه التعاملات الأولى للطفل مع البيئة. تَظهر هذه الأسس أو التقديرات التقريبية الخاصة بتطور المهارات بترتيبٍ يمكن توقُّعه إلى حدٍّ ما، كما أنها تعكس جوهر الطفل الآخذ في النمو.

(٤) الوصول إلى مرحلة الإجادة

لكي يتمكَّن الطفل الرضيع من «الإقدام» على سَحْب شيء جذَّاب بالقرب من جسده، مثل الطفل المذكور في مثالنا، ينبغي أن تتوافر لديه مجموعة من السلوكيات، تستوجب جميعُها جهودًا تنسيقية في إطار نمط سلوكي يمكن أن نطلق عليه «مجموعة المهارات الخاصة بالإجادة». إن السلوكياتِ العديدةَ التي تَظهر لدى الطفل الرضيع المقدام كثيرةٌ للغاية، بل وربما تكون مفاجِئة لغير الدارسين لتطور الأطفال. فالتدرج الذي يحدث من الاعتماد التام للطفل حديث الولادة الذي لا يستطيع التحرك أو القيام بحركات متناسقة، وصولًا إلى مرحلة التعامل اليدوي مع البيئة، يَحدث على مدار السنة الأولى من العمر. وتعكس القائمة التالية تلخيصًا للوظائف التي تظهر لدى الطفل الذي ينجح في تعلُّم كيفية التعامل بيديه مع الأشياء واستقطاب مقدِّم الرعاية لمشاركته في لعبة «التقطْ دميتي».

مجموعة المهارات اللازمة لإجادة الاستكشاف المبكر

  • (١)

    التركيز البصري.

  • (٢)

    الانتباه.

  • (٣)

    الإجادة الجسدية للمهارات الحركية الكبرى.

  • (٤)

    تحفيز الاهتمام/الرغبات.

  • (٥)

    التعرف على شيء مرغوب.

  • (٦)

    الشعور بالإثارة من الأشياء الجديدة.

  • (٧)

    ثبات التركيز والمثابرة على الفعل.

  • (٨)

    تنسيق السلوكيات البصرية واللمسية والحركية.

  • (٩)

    قَدْر من التنسيق بين الإبهام والأصابع المقابلة لها.

  • (١٠)

    الأصوات الانفعالية التي تسبق الكلام، والتي تجذب انتباه مقدِّمي الرعاية للطفل الرضيع؛ مثل الأصوات التي تنمُّ عن الإثارة أو الإحباط.

إذن يمسك الطفل بالدمية ويلقيها ويصدر أصواتًا ليدرك البالغون أنه قد حان وقت المساعدة ومشاركته في اللعب. وهكذا تبدأ لعبة «التقطْ دميتي». وتتجلَّى مجموعة المهارات التي تنم عن إجادة الطفل الرضيع وتقترن بإشراك مقدِّم الرعاية أو الشخص الآخر في المحيط الاجتماعي في اللعبة.

(٥) لغة الانفعالات

يتعلَّق قَدْر كبير من استعداد البالغين للمشاركة في هذا السلوك التبادلي بمدى تضمُّن سلوكياتِ الطفل الرضيع رغبةً في الاتصال بالأفراد. عندما يخرج الأطفال الرُّضع الأصحَّاء إلى العالم، يمكنهم إبداء تعبيرات بالوجه وإصدار أصوات، ويمكنهم رؤية أشخاص وأشياء، ويمكنهم الاستماع والشم واللمس. تتفاوت حدة هذه الحواس، ولكنها موجودة لدى كل الأطفال حديثي الولادة، وتساعد جميعُ هذه الوظائفِ الأطفالَ الرُّضعَ في التكيف مع بيئاتهم الجديدة. ويَذْكر علماء نفس، أمثال الباحث المتخصص في الأطفال الرُّضع روبرت إيمدي (١٩٨٠)، أن التفاعلَ بين السمات البيولوجية والتطور الاجتماعي أمرٌ شديد الأهمية للتكيف المعرفي. وتُعَدُّ قدرة الطفل الرضيع على التعبير عن انفعالاته سلوكًا تكيُّفيًّا عامًّا يساعد البالغين على الاهتمام بحديث الولادة. وفي مختلف الثقافات والظروف الاجتماعية السكانية، يتطلَّب انفعال الطفل الرضيع استجابةً من البالغين مقدِّمي الرعاية في حياته. وعندما يبلغ الأطفال الرُّضع شهرين، فإنهم يهتمون أيضًا بالبالغين ويستغرقون في تفحُّص وجوه مقدِّمي الرعاية بقدر كبير. وعند هذا المنعطف بمرور شهرين من العمر، يكون الأطفال قد انتقلوا من الاستجابات الانفعالية تجاه شئونهم الداخلية فقط إلى الاستجابة للبيئة وما بها من أفراد أيضًا. وقد يكون الطفل الرضيع الذي ذكرناه في الفقرة الافتتاحية لهذا الفصل قد حقَّق هذا التحول في التركيز الانفعالي؛ إذ إن تركيزه على أمِّه، حتى وإن كان لثوانٍ معدودة، قد دلَّ على أنه كان يستجيب لشيءٍ ما في بيئته.

تشمل التعبيراتُ الانفعاليةُ الواضحةُ لدى الطفل الرضيع بحلول شهره السادس البكاءَ والابتسامَ والاهتمامَ والدهشةَ والخوفَ والغضبَ والحزنَ. ويا لها من مجموعة كبيرة من التعبيرات التي تبدو على مثل هذا الشخص الصغير! وعلى الرغم من أن اللغة ستصبح عما قريبٍ وسيلةَ تواصُلٍ أخرى، تُعَدُّ هذه الإشارات المبكرة التي تَصدر عن الطفل الرضيع نحو مقدِّم الرعاية شديدةَ الأهمية لتطور الصحة النفسية الجيدة. تتطور الرابطة بين الوالدَيْن والطفل الرضيع من خلال لغة التعبير الانفعالي. وتجسِّد هذه العملياتُ المبكرةُ لتبادل المعلومات بوادرَ اللغةِ وجوانبَ التطورِ المعرفيِّ والاجتماعيِّ الأخرى.

تعتقد الخبيرتان في مجال التعبير الانفعالي والإدراك المعرفي لدى الأطفال الرُّضع، هانوس وميشتيلد بابوزيك (١٩٩٢)، أن قدرةَ البالغين على تحفيز أطفالهم مبرمجةٌ وراثيًّا، أو أنها قدرة تكيُّفية ولا إرادية؛ إذ يكون لدى البالغين رسائل تكيُّفية وراثية حول رعاية أطفالهم، وأغلب مقدِّمي الرعاية يؤدُّون هذه الوظيفة. وتتعزَّز الرابطة النفسية بين ثنائي الوالد والطفل اللذين تجمع بينهما علاقات صحية. مع ذلك، تذكر الخبيرتان هانوس وميشتيلد بابوزيك أن تحفيز الأطفال الرُّضع يجب أن يَحدث في حدودٍ ضيِّقةٍ إلى حدٍّ ما لكي يتطوَّر الإدراك المعرفي لدى الطفل الرضيع. ولكي يستجيب الأطفال الرُّضع للمحفِّزات، نَذْكر لكم فيما يلي الحدود التي توفِّر إطارَ عملٍ إيجابيٍّ للنمو:

تحفيز الإدراك المعرفي لدى الطفل الرضيع

  • (١)

    يجب تقديم محفِّزات بسيطة إلى حدٍّ ما للأطفال الرُّضع: شيء واحد في كل مرة من خلال شخص واحد في كل مرة.

  • (٢)

    يحتاج الأطفال إلى تكرار المحفِّزات البسيطة.

  • (٣)

    ينبغي التعرف على مدى تحمُّل الأطفال للمحفِّزات ومراعاة ذلك من أجل توفير القَدْر الأمثل من الراحة والاهتمام لهم.

  • (٤)

    يستجيب الأطفال الرُّضع في إطارِ تدرُّج هرمي من تطور المهارات؛ فقد يستجيب الأب أو الأم مثلًا عندما يُخرِج طفلٌ رضيعٌ صوتًا مثل حرف «ب». وقد يحفزه الأب أو الأم لنطق هذا الحرف مقترنًا بحرف متحرك من خلال قول عبارة مثل: «قُل با، بابا.»

  • (٥)

    يجب متابعة استجابة الطفل الرضيع تجاه تطور المهارات؛ على سبيل المثال، عندما يُظهر الطفلُ بعضَ الإتقان لأحد الأصوات، يجب على مقدِّمي الرعاية تحفيز إصدار أصوات أخرى بصورة منهجية.

ويُعتقد أن سلوكياتِ الآباءِ هذه شائعةٌ بين مختلف الثقافات والأعمار والجنسين. وبخلاف الآباء الفعليين، ينجح الأشخاص الآخرون الذين يمارسون السلوكيات المذكورة سابقًا في تيسير الإدراك المعرفي للأطفال الرُّضع. ويمكن اعتبار هذه السلوكيات ركائزَ أو دعائمَ للتطور المعرفي للأطفال الرُّضع. وقد يُقدَّم هذا الدعم من خلال الأشقاء الأكبر سنًّا أو الأقارب الآخرين أو العاملين في مجال رعاية الأطفال أيضًا.

(٦) العلاقة التبادلية بين الآباء والطفل

يتولَّى البالغون، الذين يتمثلون غالبًا في الآباء والعاملين في مجال رعاية الأطفال الموجودين في عالم الأطفال الرُّضع، تهيئةَ البيئةِ التي سيتطوَّر بها الأطفال. وتُنبِّئ التفاعلاتُ التي تَحدث بين البالغين والأطفال — سواءٌ أكانت من خلال التواصل وجهًا لوجه، أو من خلال وضع الأشياء المثيرة للاهتمام ببساطة في بيئة الأطفال — بمستوى كفاءة الطفل فيما بعد؛ لذلك لا يمكن التقليل من شأن الدور الذي يلعبه الشخصُ البالغُ مقدِّمُ الرعاية. ذكرتْ مجموعة من الباحثين، ممن كُلِّفوا بدراسة رعاية الوالدين للطفل ورعاية الطفل من جانب أطراف أخرى نيابة عن المعهد الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية، ما يلي:

تُعَدُّ رعايةُ الوالدَيْن للطفل أحدَ العوامل الرئيسية التي تتنبَّأ بالتطور المعرفي والاجتماعي لدى الأطفال؛ نظرًا للدور المحوري الذي تلعبه الأسرة في السنوات الأولى في عمر الأطفال، ونظرًا لأنها تحمل تأثيرات وراثية وبيئية إيجابية للأطفال (نتورك ٢٠٠٦: ١٠٠).

تابَعَ علماء النفس هؤلاء بقول إن الرعاية الجيدة للطفل خارج المنزل ترتبط أيضًا بمكاسب إيجابية على صعيد اللغة وجوانب التطور المعرفي والاجتماعي الأخرى (سأناقش رعاية الطفل والتطور المعرفي بصورة أكثر تفصيلًا في الفصل الثالث). من الجدير بالملاحظة أن المجموعة البحثية التابعة للمعهد الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية تؤكِّد على أهمية كلٍّ من العوامل الوراثية من الآباء والتأثيرات البيئية التي يصنعها الآباء في إطار تركيزهم على أهمية الوالدين في تطور الأطفال. وتشير «التأثيرات الوراثية الإيجابية» إلى التعبير الجيني لدى الأطفال الرُّضع الأصحَّاء، الذي يساعد في تهيئة مسار التطور الخاص بهم. على سبيل المثال، يُعتقد أن الأطفال الرُّضع المهتمين ببيئاتهم ومَن يستطيعون تهدئة أنفسهم من خلال بعض المساعدة من مقدِّمي الرعاية؛ يتميزون بطبيعة مزاجية إيجابية، وهي سمة مقترنة بنزعة وراثية للاستجابة للبيئة المحيطة. تَذَكَّرْ أننا ناقشنا سلوك الانضباط الذاتي هذا في الفصل الأول، وجرى ربطه بكلٍّ من التفاعلات المعرفية والاجتماعية أيضًا.

يُرجَّح للطفل الرضيع المعافى الذي يستطيع استدعاء مقدِّم الرعاية إليه، والذي يجري إرضاعه وتهدئته وإرضاء رغباته في خلال فترة زمنية معقولة؛ أن يتكيَّف جيدًا مع البيئة كطفل رضيع وفي مراحل التطور المستقبلية. تسهم هذه العلاقة التبادلية أو تبادل المعلومات هذا بين الأطفال الرُّضع ومقدِّمي الرعاية في ضمان أن الطفل يتطور بصورة طبيعية. تَذكَّرْ أن الميل الوراثي لدى الوالدين لتنشئة أولادهم يُعد وظيفة تكيُّفية تشترك فيها كافة الرئيسيات الأخرى في المملكة الحيوانية أيضًا. فهؤلاء البالغون الذي يُشرِكون أطفالهم الرُّضع في العالم مع مراعاة احتياجات الأطفال يحفِّزون بذلك نموهم المعرفي. لكن لا تبدأ كل العلاقات الثنائية بين الوالدين والأطفال على هذا النحو الإيجابي؛ لذا يُعد إجراء الأبحاث على التطور المُعرَّض للخطر مهمًّا أيضًا.

(٧) المخاطر والقدرة على التكيف

تناول الباحثون في علم النفس بالدراسة مجموعاتٍ من الأطفال ممن تعرَّضوا في بداية حياتهم لمخاطر؛ أي إن مراحل تطورهم المبكِّرة أُحبِطَت بما أدَّى إلى عدم حدوث تتابع مراحل التطور الطبيعي. تتعلَّق اثنتان من هذه الدراسات بأطفال من جزيرة كاواي، إحدى جزر هاواي، وأطفال من رومانيا. وعلى الرغم من ذلك، سندرك من خلال الدراستين أيضًا أن بعض الأطفال يعانون صعوبات جرَّاء عوامل خطورة عند الولادة وفي محيط أُسَرهم، في حين أن أطفالًا آخرين نجدهم يتمتعون بقدرة على التكيف مع الظروف والنمو بصورة جيدة.

ترتفع احتمالات تعرُّض الأطفال الرُّضع للمخاطر بصورة كبيرة نظرًا لاعتمادهم بقدر كبير أيضًا على مقدِّمي الرعاية من البالغين. وقد يفتقد هؤلاء البالغون القدرة على القيام بوظائفهم بسبب عوامل مثل الفقر أو المرض العقلي أو إدمان الكحول أو الخسارة الناجمة عن الأحداث الصادمة. كان أطفال كاواي — ممن تعرَّضوا لمثل عوامل الخطر الأُسَري هذه — أكثر عرضةً لخطورة تدنِّي مستوياتهم في أداء الوظائف عن المستوى الطبيعي كأفراد بالغين. وقد حظي بعضٌ من هؤلاء الأطفال من دُور الأيتام في رومانيا برعاية قليلة للغاية من قِبَل أي أشخاص بالغين، وذلك حتى جرى تبنِّيهم. وعلى الرغم من ذلك، يمتلك الأطفالُ الرضَّعُ الصغارُ للغاية حصانةً أيضًا ضد العوامل الحياتية السلبية المبكرة بطريقة أو بأخرى؛ وذلك لعدم تَذَكُّرهم الأحداث السلبية وفَهْمها. علاوةً على ذلك، يتمكَّن العديد من الأطفال المعرَّضين لمخاطرِ ضَعف المحصِّلة المعرفية مِن «تدارُك الوضع». ولكن فحص العقبات التي يواجهها بعض الأطفال الرُّضع وعواقبها يساعدنا في فهم التطور الطبيعي بصورة أفضل.

أُجريت دراسة على أطفال رضَّع من كاواي من قِبَل عالمتا النفس إيمي إي ورنر وَروث إس سميث (١٩٨٢) على مدار فترة امتدت لثلاثين عامًا. عادةً ما تسفر مثل هذه الدراسة «طويلةِ المدى» — حيث أُجري البحث على مدار فترةٍ من الوقت على مجموعة واحدة من الأشخاص — عن بعض البيانات الاستثنائية. جرت متابعة الأطفال منذ أن كانوا أطفالًا رُضَّعًا، وجرت دراستهم على فترات زمنية مختلفة حتى بلغوا ٣١ عامًا تقريبًا. عانى ما يقرب من ١٦٪ من هؤلاء الأطفال الرضَّع إعاقةً عند ولادتهم أو صعوبةً ما أثناء عملية الميلاد أفادت بأن تطورهم كان يمكن أن يعاق، أو أنه يتطلَّب شكلًا من التدخل؛ كمعالجة معرفية في المدرسة مثلًا. وقد اشتملت حالات قصور النمو هذه على تشوهات بدنية أو مستوى ذكاء متدهور. ومن بين هؤلاء الأطفال الرُّضع الذين تعرَّضوا لمخاطر عالية عند الولادة، عانى الثلثان تقريبًا من مشكلاتِ تعلُّمٍ أو مشكلاتٍ سلوكيةٍ عندما بلغوا من العمر عشر سنوات. ورغم ذلك، فقد اتسمت حياة هؤلاء الأطفال أيضًا بعوامل خطورة أخرى إضافةً إلى إعاقاتهم المعرفية أو الجسدية. وكان عاملُ الخطورةِ الآخرُ هذا في أغلب الأحوال البيئةَ الأُسَريةَ.

إن الأُسَر التي تعيش في فقر مدقع فضلًا عن وجود حالة من عدم الاستقرار في محيط الأسرة — بما في ذلك إصابة أحد الوالدَيْن بمرض عقلي — كانت على الأرجح هي من لديها أطفال معاقون لم يتمكنوا من التأقلم جيدًا مع مرحلة البلوغ عندما بلغوا ٣١ عامًا؛ فقد دلَّت ظروف التربية التي لازمت حياة هؤلاء الأطفال على أن نجاحهم في المدرسة قد أُعيق، وأن صحتهم العقلية قد تعرَّضت لمخاطر، وأن قدرتهم على أن يصبحوا أشخاصًا بالغين فعَّالين قد تضاءلت. وقد أصبح النمو المعرفي والاجتماعي لهؤلاء الأطفال معرَّضًا للخطر ببلوغهم سنتين؛ نظرًا لعوامل الخطر البيئية في حياتهم. وقد ساهمت عواملُ، مثل عدم التوافق بين الوالدَيْن أو الطلاق أو إدمان الكحوليات أو المرض العقلي، في إصابة هؤلاء الأطفال بحالاتِ عجز دراسي أو سلوكي خطيرةٍ عند وصولهم إلى سن العاشرة. وقد دلَّت هذه المؤشرات نفسها على أن هؤلاء الأطفال كانت لديهم معدلات أعلى للجنوح للإجرام أو الفشل الدراسي أو مشكلات الصحة العقلية أو حالات الحمل في فترة المراهقة في سن الثامنة عشرة؛ فَلَمْ تَحدث التفاعلات المبكِّرة الإيجابية بين الوالدَيْن والأطفال ذات الأهمية البالغة للتطور بصفة عامة، ولم يكن مقدار التحفيز والتنشئة الذي تلقَّاه بعض الأطفال من والديهم كافيًا لمساعدتهم في تجاوز التحديات التي تعرَّضوا لها عند الولادة وفي بيئاتهم الأُسَرية.

ومن الأمور المثيرة للاهتمام أن ثلث أطفال كاواي هؤلاء ممَّن تعرَّضوا لمخاطر تحقيق نتائج سيئة تحلَّوا بقدرة على التكيف من حيث التعامل مع العقبات التي واجهوها. فكيف أصبح الأطفال الذين يتمتعون بقدرة على التكيف مع الظروف هكذا؟ اكتشفت ورنر وَسميث أن تلك السمات أو عوامل الوقاية نفسها التي نوقشت في الفصل الأول والمتعلقة بالقدرة على التكيف تنطبق في هذه الحالة؛ فالأطفال الذين تمتعوا بالنشاط واليقظة على المستوى البدني، ومَن تسنَّى تهدئتهم من قِبل مقدِّم الرعاية؛ اعتُقد أنهم يتميزون بتوجُّه اجتماعي إيجابي. وقد دلَّ هذا التوجه الاجتماعي على إمكانية تأسيس ارتباط وثيق مع مقدِّم الرعاية. وقد حرص الآباء على مراعاة احتياجات أطفالهم، واعتُبرت هذه الرابطة المماثلة بين الوالدين وطفلهما الرضيع كنقطة انطلاق جيدة لتأسيس البِنى والقواعد والوظائف المنوطة بالأطفال على مدار تطورهم. حظي هؤلاء الأطفال أيضًا بدعم خارجي قوي أثناء سنوات المراهقة، سواء أكان من خلال المدارس أو الأحياء أو السياق الديني. وقد تمكَّن الآباء والأمهات الأَكْفاء الذين وفروا حياة أُسَرية مستقرَّة لطفلهم المعاق، حتى في مواجهة المِحَن، من مساعدة أطفالهم على مدار رحلتهم الناجحة إلى مرحلة البلوغ. ووفقًا لهذه النتائج الخاصة بأطفال كاواي وآبائهم وأمهاتهم الأَكْفاء، فإن القدرة على التكيف ممكنة في مواجهة المِحَن.

ماذا عن الأطفال الذين تربَّوا في دُور أيتام رومانية؟ جرى التخلي عن العديد من هؤلاء الأطفال من قِبل آبائهم وأمهاتهم أثناء فترة عصيبة من التاريخ في رومانيا. طَلَبَت الحكومة من البالغين تكوين أُسر كبيرة العدد، ولكنها لم تقدِّم في المقابل استقرارًا اقتصاديًّا يكفل الرفاهية لهذه الأسر. وبدلًا من ذلك كانت الأُسر تتضوَّر جوعًا. تُرك الأطفال في دور أيتام لم تكن مُهيَّأة على صعيد التجهيزات أو الموارد المالية لتلبية احتياجات التطور الخاصة بهم. كان لدى هؤلاء الأطفال في أغلب الأحيان مكانًا للعيش فقط بدون وسائل تدفئة أو تغذية مناسبة أو اهتمام ورعاية من أفراد بالغين. يمكن وصف عوامل الخطورة هذه مجتمعةً تحت عنوان «الحرمان الشديد المبكر»؛ إذ لم تُلبَّ احتياجات الأطفال الأساسية، وانعدمت الرابطة بين الوالد والطفل الرضيع اللازمة لتطور الصحة النفسية الجيدة.

لهذا الحرمان الشديد المبكر أثر بالغ على التطور الجسدي والمعرفي والاجتماعي للأطفال. انحصرت مستويات الذكاء لنصف الأطفال تقريبًا الذين جرى تبنِّيهم من رومانيا بداية في نطاق التخلف عند فحص مستوى نموهم المعرفي في فترة التبنِّي. وأَسْهَمَ غياب التنشئة والتحفيز في افتقارهم إلى إجادة المهارات، وكلما زادت الفترة التي قضاها الأطفال في دار الأيتام قبل التبني، ساءت النتائج. على الرغم من ذلك، تظهر قصة مذهلة أخرى عن القدرة على التكيف البشري عندما ندرس الأطفال الرومانيين الذين جرى تبنِّيهم. اكتَشف الطبيب النفسي البريطاني الشهير مايكل راتر أنه بوصولهم إلى الرابعة من عمرهم، فإن هؤلاء الأطفال الذين جرى تبنِّيهم قَبل الشهر السادس من عمرهم كانت لديهم قدرة أكبر على أداء الوظائف المعرفية المنوطة بهم مقارنةً بأدائهم الوظيفي عند التبنِّي؛ فقد بدا أن هذه المجموعة من الأطفال «تلحق بركب» أطفال آخرين في نفس العمر (انظر راتر وأوكونر ٢٠٠٤). تعكس هذه البيانات لمحة عن فاعلية البيئات الخصبة التي تتضمن آباءً وأمهات يقدِّمون الرعاية، حتى وإن بدأ الأطفال حياتهم بحرمان شديد الوطأة.

وعلى الرغم من ذلك، حقَّق الأطفالُ الرومانيون في سن السادسة — والذين جرى تبنِّيهم بعد عامهم الثاني — نتائجَ أقل في اختبارات الذكاء من الأطفال البريطانيين الذين لم يَجْرِ وضعهم في مؤسسات قَبل التبنِّي. ومن ثم، ارتبط طول فترة الإقامة في بيئة مؤسسية يسودها حرمان شديد الوطأة ارتباطًا وثيقًا بالتدهور المستمر. ويبدو أن أي حرمان شديد الوطأة وطويل المدى للأطفال الصغار يعيق تطوُّرهم الطبيعي إلى حدٍّ كبير؛ إذ إن صِلاتهم بالبالغين — أو افتقاد تلك الصلات — لم تكن كافيةً لتعزيز نموهم؛ لذا، لا يمكننا التقليل من أهمية هذه الرابطة الاجتماعية للتطور المعرفي.

(٨) التعلُّق

إجمالًا، للآراء القائلة بأهمية التنشئة والرعاية المبكرة للوصول إلى الصحة النفسية الجيدة ما يدعمها؛ فالتطور المعرفي للأطفال يبدأ منذ الولادة ويعتمد بدرجة بالغة على الاستجابات الإيجابية لمقدِّمي الرعاية البالغين. وتشكِّل الصلاتُ المتبادلة بين مقدِّمي الرعاية والأطفال الأساسَ لبيئة التعلُّم الأولى. عادة ما يُطلَق على روابط الاتصال المبكرة هذه مصطلح «التعلق»، الذي يعني ببساطةٍ أن مجموعة من السلوكيات تنشأ بين الأطفال الرُّضع ومقدِّمي الرعاية وتتنبأ بتطور الأطفال؛ إذ تَحْدث تفاعلات بين هؤلاء الأطفال الرُّضع ومقدِّمي الرعاية ممن تجمعهم رابطة نفسية جيدة من شأنها تعزيز الشعور بالراحة واستعداد الطفل لاستكشاف عالمه.

وتظهر هذه التفاعلات بين الطفل الرضيع ومقدِّم الرعاية بصورة واضحة عندما يتراوح عمر الطفل بين ستة وثمانية أشهر. ينظر الطفل الرضيع في هذه المرحلة إلى مقدِّم الرعاية باعتباره «قاعدة آمنة» لاستكشاف بيئته؛ فقد يستكشف الطفلُ الرضيعُ العديدَ من الدُّمَى القريبة منه، ولكنَّ تَواصُله مع مقدِّم الرعاية الأساسي أو قاعدته الآمنة يبدو واضحًا في الوقت نفسه. ويعني هذا الدورُ الذي يلعبه مقدِّم الرعاية أنه عندما يَحْدث انفصال بين الطفل الرضيع وبين مقدِّم الرعاية، يعبِّر الطفل الرضيع عادةً عن ضيقه من خلال البكاء أو الأنين. وقد يعود مقدِّم الرعاية للطفل ويحاول تهدئته بإشارات بدنية أو لفظية من قبيل: «لا داعي للخوف، فلْتلعبْ وسيبقى والدك بجوارك هنا.» وهذا التفاعل بين شخصين يشتركان في عمليات متبادلة وصحية من الناحية النفسية يساعد في تهدئة الطفل بحيث يمكنه العودة إلى ممارسة النشاط الاستكشافي الذي كان يمارسه قبل هذا الانفصال بينه وبين مقدِّم الرعاية. وتُعَدُّ قدرة الطفل الرضيع على العودة إلى نشاط سابق مؤشرًا على قوة العلاقة الاجتماعية بينهما — التعلق — ومدى فاعليتها بشكل عام.

مع ذلك، لم يسلم مفهوم التعلق من الانتقادات. بدايةً، خلصت التوقعات الخاصة بالنجاح المستقبلي، التي تعتمد على بيانات التعلق، إلى نتائج متباينة؛ فقد كشفت بعض الدراسات عن صلات جيدة بين تصنيفات التعلُّق المبكر والنتائج اللاحقة، بينما لم تَخْلص دراسات أخرى إلى النتائج نفسها. ومن خلال إلقاء نظرة عبر الثقافات المختلفة، يبدو أن الأطفال الخاضعين للدراسة في ألمانيا (جروسمان وجروسمان ١٩٨٥) واليابان (فان إيجندورن وكروننبيرج ١٩٨٨) مختلفون عن الأطفال الذين خضعوا للدراسة في الولايات المتحدة. ومن خلال هذه الدراسات، كانت لدى الأطفال الألمان قيود أكثر من قِبل البالغين مقارنةً بأطفال الولايات المتحدة، وحظي الأطفال اليابانيون بمرونة أكبر من قِبل البالغين مقارنةً بأطفال الولايات المتحدة. وتدل هذه البيانات على مقدار العلاقة بين سلوكيات التعلُّق بين الأطفال ومقدِّمي الرعاية وبين الممارسات الثقافية في تربية الأطفال.

وقد اكتشف باحثون آخرون أن فكرة وجود مقدِّم رعاية واحد أساسي — عادةً ما تكون الأم — يعزِّز كافة جوانب النمو، هي فكرة معادية للنساء أو عنصرية أو مضلِّلة. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة وفي أوساط العديد من الأُسَر الأمريكية ذات الأصول الأفريقية، من الممكن أن يكون هناك العديد من مقدِّمي الرعاية «الأساسيين». وعادةً ما تقع على عاتق الأشقاء والأقارب الآخرين مسئوليةٌ كبرى لرعاية الأطفال الرُّضع الصغار؛ حيث يمكن اعتبار الصلاتِ بين هؤلاء الأطفال الرُّضع وجميع مقدِّمي الرعاية مظاهرَ تعلُّقٍ صحيةً (انظر هاركنيس وسوبر ١٩٩٥). وليس هناك دعم كامل للمفهوم التقليدي للتعلُّق كمؤشر على التطور اللاحق ببيانات نفسية. على الرغم من ذلك، نجد أن مفهوم أهمية الاهتمام والتفاعلات المتبادلة بين الأطفال الرُّضع ومقدِّمي الرعاية لهم راسخٌ في مختلف الجماعات العرقية والعديد من الثقافات. ويتمثَّل دور هذا التفاعل في تعزيز تكيُّف الأطفال الرُّضع مع البيئات الجديدة، سواءٌ في البيت أو في أي مكان آخر، وهذه الروابط المبكرة تعمل على تعزيز النمو المعرفي.

(٩) استكشاف المنزل والعلاقات به

عندما يبلغ الطفل الرضيع سنةً واحدة أو سنتين من العمر، يتسع عالمه بشدة؛ فخروجه من النطاق الضيق للمهد أو بين ذراعَي مقدِّم الرعاية الحنونَين إلى نطاق الشقة أو المنزل يشكِّل اختلافًا هائلًا في بيئة الطفل الرضيع. ومع تحرك الطفل في أرجاء البيئة المحيطة به، من خلال الزحف ثم الوقوف والمشي في النهاية، فإنه يدرك إمكانيات استكشاف أشياء جديدة كل يوم؛ إذ تتطور الصحة النفسية الجيدة في الوقت نفسه مع النمو المعرفي.

إن الامتثال للأوامر والحدود المرتبطة بتوقعات السلوك تساعد الطفل الصغير في رؤية كيف يرتبط سلوكه بالأشخاص الآخرين في المنزل. ولاعتبارات السلامة والمخاوف الخاصة بالتطور الصحي، فقد يضع البالغون حدودًا مادية «لمنطقة الاستكشاف». وبهذه الطريقة، يبدأ الطفل الرضيع في إدراك معيار سلوكي مُتوقَّع لمن يقوم على رعايته. وإلى جانب القواعد والمحظورات الخاصة بالحدود، يتعلم الطفل الرضيع أيضًا الطاعة وعواقب سلوكه. على سبيل المثال، قد تُعرِّض وحداتُ التدفئة في منزلٍ ما الأطفالَ الصغارَ لخطر؛ لذا يجب على مقدِّمي الرعاية الالتزامُ بحدودٍ ومحظورات واضحة، ويجب أن يكون ردُّ فعل مقدِّم الرعاية محدَّدًا وحازمًا؛ ومن ثم يُعَد نقل الطفل القريب من المدفأة إلى مكان آخر به دُمًى مثيرة للاهتمام أيضًا نوعًا من التأديب يتعلَّق بإعادة توجيه اهتمامات الطفل، بدلًا من المعاقبة على الفور. ولكن، في حالة مواصلة الطفل استكشاف المدفأة، فقد حان الوقت لمقدِّمي الرعاية لاتخاذ إجراء آخر.

إن أسلوب «العزل المؤقت» (ويقضي بجلوس الطفل بمفرده في مكان محدَّد لمدة زمنية محددة على سبيل العقاب) حلٌّ مُجرَّب ووجيه للتعامل مع سلوك عدم إذعان الأطفال الصغار. يطبِّق مقدِّمو الرعاية هذا الأسلوبَ كنتيجة للسلوك الصادر عن الطفل بطرق مختلفة، علاوةً على تطبيق حدود زمنية مناسبة بناءً على عمر الطفل. إذَنْ، كيف يوظِّف مقدِّم الرعاية أسلوبَ العزل المؤقت في المثال الخاص بالمدفأة؟ يُجدي ذِكر بعض القواعد البسيطة نفعًا. ولْنبدأ بمراعاة عمر الطفل؛ بالنسبة إلى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عام واحد وعامين، يمكن أن يكون وضْعُ الطفل في بيئة تكون الحركةُ بها محدودةً مجديًا؛ مثل المهد أو قفص اللعب الآمن. وعلى الرغم من أن إجادة الأطفال الصغار للُّغة تكون محدودة، فمن الممكن أن يقول مقدِّمو الرعاية بعضَ الجمل المختصرة مثل: «كلا، لا يمكنك الجلوس فوق المدفأة. امكث في مهدك لدقيقتين. ستحصل على فرصة أخرى للعب.» ويجب أن تحدد التوقيت بوضوح كأن تستخدم ساعة توقيت مزوَّدة بجرس أو جهاز طنان. وعندما تُصدر ساعةُ التوقيت الصوتَ المحدد، قُمْ بنقل الطفل من المكان المحدود. أعدْ وضع الطفل في الجزء الآمن من الحجرة الذي يتضمن أشياءَ مثيرة للاهتمام يُسمح له باللعب بها. وربما يتطلَّب الأمر من مقدِّمي الرعاية تكرار هذا الفعل مرتين أو ثلاثًا. إذا لم يكن الطفل قادرًا على تنظيم ذاته والامتثال للأوامر في هذه النقطة، ربما بسبب افتقاده لمهارة التذكُّر أو التركيز، ينبغي في هذا الوقت أن يلجأ البالغون إلى أسلوب آخر. ويُنصح دائمًا بتأمين المنزل من المخاطر التي يمكن أن تهدِّد الطفل أثناء تجوُّله بصورة مُسبقة.

ينبغي وضع حواجز وقائية حول المدفأة أو تركيب أبواب عند حجرة المدفأة، وكذلك من الضروري الانتباه إلى مدى أمانها. وبالطبع، لا بد أن يلجأ مقدِّمو الرعاية إلى الحسِّ السليم فيما يتعلَّق بمحاذير السلامة؛ فقد لا يَأْبَه البالغون بالأطفال الذين يزحفون نحو مدفأة أو يلعبون حولها عندما لا تكون المدفأة قيد الاستخدام أثناء الشهور الدافئة من السنة. وهذا التصرف غير حكيم؛ إذ سيتعيَّن على الطفل الالتزام بقاعدة السلامة في شهور الشتاء. ويتعلَّق الدرس المستفاد هنا المرتبط بكيفية استخدام أسلوب العزل المؤقت بتقدير الشخص البالغ لمهارات الانضباط الذاتي لدى الطفل، إلى جانب تغيير أسلوب العقاب من قِبل الفرد البالغ إذا كان أسلوب العزل المؤقت معقَّدًا بدرجة لا يستطيع الطفل أن يتعامل معها من الناحية الإدراكية. وعندما يبلغ الطفل عامين من عمره، من المحتمل أن يكون أسلوب العزل المؤقت القصير المدى فعالًا مع الطفل الذي أَظْهَرَ سلوكيات تنمُّ عن استعداد أكبر لطاعة الأوامر. على الجانب الآخر، يُنصح دائمًا ﺑ «تأمين بيئات الأطفال من المخاطر»؛ على غرار وضع أغطية على مقابس الكهرباء، أو أقفال خاصة على أبواب خزانات الملابس، أو أقفال حماية على أبواب الغرف التي تتضمَّن أشياء غير آمنة. ويجب أن تحظى سلامة الأطفال الصغار في المنزل بالأولوية القصوى نفسها التي يحظى بها تحفيز تطورهم المعرفي والاجتماعي. وتقع على كاهل البالغين في حياة الأطفال مسئوليةُ تلبية رغبتهم في الاستكشاف ومسئولية سلامتهم.

وعلى الرغم من عدم تحقُّق علماء النفس من المعالجة المعرفية لمَطالب الامتثال لدى الأطفال الرُّضع، فإننا ندرك أن المكافآت والعقوبات على السلوكيات تُعد وسائل فعالة لتغيير سلوكيات الأطفال الصغار. وقد يكون العزلُ المؤقتُ لوقتٍ وجيز داخلَ المهد أو قفص اللعب مع الإشراف طريقةً فعالةً لتغيير السلوكيات مع الأطفال الصغار للغاية. ولكن، وكما هي الحال دائمًا، فإن المكافآت أو الثناء على السلوك الجيد تُعد أقوى تأثيرًا من العقاب على سلوك عدم الطاعة؛ فعندما يلاحِظ البالغون مثلًا أن أحد الأطفال كان يلعب جيدًا في بيئة آمنة، فإن التعبير بجملة واضحة عن هذا النشاط يمثل نوعًا من الثناء؛ فقد يقول مقدِّم الرعاية مثلًا: «إنك تصنع أشكالًا رائعة بالمكعبات. يمكنني أن أُعِدَّ طعام العشاء. شكرًا لك.» ويحبِّذ الأطفالُ الرُّضع والأطفالُ الأكبرُ الآخرون الاستجاباتِ الإيجابيةَ من مقدِّمي الرعاية. إن الاستعداد للثناء على السلوك الجيد لَمِنَ المهارات التي يمكن أن يكتسبها البالغون للمساهمة في ضمان تطور الأطفال بالشكل الأمثل، والذي يشمل الصحة النفسية الجيدة. وعندما يبذل البالغون بعض الوقت لتطوير مهارةٍ مثل الثناء على السلوك الجيد، ستعم الفائدة على الجميع.

إن استخدام أسلوب العزل المؤقت مع الأطفال الصغار يعلِّمهم أن البالغين لديهم قواعد لسلامتهم ورعايتهم، وأن تصرفاتهم لها عواقب. وعلى الرغم من استمرار تطور الانضباط الذاتي وطاعة الأوامر لفترة طويلة تمتد إلى سنوات المراهقة، فإن الممارسة المبكرة تدلُّ على أنَّ تعلُّم قواعد المنزل قد بدأ. سيحتاج الأطفال هذه الممارسة المبكرة حتى يتمكنوا من تحقيق النجاح في بيئات أخرى مثل المدرسة، حتى يستطيع جميع أفراد الأسرة أداء أدوارهم بيسر.

أصبح الطفل الرضيع، الذي يبدأ استكشاف عالمه مبكرًا بمساعدة البالغين ذوي الأهمية في حياته والأطفال الأكبر سنًّا، مهيَّأً للاكتشاف، وتظهر عليه علامات النمو المعرفي المبكر، الذي يمثِّل حجر الزاوية القوي الأول نحو مرحلة الدرْج. إن تعلُّم الحدود والعواقب المرتبطة بالسلوك يساعد الأطفال في تعلُّم المسئولية الشخصية، وتصبح هذه الحدود والعواقب عوامل أساسية في الصحة النفسية للأسرة. ومع تطور القليل من المجموعات البالغة الأهمية الخاصة باللغة والحركة، تبدو السنوات الأولى في عمر الطفل الدارج مشوِّقة لتناولها بالدراسة أيضًا.

(١٠) من السنة الأولى إلى الثانية وما بعدها

يحدث قدر كبير من التطور المعرفي أيضًا بداية من السنة الأولى وحتى السنة الثانية؛ فمثلًا، يبلغ وزن مخ الطفل في العام الثاني من حياته ٧٥٪ من وزن مخِّه عندما يكون شخصًا بالغًا. وعلاوةً على حجم المخ المتنامي هذا، تسير عملياتُ الإدراكِ المعرفيِّ الأكثرُ تعقيدًا قُدمًا. وتتسارع وتيرة التطور اللغوي كثيرًا بين العامين الأول والثاني. ويحاول الطفلُ نُطْقَ كلمات، بما في ذلك الكلمات التي تَعني عبارات كاملة؛ فقد تعني كلمةٌ مثل «أعلى» عبارةَ «أريدك أن ترفعني إلى أعلى»، أو «انظر لأعلى».

يعتمد أولُ عامين من التطور المعرفي للأطفال اعتمادًا هائلًا على المعاملة الحسنة والتربية الحسنة من المحيطين به، ولكن عندما يصل الطفل إلى عامه الثاني، يتضمَّن تعاملُه مع البيئة تحركاتِه التي تتميز بالمهارة الشديدة وفضوله تجاه العالم. وفي ظل النمو المعرفي المتراكم منذ الميلاد وحتى العامين من عمره، يسير الطفل بخطًى ثابتة نحو اكتساب المزيد من المهارة المعرفية بمرور الوقت. فما الذي يمكن أن نتوقعه فيما يتعلق بالتطور المعرفي للأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين عامين وأربعة؟ علينا أن نتوقع أن يكون التفكير أكثر تعقيدًا من تفكير الطفل الرضيع، ولكنه ليس متطورًا كتفكير الطفل في سنوات المرحلة الابتدائية. ويتميز تسلسل التطور هذا بأنه منهجي ويمكن التنبؤ به إلى حدٍّ ما.

يظل التطور المعرفي للطفل غاية في الوضوح في المرحلة من عمر عامين إلى أربعة أعوام؛ إذ يمكنه التعامل بيديه مع الأشياء، وزيادة مخزونه اللغوي المتنامي، إضافةً إلى قدرته على الركض بِحُرية في بيئته. ينطوي النمو المعرفي في أثناء هذه الفترة على زيادة في مهارات الذاكرة القصيرة المدى؛ مثل القدرة على تذكُّر آخِر مكان تَرك فيه الدُّمى الخاصة به، أو أيُّ الدُّمى تُشعره بأقصى سعادة. كما تتحسَّن سعة انتباهه بحيث يكون اللعب المعقَّد ككلٍّ بالقرب من الآخرين أساسًا للَّعب التعاوني فيما بعد مع الأقران والأطفال الأكبر سنًّا والبالغين. ففي عامه الثاني مثلًا، يُعد رصُّ الفناجين وأطباقها البلاستيكية في غرفة مع أطفال آخرين نشاطًا جذابًا للطفل، وبحلول العام الرابع يهتم الطفل نفسه بالتظاهر بإقامة حفل شاي مع زميل اللعب.

قد تظل رؤية الطفل الصغير للعالم الاجتماعي متركِّزة حول ذاته بحيث لا يتيسر له إدراك رؤى الآخرين أو وجهات نظرهم. ولكن على الرغم من وجود بعض هذه القيود، فإن الأطفال الصغار يُنمُّون هذه المهارة. على سبيل المثال، سيتحدَّث الطفل الذي يبلغ من العمر أربع سنوات مع الطفل الرضيع بطريقة تختلف عن حديثه مع طفل آخر في نفس عمره. ويُظهر لنا هذا النوعُ من السلوك أن الطفل في هذه السن لديه قدرةٌ ما على التحول بين المواقف الاجتماعية المختلفة. وتكون لديه رؤية يُدرِك من خلالها ضرورةَ أن يتغيَّر مثلما يتغير الناس في بيئته.

يتحسَّن التآزر الحركي لدى الطفل الذي يتراوح عمره من عامين لأربعة أعوام؛ حيث يكون الركضُ عادةً نمطَ الحركة المفضَّل له. ومن الناحية المادية، يصبح البيتُ بأكمله والأفنيةُ بيئاتٍ للاستكشاف المعرفي. يعني التآزر الحركي لليدين أن بمقدوره ارتداء ملابسه بنفسه مع قليل من المساعدة في البداية؛ حيث إنه يطور المزيد من المهارة بوصوله للعام الرابع. وعلى الأرجح تتحوَّل كل الأشياء الواقعة في بيئته إلى فرص تعليمية أخرى للطفل. يمكن أن يدير الطفلُ العجلاتِ ويضع عربات اللعب في وضع مقلوب لاستخدامها كطاولة لحفلات الشاي، أو لاستخدامها كسطح لكرة واثبة. ولا يتوقَّف الاستكشاف عند حدٍّ معين؛ إذ تتطور المهارات البدنية والمعرفية والاجتماعية بشكل متناغم مع اطِّلاع الطفل على عالمه. يكتسب الطفل بين عامين وأربعة أعوام قدرًا كبيرًا من المعلومات الجديدة، ومن المتوقَّع أن يتصرَّف بقدر من الاستقلالية عن البالغين، على الرغم من استمرار خضوعه لإشرافهم. ولْنتناول أحد الأمثلة البارزة لهذا التفاعل بين التطور البدني والمعرفي والاجتماعي؛ ألا وهو تطوُّر تحكُّم الطفل في إخراج البول والبراز. هناك بضعة توجيهات جيدة يجب أن يراعيها البالغون في التعامل مع تدريب الطفل على استخدام المرحاض بصفة عامة. يمثِّل تدريب الطفل على استخدام المرحاض عملية أخرى تتطلَّب إجادتُها مجموعةً أخرى من المهارات تنطوي على العديد من الركائز التطوُّرية قبل أن يتسنَّى تطبيقها.

عادةً ما يحاول الوالدان أن يؤسِّسا لتدريب الأطفال على استخدام المرحاض في مرحلة مبكرة، أو قبل أن يتمكَّن الأطفال من اكتساب هذه المهارة. تعكس الثقافة السائدة في الولايات المتحدة أن عددًا كبيرًا من البالغين يُمضون أوقاتًا طويلة في محاولة السيطرة على هذه المهارة تحديدًا، في حين أننا لسنا مضطرين لفعل ذلك. فمن الناحيتين المعرفية والبدنية، هناك الكثير من المهام التي ينبغي تحقيقها قبل أن يسعى البالغون لتدريب الطفل على استخدام المرحاض. تقضي النصائح المعتادة بضرورة تدريب الطفل على استخدام المرحاض عندما يصل الطفل إلى الشهر الرابع والعشرين تقريبًا. ولكن، لا ينطبق هذا الأمر، كما هي الحال دومًا، على جميع الأطفال؛ لذلك يجب على البالغين بدايةً مواءمةُ القرار مع المعلومات الواردة بالقائمة التالية. يمكن أن تقدِّم هذه التوجيهاتُ قائمةَ مراجعةٍ خاصةً بمدى استعداد الأطفال الصغار للتدريب على استخدام المرحاض.

التدريب على استخدام المرحاض وإجادة هذه المهارة

  • (١)

    هل الطفل مستعد؟ يجب أن يُبدي الطفل بعض المؤشرات الضرورية؛ مثل القدرة على استيعاب التوجيهات وتنفيذها. يعني الامتثال إلى أوامر شخص بالغ أن الأطفال يمكنهم استيعاب ما يُطلَب منهم والتصرف بناءً على ذلك. فإذا لم يكن الطفل قد تلقَّى أوامر كهذه من أشخاص بالغين سابقًا، فقد لا ينصاع الطفل للأوامر. يحتاج الأطفال إلى التدريب على الأمر من خلال بعض المطالب الصغيرة التي تحثُّهم على الطاعة في مرحلة مبكرة لكي يتمكَّنوا من اكتساب المهارات العديدة المطلوبة للتدريب على استخدام المرحاض.

  • (٢)

    إن المعالجةَ المعرفيةَ لدى الطفل الصغير الخاصةَ بملاحظة الإشارات الصادرة من جسده واتخاذ قرار بشأنِ ما يجب فعله ثم التصرف بناءً عليه؛ تُعد عمليةً معقَّدةً لطفل في مثل هذا العمر، حتى بمساعدة البالغين.

  • (٣)

    من الناحية الجسدية، قد لا تكون مثانة الطفل تامة النمو بما يكفي بحيث يتبول الطفل من أربع إلى خمس مرات يوميًّا في المرحاض. فإذا كان الطفل يتبول أكثر من ست مرات يوميًّا، فمن المرجح أن المثانة ليست تامة النمو بما يكفي للتدريب على استخدام المرحاض.

  • (٤)

    ينبغي أن يتوافق التآزر الحركي لليدين لدى الطفل وقدرته على ارتداء ملابسه والوصول إلى المرحاض معًا.

  • (٥)

    هل الوالدان مستعدَّان؟ ربما يكون وضعُ النونية في متناول الطفل المهمةَ الأسهلَ للوالدين. افعل ذلك قبل الشروع في التدريب بحيث يتعزز لدى الطفل قَدْرٌ من الفضول والراحة لوجودها في المنزل. اقرأ للطفل كتابًا أو كتابين عن التدريب على استخدام المرحاض بصفته إنجازًا يمكن أن يحققه الطفل. تزخر المكتبات العامة والخاصة بكتب من هذا النوع، اقرأ واحدًا للطفل قبل الشروع في هذا التدريب بيوم واحد. وإذا أثير فضول الطفل إزاء التدريب على استخدام المرحاض بمجرد وجود النونية، فلْتجرِّبِ الأمر بأي حال من الأحوال في تلك اللحظة التي يبدي فيها الطفل اهتمامًا بالنونية.

  • (٦)

    كَرِّسْ يومًا تصبُّ فيه تركيزك التام على الطفل. وكُنْ مستعدًّا لتشجيع الطفل على مدار اليوم، وأظهِرْ له الدعم إذا قام الطفل بالسلوك المرجوِّ. لا تجعلِ اليوم كله يتمحور حول التدريب على استخدام المرحاض؛ حيث إن هذا لا يمثل إلا جانبًا واحدًا من الأنشطة التي يقوم بها الطفل الصغير.

  • (٧)

    اجعل البيئة هادئة وخالية من أي توتر. في حالة شعور البالغين بزيادة التوتر، فمن المرجح أن ينتقل هذا الشعور للطفل أيضًا. تذكَّرْ أن الطفل باستطاعته إتقان اكتساب هذه المهارات بمساعدة البالغين؛ فعادةً ما يرجو الأطفال إسعاد البالغين، ويمنح اكتسابُ المهارات الأطفالَ شعورًا بالإنجاز.

  • (٨)

    أَضِفْ قيمة إيجابية إلى التلميحات اللفظية، على سبيل المثال، عند مساعدة الطفل على ارتداء السراويل التحتية المخصصة للتدريب على المرحاض، أَضِفْ عبارة «أنا واثق أنك تستطيع جذب السروال لأعلى.» وساعدِ الطفلَ عند الحاجة. أظهِرِ الثناء إذا اقترب الطفل من تحقيق النجاح المرجوِّ.

  • (٩)

    اجلسْ أمام الطفل في هدوء من ثلاث إلى خمس دقائق حتى يحاكيك. وأَثْنِ على أي محاولة يبذلها الطفل لاستخدام النونية؛ كأنْ تقول: «فلْتجلسْ بهدوء حتى تستطيع الإصغاء إلى إشارات جسدك. هذا رائع.»

  • (١٠)

    بعد أسبوع أو اثنين، إذا ازداد التوتر نتيجة عدم تجاوب الطفل، فربما يكون الطفل غير جاهز للتدريب على استخدام المرحاض. ويُنصح بعدم إجراء محاولة أخرى قبل مرور شهر أو شهرين. دَرِّب الطفل على أن تطلب منه أمورًا صغيرة تحثه على طاعة الأوامر، كأنْ تطلب منه وضْع الدمى أو الكوب في مكانه. أَظهِر الثناء على أي إشارة يصدرها الطفل عن التبول أو التبرز؛ إذ إن هذا يدلُّ على أنه أصبح ينتبه إلى وظائفه الجسدية، وهذا قد يشكل في حد ذاته إدراكًا معرفيًّا جديدًا للطفل.

إذا كان الطفل يتلقَّى الرعاية في مكان آخر خارج نطاق المنزل، فهناك حاجة لجهود مُنسَّقة مع مقدِّمي الرعاية الآخرين كافة. كما أن تعاوُن جميع البالغين والأطفال الأكبر سنًّا في المنزل سيساعد في جعل مهمةِ تعليم الطفل الأمر أسهلَ. إذا كان البالغون والأطفال الأكبر سنًّا في المنزل تروق لهم فكرة كونهم نموذجًا للسلوكيات الجيدة بدورات المياه، فعليك إتاحة الفرصة أمام الطفل الأصغر لملاحظة هذا؛ فعادةً ما تكون محاكاة الأطفال الصغار لسلوكيات الأشخاص الأكبر سنًّا الواضحة ذاتَ أهمية لهم؛ فهذا يجعلهم يشعرون بأنهم يتصرفون «كالكبار».

وعلى الرغم من أن التدريب على استخدام المرحاض لا يعتمد على المهارة المعرفية وحدها، فإنه يمثل بالفعل إحدى مجموعات المهارات السلوكية التي يتقنها الأطفال بفضل ارتقاء النضج المعرفي والبدني والاجتماعي في هذا العمر. إن ملاحظة الاستعداد المعرفي والبدني للأطفال لهذا التدريب يجعل من البالغين معلِّمين أفضل. ويمكن أن يخبرك أي معلم أن نقطة الانطلاق المُثلى للنجاح تتمثل في فهم طلابه.

(١١) الاستعداد لبيئات التعلم الأوسع نطاقًا

يتحلَّى الأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين أربع وست سنوات بمهارات التعامل مع الأدوات التي يحتاجونها في روضة الأطفال والمدرسة الابتدائية. كما أنهم يتعلَّمون المزيد عن كيفية استخدام اللغة ليفهمهم الآخرون، ومن الناحية الأخرى، يكونون أكثر قدرةً على إدراك ما يقصده الآخرون مقارنةً بالأطفال الأصغر سنًّا. يستطيع هؤلاء الأطفال الإمساك بالطبشور أو القلم الملوَّن لرسم خطوط وأشكال علاوةً على قدرتهم عادةً على سرد القصة المقترنة بالرسم التي يتخيلونها للآخرين. وتتجلَّى قدرة الأطفال على التركيز في الجلوس لمشاهدة حلقة من برنامج «عالم سمسم»، أو حتى فيلم أطفال طويل بأقل قدر من الحركة. وبمقدور الأطفال في هذه الفئة العمرية متابعةُ أحداثِ قصةٍ سواءٌ أكانت مرئية أو مكتوبة. وعند هذه المرحلة، يمكنهم التعرف جيدًا على بعض الكلمات القصيرة، مثل «قطة» أو «كلب»، التي تمثِّل بوادر القدرة على القراءة فيما بعد، حتى قبل دخول الروضة أو مرحلة ما قبل المدرسة. ومن المتوقَّع أن يصير الطفل، الذي قرئ له، قارئًا جيدًا فيما بعد؛ إذ إن اهتمام البالغين باللغة والكتب يُعد أحد النماذج الرائعة الأولى التي نقدِّمها للأطفال أيضًا.

من المحبَّذ إجراء مناقشات ثرية مع الأطفال ذوي السنوات الخمس؛ ومن شأن تحدُّث الطفل بجمل عديدة متصلة معًا أن يجعل البالغين يدركون أن تفكير الطفل يتطور سريعًا. فأثناء الحوار تتوالى الفقرات الكاملة، وتبدو الأسئلةُ حول العالم وما به من أشخاص بلا نهاية. يتمتع الأطفال بذاكرة ضخمة تتسع للمعلومات والأحداث؛ بحيث يكون بمقدورهم بالتأكيد تصحيحُ أي أخطاء قد تصدر عن البالغين. فعندما يصيح أحد البالغين مثلًا: «لقد قلت لك أرجوك أن تتوقَّف عن فعل ذلك»، قد يردُّ عليه الطفل قائلًا: «هذا غير صحيح، فإنك لم تقل «أرجوك».»

يصبح التلاعب بالألفاظ جزءًا مُسليًا من تطور حصيلة المفردات لدى الأطفال، وسيَسعد الطفل كثيرًا في هذه المرحلة السِّنية بألعاب «مَن بالباب؟» الفكاهية. فحينما يقول البالغ: «طق طق طق» يرد الطفل: «من بالباب؟» فيقول الشخص البالغ «أنا الموزة» لمرتين متتاليتين بنبرة مترددة، وفي المرة الثالثة التي يتوقع أن يقول فيها البالغ «أنا الموزة»، يكون الرد البديل «ألم أخبرك بأنني العنزة؟» ولا يقتصر الأمر عند استمتاع الأطفال بالألعاب الكلامية، بل يمكنهم أيضًا ابتكارها بقدرٍ من البراعة.

انظر إلى هذا المثال للتلاعب بالكلمات لطفل يبلغ من العمر أربع سنوات. يتوجَّه الطفل برفقة أبيه إلى مبنًى إداري حديث. وعلى طول الطريق، يغني الطفل في سعادة: «أنا في الخارج. أنا في الخارج. أنا أمشي في الخارج مع أبي.» وبمجرد دخولهما إلى المبنى يبدأ الطفل في الغناء: «أنا في الداخل. أنا في الداخل …» إلى أن يلمح الطفل ردهة كبيرة مزدانة بأشجار كثيرة. يتطلع الطفل إلى أبيه ويُطلِق ضحكة خافتة، ويقول: «إن الأشياء التي بالخارج أصبحت بالداخل!» تزخر المكتبات العامة والخاصة بالكتب التي تعزِّز التلاعب بالكلمات. اقرءوا هذه الكتب مع الأطفال لتعزيز تطور المهارة اللغوية.

يتضمَّن ضبطُ النفس لدى الأطفال ببلوغ العام الخامس عادةً القدرةَ على التركيز لمدةٍ من الزمن بحيث إن التحفيز في شكل وسائل إعلامية أو التلاعب اليدوي بشيءٍ ما يسترعي انتباههم. ويعني هذا التركيز أن الطفل يتعلَّم الجلوس ببساطة في هدوء أيضًا، وعلينا ألا نقلل من أهمية هذه القدرة على الانضباط الذاتي في حياة الأطفال؛ فالتدرب على التركيز والسكون يعني أن السنوات الأولى للأطفال في البيئة المدرسية ستمرُّ بسلاسة على الأرجح. وسواء طلب البالغون من الأطفال قراءة كتاب معهم أو الجلوس بهدوء في ظروف أخرى، فإن هذه الممارسة تُعد أداةً جيدة لإعداد الأطفال للتعليم الرسمي فيما بعدُ. كما أن مراقبة مستوى الراحة التي يشعر بها الطفل مع زيادة وقت التركيز سيساعد الطفل الصغير بصورة مذهلة.

غالبًا ما ترتبط «الأنشطة» التي يمارسها الأطفال في الولايات المتحدة بتحقيقهم النجاحَ في المدرسة؛ فالطفل المستعد للتركيز في حال تعرُّضه لمحفِّزات جديدة ومعارف محتملة في البيئة المدرسية تنفتح أمامه العديد من الآفاق الجديدة. وإلى جانب فوائد التطور المعرفي الناجمة عن هذه القدرة على التركيز، فعلى الأرجح يستطيع الطفل الذي يحقِّق نجاحًا مبكرًا في الصف الدراسي من التميز على المستوى الاجتماعي أيضًا، حتى إن الأطفال الصغار يميلون للتفاعل مع غيرهم من الأطفال الصغار الناجحين. وفي هذه السن، يتمثَّل هذا الأمر ببساطة في التصرف بطرق مقبولة اجتماعيًّا في الصف الدراسي؛ فالإصغاء للتعليمات ومحاولة اتباعها والجلوس على مقعد لفترة طويلة؛ تمثِّل كلها نماذج من المهارات التي تثبت مدى استعداد الطفل الصغير للتعلُّم.

(١٢) التكرار وتقليد السلوك

أثناء تطور كل طفل، يضع البالغون نموذجًا للسلوكيات التي سيكرِّرها الطفل. وهذا التكرارُ للسلوكياتِ آليةٌ بارعة للتأقلم. لكنْ هل ثمة شخص بالغ يستطيع القول صراحة إنه ليس قلقًا من تكرار الأطفال لبعض سلوكياته؟ وبقدرِ ما قد يبدو ذلك طريفًا، يجب أن يضع البالغون هذا في اعتبارهم عند القيام بسلوكياتهم اليومية أمام الأطفال الصغار؛ فمهارات الملاحظة لدى الأطفال جيدة للغاية مع بلوغ الطفل عامين أو ثلاثة من العمر؛ فإن رأى الأطفالُ البالغينَ يقرءون ويمارسون التمارين الرياضية ويعملون ويلعبون ويعزِّزون علاقاتٍ قوامُها الرعاية، تصبح هذه الرسائلُ أدواتٍ شديدةَ الفعالية في تطور الأطفال. وعندما يكرِّر الأطفال الصغار نشاطًا حركيًّا لاحَظوا قيام البالغين به، مثل «تقليب الطعام في الإناء» أو القفز فرحًا لإحراز الفريق الرياضي المفضل لهدف على شاشة التلفاز، يعلِّق البالغون على مدى دهشتهم من ذلك السلوك. يبدو الأطفال صغارًا وبارعين للغاية وهم يقلِّدون سلوكيات البالغين! إنهم صغار وقادرون على التكرار على نحوٍ رائع.

يعني هذا التعودُ على التكرار ضرورةَ مراقبةِ البالغين لسلوكياتهم أمام الأطفال الصغار إلى حدٍّ بعيد. وقد كتبتُ آنفًا في هذا الفصل عن مدى أهمية القراءة للأطفال وإتاحة الفرصة للأطفال لملاحظة الآخرين وهم يقرءون. وعلى البالغين الذين يسعون إلى تحفيز التطور المعرفي لدى الأطفال أن يحاولوا الاستمتاع بتطورهم المعرفي هم أيضًا؛ وفي الوقت الحاضر تضع جامعاتٌ عديدةٌ التعلمَ مدى الحياة هدفًا لطلاب كلياتها. ويمكن إدراج المكتبات والمتاحف والمعارض الفنية والموسيقى في جداول الأنشطة الأسبوعية للأُسَر بقدر إدراج التلفاز والأحداث الرياضية. فجميع ما سبق له دوره في تطورنا المعرفي، ولكن تحفيز حواسنا كافة يتطلَّب تنوعًا وبدائل لاستكشاف الجديد. وعندما يجد البالغون متعةً في التعلم والنمو المعرفي لديهم، فإنهم يقدِّمون نموذجًا رائعًا يحتذي به الأطفال.

يتسم التطور المعرفي على مدار السنوات الخمس أو الست الأولى من عمر الأطفال بأنه منهجي ورائع. لقد أوضحتُ أن النمو المعرفي في المنزل يجسِّد المعيار الأول للصحة النفسية الجيدة، ولكنَّ هناك تداخلًا واضحًا بين أنماط النمو المختلفة. إن العلاقات الاجتماعية بين البالغين والأطفال تضع الأطفال على طريق التطور مع الآخرين خارج المنزل. وتعمل الجوانب المعرفية والاجتماعية للتطور في تناغم، حتى إن اكتساب مهارة في أحد الجوانب يعكس بدوره عادةً اكتسابَ مهارة أخرى في الجانب الآخر. وقد ألقينا نظرة على مجموعتين من المهارات تتطلَّب إجادتُهما تنسيقًا بارعًا بين المهارة البدنية والمعرفية والاجتماعية لدى الطفل. وتتجسَّد لَبِنات البناء القوية — التي ستثمر شخصًا يتمتع بصحة نفسية جيدة في السنوات اللاحقة — في طفل يتمتع ببنية جسدية جيدة، ويحظى بمقدِّمي رعاية يتفهمون احتياجاته ويهتمون بتهيئة بيئات خصبة ومحفِّزة لنموه المعرفي. فإذا توافرت المهارات المعرفية والبدنية والاجتماعية السليمة مبكرًا، فسيكون الطفل على استعداد للنمو المعرفي خارج إطار بيئة المنزل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠